النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
فقال: يارسُولَ اللهِ مَا بَيْنَ لاَ بَنَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، قال: فَضَحِكَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ حَتِى بَدَتْ ثَنَايَهُ، قال: فَأَطْعِمِهُ إِيَّهُمْ، وَقال
مُسَدَّدٌ فِى مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْيَبُهُ )).
- الراء أى المكتل والزنبيل (ما بين لا بتيها) تثنية لابة بخفة الموحدة وهى الحرة
والحرة الأرض التى فيها حجارة سود ، ويقال فيها لوبة ونوبة بالنون وهى غير
مهموزة ( أنيابه) جمع ناب وهو الذى يعد الرباعية. قال الخطابي: فى هذا الحديث
من الفقه أن على المجامع متعمداً فى نهار شهر رمضان القضاء والكفارة وهو
قول عامة أهل العلم غير سعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وقتادة فإنهم قالوا عليه
القضاء ولا كفارة ، ويشبه أن يكون حديث أبى هريرة لم يبلغهم والله أعلم .
وفيه أن من قدر على عتق الرقبة لم يجزه الصيام ولا الإطعام ، لأن البيان خرج
فيه مرتباً، فقدم العتق ثم نسق عليه الصيام ثم الإطعام ، كما رتب ذلك فى كفارة
الظهار، وهو قول أكثر العلماء إلا أن مالك بن أنس زعم أنه مخير بين عدق
رقبة وصوم شهرين والإطعام، وحكى عنه أنه قال الإطعام أحب إلىّ من العتق
وفيه دلالة من جهة الظاهر أن الكفارة لإطعام مد واحد لكل مسكين لأن
خمسة عشر صاعاً إذا قسمت بين ستين لم يخص كل واحد منهم أكثر من مد ،
وإلى هذا ذهب مالك والشافعى . وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين
نصف صاع. وفى قوله ((وصم يوماً واستغفر الله)) بيان أن صوم ذلك اليوم
هو القضاء لا يدخل فى صيام شهرين. قال فإن كفر بالعتق أو بالإطعام صام -
= الزهرى ، إلا ماروى عن أبى ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن
الزهرى ، قال : وكان أبو عبد الله أيضاً يستدل على كونها فى تلك الرواية خطأ بأنه
نظر فى كتاب الصوم تصنيف معلى بن منصور بخط مشهور ، فوجد فيه هذا الحديث
دون هذه اللفظة ، وبأن کافة أصحاب سفیان رووه عنه دونها .

- ٢٢ -
٢٣٧٤ - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلَىٌّ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ
عن الزُّهْرِيِّ بَهُذَا الْدِيثِ بِمَعْنَاهُ. زَادَ الزُّهْرِىُّ [زَادَ قَال الزُّهْرِىُّ] وَإِنَّا
كَانَ هُذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً فَعَلَ ذُلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ
مِنَ التَّكْفِيِرِ » .
- يوماً مكانه. وقال أيضاً: وفى أمره الرجل بالمكفارة لما كان منه من الجنابة
دليل على أن المرأة عليها كفارة مثلها ، لأن الشريعة قد سوت بين الناس
فى الأحكام إلا موضع قام عليه دليل التخصيص ، فإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت
بجماع متعمدة كما وجب على الرجل وجهت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل
سواء ، وهذا مذهب أكثر العلماء . وقال الشافعى: يجزئهما كفارة واحدة
وهى على الرجل دونها ، وكذلك قال الأوزاعى إلا أنه قال إن كانت الكفارة
بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين انتهى . قال المنذرى : وأخرجه
البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه بنحوه .
(فلو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير) قال الخطابي : -
= قال الشيخ شمس الدين : وقد روى مالك هذا الحديث فى الموطأ عن الزهرى
عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة: (( أن رجلاً أفطر فى رمضان ،
فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين
أو إطعام ستين مسكيناً)) ثم ذكر الحديث . وحسبك بهذا الإسناد . وفيه أمران :
أحدهما : وجوب الكفارة بأى مفطر كان .
والثانى : أنها على التخيير .
. وهو مذهب مالك فى المسألتين . قال البيهقي ورواية الجماعة عن الزهرى
مقيدة بالوطء ، نافلة للفظ صاحب الشرع ، فهى أولى بالقبول ، لزيادة حفظهم ،.
وأدائهم الحديث على وجهه، واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع ، وأن النبى
صلى الله عليه وسلم أمرة بالكفارة على اللفظ الذى يقتضى الترتيب. وقال أبو الحسن=

- ٢٣ -
قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْتُ بنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِىُّ وَمَنْصُورُ بنُ
اُمْتَِرِ وَعِرَاكٌ بنُ مَالِكٍ، عَلَى مَعْنى ابنٍ عُيَيْنَةَ. زَادَ فِيهِهِ الْأُوْزَاعِئُ:
(((وَاسْتَغْفَرْ اللهَ )).
وهذا من الزهرى دعوى لم يحضر عليها برهاناً ولا ذكر فيها شاهداً . وقال غيره
هذا منسوخ ولم يذكر فى نسخه خبراً يعلم به سمة قوله. فأحسن ما سمعت فيه قول
أبى يعقوب البويطى، وذلك أنه قال هذا الرجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن
عنده ما يشترى رقبة ، فقيل له صم فلم يطق الصوم ، فقيل له إطعام ستين مسكيناً
فلم يجد ما يطعم فأمر له النبى صلى الله عليه وآله وسلم بطعام ليتصدق به فأخبر أنه
ليس بالمدينة أحوج منه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم (( خير الصدقة
= الدار قطنى : الذين رووا الكفارة فى جماع رمضان على التخيير: مالك فى الموطأ
ويحي بن سعيد الأنصارى وابن جريج وعبد الله بن أبى بكرة وأبو أويس وفليح بن
سليمان وعمر بن عثمان الخزومى ونذير بن عياض وشبل بن عباد والليث بن سعد من
رواية أشهب بن عبد العزيز عنه وعبيد الله بن أبى زياد ، إلا أنه أرسل عن الزهرى .
كل هؤلاء رووه عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة، (( أن رجلا
أفطر فى رمضان))، وجعلوا كفارته على التخيير. قال : وخالفهم أكثر عدداً منهم،
فرووه عن الزهرى بهذا الإسناد ، أن إفطار الرجل كان لجماع ، وأن النبى صلى الله
عليه وسلم أمره أن يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع
فإطعام ستين مسكيناً ، منهم عراكبن مالك وعبد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية ومحمد
بن أبى عتيق وموسى بن عقبة ومعمر ويونس وعقيل وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر
والأوزاعى وسعيد بن أبى حمزة ومنصور بن المعتمر وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن
سعد والليث بن سعد ، وعبد الله بن عيسى ومحمد بن إسحاق والنعمان بن راشد
وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبى الأخضر ومحمد بن أبى حفصة وعبد الجبار بن عمر
وإسحاق بن يحيى العوصى وعمار بن عقيل وثابت بن ثوبان ومرة بن عبد الرحمن =

- ٢٤ -
٢٣٧٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكِ عنْ ابن شِهَابٍ عن
مُحَيْدٍ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ((أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِى رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ
رَسُولُ اللهِصلى اللهُ عليه وسلم أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةٌ أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتُنَا بِعَيْنِ
أُوْ يَطْعِمَ سِتِيْنَ مِسْكِينَاَ. قالَ لاَ أَجِدُ. فقال لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
اجْلِسْ، فَأُنِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ" [بِعَرَقِ نَمر ]
فقال خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فقال يَا رَسُولَ اللهِ مَا أُحَدٌ أُخْوَجُ مِنِّى - فَضَحِكَ
رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلمٍ حَتِى بَدَتْ أَنْهَبُهُ، وَقَالَ لَهُ كُلْهُ)).
- ما كان عن ظهرغنى» فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه وعياله فلما
نقص من ذلك بقدر ماأطعم أهله لقوت يومهم صارطعاماً لا يكفى ستين مسكيناً
فسقطت عنه الكفارة فى ذلك الوقت وكانت فى ذمته إلا أن يجدها ، وصار -
= وزمعة بن صالح وبحر بن كنيز أبو الوليد السقاء والوليد بن محمد وشعيب بن خالد
ونوح بن أبى مريم وغيرهم . آخر كلامه .
ولا ريب أن الزهرى حدث به هكذا وهكذا على الوجهين ، وكلاهما محفوظ
عنه بلا ريب ، وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ
بها لوجوه :
أحدها : أن رواتها أكثر، وإذا قدر التعارض رجحنا برواية الأكثر اتفاقاً،
وفى الشهادة بخلاف معروف .
الثانى: أن رواتها حكوا القصة، وساقوا ذكر المفطر وأنه الجماع، وحكوا
لفظ النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر ؟
ولا حكوا أن ذلك لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا من لفظ صاحب
القصة ، ولا حكوه أيضاً لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم فى الكفارة ، فكيف تقدم
روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى الترتيب=

- ٢٥ -
قال أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِىٌّ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ: ((أَنَّ
رَجُلاً أَفْظَرَ، وَقالَ فِيهِ: أوْ تَعْثِقُ رَقَبَةٌ، أوْ تَصُومَ شَهَرَيْنِ أَوْ تُطْعِمَ
سِيِّنَ مِسْكِينَاً »
- كالمفلس يمهل ويؤجل وليس فى الحديث أنه قال لا كفارة عليك. وقد ذهب
بعضهم إلى أن الكفارة لا تلزم الفقير واحتج بظاهر هذا الحديث انتهى .
(رواه ابن جريج) والحاصل أن سفيان بن عيينة والليث بن سعد والأوزاعى
ومنصور وحراك كلهم قالوا عن الزهرى بلفظ ((أهلكت ووقعت على امرأتى))
وبلفظ ((فأطعمه إياهم)) وزاد الأوزاعى ((واستغفر الله)) وأما مالك بن أنس
وابن جريج فقالا عن الزهرى بلفظ ((أن رجلا أفطر فى رمضان)) والله أعلم .-
= ولفظ الراوى فى خبره عن نفسه، بقوله: ((وقعت على أهلى فى رمضان))؟!
الثالث: أن هذا صريح، وقوله ((أفطر)) مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد
فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماعٍ ، فتعين الأخذ به .
الرابع: أن حرف ((أو)) وإن كان ظاهراً فى التخيير ، فليس بنص فيه ، وقوله
هل تستطيع كذا ؟ هل تستطيع كذا؟ )) صريح فى الترتيب، فإنه لم يجوز له الانتقال
إلى الثانى إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله ، مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع .
وقوله: (( فأمره أن يعتق رقبة، أو يصوم)) لم يحك فيه لفظه .
الخامس : ان الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر، لأنه يفسره
ويبين المراد منه ، والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب ، ولا ريب
أن العمل بالنصين أولى
٠
السادس: أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة. سواء على
الترتيب ، وهى كفارة الظهار ، وحكم النظير حكم نظيره. ولا ريب أن إلحاق كفارة
الجماع فى رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل ، أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة
اليمين .

- ٢٦ -
٢٣٧٦ - حدثنا جَعْفَرُ بنُ مُسافِرِ أخبرنا ابنُ أَبِى فُدَيْكٍ أخبر ناهِشَامُ
ابنُ سَعْدٍ عن ابن شِهَبٍ عِنْ أَبِى سَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّْنِ مِن أَبِ هُرِّيْرَةَ
قالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَفْطَرَ فى رَمَضَانَ بِهِذَا الْحَدِيثِ
قالَ فَأُنِيَ بِعَرَفٍ فِهِ تَمْرٌ قَدْرَ خْسَةَ عَشَرَ صَمَاً وَقَالَ فِهِ: كُلْهُ أَنْتَ
وَأَهْلُ بَيْنِكَ وَسُمْ يَوْمَاً وَاسْتَغْفِرِ اللهَ» .
- وحديث معصر ومالك وهشام بن سعد كلهم من الزهرى سكت عنه المنذرى
رحمه الله .
= قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
هذه الزيادة ، وهى الأمر بالصوم ، قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ ، قال
عبد الحق: وطريق حديث مسلم أصح وأشهر، وليس فيها ((صم يوماً)) ولا تكميله
التمر ، ولا الاستغفار، وإنما يصح حديث القضاء مرسلا، وكذلك ذكره مالك فى
الموطأ، وهو من مراسيل سعيد بن المسيب ، رواه مالك عن عطاء بن عبد الله
الخراسانى عن سعيد بالقصة، وقال: ((كله، وصم يوماً مكان ما أصبت )) . والذى
أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة فى حديث الزهرى ، فإن أصحابه الأثبات الثقات ،
كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد ،
لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، وإنما ذكرها الضعفاء عنه، كهشام بن سعد وصالح
ابن أبى الأخضر وأضرابهما . وقال الدار قطنى: رواتها ثقات ، رواه ابن أبى أويس
عن الزهرى ، وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه ، وتابعه أيضاً هشام بن سعد عنه ،
قال : وكلهم ثقات . وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإن هؤلاء إنما هم أربعة، وقد
خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عدداً، وهم أربعون نفساً ، لم يذكر أحد منهم
هذه اللفظة، ولاريب أن التعليل بدون هذا مؤثر فى صحتها ، ولو انفرد بهذه اللفظة
من هو أحفظ منهم وأوثق ، وخالفهم هذا العدد الكثير ، لوجب التوقف فيها ،
وثقة الراوى شرط فى صحة الحديث لا موجبة ، بل لابد من انتفاء العلة والشذوذ ،
وهما غير منتفيين فى هذه اللفظة .

- ٢٧ -
٢٣٧٧ - حدثنا سليمانُ بنُ دَاوُدَ المَهْزِئُّ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى
◌َمْرُوُ بنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بِنَ الْقَاسِ حَدَّتَهُ أَنَّ ◌ُمَّدَ بنَ جَعَفَرِ بنِ
الزُّ بَيْرِ حَدَّتَهُ أنَّ عَبَدَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ حَدَّتْهُ أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم تَقُولُ ((أَنَى رَجُلٌ النَّيِّ صلى الله عليه وسلم فى المَسْجِدِ فى
رَمَضَانَ فَقَالَ يَارَسُولَ اللهِ احْتَرَقْتُ فَسَأَلَهُ القَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم مَاشَأْتُهُ
فَقَالَ أَصَبْتُ أَهْلِى؟ قال: تَصَدَّقْ قَال ◌َاللهِ مَلِ شَىْءٍ وَلاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ ، قال:
اجْلِسْ فَجَلَسَ ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقَبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حَاراً عَلَيْهِ طَعَمٌ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: أَيْنَ المُخْتَرِقُ آنِفً؟ فقامَ الرَّجُلُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: تَصَدَّقْ بِهِذَا، فقال يا رَسُولَ اللهِ أَعَلَى
غَيْرِنَا؟ فَوَاللهِ إِنَّ ◌َجِيَعٌ ماَنَا شَىْءٍ؟ قال: كُلُوهُ)) .
٢٣٧٨ - حدثنا محمّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا سَعِدُ بنُ أَبِى مَرْيَ حدثنا
ابنُ أَبِى الزِّغَادِ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن الحارِثِ عن مُمَّدٍ بن جَفَرٍ بن الزُّبَيْرِ
عن عَبَّادِ بن عَبْدِ اللهِ عن عائِشَةَ بِهِذِهِ الْقِصَّةِ قال: ((فَأْتِىَ بِعَرَقٍ فِيهِ
عِشْرُونَ ضَاعَاً ».
- ( احترقت) وهو المحترق بالجناية دون غيره وهذا تأويل قوله هلكت
فى حديث أبى هريرة ( لجياع) جمع جائع. قال المنذرى: وأخرجه البخارى
ومسلم والنسائى بنحوه وليس فيه قدر الصاع .
= وقد اختلف الفقهاء فى وجوب القضاء عليه: فمذهب مالك وأحمد وأبى حنيفة
والشافعى فى أظهر أقواله، يجب عليه القضاء ، والشافعى قول آخر : أنه لا يجب
عليه القضاء إذا كفر ، وله قول ثالث: أنه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه ، وإن كفر
بالعتق أو بالإطعام قضى ، وهذا قول الأوزاعى .

- ٢٨ -
٣٧ - باب التغليظ فيمن أفطر عمداً
٢٣٧٩ ٠ حدثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ قال أخبرنا شُعْبَةُ ح وَحدثنا مُمَّدُ
ابنُ كَثِرِ أنبأنا شُعْبَةُ عن حَبِيبٍ بنِ أَبى ثابتٍ عنْ عُمارَةَ بنِ عُمَيْرٍ عن
ابن مُطَوِّسٍ عنْ أَبِيهِ. قالَ ابنُ كَثِيرِ عنْ أَبِى المطَوَّسِ عن أُبِيهِ عن
أَبِى هُرَيْرَةَ قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ أَفْطَرَ يَومَاً مِنْ
رَمَضَانَ فِى غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَها اللهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَمُ الدَّهْرِ)).
(باب التغليظ فيمن أفطر عمداً )
( حدثنا سليمان بن حرب ) هذا الإسناد هكذا فى النسخ الصحيحة ، وكذا
فى تحفة الأشراف ، وفى بعض نسخ الكتاب تحريف واختلاف وهو غلط قطعاً .
قال المزى : المطوس ويقال أبو المطوس واسم أبى المطوس يزيد بن المطوس
انتهى. كذا فى الغاية (فى غير رخصة) كسفر ومرض مبيح للافطار (لم يقض
عنه) أى عن ثواب ذلك اليوم (صيام الدهر) أى صومه فيه ، فالإضافة بمعنى
فى نحو مكر الليل. قال الطيبى: أى لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النفل
وإن سقط قضاؤه بصوم يوم واحد ، وهذا على طريق المبالغة والتشديد .
وقال بعض العلماء : الظاهر أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقال الدار قطنى: ليس فى رواته مجروح، وهذه العبارة لا تنفى أن يكون فيهم
مجهول ، لا يعرف بجرح ولا عدالة .
ويقال فى هذا ثلاثة أقوال : أبو المطوس ، وابن المطوس ، والمطوس تفرد بهذا
الحديث قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الروايات .

- ٢٩ -
٢٣٨٠ - حدثنا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ حدَّثْنى يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ سُفْيَانَ
- رمضان لا يجزئه، قال به على وابن مسعود والذى عليه أكثر السلف أنه يجزئه
يوم بدل يوم وإن كان ما أفطره فى غاية الطول والحر وما صامه بدله فى غاية
القصر والبرد ، ولا يكره قضاء رمضان فى زمن ، وشذ من كرهه فى شهر
ذى الحجة . ومن أفطر لغير عذر يلزمه القضاء فوراً عقب يوم عيد الفطر ولعذر
يسن له ذلك ولا يجب انتهى كلام ذلك البعض بتلخيص .
قال القارى : والظاهر أن الصلاة فى معنى الصوم فإنه لا فرق بينهما بل هى
أفضل منه عند جمهور العلماء والله أعلم .
قال المنذرى : وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه وذكره البخارى
تعليقاً، قال: ويذكر عن أبى هريرة رفعه ((من أفطر يوماً من رمضان من غير
علة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه)) وقال الترمذى : لا نعرفه إلا
من هذا الوجه . وسمعت محمداً يعنى البخارى يقول : أبو المطوس اسمه يزيد
ابن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث . وقال البخارى أيضاً: تفرد
أبو المطوس بهذا الحديث ولا نعرف له غيره ولا أدرى سمع أبوه من أبى هريرة
أم لا. وقال أبو الحسن على بن خلف فهو حديث ضعيف لا يحتج بمثله. وقد
سحت الكفارة بأسانيد سماح ولا يعارض بمثل هذا الحديث . وقال الإمام
الشافعى : قال ربيعه: من أفطر من رمضان يوماً قضى اثنى عشر يوماً لأن الله
جل ذكره اختاره شهراً من اثنى عشر شهراً فعليه أن يقضى بدلا من كل يوم
اثنى عشر يوماً . قال الشافعى: يلزمه من يترك الصلاة ليلة القدر فعليه أن يقضى
تلك الصلاة ألف شهر لأن الله عز وجل يقول ( ليلة القدر خير من ألف شهر)
هذا آخر كلامه. وروى هذا الحديث عن أبى هريرة يقال فيه أبو المطوس -

- ٣٠ -
حدَّثَنِى حَبِيبٌ عن ◌ُمَرَةَ عن ابنِ المُطَوَّسِ قَالَ فَلَقِيتُ ابنَ المُطَوَّسِ فَحَدَّتنى
عن أَبِيهِ عن أَبِى هُرَيْرَّةَ قالَ قالَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم مِثْلَ حَدِيثِ ابنِ
كَثِيرٍ وَسُلَمانَ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : اخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ وَشُغْبَةَ عَنْهُاَ ابنُ أُطَوْسٍ
وَأَبُواْمُطَوِّسٍ .
٣٨ - باب من أكل ناسيا
٢٣٨١ - حدثنا مُوسَىَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أُخبرنا حَادٌ عن أَثُّوبَ وَحَبِيبٌ
وَهِشَامٌ عن مُمَّدٍ بن سِيرِينَ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى
- والمطوس وابن المطوس. وقال أبو حاتم بن حبّان: لا يجوز الاحتجاج بما فى
الفرد من الروايات .
( قال فلقيت ابن المطوس) أى قال حبيب بن أبى ثابت فلقيت ابن المطوس
قاله المزى . ولفظ الترمذى عن حبيب بن أبى ثابت قال حدثنى أبو المطوس
عن أبيه .
( باب من أكل ناسياً )
(أخبرنا حماد) هو ابن سلمة (عن أيوب) السختيانى (وحبيب) ابن الشهيد
(وهشام) ابن حسان ثلاثتهم عن محمد بن سيرين . قاله المزى . وقوله حبيب -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
فى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من
نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) وعند البخارى
((فأكل وشرب)). وروى الدار قطنى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم:
(( إذا أكل الصائم ناسياً ، أو شرب ناسياً ، فإنما هو رزق الله ساقه الله إليه، =

- ٣١ -
اللهُ عليهِ وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّى أُ كَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيَا وَأَنَ صَائِمٌ ،
فقال أَطْعَمَكَ اللهُ وَسَقَكَ [اللهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَكَ])).
- معطوف على قوله أيوب (إنى أكلت وشربت ناسهاً وأنا صائم) وقد روى
عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن إنساناً جاء إلى أبى هريرة رضى الله عنه فقال:
أصبحت صائماً فنسيت فطعمت ، فقال لا بأس . قال ثم دخلت إلى إنسان
فنسيت فطعمت وشربت ، قال لا بأس . الله أطعمك وسقاك. قال ثم دخلت على
آخر فنسيت فطعمت ، فقال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعوّد الصيام. ويروى
أو شرب واقتصر عليهما دون باقى المفطرات لأنهما الغالب . وقد أخرج ابنا
خزيمة وحبان والحاكم والدارقطنى من طريق محمد بن عبد الله الأنصارى عن محمد
ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة: من أفطر فى شهر رمضان ناسياً فلا قضاء
عليه ولا كفارة، فصرح بإسقاط القضاء والكفارة . قال الدارقطنى: تفرد به
محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصارى . وأجيب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضاً
عن إبراهيم بن محمد الباهلى، وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبى حاتم الرازى ،
كلاهما عن الأنصارى، فهو المنفرد به كما قال البيهقى وهو ثقة ، ثم علل كون
الناسى لا يفطر بقوله ( فقال أطعمك الله وسقاك) وفى رواية البخارى: إذا
نسى فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاء. وقال الطيبي: إنما
الحصر ، أى ما أطعمه أحد ولا سقاه إلا الله . فدل على أن هذا النسيان من
الله تعالى ومن لطفه فى حق عباده تيسيراً عليهم ودفعاً للحرج . وقال الخطابى :
النسيان ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة فى الحكم إلى فاعلها ولا يؤاخذ
بها وهذا الحديث دليل على الإمام مالك حيث قال: إن الصوم يبطل بالنسيان-
= ولاقضاء عليه))، وقال: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات. وفى طريق أخرى:
(( لا قضاء عليه ولا كفارة)) قال: وهذا صحيح أيضاً .

- ٣٢ -
٣٩ - باب تأخير قضاء رمضان
٢٣٨٢ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ الْقُعنَىُّ عن مالِكٍ عن تَحْيَى
ابنِ سَعِيدٍ عنْ أَبِ سَلَّمَةَ بنِ عَبْدِ الْنِ أَنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: ((إِنْ
كَنَ لَيَكونُ عَلَىِّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَ أَسْتَطِعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَقّ
يَأْتِىَ شَعْبَانُ » .
- ويجب القضاء. واله القسطلانى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
والترمذى والنسائى وابن ماجه.
( باب تأخير قضاء رمضان )
( إن كان) هى مخففة من المثقلة أى أن الشأن واحداً لكونين زائد، قاله
السندی ( فا أستطيع أن أقضیه حتى يأتى شعبان )لشغل من رسول الله صلى الله
عليه وسلم كما جاء فى رواية للبخارى .
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
قال المنذرى : واختلف فيما لو أخره عن رمضان آخر : فقال جماعة من الصحابة
والتابعين : يقضى ويطعم كل يوم مسكيناً .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير والثورى
والأوزاعى والإمام أحمد والشافعى ومالك وإسحاق . وقال جماعة : يقضى ولا فدية
عليه ، وهذا يروى عن الحسن وابراهيم والنخعى، وهو مذهب أبى حنيفة. وقالت
طائفة ، منهم قتادة : يطعم ولا يقضى .
ووقع فى الصحيحين فى هذا الحديث: (( الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم
أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم )»، ولكن هذه اللفظة مدرجة فى الحديث
من كلام يحي بن سعيد، قد بين ذلك البخارى فى صحيحه، قال : وقال يحي =

- ٣٣ -
- قال النووى: وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع
وزوجها حاضر إلا بإذنه بحديث أبى هريرة المروى فى صحيح مسلم، وإنما كانت
تصومه فى شعبان لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة
له فيه حينئذ فى النهار، ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان، فإنه
لا يجوز تأخيره عنه. ومذهب مالك وأبى حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير
السلف والخلف أن قضاء رمضان فى حق من أفطر بعذركيض وسفر يجب
على التراخى ولا يشترط المبادرة به فى أول الإمكان ، لكن قالوا : لا يجوز
تأخيره عن شعبان الآتى لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا يقبله وهو رمضان الآتى
فصار كمن أخره إلى الموت .
وقال داود: تجب المبادرة فى أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث
عائشة هذا يرد عليه . قال الجمهور: ويستحب المبادرة به للاحتياط فيه، فإن
أخره فالصحيح عند المحققين أنه يجب العزم على فعله، وكذلك القول فى جميع
الواجب الموسع، إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله، حتى لو أخره بلا عزم
عصى . وقيل لا يشترط العزم . وأجمعوا على أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه
الفدية فى تركته عن كل يوم مد من طعام ، هذا إذا كان يمكن القضاء فلم
يقض. فأما من أفطر فى رمضان بعذر ثم اتصل معجزه فلم يتمكن من الصوم حتى
مات فلا صوم عليه ولا يطعم عنه ولا يصام عنه.
= (( الشغل من النبى أو بالنبى صلى الله عليه وسلم)) وفى لفظ: ((قال يحمي: فظنت
أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . وفى الصحيحين عن عائشة
أيضاً قالت: ((إن كانت إحدانا لتفطر فى رمضان فى زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتى
شعبان )) .
(٣- عون المعبود ٧)

- ٣٤ -
٤٠ - باب فيمن مات وعليه صيام
٢٣٨٣ - حدثنا أَحَدُ بنُ صَالِحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى عَمْرُوُ بنُ
الْحَارِثِ مِن عُبِيْدِ اللهِ بنِ أَبِى جَعْفَرٍ عن مُمَّدٍ بن جَعْفَرِ بنِ الأُبَيْرِ عن عُرْوَةً
عن عَائِشَةَ أَنَّ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صامَ
عَنْهُ وَلِيُهُ)).
- ومن أراد قضاء صوم رمضان ندب مرتباً متوالياً ، فلو قضاه غير مرتب أو
مفرفاجاز عندنا وعند الجمهور، لأن اسم الصوم يقع على الجمع . وقال جماعة من
الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب تتابعه كما يجب الأداء. انتهى . قال
المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه. وفيه حجة أن قضاء
رمضان ليس واجباً على الفور خلافا لداود فى إيجابه ثانى شوال، وأنه آثم متى
لم يقضه. وقال بعضهم: فيه دليل على أن من أخر القضاء إلى أن يدخل رمضان
من قابل وهو مستطيع له فإن عليه الكفارة ، قال : ولولا ذلك لم يكن فى
ذكرها شعبان وحصرها موضع القضاء فيه فائدة من بين سائر الشهور. وذهب
إلى إيجاب ذلك جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء . وقال الحسن البصرى
وإبراهيم النخعى: يقضى وليس عليه فدية، وإليه ذهب أصحاب الرأى . وقال
سعيد بن جبير وقتادة: يطعم ولا يقضى . وأخرجه الترمذى من حديث عبد الله
البهى عن عائشة وقال حسن صحيح .
( باب فيمن مات وعليه صيام )
(من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) قال الخطابي : هذا فيمن لزمه -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وعن ابن عباس قال: ((إذا مرض الرجل فى رمضان ثم مات ولم يصح أطعم =

- ٣٥ -
قال أَبُو دَاوُدَ: هَذَا فِى الَّذْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَحَدَ بنِ حَقْبَلٍ.
- فرض الصوم، إما نذراً وإما قضاء عن فائت مثل أن يكون مسافراً ويقدم
وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات، أو يكون مريضًا فيبرأ ولا يقضى. وإلى
ظاهر هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق وقالا يصوم عنه وليه ، وهو قول أهل
الظاهر ، وتأوله بعض أهل العلم فقال معناه أن يطعم عنه وليه ، فإذا فعل عنه فقد
صام عنه ، وسمى الإطعام صياماً على سبيل المجاز والاتساع إذا كان الطعام قد
ينوب عنه ومنه قول الله سبحانه (أو عدل ذلك صياماً) فدل على أنهما يتناوبان -
= عنه، ولم يكن عليه قضاء. وإن نذرقضى عنه وليه)) وفى الصحيحين عن ابن عباس
قال (( جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن
أمى ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال : أرأيت لو كان على أمك دين
فقضيته ، أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومى عن أمك)) هذا لفظ
مسلم. ولفظ البخارى نحوه وفى الصحيحين عنه أيضاً ((أن امرأة جاءت فقالت:
يا رسول الله، إن أختى ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين)» وذكر الحديث بنحوه
وفى صحيح مسلم عن بريدة قال ((كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتته
امرأة ، فقالت: إنى تصدقت على أمى بجارية ، وإنها ماتت قال : وجب أجرك ،
وردها عليك الميراث. قالت : يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر . أفأصوم
عنها؟ قال: صومى عنها . قالت : يا رسول الله، إنها لم تحج، أفأحج عنها؟ قال :
حجى عنها)) وقال البيهقى: فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت. وقال
الشافعى فى القديم : قد ورد فى الصوم عن الميت شىء، فإن كان ثابتا صيم عنه ،
کایحج عنه . وقال فى الجديد : فإن قيل : فهل روی أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمر أحداً أن يصوم عن أحد؟ قيل : نعم ، روى عن ابن عباس .
فإن قيل : لم لا تأخذ به؟ قيل : حديث الزهرى عن عبيد الله عن ابن عباس عن
النبى صلى الله عليه وسلم ((نذر نذراً) ولم يسمه، مع حفظ الزهرى، وطول مجالسة
عبيد الله لابن عباس ، فلما جاء غيره : عن رجل عن ابن عباس بغير ما فى حديث
عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظاً .

- ٣٦ -
٢٣٨٤ - حدثنا مُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أخبرنا سُفْيَانُ من أبى حَصِينٍ من
سَعِيدٍ بن جُبَيْرِ عن ابنِ عَبَأْسٍ قال: ((إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فى رَمَضَانَ ثُمَّ
مَكَتَ وَلَمْ يَصِحّ [ وَلَمْ يَعُمْ ] أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاء، وَإِنْ نَذَّرَ
[وَإِنْ نَذَرَ نَذْراً] [ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ] قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ)).
- فى الحكم. وذهب مالك والشافعى إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد وهو
قول أبى حنيفة وأصحابه، وقاسوه على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التى
لا مدخل للمال فيها. واتفق أهل العلم على أنه إذا أفطر فى المرض والسفر ثم لم
يفرط فى القضاء حتى مات فإنه لا شىء عليه ولا يجب الإطعام عنه ، غير قتادة
فإنه قال يطعم عنه ، وحكى ذلك أيضاً عن طاؤس . انتهى . قال المنذرى:
وأخرجه البخارى ومسلم .
(وإن نذر قضى عنه وليه) فى النيل: وتمسك القائلون بأنه يجوز فى النذر -
= وأراد الشافعى ماروى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله ((أن سعد
ابن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمى ماتت وعليها نذر فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: اقضه عنها)) وهذا حديث متفق عليه من حديث مالك
وغيره عن الزهرى إلا أن فى رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ((أن امرأة سألت)
وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عباس وفى رواية عن
مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس (( أن امرأة سألت)) ورواه عكرمة
عن ابن عباس . ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبى صلى الله علية وسلم. فالأشبه
أن تكون هذه القصة التى وقع فيها السؤال نصاً غير قصة سعد بن عبادة التى وقع
السؤال فيها عن النذر مطلقاً ، كيف ؟ وقد روى عن عائشة عن النبى صلى الله عليه
وسلم بإسناد صحيح: النص على جواز الصوم عن الميت ، قال : وقد رأيت بعض أصحابنا
يضعف حديث ابن عباس ، لما روى عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب
ابن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال ((لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه)) =

- ٣٧ -
- دون غيره بأن حديث عائشة مطلق ، وحديث ابن عباس مرفوعاً الذى عند
الشيخين كما سهجىء مقيد فهحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر .
قال فى الفتح: وليس بينهما تعارض حتى يجمع، حديث ابن عباس صورة مستقلة
يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة ، وقد وقعت
الإشارة فى حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال فى آخره ((فدين الله -
= وما روى عنه فى الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر.
وضعف حديث عائشة بما روى عنها فى امرأة مانت وعليها الصوم. قالت ((يطعم عنها))
وفى رواية عنها (( لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم)) قال: وليس فيما ذكروا
ما يوجد للحديث ضعفاً ، فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه.
وفيما روى عنها فى النهى عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح
إسناداً ، وأشهر رجالا ، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعى
على جميع طرقها وتظاهرها ، لم يخالفها إن شاء الله .
وممن رأى جواز الصيام عن الميت: طاوس والحسن البصرى والزهرى وقتادة.
آخر كلام البيهقى .
وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه ؟ على ثلاثة أقوال :
أحدها : لا يقضى عنه بحال ، لا فى النذر ولا فى الواجب الأصلى . وهذا ظاهر
مذهب الشافعى ، ومذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابه .
الثانى : انه يصام عنه فيهما وهذا قول أبى ثور وأحد قولى الشافعى .
الثالث: أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلى . وهذا مذهب أحمد المنصوص
عنه وقول أبى عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس. روى الأثرم
عنه أنه (( سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر ، وعليه صوم رمضان ؟ قال :
أما رمضان فليطعم عنه، وأما النذر فيصام )) وهذا أعدل الأقوال . وعليه يدل كلام
الصحابة ، وبهذا يزول الإشكال .
وتعليل حديث ابن عباس أنه قال: (( لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه)).
فإن هذا إنما هو فى الفرض الأصلى ، وأما النذر فيصام عنه، كما صرح به ابن عباس،
ولا معارضة بين فتواه وروايته. وهذا هو المروى عنه فى قصة من مات وعليه صوم ==
:

- ٣٨ -
- أحق أن يقضى)) انتهى. وإنما قال إن حديث ابن عباس صورة مستقلة يعنى
أنه من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقيهده انتهى .-
== رمضان وصوم النذر، فرق بينهما ، فأفتى بالإطعام فى رمضان ، وبالصوم عنه فى
النذر ، فأى شىء فى هذا مما يوجب تعليل حديثه؟ وما روى عن عائشة من إفتائها
فى التى ماتت وعليها الصوم : أنه يطعم عنها ، إنما هو فى الفرض لا فى النذر ، لأن
الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان (( أنه يطعم عنه فى قضاء رمضان ،
ولا يصام))، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء ، فلا تعارض بين رأيها
وروايتها . وبهذا يظهر اتفاق الروايات فى هذا الباب ، وموافقة فتاوى الصحابة لها ،
وهو مقتضى الدليل والقياس ، لأن النذر ليس واجباً بأصل الشرع، وإنما أوجبه
العبد على نفسه ، فصار بمنزلة الدين الذى استدانه، ولهذا شبهه النبى صلى الله عليه وسلم
بالدين فى حديث ابن عباس . والمسئول عنه فيه : أنه كان صوم نذر ، والدين تدخله
النيابة . وأما الصوم الذى فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام . فلا يدخله
النيابة بحال ، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين . فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه ،
وقيامه بحق العبودية التى خلق لها وأمر بها . وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره ، كما
لا يسلم عنه غيره ، ولا يصلى عنه غيره. وهكذا من ترك الحج عمداً مع القدرة عليه
حتى مات ، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات. فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع:
أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرىء ذمته. ولا يقبل منه. والحق أحق أن يتبع .
وسر الفرق : أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته ، لا أن الشارع ألزمه
به ابتداء ، فهو أخف حكما مما جعله الشارع حقاً له عليه، شاء أم أبى ، والذمة تسع
المقدور عليه والعجوز عنه ، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه ،
بخلاف واجبات الشرع . فإنها على قدر طاقة البدن ، لا تجب على عاجز. فواجب
الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلى ، لأن المكلف متمكن من إيجاب واجبات
كثيرة على نفسه لم يوجبها عليه الشارع ، والذمة واسعة ، وطريق أداء واجبها أوسع
من طريق أداء واجب الشرع . فلا يلزم من دخول النيابة فى واجبها بعد الموت دخولها
فى واجب الشرع . وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق، وأعمقهم علماً، وأعرفهم
بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه . وبالله التوفيق .

-٣٩ -
٤١ - باب الصوم فى السفر
٢٣٨٥ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَرْبٍ وَمُعَدّدٌ قَالاَ أخبرنا حَمَّادٌ عِنْ
هِشَمٍ بن عُرْوَةَ عن أَبهِ عن عَائِشَةَ ((أنَّ حْزَةَ الْأُسْلَمِيِّ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى
اللهُ عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِى رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِى السَّفَرِ؟
قال عُمْ إِنْ شِئْتَ وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ ».
- قال المنذرى: وقد أخرج البخارى ومسلم من حديث عبد الله بن عباس قال
((جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمى
ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها ؟ فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته
كان يؤدى ذلك عنها ؟ قالت نعم ، قال فصومى عن أمك)» هذا لفظ مسلم ،
ولفظ البخارى بنحوه .
( باب الصوم فى السفر )
(إنى رجل أسرد الصوم ) قال فى الفتح : أى أتابعه . واستدل به على أن
لا كراهية فى صيام الدهر ولا دلالة فيه، لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر
فإن ثبت النهى عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما
واضح ( أفأصوم فى السفر ) قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم
رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان فى السفر. قال الحافظ :
هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب ، لكن فى رواية أبى مراوح التى
عند مسلم أنه قال (( يا رسول الله أجد بى قوة على الصيام فى السفر فهل علىّ
جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هى رخصة من الله فمن أخذ بها حسن
ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)) وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة
وذلك أن الرخصة إنما تطلق فى مقابلة ماهو واجب. وأصرح من ذلك ما أخرجه -

- ٤٠ -
٢٣٨٦ - حدثنا عبْدُ اللهِ بنُمُمَّدٍ النُّفَعِلِىُّ أخبرنا محمّدُ بنُ عَبْدِ المَجِدِ
المَدَنِىُّ عَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بنَ مُمَّدٍ بنٍ ◌َمْزَةَ الْأَسْلَمِّ ◌َذْ كُرُ أنَّ أَبَهُ أَخْرَهُ
عِنْ جَدِّهِ قال ((قُلْتُ يَا رَسُولُ الله إِنِّى صاحِبُ ظَهْرٍ أُصَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ
وَأُكْرِ بِهِ، وَإِنَّهُ رُبََّا صَدَفَهِى هُذَا الشَّهْرُ يَعْفى رَمَضَانَ، وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ،
- أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة ابن عمرو عن أبيه أنه قال ((يا رسول الله
إنى صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفى هذا الشهر يعنى
رمضان وأنا أجد القوة وأجدنى أن أصوم أهون علىّ من أن أؤخره فيكون
ديداً علىّ. فقال أى ذلك شئت با حمزة)) انتهى ( قال صم إن شئت وأفطر
إن شئت) قال الخطابي: هذا نص فى إثبات الخيار المسافر بين الصوم والإفطار
وفيه بيان جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه، وهو قول عامة أهل العلم إلا
ما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: إن صام فى السفر قضى فى الحضر .
وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لا يجزئه . وذهب إلى هذا من
المتأخرين داود بن على ثم اختلف أهل العلم بعد هذا فى أفضل الأمرين منهما ،
فقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبى
والأوزاعى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه . وقال أنس بن مالك وعثمان
ابن أبى العاص: أفضل الأمرين الصوم فى السفر ، وبه قال النخعى وسعيد بن
جبير، وهو قول مالك والثورى والشافعى وأبى حنيفة وأصحابه. وقالت فرقة
ثالثة: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء لقوله سبحانه (يريد الله بكم اليسرولا يريد
بكم العنبر﴾ فإن كان الصيام أيسر عليه صام وإن كان الفطر أيسر فليفطر .
وإليه ذهب مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة . قال المنذرى: وأخرجه البخارى
ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه.
(إنى صاحب ظهر) أى مركب (أعالجه) أى أستعمله (ربما صادفنى) -