النص المفهرس
صفحات 441-460
-٤٤١ - ٥ - باب إذا أخطأ القوم الهلال ٢٣٠٧ - حدثنا محمّدُ بنُ مُبَيْدٍ أخبرنا حمادٌ فى حديثٍ أَيُّوبَ عن محمَّدٍ ( باب إذا أخطأ القوم الهلال) أى هذا باب فى بيان أن قوماً اجتهدوا فى رؤية الهلال فأخطأوا وذلك مثلا = والثانى أن هذا خرج على الغالب، والغالب أنهما لا يجتمعان فى النقص، وإن وقع نادراً . والثالث : أن المراد بهذا تلك السنة وحدها ، ذكره جماعة . الرابع : أنهما لا ينقصان فى الأجر والثواب ، وإن كان رمضان تسعاً وعشرين فهو كامل فى الأجر . الخامس : أن المراد بهذا تفضيل العمل فى عشر ذي الحجة ، وأنه لا ينقص أجره وثوابه عن ثواب شهر رمضان . وقد اختلف فى أيام العشر من ذى الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل قال شيخنا: وفصل الخطاب : أن ليالى العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالى عشر ذى الحجة ، فإن فيها ليلة القدر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فى تلك الليالى ما لا يجتهد فى غيرها من الليالى، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الآخر من رمضان، لحديث ابن عباس وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعظم الأيام عند الله يوم النحر)) وما جاء فى يوم عرفة . السادس : أن الناس كان يكثر اختلافهم فى هذين الشهرين لأجل صومهم وحجهم فأعلمهم صلى الله عليه وسلم أن الشهرين وإن نقصت أعدادهما فىحكم عبادتها على التمام والكمال، ولما كان هذان الشهران هما أفضل شهور العام ، وكان العمل فيهما أحب إلى الله من سائر الشهور رغب النبى صلى الله عليه وسلم فى العمل ، وأخبر أنه لا ينقص ثوابه وإن نقص الشهران . والله أعلم . قالوا: ويشهد لهذا التفسير ما رواه الطبرانى فى معجمه من حديث عبد الله بن أبى بكرة عن أبيه يرفعه: ((كل شهر حرام لا ينقص، ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة)) ورجال إسناده ثقات . وهذا لا يمكن حمله إلا على الثواب، أى لاعامل فيها ثواب ثلاثين يوماً وليلة ، وإن نقص عدده. والله أعلم . -٤٤٢ - ابن المُفْكَدِرِ عنْ أَبِى مُرَّيْرَةَ ذَكَرِ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم فيهِ قَالَ : ((وَفِطْرُ كُمْ يَوْمَ تُفْطِرُ ونَ وَأَتْحَالِمْ يَوْمَ تُضَحُونَ وَكُلُ مَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ - أن قوماً لم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفتروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعة وعشرين فما حكمه . (فيه) أى فى حديث أيوب بسنده المذكور ( قال) أى النبى صلى الله عليه وسلم ( وفطركم يوم تفطرون) هو محل الترجمة وفى رواية الترمذى حدثدا محمد ابن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا إسحاق بن جعفر بن محمد حدثنى عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبرى عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) قال الترمذى: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَمَ الناس انتهى يعنى هو عند الله مقبول . قال الخطابي: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لاشىء عليهم من وزر أو عتب وكذلك هذا فى الحج إذا أخطأوا يوم - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وأما حديث أبى داود ، فقال يحيى بن معين: محمد بن المنكدر لم يسمع من أبى هريرة. قال الترمذى: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث ، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس . وقال الخطابى فى معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد ، فلو أن قوما اجتهدوا ، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين ، فإن صومهم وفطر هم ماض، لاشىء عليهم من وزر أو عنت ، وكذلك = - ٤٤٣- مِِّى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجٍ مََّّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ ◌َجْع مَوْقِفٌ )). - عرفة فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاؤهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده ، ولو كلفوا إذا أخطأوا العدد ثم يعيدوا لم يأمنوا أن يخطئوا ثانياً وأن لا يسلموا من الخطأ ثالثاً ورابعاً فأما ما كان سبيله الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه انتهى . قال المنذرى : وقيل فيه الإشارة إلى يوم الشك لا يصام احتياطاً وإنما يصوم يوم يصوم الناس ، وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم به ويفطر دون من لم يعلم ، وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضى بشهادته أن هذا لا يكون صوماً له كما لم يكن للنباس انتهى ( وكل عرفة موقف ) أى لا تتوهموا أن الموقف يختص بما وقفت فيه بل يجزىء الوقوف بأى جزء من عرفة ( وكل منى منحر) أى محمل للنحر ( وكل نجاج) جمع فج وهو الطريق الواسع (مكة منحر) يعنى فى أى محل من حوالى مكة ينحر الهدى يجوز لأنها من أرض الحرم، وأراد به التوسعة ونفى الحرج (وكل جمع) أى مزدلفة. قال المنذرى: والحديث - = فى الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، ليس عليهم إعادة. وقال غيره: فيه الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطاً ، وإنما يصام يوم يصوم الناس. وقيل : فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم ويفطر ، دون من لم يعلم . وقيل : إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضى بشهادته أنه لا يكون هذا له صوماً ، كما لم يكن للناس. هذا آخر كلامه . وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها ، لا فى الصوم ولا فى الفطر ولا فى التعريف . - ٤٤٤ - ٦ - باب إذا أغمى الشهر ٢٣٠٨ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدثنى عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِىّ حدثنى [ حدثنا] مُعَاوِيَةُ بنُ صَارِحِ عِنْ عِبْدِ اللهِ بن أَبِى قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضى الله عنها تَقُولُ: ((كانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَتَحَفّظُ مِنْ شَعْبانَ مالاَ يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمِّ يَصُومُ لوُوََّةِ رَمَضانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَائِينَ يَوْمًا ثُمَّ مَام)). - أخرجه الترمذى من حديث سعيد بن سعيد المقبرى عن أبى هريرة وقال حسن غريب انتهى. وفى البدر المنير: ابن المنكدر لم يسمع من أبى هريرة ولم يلقه ، قاله ابن معين وأبو زرعة انتهى . ( باب إذا أغمى الشهر ) أى أخفى هلال شهر شعبان بنحو غيم، والألف واللام فيه للعهد أى ماذا يفعل ، يكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً أو يصوم لرمضان ، يقال أغنى الخبر إذا خفى . ( يتحفظ من شعبان ) أى يتكلف فى عد أيام شعبان لمحافظة صوم رمضان (فإن غُمَّ عليه) أى شعبان (عد) أى شعبان . قال المنذرى: قال الدار قطنى: هذا إسناد صحيح هذا آخر كلامه . ورجال إسناده كلهم محتج بهم فى الصحيحين على الاتفاق والانفراد ، ومعاوية بن صالح الحضرى الحمصى قاضى الأندلس وإن كان قد تكلم فيه بعضهم فقد احتج به مسلم فى صحيحه وقال البخارى قال على يعنى ابن المدينى: كان عبد الرحمن بن مهدى يوثقه ويقول نزل الأندلس ، وقال أحمد بن حنبل : كان ثقة ، وقال أبو زرعة الرازى: ثقة . - ٤٤٥- ٢٣٠٩ - حدثنا مُحمّدُ بنُ الصَّباحِ الْبَزَّزُ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحميدِ الضِِّىُّ عنْ مَنْصُورٍ بن المُتَرِ من رِبْعِىِّ بن حِراشٍ عن حُذَيْفَةً قال : قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لاَ تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حتى تَرَوْا الهِلاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حتى تَرَوْا الهِلَاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)). قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَغَيْرُهَ عن مَنْصُورٍ عن رِبْعِيِّ ن رَجُلٍ من أَمْحَبِ النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم لَمْ يُسَمِّ حَذَيْفَةَ ». - ( لا تقدموا الشهر) الأقرب معتى أنه من التقديم أى لا تحكموا بالشهر قبل أوانه ولا تقدموه عن وقته بل اصبروا حتى تروا الهلال . قاله فى فتح الودود ( أو تكملوا العدة) أى ثلاثين يوماً، وهو محل الترجمة لأن إكمال العدة فى حالة النيم ضرورى . قال المنذرى: والحديث أخرجه النسائى مسنداً ومرسلا وقال لا أعلم أحداً من أصحاب منصور قال فى هذا الحديث عن حذيفة غير جرير يعنى ابن عبد الحميد. وقال البيهقى: وصله جرير عن منصور فذكر حذيفة فيه وهو ثقة حجة ، وروى له الثوری وجماعة عن منصور عن ربعی عن بعض أصحاب الغی صلی الله ٠ عليه وسلم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : هذا الحديث وصله صحيح ، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه والذى أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور، وقول النسائى: لا أعلم أحداً قال فى هذا الحديث (عن حذيفة)) غير جرير ، إنما عنى تسمية الصحابى، وإلا فقد رواه الثورى وغيره عن ربعى عن بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وهذا موصول ، ولا يضره عدم تسمية الصحابى ، ولا يعلل بذلك . -٤٤٦ - ٧ - باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ٢٣١٠ - حدثنا الْحْسَنُ بنُ عَلِىَّ أخبرنا حُسَيْنٌ عن زَائِدَةَ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبَّاسٍ قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((لاَتُقُدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَمٍ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَىْءٍ يَصُومُهُ أَحَدُ كُمْ وَلاَ ( باب من قال فإن ◌ُمّ عليكم) أى ستر هلال رمضان عليكم فصوموا ثلاثين ، وهو قول مالك والشافعى وأبى حنيفة وجمهور العلماء خلافاً لأحمد بن حنبل ( لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين ) وفى رواية البخارى: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين الحديث . قال الترمذى بعد إخراج هذا الحديث والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان انتهى. أى لتعظيمه . وقال الحافظ فى الفتح : قال العلماء معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، والحكمة فيه التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط . وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط الففل بالفرض . وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن فى ذلك الحكم وهذا هو المعتمد (إلا أن يكون شىء يصومه أحدكم) معنى الاستثناء أن من - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : ولفظ النسائى فيه: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا)) وفى لفظ للنسائى أيضاً: (فأ كملوا العدة عدة شعبان)) رواه من حديث أبى يونس عن سماك عن عكرمة عنه قال الدارقطنى: ولم يقل فى حديث ابن عباس: (( فأ كملوا عدة شعبان)) غيرآدم. قال: حدثنا شعبة حدثنى عمرو بن مرة قال سمعت أبا البخترى الطائى يقول: ((أهل = -٤٤٧ - تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ ثُمَّ صُومُوا حَتّى تَرَوْهُ، فَإِنْ حَالِ دُونَهُ غَمَامَةٌ فَأْتِمُّوا الِْدَّةَ ثَلاَئِينَ. ثُمَّ أَفْطِرُوا وَالشَّهْرُ تَسْعٌ وَعِشْرُونَ )). - كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان فى شىء ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قاله الحافظ فى الفتح ( حتى تروه) أى هلال رمضان (ثم صوموا حتى تروه) أى هلال شوال ( فإن حال دونه) أى عند الهلال (غمامة) أى سحابة ( فأتموا العدة) أى عدة رمضان ( والشهر تسع وعشرون) يعنى أنه قد يكون تسماً وعشرين لا أنه يكون دائماً كذلك . - = هلال رمضان ونحن بذات الشقوق ، فشككنا فى الهلال ، فبعثنا رجلا إلى ابن عباس فسأله؟ فقال ابن عباس: إن الله أمده لرؤيته. فإن غم عليكم فأ كملوا عدة شعبان ثلاثين)) قال الدار قطنى : صحيح عن شعبة ، ورواه حصين وأبو خالد الدلانى عن عمرو بن مرة، ولم يقل فيه ((عدة شعبان)) غير آدم وهو ثقة . قال الشيخ شمس الدين : حديث أبى هريرة هذا قد روى فى الصحيح بثلاثة ألفاظ: أحدها : هذا اللفظ ، الثانى: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأ كملوا العدة))، وفى رواية: ((فعدوا ثلاثين))، اللفظ الثالث: ((فإن غم عليكم فأ كملوا عدة شعبان ثلاثين)) . وهذا اللفظ الأخير للبخارى وحده ، وقد علل بعلتين : إحداهما : أنه من رواية محمد بن زياد عنه، وقد خالفه فيه سعيد بن المسيب فقال فيه. (( فصوموا ثلاثين)). قالوا : وروايته أولى لإمامته ، واشتهار عدالته وثقته ، ولاختصاصه بأبى هريرة وصهره منه ، ولموافقة روايته لرأى أبى هريرة ومذهبه ، فإن مذهب أبى هريرة وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء : صيام يوم الغيم. == -٤٤٨ - قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حاتِمُ بنُ أَبِى صَغِيرَةَ وَشُعْبَةُ وَاَلْسَنُ بنُ صالحٍ عن سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَقُولُوا ثُمَّ أَفْطِرُوا . - قال المغذرى: والحديث أخرجه الترمذى والنسائى بنحوه. وقال الترمذى حسن محيح. وأخرج مسلم فى صحيجه والنسائى وابن ماجه فى سننهما من حديث = قالوا : فكيف يكون عند أبى هريرة قول النبى صلى الله عليه وسلم (( فأ كملوا عدة شعبان )) ثم يخالفه ؟ العلة الثانية: ما ذكر الإسماعيلى قال: وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدى وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن على والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبى داود كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم (( فأ كملوا عدة شعبان ثلاثين)) فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر ، وإلا فليس لانفراد البخارى عنه بهذا من بين من رواه عنه وجه . هذا آخر كلامه . وقد رواه الدار قطنى فقال فيه: (( فعدوا ثلاثين يعنى عدوا شعبان ثلاثين)) ، ثم قال: أخرجه البخارى عن آدم، فقال فيه: ((فعدوا شعبان ثلاثين)) ولم يقل ((يعنى)) وهذا يدل على أن قوله (( يعنى)) من بعض الرواة ، والظاهر أنه آدم، وأنه قوله وقد تقدم حديث ابن عباس فى ذلك ، وتفرد آدم أيضاً فيه بقوله (( فأ كملوا عدة شعبان ثلاثين)) وسائر الرواة إنما قالوا (فأ كملوا العدة)) كما رواه حماد بن سلمة عن عمرو ابن دینار عن ابن عباس وسفيان عن عمرو عن محمد بن حنین عن ابن عباس ، وحاتم بن أبى صغيرة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ، وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ، وحصين عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى، وأبو خالد الدالانى عن عمرو عن أبى البخترى كلهم قال فى حديثه: (( فأ كملوا العدة)) ومنهم من قال: ((فأكملوا ثلاثين))، وقال آدم من بينهم: (( عدة شعبان) ، فهذه الزيادة من آدم فى حديث ابن عباس كهى فى حديث أبى هريرة ، وسائر الرواة على خلافه فيه . قال بعض الحفاظ : وهذا يدل على أن هذا تفسير منه فى الحديثين . ومدار هذا الباب على حديث ابن عباس وأبى هريرة وابن عمر ، وعائشة = - ٤٤٩- قال أَبُو دَاوُدَ: وَهُو حاِمُ بنُ مُسْلٍ بِنِ أَبِى صَعِيرَةَ وَأَبُو صَغِيرَةَ زَوْجُ أُمٍَّ » . سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )) إذا رأيتم الهلال فصوموا وإن رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً ». = وحذيفة، ورافع بن خديج وطلق بن علی وسعد بن أبى وقاص وعمار بن ياسر فهذه عشرة أحاديث : فأما حديث ابن عباس وأبى هريرة فقد ذكر ناها . وأما حديث ابن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت . وأما حديث رافع بن خديج : فرواه الدار قطنى من حديث الزهرى عن حنظلة ابن على الأسلمى عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أحصوا عدة شعبان لرمضان، ولا تقدموا الشهر بصوم، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأ كملوا العدة ثلاثين يوماً ثم أفطروا . فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، وخفض إبهامه فى الثالثة» وفيه الواقدى ، وهو - وإن كأن ضعيفاً - فليس العمدة على مجرد حديثه . وأما حديث طلق : فرواه الدار قطنى أيضاً من حديث أبى يونس عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جعل الله الأهلة مواقيت للناس ، فإذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأ يتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين)) قال محمد بن جابر : سمعت هذا منه وحديثين آخرين. ومحمد بن جابر - وإن كان ليس بالقوى - فالعمدة على ما تقدم . وأما حديث سعد : فرواه النسائى عن محمد بن سعد عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، يعنى تسعة وعشرين)) وفى رواية (( ثم قبض فى الثالثة الإبهام فى اليسرى)). وأما حديث عمار بن ياسر ، فسيأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى . (٢٩ - عون المعبود ٦) : - ٤٥٠ - ٨ - باب فى التقدم ٢٣١١ - حدثنا موسى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَادٌ عن ثَابِتٍ عن مُطَرِّفٍ عن عِرانَ بن حُصَيْنٍ وَسَعِيدٍ الْرِيْرِئٍّ من أَبِىِ الْمَلاَءِ عنْ مُطَرِّفٍ عن حِرانَ بِنِ حُصَيْنِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ لِرَجُلٍ: هَلْ صُمْتَ من سَرَرٍ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ قالَ: لاَ، قال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَعُمْ يَوْماً، وَقَالَ أَحَدُهُمَا يَوْمَيْنِ». ٢٣١٢ - حدثنا إِبْراهِيمُ بنُ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِىِّ من كِعَبِهِ أخبرنا ( باب فى التقدم ) أى التقدم بالصوم فى شعبان على رمضان ( هل صمت من سرر شعبان) أى من آخره . قال الحافظ فى الفتح: والسرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها جمع سرة ويقال أيضاً سرار بفتح أوله وكسره ورجح الفراء الفتح وهو من الاستسرار . قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهى ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين انتهى . وقال الخطابى: هذا الحديثان يعنى حديث: لا تقدموا الشهر بصيام يوم وحديث : هل صمت من سرر شعبان متعارضان فى الظاهر ، ووجه الجمع بينهما أن الأمر بالصوم إنما هو شىء كان الرجل قد أوجبه على نفسه بغذره فأمره بالوفاء به، أو كان ذلك عادة قد اعتادها، أو آخر الشهور فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له صلى الله عليه وسلم أن يقضيه . وأما النهى عنه فى حديث ابن عباس فهو أن يبتديه المرء متبرعاً به من غير إيجاب نذر ولا عادة قد كان تعودها فيما مضى والله أعلم ( فإذا أفطرت) أى انسلخ رمضان (فصم يوماً ) أى عوضاً منه فاستحب له الوفاء به . قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم - - ٤٥١- الْوَلِيدُ بنُ مُسلمٍ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ الْعَلَاءِ عن أبى الأزْهَرِ المغيرةِ بنِ فَرْوَةَ قال قَم مُعَاوِيَةُ فِى النَّاسِ بِدَيْرٍ مِسْحَلِ الَّذِى عَلَى بَابٍ خِصَ فَقَال: يَأَيُّها النّاسُ إِنَّ قَدْ رَأَيْنَ الْهِلاَلَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا مُتَقَدِّمٌ بِالصِّيَامِ، فَمَنْ - والنسائى (بدَيْرٍ مِسْحَلٍ) قال فى القاموس: الدير خان النصارى والمان الحانوت أو صاحبه انتهى. والحانوت الدكان. وقال فى تاج العروس: ومسحل اسم رجل وهو أبو الدهناء امرأة العجاج انتهى . ولعل مسحلا كان بانى هذا الدير أو مالكه ( على باب ◌ِمص) قال فى مراصد الاطلاع: حمص بالكسر ثم السكون والصاد مهملة بلد مشهور كبير (فقال) معاوية (قد رأينا الهلال) أى - = قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وقد أشكل هذا على الناس : حمله طائفة على الاحتياط لدخول رمضان ، قالوا وسرر الشهر وسراره - بكسر السين وفتحها ، ثلاث لغات - وهو آخره وقت استسرار هلاله، فأمره إذا أفطر أن يصوم يوماً أو يومين ، عوض مافاته من صيام سرره احتياطاً . وقالت طائفة منهم الأوزاعى وسعيد بن عبد العزيز : سرره أوله ، وسراره أيضاً فأخبره أنه لم يصم من أوله ، فأمره بقضاء ما أفطر منه . ذكره أبو داود عن الأوزاعى وسعيد. وأنكو جماعة هذا التفسير فرأوه غلطاً قالوا: فإن سرار الشهر آخره ، سمى بذلك لاستسرار القمر فيه . وقالت طائفة: سرره هنا وسطه ، وسر كل شىء جوفه ، وقال البيهقى: فعلى هذا أراد أيام البيض . هذا آخر كلامه . ورجح هذا بأن فى بعض الروايات فيه : ((أصمت من سرة هذا الشهر؟)) وسرته: وسطه، كسرة الآدمى وقالت طائفة : هذا على سبيل استفهام الإنكار ، والمقصود منه الزجر . قال ابن حبان فى صحيحه: وقوله صلى الله عليه وسلم: (أصمت من سرر هذا الشهر؟)) لفظة استخبار عن فعل مرادها الإعلام بنفى جواز استعمال ذلك الفعل منه كالمنكر عليه = أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَّهُ فَلَفْعَلْهُ لم قَالَ: فَقَامَ إِليْهِ مَالِكُ بنُ هَبِيرَةَ الَّتِىُّ، فقال: يَامُعَاوِيَةُ أَشَىْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم أَمْ شَىْءٌ مِنْ رَأْيِكَ؟ قَال سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ)) - هلال شعبان (وأنا متقدم) رمضان (بالصيام) وهو محل الترجمة (أن يفعله) أى تقديم رمضان بالصوم (قال) أبو الأزهر (فقام إليه) أى إلى معاوية ( السبأى) بمفتوحة وفتح موحدة فكسر همزة وقصر نسبة إلى سبأ عامر ابن سحب قاله المغنى ( قال ) معاوية ( صوموا الشهر وسرّه) قال فى النهاية: أراد صوموا أول الشهر وآخر انتهى . وقال الخطابي: والعرب يسمى الهلال الشهر يقول رأيت الشهر أى الهلال انتهى. وقال فى فتح الودود : صوموا الشهر وسره بكسر فتشديديقال سر - = لو فعله، وهذا كقوله لعائشة: ((أتسترين الجدار؟)) وأراد به الإنكار عليها يلفظ الاستخبار . وأمره صلى الله عليه وسلم بصوم يومين من شوال أراد به انتهاء السرار ، وذلك أن الشهر إذا كان تسعاً وعشرين يستسر القمر يوماً واحداً ، وإذا كان الشهر ثلاثين يستسر القمر يومين، والوقت الذى خاطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين ، فمن أجله أمر بصوم يومين من شوال . آخر كلامه . وقالت طائفة : لعل صوم سرر هذا الشهر كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذر ، فأمره بالوفاء . وقالت طائفة : لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام آخر الشهر، فترك آخر شعبان لظنه أن صومه يكون استقبالا لرمضان، فيكون منهياً عنه، فاستحب له النى صلى الله عليه وسلم أن يقضيه، ورجح هذا بقوله: ((إلا صوم كان يصومه أحدكم فليصمه)) ، والنهى عن التقدم ان لا عادة له . فيتفق الحديثان . والله أعلم . - ٤٥٣ - ٢٣١٣ - حدثنا سُلَمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْنِ الدِّمَشْقِىُّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قال قال الْوَلِدُ سَمِعْتُ أَبَا عَْرٍ و - يَعَنِى الْأَوْزَامِىِّ - يَقُولُ ((سِرُهُ أَوَّلُهُ)). ٢٣١٤ - حدثنا أَحَدُ بنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ أخبرنا أبُو مُشْهِرِ قال: كَانَ سَعِيدٌ - يَعْنى ابنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَقُولُ ((سِرُهُ أَوَّلُهُ)). قال أَبُو دَاوُدَ: وَقَال بَعْضُهُمْ: سِرُهُ وَسَطُهُ، وَقَالُوا: آخِرُهُ . ٩ - باب إذا رؤى الهلال فى بلد قبل الآخرين بليلة ٢٣١٥ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا إشتماعِيلُ - يعنى ابنَ جَعْفَرِ - أخبرنى مُمَُّ بنُ أَبِى حَرْمَلَةَ أخبرنى كُرَّيْبٌ ((أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ أَبْنَةَ - الشهر وسراره وسرره لآخره لاستتار القمر فيه ، ويحتمل أن المراد بالشهر رمضان وسره أى آخره لعأكيد الاستيعاب أو المراد بآخره آخر شعبان وإضافته إلى رمضان للاتصال، والخطاب لمن يعتاد أو لبيان الجواز ، ويحتمل أن المراد بالشهر كل شهر والمواد صوموا أول كل شهر وآخره، والمقصود بيان الإباحة انتهى ( يعنى الأوزاعى يقول سره أوله) قال الخطابي: وأنا أفكر هذا التفسير وأراه غلطا فى النقل ولا أعرف له وجهاً فى اللغة والصحيح أن سره آخره هكذا حدثنا أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقى عن الوليد عن الأوزاعى قال سره آخره وهذا هو الصواب ، وفيه لغات يقال سر الشهر وسرار الشهر وسمى آخر الشهر سراً لاسترار القمر فيه ، وإذا كان أول الشهر مأموراً بصيامه فى قوله صوموا الشهر فقد علم أن الأمر بصيام سره هو غير أوله . ( باب إذا رُؤْىَ الهلال فى بلد قبل الآخرين بليلة ) أى فما حكمه - ٤٥٤- الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلى مُعَاوِيةَ بالشَّامِ، قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَهَا، فَاسْتُهِلَّ عَلَيْهِ رَمَضَنُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْنَ الِلَالَ لَيْلَةَ الُْعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فى آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأْلَفِى ابنُ مَبَأْسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الِلَاَلَ فقال: مَتَى رَأَيْتُم الِلاَلَ؟ قُلْتُ: رُأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُعَةِ. قال: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيةُ، قال: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلانَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى فُكْمِلَ الثَّلاَمِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَفَلاَ تَكْتَفَى بِرُؤْيَةٍ مُعَاوِيَةً وَصِيَامِهِ؟ قال: لاَ، هُكَذَا أَمَنَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)» - ( بعثته) أى كريباً (قال) كريب ( حاجتها) أى أم الفضل (فاستهل) هو بضم التاء بصيغة المجهول (قال) ابن عباس (أنت رأيته) أى الهلال (قال) ابن عباس (أو راه ) أى الهلال ( هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) قد تمسك بحديث كريب هذا من قال إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها ، ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وقال فى آخر الحديث هكذا أمرنا ، فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر. قال الخطابي: اختلف الناس فى الهلال يستهله أهل بلد فى ليلة ثم يستهله أهل بلد آخر فى ليلة قبلها أو بعدها ، ذهب إلى ظاهر الحديث ابن عباس والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعكرمة ، وهو مذهب إسحاق بن راهويه وقال لكل قوم رؤيتهم . وقال أكثر الفقهاء: إذا ثبت بخبر الناس أن أهل بلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروه، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه ومالك، وإليه ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل انتهى. وقال فى فتح الودود: قوله (هكذا أمرنا)) يحعمل أن المراد به أنه أمرنا أن لا نقبل شهادة الواحد فى حق الإفطار ، أو أمرنا بأن - - ٤٥٥- - نعتمد على رؤية أهل بلدنا ولا نعتمد عن رؤية غيرهم وإلى المعنى الثانى تمل ترجمة المصنف، لكن المعنى الأول محتمل فلا يستقيم الاستدلال إذ الاحتمال يفسد الاستدلال انتهى . وقال الشوكانى فى النيل بعد نقل الأقوال: واعلم أن الحجة إنما هى فى المرفوع من رواية ابن عباس لا فى اجتهاده الذى فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله (( هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) هو قوله ((فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين)) والأمر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأ كملوا العدة ثلاثين)) وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين ، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم انتهى ملخصاً . وقال الحافظ فى الفتح: وقد اختلف العلماء فى ذلك على مذاهب أحدها - لأهل كل بلد رؤيتهم ، وفى صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له ، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه الترمذى عن أهل العلم ولم يحك سواء، وحكاه الماوردى وجهاً للشافعية. ثانيها - مقابله إذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه وقال أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. قال القرطبى: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم . وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذى ثبتت فيه الشهادة إلا أن - - ٤٥٦- ٢٣١٦ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَاذٍ حدّتنى أَبِى أخبرنا الْأُشْعَثُ من الْسَنِ ((فِى رَجُلٍ كَانَ بِمِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ فَصَامَ يَوْمَ الاعْتَيْنِ، وَشَهِدَ رَجُلاَنِ أَنَّهُمَ رَأْيَا الْهِلالَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ، فقال: لا يَقْضِى ذَلِكَ الْيَوْمَ الرَّجُلُ وَلا أَهْلُ مِعْرِهُ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ المُسْلِنَ قَدْ صَامُوا يَوْمَ الْأُحَدِ فَيَقْضُونَهُ)). - يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد فى حقه كالبلد الواحد إذا حكمه نافذ فى الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر ، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوى عن الشافعى . وفى ضبط البعد أوجه: أحدها - اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلانى وصححه النووى فى الروضة وشرح المهذب . ثانيها مسافة القصر، قطع به الإمام والبغوى ومحمحه الرافعى فى الصغير والنووى فى شرح مسلم . ثالثها - اختلاف الأقاليم. رابعها - حكاه السرخسى فقال : يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم . خامسها - قول ابن الماجشون المتقدم انتهى . قال المنذرى: والحديث أخرجه مسلم والترمذى والنسائى (عن الحسن فى رجل) هذا الحديث وجد فى نسخة واحدة . وقال الحافظ المزى : هذا الحديث فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة انتهى. كذا فى غاية المقصود . - ٤٥٧- ١٠ - باب كراهية صوم يوم الشك ٢٣١٧ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ نُصَيْرِ أخبرنا أبو خالِدِ الْأَحَرُ عن عَمْرِوِ بنِ فَيْسٍ عن أُبِى إِسْحَقَ عن صِلَّةَ قال ((كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِى الْيَوْمِ الَّذِى يُشَكُّ فيهِ ، فَأُتِىَ بِشَةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فقالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هُذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَ الْقَاسِ صلى اللهُ عليه وسلم)). ( باب كراهية صوم يوم الشك) (عن صلة) قال الحافظ فى الفتح: أما صفة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة ابن زفر بزاى وفاء وزن عمر كوفى عبسى بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم ( يُشك فيه) هل هو من شعبان أو من رمضان وهو على بناء المجهول . قال العلامة العينى: ويوم الشك هو اليوم الذى يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ولم يثبت رؤيته أو شهد واحد فردت شهادته أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما ( فأتى بشاة) وفى رواية الترمذى: فأتى بشاة مصلية فقال كلوا ( فتنحى بعض القوم) أى اعتزل واحترز عن أكله ( فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) قال فى الفتح: استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابى لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع . قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون فى ذلك . قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية يعنى أبا القاسم الإشارة إلى أنه هو الذى يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكاناً وغير ذلك انتهى . قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وذكر جماعة أنه موقوف، ونظير هذا قول أبى هريرة ((من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله )) والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح= - ٤٥٨- - وقال الخطابى: اختلف الناس فى معنى النهى عن صيام يوم الشك ، فقال قوم إنما نهى عن صيامه إذا نوى به أن يكون من رمضان ، فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز . هذا قول مالك بن أنس والأوزاعى وأبى حنيفة وأصحابه ، ورخص فيه على هذا الوجه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه . وقالت طائفة : لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهى فيه وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان . وهكذا قال عكرمة . وروى معناه عن أبى هريرة وابن عباس رضى الله عنهما وعائشة وأسماء ابنتا أبى بكر تصومان ذلك اليوم ، وقالت عائشة رضى الله عنها: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلىّ من أن أفطر يوماً من رمضان . وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما صوم يوم الشك إذا كان فى السماء سحاب أو فترة ، فإن كان محو ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل . وقال الشافعى: إن وافق يوم الشك يوماً كان يصومه صامه وإلا لم يصمه وهو أن يكون من عادته أن يصوم انتهى . وقد من بعض بهانه فى باب الشهر يكون تسعاً وعشرين . قال المنذرى: والحديث أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذى: حسن صحيح . وذكر أبو القاسم البغوى فى حديث أبى هريرة فقد عصى الله ورسوله أنه موقوف ، وذكر أبو عمر بن عبد البر أن هذا مسند عندهم ولا يختلفون يعنى فى ذلك . - = وإنما هو لفظ الصحابى قطعاً ولعله فهم من قول النبى صلى الله عليه وسلم: (( لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين)) : أن صيام يوم الشك تقدم، فهو معصية، كما فهم أبو هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه)): أن ترك الإجابة معصية لله ورسوله ، ولا يجوز أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله ، والصحابى إنما يقول ذلك استناداً منه إلى دليل فهم منه أن مخالفة مقتضاه معصية ، ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه، فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضاً فى كثير من وجوه دلالة النصوص . - ٤٥٩ - ١١ - باب فى من يصل شعبان برمضان ٢٣١٨ - حدثنا مُسْلِجُ بنُ إِبْراهِيمَ أخبرنا مِشَامٌ عن يَحْتَ بنِ أبى كَثِيرِ عنْ أَبِ سَلَةَ عنْ أَبِى هُرِيْرةَ عنْ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: (( لا تَقَدِّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِهَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌّ فَلْيَصُمْ ذُلِكَ الصَّوْمَ)). ٢٣١٩ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا محمَّدُ بنُ جَعْفَرِ أخبرنا شُعْبَةُ عن تَوْبَةَ الْعَنْبَرِىِّ عن مُمَّدِ بنِ إِبْراهِيمَ عن أبى سَلَةَ عن أُمِّ سَلَةَ عن النَّبِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَمَّا إِلاَّ شَعْبَانَ بَصِلُهُ بِرَمَضَانَ )). ( باب فى من يصل شعبان برمضان ) ( لا تقدموا صوم رمضان ) قد مر بيانه ومعناه فى باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين . ( إلا أن يكون صوم) يكون هنا تامة معهاه إلا أن يوجد صوم ( يصومه رجل) وكان ذلك الصوم نذراً معيناً أو نفلا معتاداً أو صوماً مطلقاً غير مقهد برمضان ( فليصم ذلك الصوم) قال الخطابي: معناه أن يكون قد اعتاد صوم الاثنين والخميس فيوافق صوم المعتاد فيصومه ولا يتعمد صومه إذا لم يكن له عادة، وهذا قريب من معنى الحديث الأول انتهى . قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه . ( لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إِلا شعبان ) وفى رواية ابن أبى لبيد عن أبى سلمة عن عائشة عند مسلم ((كان يصوم شعبان إلا قليلا)) ورواه الشافعى من هذا الوجه بلفظ ((بل كان يصوم إلى آخره)) وهذا يبين أن المراد - - ٤٦٠- ١٢ - باب فى كراهية ذلك ٢٣٢٠ - حدثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعَهِدٍ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُمَّدٍ قال: قَدِمَ عَبَادُ بنُ كَثِيرِ الْمَدِينَةَ فَلَ إلى تَجْلِسِ الْعَلَاءِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَمَهُ ثُم قال: الَّهُمَّ إِنَّ هُذَا يُحَدِّثُ عن أَبِيهِ عن أَبِى هُرِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلاَ تَصُومُوا، فقال الْعَلاَءِ: الَّهُمَّ إِنَّ أَبِ حدَّثنى عن أبي هُرِيْرةَ من النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم بِذلِكَ )). - بقوله فى حديث أم سلمة عند أبى دادو وغيره ((أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان)) أى كان يصوم معظمه . ونقل الترمذى عن ابن المبارك أنه قال : جائز فى كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله، ويقال قام فلان لهلته أجمع ولعله قد تمشى واشتغل ببعض أمره . قال الترمذى : كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة الثانية مخصصة لها وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قلهل الاستعمال. قاله الحافظ فى الفتح: قال المنذرى: والحديث أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن . ( باب فى كراهية ذلك ) (فأخذ) عباد ( بيده) أى العلاء (فأقامِه) أى أقام عباد العلاء (ثم قال) عباد ( إن هذا) أى العلاء ( عن أبيه) وهو عبد الرحمن ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) قال الخطابي: هذا الحديث كان ينكره عبد الرحمن بن مهدى - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : الذين ردوا هذا الحديث لهم مأخذان : أحدهما : أنه لم يتابع العلاء عليه أحد بل انفرد به عن الناس وكيف لا يكون =