النص المفهرس
صفحات 421-440
- ٤٢١-
٤٩ - باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجاً غيره
٢٢٩٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيةَ عن الْأعْمَشِ من إِراهِيمَ
مِن الْأُسْوَدِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عنْ
رَجُلٍ طَلّقَ امْرَ أَتَهُ - يَعنى ثلاثاً - فَزَوَّجَتْ زَوْجَ غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِهَا ثُمّطََّهَا
قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهَا، أَمِلُّ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ قالَتْ عَالِ النّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:
لا ◌َحِلُّ لْأُوَّلِ حَتّى تَذُوقَ عُبَيْلَةَ الْآخَرِ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا)).
- من سهدها، والمعنى عدة أم الولد التى مات سيدها أربعة أشهر وعشراً، وفى
رواية ابن ماجه لا تفسدوا علينا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد
أربعة أشهر وعشراً. قال المنذرى. وأخرجه ابن ماجه وفى إسناده مطر بن
طهمان أبو رجاء الوراق وقد ضعفه غير واحد .
( باب المبتونة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره)
المراد بالمبتونة المطلقة ثلاثاً .
(عن رجل طلق امرأته) وفى رواية النسائى طلق امرأته ثلاثاً ( ثم طلقها)
أى الزوج الثانى (قبل أن يواقعها) أى يجامعها (حتى تذوق عسيلة الآخر
ويذوق عسيلتها) أى حتى تذوق المرأة لذة جماع الزوج الثانى ويذوق لذة جماعها
والعسيلة مصغرة فى الموضعين ، واختلف فى توجيهه فقهل تصغير العسل لأن
المسل مؤنث جزم بذلك القزار ، قال وأحسب التذكير لغة . وقال الأزهرى:
يذكر ويؤنث، وقيل لأن العرب إذا حقرت الشىء أدخلت فيه هاء التأنيث.
وقيل المراد قطعة من العمل والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كاف
فى تحصيل ذلك بأن يقع تغييب الحشفة فى الفرج. وقيل معنى العسيلة النطفة،
وهذا يوافق قول الحسن البصرى . وقال جمهور العلماء : ذوق العسهلة كتابة -
:
-- ٤٢٢ -
٥٠ - باب فى تعظيم الزنا
٢٢٩٣ - حدثنا عُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورِ عن أبى
وَائِلٍ من ◌َعَمْرِو بن شُرَحْبِيلَ عن عَبْدِ الله قالَ ((قُلْتُ: يارَسُولَ اللهِ أَىُّ
الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: أَنْ تَجْعَلَ ◌ِ نِدَّا وَهُوَ خَلَفَكَ. قال قُلْتُ [فَقُلْتُ]
ثُمَّ أَىُّ ؟ قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَكَ خَشْيَةَ [ ◌َخَفَةً] أَنْ يَأْ كُلَ مَعَكَ . قال:
- عن الجماع وهو تغييب شفة الرجل فى فرج المرأة ويدل على ذلك حديث عائشة
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال العسيلة هى الجماع، رواه أحمد والنسائى، وزاد
الحسن البصرى: حصول الإنزال. قال ابن بطال : شذ الحسن فى هذا وخالف
سائر الفقهاء . وقالوا : يكفى ما يوجب الحد ويحصن الشخص ويوجب كمال
الصداق ويفسد الحج والصوم، وقال أبو عبيدة : العسولة لذة الجماع ، والعرب
تسمى كل شىء تستلذه عسلا. وحديث الباب يدل على أنه لا بد فيمن طلقها
زوجها ثلاثاً ثم تزوجها زوج آخر من الوطء فلا تحل للأول إلا بعده.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن
المسيب قال: ولا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج . ولعله لم يبلغه
الحديث فأخذ بظاهر القرآن. هذا مأخوذ من الفتح والنيل . قال المنذرى :
وأخرجه النسائى ، وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه من
حديث عروة عن عائشة .
( باب فى تعظيم الزنا)
(عن عبد الله) أى ابن مسعود ( أن تجعل لله نداً) بكسر الدون أى مثلا
ونظيراً فى دعائك أو عبادتك ( وهو خلقك ) فوجود الخلق يدل على الخالق ،
واستقدامة الخلق تدل على توحيده، إذ لو كان إلهين لم يكن على الاستقامة -
-٤٢٣-
ثُمَّ أَىّ؟ قال: أَنْ تُزَافِىَ حَلِيلَةً جَارِكَ. قال: وَأُنْزِلَ [ وَأَنْزَلَ اللهُ]
نَصْدِيقَ قَوْلِ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم ﴿ وَالَِّينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آَخَرَ
وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْقٌّ وَلا يَزْنُونَ) الآية)» . .
٢٢٩٤ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ إِبْراهِيمَ عن حَجَّاجٍ عن ابن جُرَيجٍ قال
وَأخبر نى أبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ جَابَرَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ ((جَاءَتْ مُسَيْكَةُ
[مِسْكِينَةٌ] لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ فقالَتْ: إِن سَيِّدِى يُكْرِ هُنِى عَلَى الْبِغَاءِ،
فَنَزَلَ فى ذُلِكَ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكَمُ عَلَى الْبِغَاءِ﴾)).
- (خشية أن يأكل معك) بنصب خشية على العلية (أن تزانى حليلة جارك)
بفتح الحاء المهملة وكسر اللام الأولى أى زوجته لأنها تحل له فهى فعيسلة بمعنى
فاعلة، أو من الحلول لأنها تحل معه ويحل معها وإنما كان ذلك لأنه زنا وإبطال
لما أوسى الله به حفظ حقوق الجيران. وقال فى التنقيح: تزانى تفاعل وهو أن
يقتضى أن يكون من الجانبين.
قال فى المصابيح، امله نبه به على شدة قبح الزنا إذا كان منه لا منها بأن
يغشاها نائمة أو مكرهة، فإنه إذا كان زناه بها مع المشاركة منها له والطواعية
كبيراً كان زناه بدون ذلك أكبر وأقبح من باب الأولى . قال المنذرى :
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
( قال وأخبرنى أبو الزبير) أى قال حجاج وأخبرنى به أبو الزبير كما أخبرنى
غيره (جاءت مسكينة لبعض الأنصار ) أى أمة مكيفة لبعضهم، وفى بعض
النسخ مسيكة بضم الميم وفتح السين بالتصغير لكن الظاهر فى هذه الرواية هو
الأول كما لا يخفى ( يكرهنى) بضم حرف المضارع من الإكراه (على البغاء)
أى الزنا (ولا تكرهوا فتياتكم) أى إمائكم (على البغاء) أى على الزنا ..-
- ٤٢٤ -
٢٢٩٥ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَاذٍ أخبرنا مُعْتَمِرٌ عن أبيهِ ﴿وَمَنْ
يُكْرِعْهُنَّ فَإِنَّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِمِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال قال سَعَهِدُ بنُ
أَبِى الْسَنِ ((غَفُورٌ لُهُنَّالْمُكْرَهَاتِ ».
آخر كتاب الطلاق
- وتمام الآية (إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن. فإن
الله من بعد إ كراههن غفور رحيم﴾ قال المنذرى: وقد أخرج مسلم فى الصحيح
من حديث جابر بن عبد الله أن جارية لعبد الله بن أبى ابن سلول يقال لها مسمكة
وأخرى يقال لها أميمة فكان يريدهما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبى صلى الله
عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على الهناء إن أردن
تحصداً) إلى قوله ﴿غفور رحيم) وحكى بعضهم أن عبد الله بن أبى كانت له
ست جوار يأخذ أجورهن معاذة ومسيكة وأروى وقتهلة وعمرة وأميمة .
( قال قال سعيد بن أبى الحسن الخ) مراده أن المغفرة والرحمة لمن لكونهن
مكرهات لا لمن أكرههن . وقوله المكرهات بيان الضمير المجرور فى قوله لهن.
والحديث سكت عنه المنذرى.
هذا آخر كتاب الطلاق
-٤٢٥-
أول كتاب الصيام
١ - باب مبدأ فرض الصيام
٢٢٩٦ - حدثنا أحمدُ بنُ مُمَّدٍ بن شَبُّويةَ حدَّثنى عَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ
ابن وَاقِدٍ من أَبِيهِ عن يَزِيدَ النَّحْوِئِّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَأْسٍ ﴿يَا أَيُّها
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
(أول كتاب الصيام )
( باب مبدأ فرض الصيام )
أى هذا الباب فى بيان ابتداء فرض الصيام .
(كتب عليكم) أى فرض ( الصيام) قال الحافظ فى الفتح: الصوم
والصيام فى اللغة الإمساك، وفى الشرع إمساك مخصوص فى زمن مخصوص عن
شىء مخصوص بشرائط مخصوصة . وقال صاحب المحكم : الصوم ترك الطعام
والشراب والنكاح والكلام ، يقال صام صوماً وصياماً، ورجل صائم وصوم
وقال الراغب: الصوم فى الأصل الإمساك عن الفعل ، ولذلك قيل للفرس
الممسك عن السير صائم ، وفى الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم
والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب انتهى (كما كتب) أى
فرض . قال العينى: إنهم تكلموا فى هذا التشبيه ، فقيل : إنه تشبيه فى أصل
الوجوب لا فى قدر الواجب ، والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجه ، كمافى
قوله صلى الله عليه وسلم ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)) وهذا
تشبيه الرؤية بالرؤية لاتشبيه المرئى بالمربى. وقيل هذا التشبيه فى الأصل والقدر
والوقت جميعاً، وكان على الأولين صوم رمضان لكنهم زادوا فى العدد ونقلوا
من أيام الحر إلى أيام الاعتدال .
-
- ٤٢٦ -
فَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا صَلُّوا الْعَتَمَةَ حَرُّمَ عَلَيْهِمُ
الطََّامُ وَالشَّرَابُ وَالفُّسَاءِ وَصَامُوا إِلى الْقَابِلَةِ، فَاخْتَنَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَمَعَ
امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلم يُفْطِرْ، فَأَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا
لِمَنْ بَفِىَ وَرُغْصَةٌ وَمَنْفَقَةً، فقال سُبْحَتَهُ ﴿عَلَمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ
أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وكان هذَا مِمّ نَفَعَ اللهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لُهُمْ وَيَسَّرَ)).
٢٢٩٧ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ بنِ نَصْرِ الْضَمِىُّ أنبأنا أبُو أَحَدَ
أنبأنا إِسْرَائِيلُ عن أَبِى إِسْحَقَ عن الْبَراءِ قال: ((كَانَ الرَّجلُ إِذَا صَامَ فَتَامَ
- وقال الطبرى: وقال آخرون بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان
من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة ، وكان ذلك فرض على المؤمنين فى أول
ما افترض عليهم الصوم ( العتمة) بفتح العين والتاء أى العشاء (إلى القابله)
أى الليله المستقبله ( فاختان رجل نفسه) افتعال من الخيانة أى غان يعنى ظلم
( نجامع امرأته) بيان للخيانة (وقد صلى العشاء) الواو المحال ، أى بعد صلاة
العشاء ( ولم يفطر) أى لم بأ كل هذا الرجل شبعان ولم يتعش وإن كان أفطر
وقت الإفطار ( ذلك) الحكم ( يسرا) بعد العسر (ورخصة ومنفعة) فأباح
الجماع والطعام والشراب فى جميع الليل ( فقال) الله عز وجل (تخقانون أنفسكم)
يعنى تجامعون النساء وتأكلون وتشربون فى الوقت الذى كان حراماً عليكم.
ذكره الطبرى. وفى تفسير ابن أبى حاتم عن مجاهد ( تختانون أنفسكم) قال
تظلمون أنفسكم. قاله العينى ( وكان هذا) أى قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم
تختانون أنفسكم) إلى قوله { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود من الفجر﴾ (ويسر) الناس. قال المنذرى: فى إسناده
على بن حسين بن واقد وهو ضعيف .
(كان الرجل إذا صام فعام) وفى رواية البخارى: إذا كان الرجل صائماً --
- ٤٢٧-
لم يَأْ كُلْ إِلى مِثْلِهَا، وَإِنَّ صِرْمَةَ بنَ قَيْسٍ الْأَنْصَارِىِّ أَنَى امْرَأَتَهُ وَكَان
صائمًا فقال: عِنْدَكِ شَىْء، قالَتْ: لاَ لَعَلِّى أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ شَيْئًاً،
فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتَهُ عَيْنُهُ فَجَاءَتْ فَقالَتْ خَيْبَةٌ لَكَ، فَلْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتّى
- حضرا الإفطار فنام قبل أن يفطر. قال الحافظ فى الفتح: وفى رواية زهير كان
إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً ولا يشرب ليله ويومه حتى
تغرب الشمس ، ولأبى الشيخ من طريق زكريا بن أبى زائدة عن أبى اسحاق:
كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا ، فإذا
ناموا لم يطعموا شيئاً من ذلك إلى مثلها. فاتفقت الروايات فى حديث البراء
على أن المنع من ذلك كان مقيداً بالنوم ، وهذا هو المشهور فى حديث غيره ،
وقيد المنع من ذلك فى حديث ابن عباس الذى سبق بصلاة العتمة . قلت: يحتمل
أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالباً ، والتقييد فى
الحقيقة إنما هو بالنوم كما فى سائر الأحاديث انتهى . وقال فى فتح الودود: وقد
يقال لا منافاة بينهما فيجوز تقييد المنع بكل منهما فأيهما تحقق أولا تحقق المنع
( لم يأكل) هو جواب إذا ( إلى مثلها) أى إلى الدولة الأخرى ( وإن صرمة
ابن قيس) وفى رواية البخارى: وإن قيس بن صرمة بكسر الصاد المهملة
وسكون الراء هكذا سمى فى هذه الرواية ولم يختلف على اسرائيل فيه إلا فى
رواية أبى أحمد الزبيرى عنه فإنه قال صرمه بن قيس أخرجه أبو داود ، ولأبى
نعيم فى المعرفة من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس مثله . قال وكذا
رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس، فمن قال قيس بن صرمة قلبه
كما جزم الداودى والسهيلى وغيرهما بأنه وقع مقلوباً فى رواية البخارى. هذا
ما قاله الحافظ فى الفتح ( وكان) أى صرمة ( فقال) أى صرمة بن قيس لامرأته
( عندك) بكسر الكاف (شىء) من الطعام (قالت لا) أى ليس عندى -
- ٤٢٨ -
غُشِىَ عَلَيْهِ، وكَان يَعْمَلُ يَوْمَهُ فى أَرْضِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى اللهُ عليهِ
وسلم فَزَلَتْ ﴿ أُحِلِّ لَكُمُ لَيْلَ الصِّيامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَاءَكُمُ. قَرَأْ إِلَى قَوْلِهِ:
مِنَ الْفَجْرِ﴾ ».
٢ - باب نسخ قوله تعالى ( وعلى الذين يطيقونه فدية)
٢٢٩٨ - حدثنا قتَيْمَةُ بنُ سَعيدٍ أخبرنا بَكْرٌ - يَعنى ابن مُضَرَ -
عِنْ عَمْرِو بن الحارِثِ عِنْ بَكِيرٍ عنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَّمَةً عِنْ سَلَّمَةَ بن
الْأَكْوَعِ الَ: ((لَمَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ فِيَةٌ طَعَامُ
- طعام (وغلبته عيده) أى نام (خيبة لك) بالنصب وهو مفعول مطلق محذوف
العامل، وقيل إذا كان بغير لام يجب نصبه، وإلا جاز والخيبة الحرمان ، يقال
خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب ( فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه) وفى رواية
البخارى: فلما انتصف النهار غشى عليه ، وفى رواية أحمد: فأصبح صائماً
فلما انتصف النهار، فتحمل رواية البخارى وأحمد على أن الغشى وقع فى آخر
النصف الأول من النهار ( يعمل يومه فى أرضه ) وفى مرسل السدى : كان يعمل
فى حيطان المدينة بالأجرة ، فعلى هذا فقوله فى أرضه إضافة اختصاص . قاله
الحافظ فى الفتح (الرفث ) هو الجماع ( إلى قوله من الفجر) ففرح المسلمون
بذلك . قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى والترمذى والنسائى .
( باب نسخ قوله تعالى ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية))
أى هذا باب فى بيان أن قوله تعالى ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية) منسوخ
(وعلى الذين يطيقونه) أى الصوم إن أفطروا (فدية) مرفوع على الابتداء -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
اختلف السلف فى هذه الآية على أربعة أقوال :
-٤٢٩ -
مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَنْ أَرَادَ مِنَا أَنْ يُفْطِرِ وَ يَفْتَدِى فَعَلَ حَتّى نَزَلتْ الآيَةُ
الّتِى بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهاَ)).
٢٢٩٩ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُمَّدٍ أَخبرنا عَلِىُّ بنُ حُسَيْنِ عنْ أَبِيهِ عنْ
يَزِيدَ النَّحْوِىِّ عنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عَبَّاسِ ﴿وَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ فِذْيَةٌ
ظَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فَكَنَ مَنْ شَاءِ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَدِى بِطَعَمِ مِسْكِينٍ افْتَدَى
وَثَمّ لَهُ صَوْمُهُ، فَقَال عزّ وَجَلَّ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا
- وخبره مقدم هو قوله (وعلى الذين) وقراءة العامة فدية بالتنوين وهى الجزاء
والبدل من قولك فديت الشىء بالشىء أى هذا بهذا قاله العينى (طعام مسكين)
بيان لفدية أو بدل منها ، وهو نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل
العراق، وعند أهل الحجاز مد قاله العينى (فعل) ذلك ( الآية التى بعدها )
يعنى قوله تعالى ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ( فنسختها) أى فنسخت
هذه الآية ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه) الآية الأولى وهى قوله ﴿وعلى
الذين يطيقونه فدية) قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم
والترمذى والنسائى .
( وتم له صومه) أى أجراً وإلا فهو مفطر (فقال) الله تعالى ﴿فمن تطوع
خيراً فهو خير له ) يعنى زاد على مسكين واحد فأطعم عن كل يوم مسكينين
فأكثر. وقيل فمن زاد على قدر الواجب عليه فأطعم صاعاً وعليه مد فهو خير له -
= أحدها أنها ليست بمنسوخة ، قاله ابن عباس .
الثانى : أنها منسوخة ، كما قاله سلمة والجمهور .
والثالث : أنها مخصوصة، خص منها القادر الذى لا عذر له ، وبقيت متناوله
للمرضع والحامل.
الرابع : أن بعضها منسوخ وبعضها محكم
- ٤٣٠-
خَيْرٌ لَكُمُ﴾ وَقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُنْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ
◌َى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍأُخَرَ))).
٣ - باب من قال هي مثبتة للشيخ والحبلى
٢٣٠٠ - حدثنا مُؤْسَ بنُ إِسْمَاعِيل أخبرنا أُبَانُ أُخبرنا قَتَادَةُ أَنَّ
عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قال: ((أُتْبِقَتْ لِلْحُبْلَى وَالمُرْضِعِ)).
- قاله فى الخازن . وقال فى فتح الودود: أى فرغب الله تعالى إياهم فى الصوم أولا
وندبهم إليه بقوله {وأن تصوموا خير لكم﴾ ليعتادوا الصوم فحين اعتادوا
ذلك أوجب عليهم ، ولم يرد أن قوله ﴿ وأن تصوموا) ناسخ الفدية من أصلها،
فلعل من قال إنه ناسخ الفدية أراد هذا القدر والله تعالى أعلم انتهى كلام السندى
وقال الخازن : قيل هو خطاب مع الذين يطيقونه فيكون المعنى وأن تصوموا
أيها المطيقون وتتحملوا المشقة فهو خير لكم من الإفطار والفدية . وقيل هو
خطاب مع الكافة وهو الأصح لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى (وقال)
الله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ففرض الصوم ونسخ التخيير.
قال المنذرى : وفيه على بن الحسين بن واقد بن المسيح وفيه مقال .
( باب من قال هى مثبتة الشيخ والحبلى )
أى هذا باب فى بيان أن من قال هذه الآية ( وعلى الذين يطيقونه ) ثابتة
للشيخ والحبلى وهى غير منسوخة ( قال أثبتت للحبلى) أى أثبتت آية (وعلى
الذين بطيقونه ) لهما ونسخت فى الباقى، فالنسخ السابق أراد به نسخ العموم
والحاصل أن من يطيق الصوم لكن له عذر يناسب الإفطار أو عليه فيه زيادة
تعب كالشيخ الكبير فالآية فيه بقيت معمولة ونسحت فى غيره ، وعلى هذا
فلا حاجة فى بناء هذا الإثبات إلى تقدير لا فى قوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه) -
- ٤٣١جــ
٢٣٠١ - حدثنا ابنُ المُثَنَّى أخبرنا ابنُ أَبِى عَدِىٌ عنْ سَعِيدٍ عنْ
قَتَادَةً عن عُرْوَةَ عنْ سَعيدٍ بن جُبَيْرٍ عن ابن عبّاسٍ ﴿وَهَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ
فِذْيَةٌ طَعَمُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: (( كانَتْ رُخَصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالمَرْأةِ
الْكَبِيرَةِ وَمَا يُطِيقَنِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً
وَالْلَى وَالُرْضِعِ إِذَا خَافَتَاً .
- أى لا يطيقونه . قالة السندى: والحديث سكت عنه المنذرى .
(كانت) هذه الآية ( وعلى الذين يطيقونه ﴾ (رخصة) ثابتة باقية إلى
الآن ( للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام) لكن مع شدة
وتعب ومشقة عظيمة ، أو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام (أن
يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً ) ويؤيد هذا المعنى الأخير ، ما أخرجه
الدارقطنى عن عطاء عن ابن عباس ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)
واحد ، فمن تطوع خيراً قال زاد مسكيناً آخر فهو خير ، قال وليست بمنسوخة
إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذى لا يستطيع الصيام وأمر أن يظعم الذى يعلم
أنه لا يطيقه. وهذا إسناد صحيح ثابت. قال فى سبل السلام: روى عن ابن
عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطيقونه) أى يكلفونه ولا يطيقونه ويقول
ليست بمنسوخة، هى للشيخ الكبير والمرأة الهمة انتهى .
وقال العينى: وقد اختلف السلف فى قوله عز وجل ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾
فقال قوم إنها منسوخة ، واستدلوا بحديث سلمة وابن عمر أى الذى أخرجه
البخارى وهو قول علقمة والنخعى والحسن والشعبي وابن شهاب ، وعلى هذا
يكون قراءتهم ( وعلى الذين يطيقونه) بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء
الثانية . وعند ابن عباس هى محكمة وعليه قراءة يطوقونه بالواو المشددة، وروى -
-- ٤٣٢ -
قال أَبُو دَاوُدَ: يَعنى عَلَى أَوْلاَ دِهِا أَفْطَرَتَ وَأَطْعَمَتَا .
- عنه بطيقونه بفتح الطاء والياء المشددتين ثم إن الشيخ الكبير والعجوز إذا
كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا أو يطعما لكل
يوم مسكيناً، وهذا قول على وابن عباس وأبى هريرة وغيرهم انتهى . ومعنى
يطوقونه أى يكلفونه، ومعنى يطيقونه أى يتكلفونه كما يظهر من كلام العينى.
وقال الحافظ فى الفتح: واتفقت هذه الأخبار على أن قوله ﴿وعلى الذين يطيقونه
فدية) منسوخ وخالف فى ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة، لكنها
مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه انتهى .
( والحبلى والمرضع ) أى كانت رخصة للحبلى والمرضع . قال الخطابى :
مذهب ابن عباس فى هذا أن الرخصة مثبتة للحبلى والموضع إذا خافتا على أولادهما
وقد نسخت فى الشيخ الكبير الذى يطيق الصوم فليس له أن يفطر ويفدى ،
إلا أن الحامل والمرضع وإن كانت الرخصة قائمة لهما فإنه يلزمهما القضاء مع
الإطعام، وإنما لزمهما الإطعام مع القضاء لأنهما يفطران من أجل غيرهما شفقة
على الولد وإبقاء عليه. وإذا كان الشيخ يجب عليه الإطعام ، وهو إنما رخص
له فى الإفطار من أجل نفسه فقد عقل أن من يرخص فيه من غيره أولى بالإطعام
وهذا على مذهب الشافعى وأحمد بن حنبل . وقد روى ذلك أيضاً عن مجاهد .
وأما الشيخ الكبير الذى لا يطيق الصوم فإنه يطعم ولا قضاء عليه لعجزه . وقد
روى ذلك عن أنس وكان يفعل ذلك بعد ما أسن وكبر، وهو قول أبى حنيفة
وأصحابه ، ومذهب الشافعى والأوزاعى وسفيان الثورى وأبى حنيفة وأصحابه فى
الحبلى والمرضع يقضيان ولا يطعمان كالمريض، كذلك روى عن الحسن وعطاء
والنخعى والزهرى . وقال مالك بن أنس : الحبلى هى كالمريض تقضى ولا تطعم
والمرضع تقضى وتطعم . والحديث سكت عنه المنذرى .
=٤٣٣ -
٤ - باب الشهر يكون تسعا وعشرين
٢٣٠٢ - حدثنا سُلِمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا شُعْبَةُ عنِ الْأُسْوَدِ بن
فَيْسٍ عن سَعِيدٍ بن عَمْرٍو يَعْنى ابنَ سَعيدٍ بن الْعَاصِ عن ابن عُمَرَ قال قال
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّا أَمَّةُ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ تَحْسُب!
( باب الشهر يكون تسعاً وعشرين)
أى هذا باب فى بيان أن الشهر قد يكون تسماً وعشرين لا أنه يكون
دائماً كذلك .
( إنا) أى العرب وقهل أراد نفسه (أمة) أى جماعة قريش مثل قوله تعالى
﴿ أمة من الناس يسقون) وقال الجوهرى: الأمة الجماعة. وقال الأخفش: هو
فى اللفظ واحد وفى المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة والأمة الطريقة
والدين ، يقال فلان لا أمة له أى لا دين له ولا نحلة له ، وكسر الهمزة فيه لغة .
وقال ابن الأثير: الأمة الرجل المفرد بدين لقوله تعالى ﴿ إن إبراهيم كان أمة
فانتا لله) قاله العينى ( أمية) بلفظ النسب إلى الأم ، فقيل أراد أمة العرب لأنها
لا تكتب ، أو منسوب إلى الأم لأن المرأة هذه صفتها غالباً، وقبل منسوبون
إلى أم القرى وهى مكة أى إنا أمة مكية . قاله الحافظ فى الفتح. وقال العينى :
قيل معناه باقون على ما ولدت عليه الأمهات . وقال الداودى: أمة أمية لم يأخذ
عن كتب الأمم قبلها إنما أخذت عما جاءه الوحى من الله عز وجل انتهى
(لانكتب ولا نحسب) بالنون فيهما وهما تفسيران لكونهم أمهة . قال
الحافظ فى الفتح: والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو
محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم. وقيل للعرب أميون لأن
الكتابه كانت فيهم عزيزة . قال الله تعالى ﴿ هو الذى بعث فى الأميين -
(٢٨ - عون المعبود ٦)
- ٤٣٤ ١
الشَّهْرُ فَكَذَ وَهَكَذَ وَهَكَذَا وَخَذَسَ [حَبَسَ] سُلَمَانُ إِصْبَعَهُ فى الثَّالِثَةِ
يْنِى ◌ِسْماً وَعِشْرِينَ وَثَلَائِينَ )).
- رسولا منهم﴾ ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة
كانت فيهم قليلة نادرة . والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها
ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره
بالرؤية لرفع الحرج عنهم فى معاناة حساب التسيير انتهى .
قال العينى: وقوله لا تحسب بضم السين (الشهر ) أى الذى نحن فيه ، أو
جنس الشهر وهو مبتدأ ( هكذا) مشاراً بها إلى نشر الأصابع العشر (وهكذا)
ثانياً (وهكذا) ثالثاً خبره بالربط بعد العطف، وفسره الراوى بتسعة وعشرين
وثلاثين . قلت : لفظ هكذا وهكذا وهكذا ثابت فى بعض النسخ ثلاث مرات
وفى بعض النسخ هكذا وهكذا مرتان ، وكذا أورده البخارى فى رواية مختصراً
ولفظه الشهر هكذا وهكذا يعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين .
قال الحافظ فى الفتح: هكذا ذكره آدم شيخ البخارى مختصراً ، وفيه
اختصار عما رواه غندر عن شعبة . أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عنه بلفظ:
الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام فى الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعنى
تمام الثلاثين أى أشار أولا بأصابع يديه العشر جميعاً مرتين وقبض الإبهام فى
المرة الثالثة ، وهذا المعبر عنه بقوله تسع وعشرون، وأشار مرة أخرى بهما ثلاث
مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون انتهى .
وقال الخطابي: قوله الشهر هكذا يريد أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين
وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون وإنما احتاج إلى بهان ما كان موهوماً
أن يخفى عليهم لأن الشهر فى العرف وغالب العادة ثلاثون ، فوجب أن يكون
البيان فيه مصروفاً إلى النادر دون المعروف منه، فلو أن رجلا حلف أو نذر أن -
- ٤٣٥ -
٢٣٠٣ - حدثنا سُلِيمَانُ بنُ دَاوُدّ الْعَتَكِىُّ أخبرنا حمادٌ أخبرنا
أَيُّبُ عن نَافِج عن ابنُمَرَ قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((الشّهرُ
يَسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلاَ تَصُومُوا حَتّى تَرَوْهُ وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ . فَإِنْ [َفَإِذا]
- يصوم شهرا بعينه فصام فكان تسما وعشرینکان بارا فى يمينهونذره ، ولو
حلف لهصومن شهرا لا بعينه فعليه إتمام المدة ثلاثين يوماً . وفى الحديث
مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة وإعمال دلالة الإيماء كمن قال : امرأتى ظالق
وأشار بإصبعه الثلاث أنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال .
(وخذس سليمان إصبعه) قال الخطابي : أى أضجعها فأخرها عن مقام
أخواتها ، ويقال الرجل إذا كان مع أصحابه فى مسير أو سفر فتخلف عنهم قد
خذس عن أصحابه انتهى :
وقال العيفى: لفظ خفس بفتح الخاء المعجمة والنون وفى آخره سين مهملة
معناه قبض . والمشهور أنه لازم يقال خنس خنوساً، ويروى حبس بالحاء المهمله
والباء الموحدة بمعنى خنس وهى رواية الكشميهنى. انتهى . قال المنذرى :
والحديث أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه .
( الشهر تسع وعشرون) ظاهره حصر الشهر فى تسع وعشرين مع أنه
لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة
وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب
لقول ابن مسعود: ما صمنا مع النبى صلى الله عليه وسلم تسماً وعشرين أكثر
مما صمنا ثلاثين أخرجه أبو داود والترمذى . قاله فى الفتح ( فلا تصوموا حتى
تروه ) أى الهلال ، لا يقال إنه إضمار قبل الذكر لدلاله السياق عليه، كقولة
تعالى ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ أى لأبوى الميت. قاله العينى.
وقال فى الفتح : ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية فى حق كل أحد بل المراد -
-٤٣٦-
نُّ عَلَيْكُمْ فَقْدُرُوا لَهُ ثَلاَئِينَ. قالَ : فَكَان ابنُ عُمَرَ إِذَا كَان شَعْبَانُ
- بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك إما واحد على رأى الجمهور أو اثنان
على رأى آخرين انتهى ( ولا تفطروا حتى تروه) أى هلال شوال . وقد استفيد
من هذا الحديث أن وجوب الصوم ووجوب الإفطار عند انتهاء الصوم معملقا
برؤية الهلال ( فإن غم عليكم) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم أى حال بينكم
وبينه غيم . قاله الحافظ .
وقال العينى: أى فإن ستر الهلال عليكم ، ومنه الغم لأنه يستمر القلب ،
والرجل الأغم المستور الجبهة بالشعر، وسمى السحاب فيما لأنه يستر الشماء ،
ويقال غم الهلال إذا استتر ولم ير لاستتاره بغيم ونحوه، وغممت الشىء أى غطيته
انتهى (فاقدروا له) أى الشهر. قال الطبيبى: أى فاقدروا عدد الشهر الذى
كنتم فيه. انتهى. وقال الزركشى يعنى حققوا مقادير أيام شعبان حتى تكملوه
ثلاثين يوماً انتهى .
وقال العينى: هو بضم الدال وكسرها يقال: قدرت لأمر كذا إذا نظرت
فيه ودبرته انتهى . وفى رواية للبخارى: الشهر تسع وعشرون ليلة فلاتصوموا
حتى تروه فإن غم عليكم فأ كملوا العدة ثلاثين.
قال فى الفتح : قال الجمهور المراد بقوله فاقدروا له أى انظروا فى أول الشهر
واحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد وهى
فأ كملوا العدة ثلاثين ونحوها . وأولى مافسر الحديث بالحديث انتهى.
قال الخطابي: قوله فاقدروا له معناه التقدير بإكمال العدد ثلاثين ، يقال :
قدرت الشىء أقدره قدراً بمعنى قدرته تقديراً ومنه قوله تعالى ﴿وقدرنا فنعم
القادرون ) وكان بعض أهل المذهب يذهب فى ذلك غير هذا المذهب ، وتأوله
على التقدير بحساب سير القمر فى المنازل، والقول الأول أشبه، ألا تراه يقول -
-٤٣٧ -
تِسْعاً وعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ فَإِن رُلِّىَ فَذَاكَ وَ إِن [ لَمْ] يُرَ وَلَمْ يَمُلْ دُونَ مَنْظُرٍ.
سَحَابٌ وَلاَ قَتَرَةُ أَصْبَحَ مُفْطِراً، فَإِنْ حَلَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتْرَةٌ
أَصْبَحَ صَائِماً. فال وَ كَانَ [ فَكَنَ] ابنُ ◌ُمَوَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلاَ يَأْخُذْ
هِذَا الْحِسَابِ)).
- فى الرواية الأخرى ((فإن غم عليكم نصوموا ثلاثين يوماً)) حدثناه جعفر بن
نصير الخالدى حدثنا الحارث بن أبى أسامة حدثنا سليمان بن داود حدثنا إبراهيم
ابن سعد عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الله عز وجل جعل الأهلة مواقيت للناس فصوموا
لرؤيته وأفطرو لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً)) وعلى هذا قول عامة
أهل العلم . ويؤكد ذلك نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الشك .
وكان أحمد بن حنبل يقول: إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان لعلة فى
السماء صام الناس، فإن كان محو لم يصوموا تباعاً لمذهب ابن عمر ( نظر له)
بصيغة المجهول أى لعبد الله بن عمر ( فإن رؤى) أى الهلال ( فذاك) يعنى
أصبح ابن عمر صائماً ( وإن لم يُرَ) أى الهلال (ولم يحمل) من حال يحول.
( ولا قترة ) بفتحات .
قال الخطابي : الفترة الغبرة فى الهواء الحائل بين الإبصار وبين رؤية الهلال
( دون منظره) أى قريب منظره (سحاب أو فترة) أى غبار فى تلك الليلة وهى
ليلة الثلاثين من شعبان (أصبح) ابن عمر (صائماً) قال الخطابي: وكان مذهب
عبد الله بن عمر بن الخطاب صوم يوم الشك إذا كان فى السماء سحاب أو فترة
فإن كان سحو ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس انتهى .
قال ابن الجوزى: فى التحقيق لأحمد فى هذه المسألة وهى ما إذا حال دون -
- ٤٣٨ -
- مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال. أحدها يجب صومه
على أنه من رمضان، ثانيها لا يجوز فرضاً ولا نفلا مطلقاً، بل قضاء وكفارة
ونذراً ونفلا يوافق عادة ، وبه قال الشافعى وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز
عن فرض رمضان ويجوز هما سوى ذلك، ثالثها المرجع إلى رأى الإمام فى
الصوم والفطر. واحتج الأول بأنه موافق لرأى الصحابى راوى الحديث . فال
أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر فذكر الحديث بلفظ
((فاقدروا له)) قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون
يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم محل دون منظره سحاب ولا قتر
أصبح مفطراً وإن حال أصبح صائماً .
وأما ما روى الثورى فى جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر
يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذى يشك فيه ، فالجمع بينهما أنه فى
الصورة التى أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك ، وهذا هو المشهور عن أحمد
أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من
لا يقبل الحاكم شهادته ، فأما إذا حال دون منظرة شىء فلا يسمى شكا واختار
كثير من المحققين من أصحابه الثانى انتهى .
قلت: قد جاء فى رواية البخارى وغيره ((فإن غم عليكم فأ كملوا العدة
ثلاثين)) وفى رواية للبخارى وأبى داود وغيرهما قال عمار: من صام يوم الشك
فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فهذان يدلان على عدم جواز الصوم
يوم الشك وعلى عدم جواز صوم رمضان إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو
فتر ليلة الثلاثين من شعبان ، وما ذهب إليه أحمد بن حنبل هو قول ضعيف
وقول عمار رضى الله عنه من قبيل المرفوع لأن الصحابى لا يقول ذلك من قبل
رأيه وسيجىء بعض بيانه فى باب كراهية صوم يوم الشك إن شاء الله تعالى.
(قال) نافع (وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب ) قال -
- ٤٣٩ -
٢٣٠٤ - حدثنا ◌َُيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا عَبْدُ الْوَهَبِ حدثنى أَيُّوبُ
قالَ: ((كَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ بَلَغَنَ عنْ ( أَنٌْ]
رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ ابنٍ عَمَرَ عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم زَادَ وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يُقَدَّرُ لَهُ أَنَّ إِذَا رَأَيْنَا مِلاَلَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا
فالصَّوْمُ إنْ شَاءَ اللهُ لِكَذَا وَكَذَا إلَّا أَنْ يَرَوا الهِلَاَلَ قَبْلَ ذَلِكَ)).
٢٣٠٥ - حدثنا أَحْمَدُ بن مَنِيِعِ عن ابن أبى زَائِدَةَ عنْ عِيسَى بن
دِيِدَرٍ عنْ أَبِهِ عنْ عَمْرِو بن الحارِثِ بن أبى ضِرَارٍ عن ابن منتعُودٍ قالَ:
(( لَمَا عُثْنَا مَعَ النَّبِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَسْعَاً وَعِشْرِينَ أَ كْثَرَ ئِمَا حُبْنَاَ
مَعَهُ ثَلَائِينَ )).
- الخطابى: يريد أنه كان يفعل ذلك الصنيع فى شهر شعبان احتياطاً للصوم
ولا يأخذ بهذا الحساب فى شهر رمضان ولا يفطر إلا مع الناس انتهى . قال
المحذرى: وأخرج مسلم منه المسعد فقط ( زاد) أى أيوب فى رواية عبد الوهاب
عنه دون حماد ( إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا ) أى لثلاثين فى ليلة فلان
وفلان ( فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا ) أى بحساب الثلاثين فى يوم فلان
وفلان ( إلا أن يروا ) أى الناس (الهلال قبل ذلك ) أى الثلاثين فيكون
الصوم بحساب تسعة وعشرين من شعبان . قال المنذرى: وهذا الذى قاله عمر
ابن عبد العزيز قضت به الروايات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(لما صمنا) ما موصولة أو مصدرية. قال المنذرى: والحديث أخرجه
الترمذى .
1
-٤٤٠ -
٢٣٠٦ - حدثنا مُسَدَّدٌ أَنَّ يَزِيدَ بنَ زُرَيْعِ حَدُّهُمْ أخبرنا خَالِدٌ
الخذّاءِ عن عبْدِ الرَّحمن بن أبى بَكْرَةَ من أَبِيهِ عن النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
قال: ((شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الحِجَّة)).
- (شهرا عيد) أى شهر رمضان وشهر ذى الحجة. قال فى الفتح أطلق على
رمضان أنه شهر عيد لقربه من العهد أو لكون هلال العيد ربما ربى فى اليوم
الأخير من رمضان. قاله الأثرم. والأول أولى. ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم
((المغرب وتر النهار)) أخرجه الترمذى من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية
جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه، وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول
ما تغرب الشمس انتهى ( لا ينقصان ) قال الخطابي: اختلف الناس فى تأويله
على وجوه، فقال بعضهم معناه أنهما لا يكونان ناقصين فى الحكم وإن وجدا
ناقصين فى عدد الحساب ، وقال بعضهم معناه أنهما لا يكادان يوجدان فى سعة
واحدة مجتمعين فى النقصان إذا كان أحدهما تسعا وعشرين كان الآخر ثلاثين
على الإكال . قلت : وهذا القول لا يعتمد لأن دلالته تختلف إلا أن يحمل
الأمر فى ذلك على الغالب الأكبر. وقال بعضهم إنما أراد بهذا تفضيل العمل
فى العشر من ذي الحجة فإنه لا ينقص فى الأجر والثواب عن شهر رمضان انتهى
(رمضان وذو الحجة) بدلان أو بها نان أو هما خبرا مبتدأ محذوف تقديره أحدهما
رمضان والآخر ذو الحجة. قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم
والترمذى وابن ماجه .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وفى معناه أقوال :
أحدها : لا يجتمع نقصهما معاً فى سنة واحدة ، وهذا منصوص الإمام أحمد . ==