النص المفهرس
صفحات 21-40
- ٢١ - ◌ُقَتُهَ إلاَّ لِمَنْ أَشَادَ بِهَاَ [أَنْشَدَهَا] وَلا يَعْلُحُ لِرَ جُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السَّلاَحُ لِتَلٍ وَلا يَضْلُحُ أَن يُقْطَعَ مِنْهَاَ شَجَرَةٌ إلا أَن يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيِرَهُ)). - الإزعاج وتنحيته من موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أم لا لكن إن تلف فى نفاره قبل سكون نفاره ضمنه المنفر وإلا فلا ضمان . قال العلماء : فيه الغبى صلى الله عليه وسلم بالتنفير على الإتلاف ونحوه لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى . قاله النووى (أشاد بها) هكذا فى بعض النسخ أى رفع صوته بتعريفها أبدا لا سنة ، يقال أشاده وأشاد به إذا أشاعه ورفع ذكره . كذا فى النهاية. وفى بعضها أنشدها ، وفى رواية مسلم من حديث أبى هريرة لا تحل لقطتها إلا لمنشد. المنشد هو المعرف، وأما طالبها فيقال له ناشد. وأصل النشد والإرشاد رفع الصوت . ومعنى الحديث لا تحل لقطتها لمن يريد أن يعرفها سنة ثم يتملكها كما فى باقى البلاد بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبداً ولا يتملكها ، وبهذا قال الشافعى وعبد الرحمن بن مهدى وأبو عبيد وغيرهم . وقال مالك: يجوز تملكها بعد تعرفها سنة كمافى سائر البلاد . وبه قال بعض أصحاب الشافعى . قاله النووى (ولا يصلح الرجل) قال ابن رسلان: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة فإن كانت حاجه جاز (ولا يصلح أن يقطع) استدل بهذا وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة على تحريم شجرها وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره . الشافعى ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم على أن المدينة حرماً كرم مكة يحرم صيده وشجره . قال الشافعى ومالك: فإن قتل صيداً أو قطع شجراً فلا ضمان لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى . وقال ابن أبى ذئب وابن أبى ليلى يجب فيه الجزاء كرم مكة ، وبه قال بعض المالكية وهو ظاهر قوله كما حرم إبراهيم مكة . وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولاتثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديث - - ٢٢ - ٢٠٢٠ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ أَنَّ زَيْدَ مِنَ الْبَابِ حَدَّمَهُمْ أخبرنا سُلِيمَانُ بِنُ كِفَانَةَ مَوْلَى عُثْنَ بنِ عَقّنٍ أنبأنا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِى سُفْيَانَ عن عَدِىٌّ بنِ زَيْدٍ قال: ((حَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كلَّ نَاحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ بَرِيدًا بَرِيدًا لا يُخْبَطُ شَجَرَةً [ شَجَرُهَا - شَجَرُهُ] وَلَا يُعْضَدُ إِلاَّ ما يُسَقُ بِهِ الْجَمَلُ)). - ترد عليهم واستدلوا بحديث ((يا أبا عمير ما فعل النغير)) وأجيب عنه بأن ذلك كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل ( إلا أن يعلف ) من باب ضرب والعلف بفتح العين واللام اسم الحشيش أى ما تأكله الدابة وبسكون اللام مصدر علقت عاماً. وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف لا لغيره . والحديث سكت عنه المنذرى . ( قال حى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفى المنتقى عن أبى هريرة قال (( حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لا بتي المدينة وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حى)) متفق عليه. ولفظ مسلم من حديث أبى هريرة قال (( حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لا بتي المدينة)) قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لا بتيها ما ذعرتها ، وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حتى انتهى والضمير فى قوله ((جعل)) راجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم كما يدل على ذلك حديث عدى بن زيد الجذامى هذا، فهذا الحديث مثل ما فى الصحيحين لأن البريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة . قال أهل اللغة : اللابتان الحرتان واحدتهما لابة بتخفيف الموحدة وهى الحرة والحرة الحجارة السود ، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهى بينهما . ومعنى الحديث أنه حى المدينة من كل جانب أى الشرق والغرب والجنوب والشمال أربعة بريداً وهى اتناعشر ميلافصار فى كل ناحية ثلاثة أميال (لا يخبط) - - ٢٣ ست ٢٠٢١ - حدثنا أَبُو سَلَةَ أخبرنا جَرِيرٌ - يَعنى ابنَ حَازِمٍ- قال حدَّْنِى يَعْلَى بِنُ حَكِيمٍ مِن سُلَمانَ بنِ أَبِ عَبْدِ اللهِ قال: ((رَأَيْتُ سَعْدَ ابنَ أَبِى وَقَصٍ أُخَذَ رَجُلاً يَصِيدُ فى حَرَمِ المَدِينَةِ الَّذِى حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَوَالِهِ وَكَلَُّوهُ [ فَكَلَُّوهُ ] فِيهِ، فقال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم حَرَّمَ هَذَا الْرَمَ وَقالَ: مَنْ وَجَدَ [ أَخَذَ ] أَحَداً يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلِهُ ثِيَبَهُ وَلاَ أَرُدُّ عَلَيْكُمُ طُعْمَةٌ أَطْعَمَنِيَهَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ ثُمَهُ )). - بصيغة المجهول الخبط ضرب الشجر ليسقط ورقه ( ولا يعضد ) بصيغة المجهول أى لا يقطع والعضد القطع ( إلا ما يساق به) من السوق يقال سقت الدابة أسوقها سوقاً أى ما يكون علقاً للجمل على قدر الضرورة فيساق به الجمل للرعى. قال المنذرى : فى إسناده سليمان بن كنانة سئل عنه أبو حاتم الرازى فقال لا أعرفه، ولم يذكره البخارى فى تاريخه، وفى إسناده أيضاً عبد الله بن أبى سفيان وهو فى معنى المجهول . (أخذ رجلا) أى عبداً ( فسلبه ثيابه) بدل اشتمال أى أخذ ما عليه من الثياب ( فجاء مواليه وكلوه فيه) أى شأن العبد ورد سلبه ( حرم هذا الحرم) قال الطيبى رحمه الله: دل على أنه اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة (قال ) أى النَِّ صلى الله عليه وسلم ( فليسلبه ثيابه ) هذا ظاهر فى أنها تؤخذ ثيابه جميعها. وقال الماوردى: يبقى له ما يستر عورته . وصححه النووى واختاره جماعة من أصحاب الشافعى ( ولا أرد عليكم طعمة) بضم الطاء وكسرها ، ومعنى الطعمة الأكلة وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته ( ولكن إن شئتم دفعت ) أى تبرعاً. وبقصة سعد هذه احتج من قال إن من صاد من حرم المدينة أو قطع - - ٢٤ - ٢٠٢٢ - حدثنا عُسْمَانُ بنُ أَبِى شَيْبةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا ابنُ أَبِ ذِئْبٍ عن صَالحِ مَوْلَى النَّوْمَةِ عن مَوْلَى لِسَعْدٍ أَنَّ سَعْداً وَجَدَ عَبِيداً مِنْ عَبِيدِ المَدِينَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرٍ لَدِينَةِ، فَأَخَذَ مَتَعَهُمْ وَقال - يَعَنِى لِمَوَالِيهِمْ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَنْعَى أَنْ يُقْطَعَ منْ شَجَرِ المَدِينَةِ شَىْءٍ وَقال: مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ)). - من شجرها أخذ سلبه. وهو قول الشافعى فى القديم. قال النووى : وبهذا قال سعد بن أبى وقاص وجماعة من الصحابة انتهى . وقد حكى ابن قدامة عن أحمد فى أحد الروايتين القول به ، قال وروى ذلك عن أبى ذئب وابن المنذر انتهى. وهذا يرد على القاضى عياض حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعى فى قوله القديم . وقد اختلف فى السلب فقيل : إنه من سلبه وقيل لمسا كين المدينه وقيل لبيت المال ، وظاهر الأدلة أنه طعمة لكل من وجد فيه أحداً يصيد أو يأخذ من شجرة انتهى . قال المنذرى: سئل أبو حاتم الرازى عن سليمان بن أبى عبد الله فقال ليس بالمشهور ، فيعتبر حديثه انتهى. وقال الذهبي : تابعی وثق . ( من شجر المدينة ) أى من بعض أشجارها ( فأخذ متاعهم ) أى ثيابهم وما عندهم ( وقال يعنى لمواليهم ) تفسير من الراوى (أن يقطع) بصيغة المجهول ( وقال) أى النبى صلى الله عليه وسلم (من قطع منه) أى من شجرها ( فلمن) أى الذى (أخذه) أى القاطع (سلبه) بفتح السين واللام أى ما عليه من الثياب وغيره . قال المنذرى: صالح مولى التوأمة لا يحتج بحديثه ، ومولى سعد مجهول. وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث عامر بن سعد بن أبى وقاص أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فلبه فلما - - ٢٥ - ٢٠٢٣ - حدثنا عُمَّدُ بنُ حَقْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَطَّنُ أخبرنا مُمَّدُ بنُ خَالِدِ [ ◌ُمَّدُ بنُ عَتْمَةَ] أخبرنى خَرِجَةُ بنُ الْحَارِثِ الْجَِىُّ أخبر نى أبِى عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((لا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ حِى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمٍ وَلَكِنْ يُهَئِنُّ هَشَّا رَفِيقًا ». ٢٠٢٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْتَى ح. وَحدثنا عُثْمَانَ بِنُ أَبِ شَيْبَةً عن ابنِ نُمَيْرٍ عن عُبَيْدِ اللهِ عن نَفِع عن ابنِ مُمَرَ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَأْتِى قُبَاءَ مَاشِيَا وَرَاكِباً. زَادَ ابنُ نُصَيْرٍ: وَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ )). - رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم ، فقال معاذ الله أن أرد شيئاً نفلفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرد عليهم. وقال أبو بكر البزاز: وهذا الحديث لا يعلم رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا سعد ولا يعلم رواه عن سعد إلا عامر هذا آخر كلامه، وقد قدمناه من حديث سليمان بن أبى عبد الله عن سعد ، ومن حديث مولى سعد عنه فلعله أراد من وجه يثبت انتهى كلامه . ووهم الحاكم فقال فى حديث سعد إن الشيخين لم يخرجاه وهو فى مسلم . (حى) بكسر الحاء بغير تنوين وهو المحظور، وفى العرف ما يحميه الإمام لمواشى الصدقة ونحوها . قال فى المصباح : حميت المكان من الناس حمها من باب رمى وحمية بالكسر منعته عنهم ، وأحميته بالألف جعلته حى لا يقرب ولا يجترأ عليه ( ولكن يهش) بصيغة المجهول (هشا) أى ينثر بلين ورفق . قال فى المصباح: هش الرجل هشاً من باب قتل صال بعصاه وهش الشجرة هشاً أيضاً ضربها ليتساقط ورقها انتهى . والحديث سكت عنه المنذرى . (كان يأتى قباء ماشها وراكباً) وفى رواية لمسلم أن ابن عمر كان يأتى - - ٢٦ - ١٠٠ - باب زيارة القبور ٢٠٢٥ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عَوْفٍ أخبرنا المُقْرِئُ أخبرنا حَيْوَةَ عن أَبِى صَخْرٍ مَُيْدٍ بِنِ زِيَادٍ عن يَزِيدَ بنِ مَبْدِ اللهِ بنِ قُسَيْطٍ عن أبىِ هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((مَآَمِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلَّ رَدَّ اللهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ )» . - مسجد قباء كل سبت وكان يقول رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت أما قباء فالصحيح المشهور فيه المد والتذكير والصرف وهو قريب من المدينة من عواليها . وفيه بيان فضله وفضل مسجده والصلاة فيه وفضيلة زيارته وأنه يجوز زيارته راكبًا وماشياً وقوله كل سبت فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة وهذا هو الصواب وقول الجمهور ، وكره ابن مسلمة المالكى ذلك قالوا لعله لم يبلغه هذا الحديث قاله النووى . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر . (زاد ابن غير) هو عبد الله. ( باب زيارة القبور ) هكذا فى بعض النسخ والأكثر خال عن هذا وليس هذا الباب فى المنذرى أيضاً وإنما أورد المؤلف فى باب تحريم المدينة أحاديث تحريمها وما يتعلق بفضائل المدينة وزيارة قباء والصلاة والسلام عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. ( قال ما من أحد يسلم علىّ إلا رد الله علىّ روحى حتى أرد عليه السلام) قال فى فتح الودود : إلا رد الله على روحى من قبيل حذف المعلول وإقامة العلمة مقامه ، وهذا فن فى الكلام شائع فى الجزاء والخبر مثل قوله تعالى ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك) أى فإن كذبوك فلاتحزن فقد كذب. الخ، فيذف - - ٢٧ - - الجزاء وأقيم علته مقامه، وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) أى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلا نضيع عملهم لأنا لا نضيع أجر من أحسن عملا، فكذا ههنا يقدر الكلام أى ما من أحد يسلم على إلا أرد عليه السلام لأفى حى أقدر على رد السلام وقوله حتى أرد عليه ، أى فسبب ذلك حتى أرد عليه فحتى هنا حرف ابتداء تفيد السببية مثل مرض فلان حتى لا يرجونه، لابمعنى كى، وبهذا اتضح معنى الحديث ولا يخالف ما ثبت حياة الأنبياء عليهم السلام انتهى كلامه. وقال السيوطى: وقع السؤال عن الجمع بين هذا الحديث وبين حديث الأنبياء أحياء وفى قبورهم يصلون وسائر الأحاديث الدالة فى حياة الأنبياء فإن ظاهر الأول مفارقة الروح فى بعض الأوقات وألفت فى الجواب عن ذلك تأليفاً سميته انتباه الأذكياء بحياة الأنبياء. وحاصل ماذكرته فيه خمسة عشر وجها أقواها أن قوله رد الله روحى جملة حالية ، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا صدرت بفعل ماض قدرت فيه كقوله تعالى: ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ أى قد حصرت وكذا ههنا يقدر قد والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد ، وحتى ليست التعليل بل لمجرد العطف بمعنى الواو فصار تقدير الحديث : ما من أحد يسلم على إلا قد رد الله على روحى قبل ذلك وأرد عليه. وإنما جاء الإشكال من أن جملة رد الله على روحى بمعنى حال أو استقبال ، وظن أن حتى تعليلية ولا يصح كل ذلك . وبهذا الذى قدرناه ارتفع الإشكال من أصله. ويؤيده من حيث المعنى أن الرد لو أخذ بمعنى حال أو استقبال للزم تكرره عند تكرر المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرر المفارقة، وتكرر المفارقة يلزم عليه محذورات ، منها تألم الجسد الشريف بتكرار خروج روحه وعوده أو نوع ما من مخالفة تكرير إن لم يتألم ومنها مخالفة سائر الناس من الشهداء وغيرهم إذ لم يثبت لأحدهم أنه يتكرر - - ٢٨ - - له مفارقة روحه وعوده بالبرزخ وهو صلى الله عليه وسلم أولى بالاستمرار الذى هو أعلى رتبة. ومنها مخالفة القرآن إذ دل أنه ليس إلا موتتان وحياتان ، وهذا التكرار يستلزم موتات كثيرة وهو باطل . ومنها مخالفة الأحاديث المتواترة الدالة على حياة الأنبياء وما خالف القرآن والسنة المتواترة وجب تأويله. قال البيهقى فى كتاب الاعتقاد : الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء. والحديث أخرجه البيهقى فى كتاب حياة الأنبياء بلفظ ((إلا وقد رد الله على روحى)) بزيادة لفظ ((قد)) وقال البيهقى فى شعب الإيمان: وقوله ((إلا رد الله على روحى)» معناه والله أعلم إلا وقد رد الله على روحى فأرد عليه السلام ، فأحدث الله عوداً على بدء. قال السيوطى : ولفظ الرد قد لا يدل على المفارقة بل كنى به عن مطلق الصيرورة وحسنه هذا مراعاة المناسبة اللفظية بينه وبين قوله حتى أرد عليه السلام فجاء لفظ الرد فى صدر الحديث لمناسبة ذكره بآخره. وليس المراد بردها عودها بعد مفارقة بدنها وإنما النبى صلى الله عليه وسلم بالبرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق فى مشاهدته تعالى كما هو فى الدنيا بحالة الوحى ، فعبر عن إفاقته من تلك الحالة برد الروح انتهى. وقال الشيخ تاج الدين الفاكهانى: فإن قلت. قوله ((إلا رد الله على روحى)» لا يلتثم مع كونه حياً دائماً، بل يلزم منه أن تتعدد حياته ومماته ، فالجواب أن يقال معنى الروح هذا النطق مجازاً، فكأنه قال: إلا رد الله على نطقى وهو حى دائماً ، لكن لا يلزم من حياته نطقه فيرد عليه نطقه عند سلام كل أحد ، وعلاقة المجاز أن النطق من لازمه وجود الروح، كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة ، فعبر صلى الله عليه وسلم بأحد المتلازمين - - ٢٩ - - عن الآخر . ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين لقوله تعالى: ( ربنا أمتنا اثنتين وأحهيتنا اثنتين) انتهى كلامه. وقال العلامة السخاوى فى كتاب البديع : رد روحه يلزمه تعدد حياته ووفاته فى أقل من ساعة إذ الكون لا يخلو من أن يسلم عليه ، بل قد يتعدد فى آن واحد كثيراً. وأجاب الفاكهانى وبعضهم بأن الروح هنا بمعنى النطق مجازاً فكأنه قال يرد الله على نطقى . وقيل إنه على ظاهره بلا مشقة . وقيل : المراد بالروح ملك وكل بإبلاغه السلام وفيه نظر . انتهى . قال الخفاجى فى نسيم الرياض شرح الشفاء للقاضى عياض : واستعارة رد الروح للنطق بعيدة وغير معروفة، وكون المراد بالروح الملك تأباه الإضافة الضمير إلا أنه ملك كان ملازماً له ، فاختص به على أنه أقرب الأجوبة . وقد ورد فى بعض الأحاديث . وقال أبو داود: بلغنى أن ملكا موكلا بكل من صلى عليه صلى الله عليه وسلم حين يبلغه . وقد ورد أيضاً إطلاق الروح على الملك فى القرآن ، وإذا خص هذا بالزوار هان أمره . وجملة: ((رد الله علىّ روحى)) حالية ولا يلزمها قد إذا وقعت بعد إلا كما ذكره فى التسهيل، وهو استثناء من أعم الأحوال. وبالجملة فهذا الحديث لا يخلو من الإشكال . قال الخفاجى : أقول الذى يظهر فى تفسير الحديث من غير تكلف أن الأنبياء والشهداء أحياء وحياة الأنبياء أقوى ، وإذا لم يسلط عليهم الأرضُ فهم كالدائمين. والنائم لا يسمع ولا ينطق حتى ينتبه كما قال الله تعالى: ﴿والتى لم تمت فى منامها) الآية فالمراد بالرد الإرسال الذى فى الآية، وحينئذ فمعناه أنه إذا سمع الصلاة والسلام بواسطة أو بدونها تيقظ ورد لا أن روحه تقبض قبض المات ثم ينفخ وتعاد كموت الدنيا وحياتها لأن روحه مجردة نورانية - - ٣٠ - - وهذا لمن زاره ومن بعد عنه تبلغه الملائكة سلامه فلا إشكال أصلا انتهى . قال فى غاية المقصود شرح سنن أبى داود بعد ما أطال الكلام : هذا أى تقرير الخفاجى من أحسن التقارير . وأخرج أبو بكر بن أبى شيبة والبيهقى فى الشعب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علىَّ عند قبرى سمعته، ومن صلى نائياً بلغته)) ومعنى قوله نائياً أى بعيداً عنى وبلغته بصيغة المجهول مشدداً أى بلغته الملائكة سلامه وصلاته علىّ . وأخرج أحمد والنسائى والدارمى عن أبى مسعود الأنصارى مرفوعاً: ((إن لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى عن أمتى السلام)» وإسناده صحيح . قاله الخفاجى . وأخرج أبو الشيخ فى كتاب الصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم : حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأعرج حدثنا الحسين بن الصباح حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علىّ عند قبرى سمعته ، ومن صلى علىّ من بعيد أبلغته)» قال ابن القيم فى جلاء الأفهام : وهذا الحديث غريب جداً . وما قال على القارى تحت حديث الباب فى شرح الشفاء وظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان ومن خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان انتهى . فيرد كلامه بما ذكرنا من الروايات . والقول الصحيح أن هذا لمن زاره ومن بعد عنه تبلغه الملائكة سلامه . وحديث الباب أخرجه أحمد بقوله حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة نحوه سنداً ومتناً . قال ابن القيم : وقد صح إسناد هذا الحديث وسألت شيخنا ابن تيمية عن سماع يزيد بن عبد الله من أبى هريرة فقال كأنه أدر كه وفى سماعه منه نظر انتهى - - ٣١ - ٢٠٢٦ - حدثنا أَحَدُ بنُ صَالحِ قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بنِ نَافِعٍ قال أخبرنى ابنُ أَبِى ذِئْبٍ عن سَعِدٍ المقْبُرِىِّ عن أَبِى حُرِيْرَةَ قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لا تَجْمَلُوا بُيُوتِكُمُ قُبُوراً، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيِداً، وَصَلُوا عَلَىَّ فَإِنَّ صَلاَتَكمُ تَبْلُغُفى حَيْثُ كُنْتُمْ» - كلامه . وقال النووى فى الأذكار ورياض الصالحين: إسناده صحيح . وقال ابن حجر: رواته ثقات . وقال المنذرى: أبو صخر حميد بن زياد وقد أخرج له مسلم فى صحيحه وقد أنكر عليه شىء من حديثه وضعفه يحيى بن معين مرة ووثقه أخرى انتهى كذا فى غاية المقصود مختصراً . (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أى لا تتركوا الصلوات والعهادة فتكونوا فيها كأنكم أموات. شبه المكان الخالى عن العبادة بالقبور، والغافل عنها بالميت، ثم أطلق القبر على المقبرة . وقيل المراد لا تدفنوا فى البيوت، وإنمادفن المصطفى فى بيت عائشة مخافة اتخاذ قبره مسجداً ذكره القاضى ، قاله المناوى فى فتح القدير وقال الخفاجى: ولا يرد عليه أنه صلى الله عليه وسلم دفن فى بيته لأنه اتبع فيه سنة الأنبياء عليهم السلام كما ورد: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض . فهو مخصوص بهم انتهى (ولا تجعلوا قبرى عيداً) قال الإمام ابن تيمية رحمه الله - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وقد أبعد بعض المتكلفين وقال : يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا فى بعض الأوقات . كالعبد الذى لا يأتى فى العام إلا مرتين قال: ويؤيد هذا التأويل ما جاء فى الحديث نفسه: (( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)) أى لا تتركوا الصلاة فى بيوتكم حتى تجعلوها کالقبور التی لا یصلی فیها . قال بعضهم: وزيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه غنية عن هذا التكلف البارد = - ٣٢ - - معنى الحديث لا تعطلوا البهوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرى العبادة بالبهوت ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة. والعيد اسم ما يعود من الإجتماع العام على وجه معتاد عائداً ما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك . وقال ابن القيم: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذى يقصد فيه الاجتماع والانتياب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة للناس ، كماجعل أيام العيد منها عيداً . وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر ، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر انتهى . قال المناوى : فى فتح الغدير: معناه النهى عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم. وقيل العيد ما يعاد إليه أى لا تجعلوا قبرى عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علىّ، فظاهره منهى عن المعاودة والمراد المنع عما يوجبه وهو ظنهم بأن دهاء الغائب لا يصل - = والتأويل الفاسد الذى يعلم فساده من تأمل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه وقوله فى آخره: (( وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم)) وهل فى الألغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب فى الإكثار من الشىء، وملازمته بقوله (( لا تجعله عيداً))؟ وقوله: ((ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً)) نهى لهم أن يجعلوه بمنزلة القبور التى لا يصلى فيها وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيداً نهى لهم أن يجعلوه مجمعاً . كالأعياد التى يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة ، بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم ، على الوجه الذى يرضيه ويحبه ، صلوات الله وسلامه عليه . - ٣٣ - - إليه ويؤيده قوله: (وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم) أى لا تتكلفوا المعاودة إلى فقد استغنيتم بالصلاة على. قال المناوى ويؤخذ منه أن اجتماع العامة فى بعض أضرحة الأولياء فى يوم أو شهر مخصوص من السنة ويقولون هذا يوم مولد الشيخ ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه منهى عنه شرعاً ، وعلى ولى الشرع ردعهم على ذلك ، وإنكاره عليهم وإبطاله انتهى . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحديث يشير إلى أن ما ينالنى منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبرى وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً انتهى . والحديث دليل على مفع السفر لزيارته صلى الله عليه وسلم لأن المقصود منها هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له صلى الله عليه وسلم ، وهذا يمكن استحصاله من بعدكما يمكن من قرب ، وأن من سافر إليه وحضر من ناس آخرين فقد اتخذه عيداً وهو منهى عنه بنص الحديث، فثبت منع شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص ، كما ثبت النهى عن جعله عيداً بدلالة النص ، وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول، ووجه هذه الدلالة على المراد قوله تبلغنى حيث كنتم فإنه يشير إلى البعد ، والبعيد عنه صلى الله عليه وسلم لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه، والسفر يصدق على أقل مسافة من يوم فكيف بمسافة باعدة ، ففيه النهى عن السفر لأجل الزيارة والله أعلم. والحديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقى بها إلى درجة الصحة. قاله الشيخ العلامة محمد ابن عبد الهادى رحمة الله . وقال فى فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: رواته مشاهير لكن قال أبو حاتم (٣ - عون المعبود ٦) - ٣٤ - - الرازى فيه عبد الله بن نافع ليس بالحافظ نعرف ونفكر . وقال ابن معين : هو ثقة ، وقال أبو زرعة : لا بأس به . قال الشيخ ابن تيمية : ومثل هذا إذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ ، وهذا له شواهد متعددة انتهى ومن شواهده الصادقة ماروى عن على بن الحسين أنه رأى رجلا يجىء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعوفنهاه وقال ألاأحدثكم حديثاً سمعته من أبى عن جدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا تتخذوا قبرى عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغنى أين كنتم)) رواه الضياء فى المختارة وأبو بعلى والقاضى إسماعيل. وقال سعيد بن منصور فى سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهل ابن سهيل قال رآ نى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر فنادانى وهو فى بيت فاطمة يتعشى فقال حلم إلى العشاء ، فقلت لا أريده، فقال مالى رأيتك عند القبر؟ فقلت سلمت على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا تتخذوا قبرى عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث ما كنتم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء)). قال سعيد بن منصور أيضاً بسنده عن أبى سعيدمولى المهوى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تتخذوا قبرى عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى . قال ابن تيمية: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لاسيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضى ثبوته عنده هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غيرهذين فكيف وقد تقدم مسندا . انتهى . - ٣٥ - - قال ابن تيمية: وفى الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره صلى الله عليه وسلم وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد لأن ذلك من اتخاذها أعيادا. قال فى فتح المجيد شرح كتاب التوحيد : وهذه هى المسألة التى أفتى فيها شيخ الإسلام أعنى من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، ونقل فيها اختلاف العلماء، فمن مبيح لذلك كالغزالى وأبى محمد المقدسى ، ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل وأبى محمد الجوينى والقاضى عياض وهو قول الجمهور . نص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأمة وهو الصواب لحديث شد الرحال إلى ثلاثة مساجد كما فى الصحيحين . انتهى كلامه . وأما الآن فالناس فى المسجد الشريف إذا سلم الإمام عن الصلاة قاموا فى مصلاهم مستقبلين القبر الشريف الراكعين له، ومنهم من يلتصق بالسرادق ويطوف حوله وكل ذلك حرام باتفاق أهل العلم وفيه ما يجر الفاعل إلى الشرك ومن أعظم البدع المحرمة هجوم النسوة حول حجرة المرقد المفور وقيامهن هناك فى أكثر الأوقات وتشويشهن على المصلين بالسؤال وتكلمهن مع الرجال كاشفات الأعين والوجوه فإنا لله .. إلى ما ذهب بهم إبليس العدو وفى أى هوة أوقعهم فى لباس الدين وزى الحسنات. وإن شئت التفصيل فى هذه المسألة ، فانظر إلى كتب شيوخ الإسلام كابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الهادى من المتقدمين. وأما من المتأخرين فكشيخنا العلامة القاضى بشير الدين القنوجى رحمه الله تعالى ، فإن كتابه أحسن الأقوال فى شرح حديث : لا تشد الرحال ، والرد على منتهى المقال من أحسن المؤلفة فى هذا الباب . واعلم أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أشرف من أكثر الطاعات وأفضل من كثير المندوبات لكن ينبغى لمن يسافر أن ينوى زيارة المسجد النبوى ثم يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلى ويسلم عليه: اللهم ارزقنا - - ٣٦ - ٢٠٢٧ - حدثنا حَامِدُ بنُ يَحْيَى أخبرنا حُمَّدُ بنُ مَعْنِ المَدِينِىُّ [المَدَنى] أخبر فى دَاوُدُ بنُ خَالِدٍ عن رَبِيعَةَ بنٍ أَبِى عَبْدِ الرَّْنِ عن رَبِيعَةَ - يَعنى ابنَ الْهُدَيْرِ قال: ما سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عن رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم حَدِيثَاً قَطُّ غَيْرَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، قال قُلْتُ: وَمَ هُوَ ؟ قال: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاء حتى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةٍ وَاقٍِ ، فَأَ تَدَلِّيْنَ مِنْهَ فَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْذِيَةَ، قال قُلْنَا: يَارَسُولَ اللهِ أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَ ذِهِ؟ قال: قُبُورُ أَمْحَمِنَاَ، فَأَ مِثْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاء قال: هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا ». - زيارة المسجد النبوى وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم آمين . ( ابن الهدير) مصغراً ( خرجنا مع رسول الله) أى فى المدينة (نريد قبور الشهداء) أى زيارتها ( حتى إذا أشرفنا) أى صعدنا ( على حرة واقم ) بإضافة حرة إلى واقم. قال فى النهاية: الحرة الأرض ذات الحجارة وواقم بكسر القاف اطم من أطام المدينة وإليه ينسب الحرة ( فلما تدلينا منها) أى هبطنا إلى الأسفل ( فإذا قبور بمحنية) بحيث ينعطف الوادى وهو منحناه أيضاً أى بمحل انعطاف الوادى ، ومحافى الوادى معاطفه كذا فى النهاية. ومجنية بفتح الميم وسكون الحاء وكسر النون وفتح الياء (أ) بهمزة الاستفهام (قبور اخواننا) المسلمين (قال) النبى صلى الله عليه وسلم هذه ( قبور أصحابنا) الذين ماتوا على الإسلام ولم ينالوا منزلة الشهداء ( قبور الشهداء) فى سبيل الله ( قبور إخواننا) إنما أضاف النبى صلى الله عليه وسلم إليهم نسبة الأخوة وشرف بها لمنزلة الشهداء عند الله تعالى ما ليست لأحد. والحديث سكت عنه المنذرى. - ٣٧ - ٢٠٢٨ - حدثنا القَعْنَيُّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ حَمَرَ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ التى بِذِى الْخَلَيْفَةِ فَصَلَّى ◌ِهَا، فَكَنَ عَبْدُ اللهِ بنُمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ)). ٢٠٢٩ - حدثنا الْقَعْنَيُّ قال قال مَالِكٌ ((لا يَنْبَغَى لِأَحَدٍ أَنْ يُحَاوِزَ الْمُعَرِّسَ إذَا فَقَلَ رَاجِعاً إِلَى الْمَدِينَةِ حتى يُصَلّى فِيهَا مَا بَدَا لَهُ لِأَنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم عَرَّسَ بِهِ)). - (أناخ بالبطحاء) أى ناقته، والأبطح كل مكان متسع ( التى بذى الحليفة) قرية بينها وبين المدينة ستة أمهال أو سبعة انتهى. وهذا احتراز عن البطحاء التى بين مكة ومنى ( فصلى بها) قال القاضى : واستحب مالك النزول والصلاة فيه وأن لا يجاوز حتى يصلى فيه، وإن كان غير وقت صلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلى. قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ( المعرس) قال القاضى : المعرس موضع النزول . قال أبو زيد عرس القوم فى المنزل إذا نزلوا به أى وقت كان من ليل أو نهار . وقال الخليل والأصمعى : التعريس النزول فى آخر الليل. قال القاضى: والنزول بالبطحاء بذى الخليفة فى رجوع الحاج ليس من مناسك الحج وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركا بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ولأنها بطحاء مباركة. قال: وقيل إنما نزل به صلى الله عليه وسلم فى رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلا كمانهى عنه صريحاً فى الأحاديث المشهورة والله أعلم. قال المنذرى: هذا آخر كلامه وهو بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الراء المهملة وفتحها وبعدها سين مهملة. قال فى المراصد : المعرس مسجد ذى الحليفة على ستة أميال من المدينة وهو منهل أهل المدينة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرس فيه ثم يرحل انتهى - - ٣٨ - قال أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُمَّدَ بنَ إِسْحَقَ الَمَّدِينِيَّ قال: المُعَرَّسُ عَلَى سِيَّةِ أَمْيَلِ مِنَ المَدِيفَةِ. ٢٠٣٠ - [ حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالح قال قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بنِ نَفِعٍ قال حدَّثْنى عَبْدُ اللهِ - يَعنى الْعَمْرِىَّ - عن نافِعٍ عن ابنِ مُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى اللهُ عليهِ وسلم كَانَ إذَا قَدِمَ باتَ بِالْمُعَرِّسِ حتى يَغْتَدِىَ))] آخر كتاب المناسك - وفى النهاية : المعرس موضع التعريس وبه سمى معرس ذى الحليفة عرس به النبى صلى الله عليه وسلم. ( حتى يغتدى) يقال: غدى الرجل يغدو ذهب غدوة وهو نقيض راح، وغدا عليه غدوا أى بكر، ثم كثر حتى استعمل فى الذهاب والانطلاق فى أى وقت كان . واغتدى عليه اغتداء بمعنى غدا . والمعنى أن النبى صلى الله عليه وسلم بات بمعرس ذى الحليفة ثم ارتحل بعد الصبح . والحديث ليس من رواية اللؤلؤى ولذا لم يذكره المنذرى فى مختصره. قال المزى فى الأطراف: هذا الحديث فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم - ٣٩ - بسم الله الرحمن الرحيم أول كتاب النكاح ١ - باب التحريض على النكاح ٢٠٣١ - حدثنا عُمَانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن الأعمَشِ عن إبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ قال ((إِنِّى لأَمْشِى مَعَ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ مِنِى إِذْ لَفِيَهُ عُثْمَانُ فاسْتَخْلاَهُ ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قال لى: تَعَالَ ( أول كتاب النكاح ) النكاح فى اللغة الضم والتداخل، وفى الشرع عقد بين الزوجين يحل به الوطء وهو حقيقة فى العقد مجاز في الوطء وهو الصحيح لقوله تعالى ( فانكحوهن باذن أهلهن) والوطء لا يجوز بالاذن . وقال أبو حنيفة رحمه الله: هو حقيقة فى الوطء مجاز فى العقد لقوله صلى الله عليه وسلم (( تنا كحوا تكاثروا)) وقوله (( لعن الله ناكج يده)) وقيل إنه مشترك بينهما. وقال الفارسى: إنه إذا قيل نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد به العقد ، وإذا قيل نكح زوجته فالمراد به الوطء ، ويدل على القول الأول ما قيل إنه لم يرد فى القرآن إلا العقد كما صرح بذلك الزمخشرى فى كشافه فى أوائل سورة النور ولكنه منتقض لقوله تعالى (حتى تفكح زوجاً غيره) وقال أبو الحسين بن فارس: إن النكاح لم يرد فى القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) فإن المراد به الحل قاله فى النهل . وفوائد النكاح كثيرة منها أنه سبب لوجود النوع الانسانى ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه هى الفائدة التى فى الجنة إذا لا تناسل فيها ، ومنها غض البصر وكف النفس عن الحرام وغير ذلك . ( باب التحريض على النكاح ) (فاستخلاه) الضمير المرفوع لعثمان والمنصوب لابن مسعود أى انفرد عثمان - - ٤٠ - ياعَلْقَمَةُ، فَجْتُ، فَقَال لَهُ عُثْمَانُ: أَلاَ نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّْنِ جَارِيَةً [ِارِيَّةٍ] ◌ِكْرًا لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَقَال عَبْدُ اللهِ : لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَزَوَّجِ فَإِنَّهُ أَغَضْنُ لِلْبَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، - بابن مسعود ( أن ليست له حاجة) أى فى النكاح ( قال لى تعال يا علقمة) لأنه لا حاجة إلى بقاء الخلوة حينئذ (فقال له عثمان) أى فى الخلوة فلعل ابن مسعود حدث لملقمة ويحتمل أنه قال له بعد الحجىء على أنه كان تتمة لما ذكره فى الخلوة. كذا فى فتح الودود ( يا أبا عبد الرحمن) هى كفيه ابن مسعود (جارية بكراً) فيه دليل على استحباب البكر وتفضيلها على الثيب ( يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد) معناه يرجع إليك ما مضى من نشاطك وقوة شبابك فإن ذلك ينعش البدن ( من استطاع منكم الباءة) بالهمزة وتاء التأنيث ممدوداً وفيها لغة أخرى بغير همز ولامد وقد تهمز وتمد بلا هاء. قال الخطابي: المراد بالباءة النكاح وأصله الموضع يتبوأه ويأوى إليه. وقال النووى: اختلف العلماء فى المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوى وهو الجماع ، فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهى مؤنة النكاح فلميتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء . والقول الثانى أن المراد بالباءة مؤنة النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم قالوا والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن . وقال القاضى عياض : لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان فيكون المراد بقوله من استطاع الباءة أى بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله -