النص المفهرس

صفحات 301-320

= ٣٠١ -
٤١ - باب لحم الصيد للمحرم.
١٨٢٢ - حدثنا محمّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا سليمانُ بنُ كُثِيرٍ عنْ حَمْدٍ
الطُّوِيلِ منْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الْحَارِثِ عِنْ أَبِيهِ - وَكَنَ الْحَارِثُ
خَايِفَةَ عُثْنَ رضىَ اللهُ عنهُ عَلَى الطَّائِفِِ .- فَصَنَعَ لِمُثْمَنَ طَمَكَمَا فِيهِ مِنَ
الْحَجَلِ وَالْيَقِيبِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ، قَالَ: فَبَعَثَ إلَى عَلِيِّ رضى الله عنه فَجَاءَهُ
الرَّسُولُ وَهُوَ يَخْبِطُ لِبَاعِرَ لَهُ فَجَاءَ وَهُوَ يَنْفُضُ الْبَطَ عِنْ يَدِهِ ، فَقَالُوا لَهُ
كُلْ فَقَالَ أَطْعِمُوهُ قَوْمَا حَلاَلاً فَإِنَّ حُرُمٌ. فَقَالَ عِلِىٌّ رَضِىَ اللهُ عِنْهُ أَنْشُدُ
اللّهَ مَنْ كَانَ هُنَا مِنْ أَشْجَعَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ
وسلم أَهْدَى إِلَيْهِ رَجُلٌب ◌ِمَرَ وَحْشٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ ؟
قَالُوَا نَعَمْ)).
( باب لحم الصيد المحرم )
( فصنع) أى الحارث (من الحجل) بتقديم المهملة على الجيم جمع حجلة
طائر معروف بالفارسية كبك ( واليعاقيب) جمع يعقوب طائر معروف. قال
فى منتهى الإرب بالفارسية كبك فر. قال العلامة الدميرى: الحجل طائر على
قدر الحمام أحمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر وهو صنفان تجدى وتهافى ،
فالنجدى أخضر اللون أحمر الرجلين والتهامى فيه بياض وخضرة. واليعقوب
هو ذكر الحجل. انتهى كلامه (فبعث) أى الحارث أو عثمان رضى الله عنه.
(وهو) أى على رضى الله عنه ( يخبط ) من الخبط وهو ضرب الشجرة بالمصا
ليتناثر ورقها لملف الإبل، والخبط بفتحتين الورق بمعنى مخبوط ( لأباعر) جمع
بعير ( ينفض الخبط) أى على رضى الله عنه يزيله ويدفعه ( حرم) بضمتين جمع
حرام بمعنى محرم ( من أشجع) هى قبيلة، شاسعة

- ٣٠٢ -
١٨٣٣ - حدثنا أَبُو سَلَمَةً مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّادٌ عن قَيٍْ
عن عَطَاءِ عن ابنِ عَبَأْسٍ أَنَّهُ قال ((يَازَيْدَ بنَ أَرْقَ هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى اللهُ عليه وسلم أُهْدِىَ إِلَيْهِ مُضُوُ [حَضُدُ] صَيْدٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقال: أَنَا
حُرُمٌ ؟ قال: أَمْ )).
١٨٣٤ - حدثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعِيدٍ أخبر نا يَعْقُوبُ - يَعْنِى الْإِسكَنْدَرَانىّ-
الْقَارِى عن ◌َْرْو عن عَبْدِ المُطِّلِ من جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قال ((سَمِعْتُ
- قال الخطابي : يشبه أن يكون على رضى الله عنه قد علم أن الحارث إنما
اتخذ هذا الطعام من أجل عثمان رضى الله عنه ولم يحضر معه أحد من أصحابه ،
فلم ير أن يأكله هو ولا أحد ممن بحضرته، فأما إذا لم يصد الطير والوحش من
أجل المحرم فقد رخص كثير من العلماء فى تناوله ويدل على ذلك حديث جابر،
وقد ذكره أبو داود على أثره فى هذا الباب انتهى كلام الخطابى .
( فلم يقبله وقال أنا حرم) وقد استدل بهذا من قال بتحريم الأكل من
لحم الصيد على المحرم مطلقاً لأنه اقتصر فى التعليل على كونه محرماً فدل على أنه
سبب الامتناع خاصة وهو قول على وابن عباس وابن عمر والليث والثورى
وإسحاق، واستدلوا أيضاً بعموم قوله تعالى ﴿وحرم عليكم صيد البر) ولكنه
يعارض ذلك حديث أبى قتادة وسيأتى. وقال الكوفيون وطائفة من السلف:
إنه يجوز للمحرم أكل لحم الصيد مطلقاً وكلا المذهبين يستلزم إطراح بعض
الأحاديث الصحيحة بلا موجب، فالحق مع من ذهب إلى الجمع بين الأحاديث
المختلفة فقال أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدى منه.
للمحرم . وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم ، ويؤيد هذا
الجمع حديث جابر الآتى . قال المنذرى: وأخرجه النسائى.

- ٣٠٣ -
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ ((صَيْدُ الْبَرِّلَكُمُ حَلَاَلٌّ مَالم ◌َدِيدُوهُ
أُوْ يُصَادُ لَكُ ».
قالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا تَنَزَعَ الْبَرانِ عن النَّبِىِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمٍ مُنْظَرُ
بما أَخَذَ بِهِ أَصْحَابُهُ .
١٨٣٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن أبى النَّغْرِ مَوْلَى
◌َُرَ بِنَ عُبَيْدِ اللهِ القَّيْمِيِّ عن نَفِعِ مَوْلَى أَبِى قَنَادَةَ الْأَنْصَرِىِّ عن أبى
قَتَادَةَ ((أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم حَتَّى إِذَا كَنَ بِيَعْضٍ
- ( يقول صيد البر لكم حلال) هذا الحديث صريح فى التفرقة بين أن
يصيده المحرم أو يصيده غيره له وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له بل يصيده
الحلال لنفسه ويطعمه المحرم ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة كحديث الصعب وطلحة
وأبى قتادة ومخصص لعموم الآية المتقدمة . قال المنذرى : وأخرجه الترمذى
والنسائى وقال الترمذى: والمطلب لانعرف له سماعاً من جابر ، وقال فى موضع
آخر: والمطلب بن عبد الله بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر وذكر أبو
حاتم الرازى أنه لم يسمع من جابر وقال ابنه عبد الرحمن بن أبى حاتم يشبه أن
يكون أدركه . قال الخطابى تحت حديث جابر: ومن هذا مذهبه عطاء بن أبى
رباح ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يأكل المحرم
مالم يصد إذا كان قد ذبحه حلال وإلى نحو من هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه قالوا
لأنه الآن ليس بصيد . وكان ابن عباس رضى الله عنهما يحرم لحم الصيد على
المجرمين فى عامة الأحوال ويتلوقوله تعالى ﴿ وحرم عليكم صيد البرماد متم حرما)
ويقول الآية مبهمة. وإلى نحو من ذلك ذهب طاؤس وعكرمة وسفيان الثورى
وإسحاق بن راهويه (أو يصاد لكم) هكذا فى النسخ والجارى على قوانين
العربية أو يُصَدْ لأنه معطوف على المجزوم قاله السندى .

- ٣٠٤ -
طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَّهُ يُخْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرٌ مُخْرِمٍ فَرَأَى ◌ِماراً
وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ. قال: فَسَأَلَ أَصْحَبَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا
فَتَأَهُمْ رُبْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ، ثُمَ شَدِّ عَلَى الْحَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ
أَسْحَبٍ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَلٍَّ أَدْرَكُوا رَسُولَ الله
صلى اللهُ عليهِ وسل ◌َأَلُوهُ مِن ذَلِكَ فَقَال: إنََّ مِيَطُعْمَةٌ أَلْسَكُوهَا اللهُ تَعَلَى»
- ( تخلف) أى تأخر أبو قتادة ( مع أصحاب له) أى لأبى قتادة ( وهو ) أى
أبو قتادة (أن يناولوه) أى يعطوه (فأبوا) أن يعاونوه (ثم شد) أى حمل عليه
(فلما أدركوا) أى لحقوا ( سألوه عن ذلك) هل يجوز أكله أم لا والحديث
فيه فوائد : منها أنه يحمل للمحرم لحم ما يصيده الحلال إذا لم يكن صاده لأجله
ولم يقع منه إعانة له ، ومنها أن مجرد محبة المحرم أن يقع من الحلال الصيد فيأ كل
منه غير قادحة فى إحرامه ولا فى حل الأكل منه، ومنها أن عقر الصيد ذكاته
ومنها جواز الاجتهاد فى زمن النبى صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرب منه . قال
المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى، ووقع فى البخارى ومسلم
أنه صلى الله عليه وسلم أكل منه وأخرجه الدارقطنى فى سننه من حديث معمر بن
راشد وفيه: وإنى إنما اصطدته لك فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا
ولم يأ كل حين أخبرته أنى اصطدته له. قال الدارة طفى: قال أبو بكر يعنى
النيسابورى قوله : اصطدته لك وقوله: لم يأكل منه لا أعلم أحداً ذكره فى هذا
الحديث غير معمر . وقال غيره هى لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه هذا
آخر كلامه وقد تقدم فى الصحيحين أنه أ كل صلى الله عليه وسلم منه .
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وروى مسلم فى صحيحه من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمى قال: ((كنا =

-٣٠٥ -
= مع طلحة بن عبيد الله فى طريق مكة، ونحن محرومون فأهدوالما لحم صيد وطلحة
راقد ، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل ، فلما استيقظ قال الذين أكلوا :
أصبتم ، وقال للذين لم يأكلوا: أخطأتم ، فإنا قد أ كلا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ونحن حرم)).
وروى مالك عن يحيى بن سعيد: أخبرنى محمد بن إبراهيم التيمى عن عيسى بن
- طلحة عن عمرو بن سلمة الضمرى عن البهزى - يزيد بن كعب -: (( أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة، وهو محرم ، حتى إذا كانوا بالروحاء ، إذا حمار
وحشى عقير ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعوه، فإنه
يوشك أن يأتى صاحبه، نجاء البهزى وهو صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بكر
فقسمه بين الرفاق ، ثم مضى ، حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج، إذا ظى
حاقف فى ظل ، وفيه سهم ، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا يقف
عند ، لا يريبه أحد من الناس حتى جاوزوه )) وفى الصحيحين عن الصعب بن جثامة
(( أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسل حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودان
فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)).
ورواه مسلم عن سفيان، وقال: لحم حمار وحش)). قال الحميدى: كان سفيان يقول
فى الحديث: ((أهديت أرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش)) وربما قال
سفيان ((يقطر دماً)) وكان فيما خلا ربما قال ((حمار وحش)) ثم صار إلى ((لحم))
حتى مات. وفى رواية لمسلم: ((شق حمار وحش فرده)) وفى رواية له: ((عجز
حمار فرده)) وفى رواية له: ((رجل حمار)) قال الشافعى: فإن كان الصعب أهدى
للنبى صلى الله عليه وسلم الحمار حياً ، فليس لمحرم ذبح حمار وحش ، وإن كان أهدى
له لماً ، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له ، فرده عليه ، وإيضاحه فى حديث جابر
قال: وحديث مالك (( أنه أهدى إلى النبى صلى الله عليه وسلم حماراً)) أثبت من
حديث ( أنه أهدى له من لحم حمار )» تم كلامه . قال البيهقى : وروی حی ن
سعيد عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى عن أبيه : ((أن الصعب بن جثامة أهدى
للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وهو بالجحفة، فأ كل منه وأ كل القوم)) قال =.
(٢٠ - عون المعبود ٥ )

- ٣٠٦ -
= وهذا إسناد صحيح ، فإن كان محفوظاً فكأنه رد الحى وقبل اللحم، تم كلامه .
وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً فى هذه المسألة ، وأشكات عليهم الأحاديث
فيها، فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل ما صاده الحلال من
الصيد ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان
والزبير بن العوام وأبى هريرة ، ذكر ذلك ابن عبد البر عنهم . وحجتهم : حديث
أبى قتادة المتقدم ، وحديث طلحة بن عبيد الله وحديث البهزى .
وقالت طائفة : لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال، وهذا قول على وابن عباس
وابن عمر .
قال ابن عباس: ( وحرم عليكم صيد البر ) هى مبهمة . وروى عن طاوس
وجابر بن زيد وسفيان الثورى المنع منه .
وحجة هذا المذهب : حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة ، وحديث على
فى أول الباب ، واحتجوا بظاهر الآية، وقالوا : تحريم الصيد يعم اصطياده وأ كله.
وقالت طائفة : ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله ، فلا يجوز له أ كله ، فأما
ما لم يصده من أجله ، بل صاده لنفسه أو لجلال ، لم يحرم على المحرم أ كله ، وهذا
قول مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأصحابهم ، وقول إسحاق وأبى ثور ، قال
ابن عبد البر: وهو الصحيح عن عثمان فى هذا الباب .
قال : وحجة من ذهب هذا المذهب أنه عليه تصح الأحاديث فى هذا الباب ،
وإذا حملت على ذلك لم تتضاد ولم تختلف ولم تتدافع، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن
ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه .
وآثار الصحابة كلها فى هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل . فروى البيهقى
من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: ((رأيت عثمان بن عفان بالعرج فى
يوم صائف وهو محرم وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ، ثم أتى بلحم صيد ، فقال
لأصحابه : كلوا ، قالوا : ألا تأ كل أنت ؟ قال: إنى لست كهيئتكم، إما صيد
من أجلى)) .
وحديث أبي قتادة والبهزى وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان ، لاعموم لها ، وهى=

- ٣٠٧ -
٤٢- باب الجراد للمحرم
١٨٣٦ - حدثنا عُمَّدُ بنُ عِيسَ أخبرنا ◌َّاءٌ من مَيْمُونِ بنِ جَابانَ
من أَبِى رَافِع عن أبى حُريْرةَ عن النّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((الْرَادُ
مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ » .
(باب الجراد للمحرم)
(حماد) هو ابن زيد قاله المزى (عن ميمون بن جابان) بجيم موحدة ونون
قال المنذرى: ميمون بن جابان لا يحتج به ( عن أبى رافع) اسمه نفيع
( قال الجراد من صيد البحر ) قال على القارى قال العلماء إنما عده من صيد
البحر لأنه يشبه صيد البحر من حيث أنه يحل ميتته ولا يجوز للمحرم قتل
الجراد ولزمه بقتله قيمته . وفى الهداية أن الجراد من صيد البر. قال ابن الهام:
عليه كثير من العلماء ، ويشكل عليه ما فى أبى داود والترمذى عن أبى هريرة
قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة أو غزوة فاستقبلنا رجل
من جراد جعلنا نضربه بسياطنا وقسينا فقال صلى الله عليه وسلم كلوه فإنه من
صيد البحر وعلى هذا لا يكون فيه شىء أصلا، لكن تظاهر عن عمر إلزام -
= تدل على جواز أ كل المحرم من صيد الحلال ، وحديث الصعب بن جثامة يدل على
منعه منه، وحديت جابر صريح فى التفريق .
فيت أكل علم أنه لم يصد لأجله، وحيث امتنع علم أنه صيد لأجله ، فهذا فعله
وقوله فى حديث جابر يدل على الأمرين ، فلا تعارض بين أحاديثه صلى الله عليه وسلم
بحال. وكذلك امتناع على من أكله لعله ظن أنه صيد لأجله، وإباحة النبى صلى الله
عليه وسلم لأصحابه حمار اليهزى ومنعهم من التعرض للظى الحاقف ، لأن الحمار كان
تغيراً فى حد الموت، وأما الظبى فكان سالماً، ولم يسقط إلى الأرض، فلم يتعرض له
لأنه حيوان حى . والله أعلم .

- ٣٠٨ -
١٨٣٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ عن حَبيبٍ المُعَلِّ عن أبى
المُهَزِّمِ عن أبى ◌ُريْرةَ قال ((أَصَبْنَا صِرْماً [ضَرْبَا] مِنْ جَرَادٍ فَكَانَ رَجُلٌ
يَغْرِبُ بِسَوْطٍِ وَهُوَ يُخْرِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: إنّ هَذَا لا ◌َيَصْلُحُ، فَذُ كِرَ ذَلِكَ
لِلنَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ: إِنَّمَا هُوَ من صَيْدِ الْبَحْرِ ».
سَمِعْتُ أبا دَاوُدَ يَقُولُ [ قال أبُو دَاوُدَ ] أبُو الُهَزُّمِ ضَعِيفٌ، وَالحدِيثانِ
جَمِعَا وَهٌ.
١٨٣٨ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمّدٌ عن مَيْدُونِ بنِ جابانَ
عن أبى رافِعٍ عن كَمْبٍ قال ((الْرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ)).
- الجزاء فيها فى الموطأ أنبأنا يحيى بن سعيد أن رجلا سأل عمر عن جرادة قتلها
وهو محرم فقال عمر لكعب تعال حتى تحكم فقال كعب درهم . فقال عمر: إنك
لتجد الدراهم لتمرة خير من جرادة . ورواه ابن أبى شيبة عنه بقصقه وتبع معمر
أصحاب المذاهب انتهى كلام ابن الهمام . قال ملا على القارى : لو صح حديث
أبى داود والترمذى المذكور سابقاً كان ينبغى أن يجمع بين الأحاديث بأن
الجراد على نوعين بحرى وبرى فيعمل فى كل منهما بحكمه .
(صرما من جراد) بكسر الصاد وسكون الراء قطعة من الجماعة الكبيرة
( فقيل له ) الرجل ( لا يصلح ) لأنه صيد . قال المنذرى : أبو المهزم اسمه يزيد
ابن سفيان بصرى متروكوهو بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاى وتشديدها بعدها
ميم . وقال أبو بكر المعافرى : ليس فى هذا الباب حديث صحيح (عن أبى رافع
عن كعب) قال المزى فى الأطراف: حديث موسى بن إسماعيل فى رواية أبى
بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم .

- ٣٠٩ -
٤٣ - باب فى الفدية
١٧٣٩ - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقَيَّةً عن خالِدِ الطَّحَّانِ عن خالِدِ الْحذّاءِ
مِن أَبِى قِلاَبَةَ عن عَبْدِ الرَّْنِ بنِ أَبِى لَيْلَ عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ ((أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحْدَيْدِيَةِ فقال: قَدْ آذَاكَ
حَوَاُ رَأْسِكَ؟ قال: نَعَمْ، فقال النِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ
شَاءً نُسُكّاً، أو صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أو اطْعِمِ ثَلاثَةَ أَصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَةٍ
مَسَاكِينَ )).
( باب فى الفدية )
(عن كعب بن عجرة ) بضم العين وإسكان الجيم ( هو أم رأسك ) قال فى
المصباح: والهامة ماله سم يقتل كالحية . قاله الأزهرى ، والجمع الهوام مثل دابة
ودواب، وقد تطلق الهوام على ما لا يقتل كالحشرات ومنه حديث كعب بن
عجرة أيؤذيك هو أم رأسك، والمراد القمل على الاستعارة بجامع الأذى انتهى
(اذبح شاة فسكا) بضم النون والسين . قال فى النهاية: والنسمكة الذبيحة وجمعها
نسك ، والنسك أيضًا الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى انتهى .
وهذا دم تخيير استفيد بأو فى قوله أو صم ثلاثة أيام (أو أطعم) أو للتخيير (آصع)
جمع صاع، وفى الصاع لفتان التذكير والتأنيث وهو مكيال يسع خمسة أرطال
وثلث بالبغدادى ، هذا مذهب الشافعى ومالك وأحمد وجماهير العلماء . وقال
أبو حنيفة: يسع ثمانية أرطال . وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد وهذا الذى
قدمنا من أن الآصع جمع صاع صحيح .
وقد ثبت استعمال الآصع فى هذا الحديث الصحيح من كلام رسول الله
صلى الله عليه وسلم وكذلك هو مشهور فى كتب اللغة. قال النووي: المعنى :-

- ٣١٠ -
١٨٤٠ - حدثنا مُوسَىَ بنُ إِشماعِيلَ أخبرنا ◌َّادٌ عن دَاوُدَ من الشّعْبِىِّ
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبِى لَيْلَى عن كَمْبِ بنِ عُجْرَةَ ((أنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم قال لَهُ: إِنْ شِئْتَ فِانْسُكْ نَسِيكَةً، وَإنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ
أيَّامٍ وَ إِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعُ مِنْ تَمْرٍ لِنَّةِ مَسَاكِينَ)»:
- أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه فى
الإحرام وعليه الفدية. قال الله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من
رأسه فقديه من صيام أو صدقة أو نسك ، وبين النبى صلى الله عليه وسلم أن
الصيام ثلاثة أيام والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع،
والنسك شاة وهى شاة تجزى فى الأضحية ثم إن الآية الكريمة والأحاديث متفقة
على أنه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة ، وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير بين
الثلاثة . واتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما حكى عن أبى حنيفة
والثورى أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو فى الحنطة ؛ فأما التمر والشعير
وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين وهذا خلاف نصه صلى الله عليه وسلم فى هذا
الحديث ثلاثة آصع من تمر . وعن أحمد بن حنبل رواية أنه لكل مسكين مد
من حنطة أو نصف صاع من غيره ، وعن الحسن البصرى وبعض السلف أنه
يجب إطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة أيام وهذا ضعيف منابداً للسنة
مردود . وقوله صلى الله عليه وسلم أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين
معناه مقسومة على ستة مساكين تم كلامه مختصراً .. قال المنذرى: وأخرجه
البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
(إن شئت فانسك نسيكة) أى اذبح ذبيحة. وفى الموطأ أىّ ذلك فعلت
أجزأ وفيه دليل على أنه خير فى الثلاثة جميعاً، ولذا قال البخارى فى أول باب -

- ٣١١ -
١٨٤١ - حدَّثنا ابنُ المُتَّى أخبرنا عَبْدُ الْوَهَّبِ حِ وَحدثنا نَصْرُ بنُ
عَلِيّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ وَهْذَا لَفْظُ ابنُ الْمُتَّى عنْ دَاوُدَ عنْ عَامِرٍ عنْ
كَعْبٍ بن عُجْرَةَ ((أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ
فَذَ كَرَ الْقِصَّةَ: قال [فَقَال] أمَمَكَ دَمٌ؟ قَالَ لاَ. قَالَ فَعُمْ ثَلاَثَةَ
أيَّامٍ أوْ تَصَدَّقْ بِثَلاَثَةٍ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ
مِسْكِينَيْن صَاعٌ».
١٨٤٢ - حدثنا قُتْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا اللَّيْثُ عنْ نَفعِ «أنَّ رَجُلاً
مِنَ الأنْصَارِ أَغْبَهُ عنْ كَمْبِ بنِ مُجْرَةَ وَ كَانَ قَدْ أَصَابَهُ فِى رَأْسِهِ أَذَّى
فَحَلَقَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليهِ وسلم أَنْ يُهْدِىَ هَذْيَا بَقَرَةً)).
١٨٤٣ - حدثنا عُمَّدُ بنُ مَنْصُورِ أخبرنا يَعْقُوبُ حدَّثنى أبى عن ابنِ
إِسْحَاقَ قال حدَّ تنى أَبَنُ - يَعْنى ابنَ صَالحٍ - عن الْحُكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن
عَبْدِ الرَّْنِ بنِ أَبِى لَيْلَّى عن كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ قال: ((أَصَابَى هَوَامُّ فى
- الكفارات: خير النبى صلى الله عليه وآله وسلم كعباً فى الفدية انتهى والحديث
سكت عنه المنذرى .
(عن عامر) هو الشعبى ( قال أمعك دم) أى شاة أو نحوه (قال لا) أى
ليس معى دم ( قال فصم ) قال النووى: ليس المراد أن الصوم لا يجزى إلالعادم
الهدى بل هو محمول على أنه سأله عن النسك فإن وجده أخبره بأنه مخير بينه
وبين الصيام والإطعام وإن عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام. والحديث
سكت عنه المنذرى .
( أن رجلا من الأنصار) قال فى التقريب: هو عبد الرحمن بن أبى ليلى
(غلق) أى شعر رأسه . قال المنذرى: فيه رجل مجهول (هوام) جمع هامة -

- ٣١٢ -
رَأْسِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم عَمَ الْدَيْبِيَةِ حَتّى تَخَوَّفْتُ
عَلَى بَصَرِى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ ﴿فَنْ كَنَ مِنْكَمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أُذّى
مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآيَةَ، فَدَعَنِى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فَقَال لِ: احْلِقْ
رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيْمٍ أَو الْعِمْ سِنَّةَ مَاكِنَ فَرَفَاً مِنْ زَبِيبٍ أَوَ انْتُكْ
شَاءَ، فَحَلَقْتُ رَأْسِىِ ثُمْ نَسَكْتُ )).
- بتشديد الميم (حتى تخوفت) من كثرة القمل والأذى بأنه يضعف الدماغ ويزيل
قوته ( على بصرى ) متعلق بتخوفت أى على ذهاب بصرى (فى) أى فى شأنى
(﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه) الآية) ( فقدية من صيام أو
صدقة أو نسك﴾ (فرقاً من زبيب ) قال الخطابي: والفرق ستة عشر رطلا ،
وهو ثلاثة أصواع أمره أن يقسمه بين ستة مساكين ، فهذا فى الزبيب نص كما
نص فى التمر .
وقال سفيان الثورى : إذا تصدق بالبر أطعم ثلاثة أصواع بين ستة مسا كين
لكل واحد منهم نصف صاع فإن أطعم تمراً أو زبيباً أطعم صاعاً صاعاً . قال
الخطابى: هذا خلاف السنة وقد جاء فى الحديث ذكر التمر مقدار نصف صاع ،
فلا معنى ظلافه. وقال أبو حنيفة وأصحابه نحواً من قول سفيان. والحجة عليه
وعليهم نص الحديث. قال الخطابي: فإن حلقه ناسياً فإن الشافعى يوجب عليه
الفدية كالعمد سواء وهو قول أبى حنيفة وأصحابه والثورى ولم يفرقوا بين عمده
وخطئه لأنه إتلاف شىء له حرمة كالصيد . وقال الشافعى : إن تطيب ناسياً ،
فلاشيء عليه. وسوى أبو حنيفة وأصحابه فى الطهب ولم يفرقوا بين عمده وخطئه
ورأوا فيه الفدية كالحلق والصيد. وقال إسحق بن راهويه : لا شىء على من
حلق رأسه ناسياً (أو انسك) أى اذيح. قال المعذرى: فى إسناده محمد بن -

- ٣١٣-
١٨٤٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَةَ الْقَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ عن عَبْدِ الكَرِيمَ
ابنِ مَلِكِ الْجَزْرِىِّ عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أَبِى لَيْلَى عن كَمْبِ بنِ عُجْرَةَ
فى هذِهِ الْقِصَّةِ. زَادَ ((أَىَّ ذُلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأْ مَنْكَ)).
٤٤ - باب الإحصار
١٨٤٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْمَى عن حَجَّاجِ الصَّوَّافِ حدَّتنى
يَحْتَى بنُ أَبِى كَثِيرِ عن عِكْرِمَةَ قال سَمِعْتُ الْجَّاجَ بنَ عَمْرِ والْأنْصَارِئِّ
قالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ
وَعَلَيْهِ الْجُّ مِنْ قَابِلٍ » .
- إسحاق . قلت : صرح بالتحديث (فعلت أجزأ عنك) هذا الحديث وجد فى
النسختين وذكره الحافظ المزى فى الأطراف وعزاه إلى أبى داود ، ثم قال :
حديث القعنبى فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة ولم يذكره
أبو القاسم انتهى . كذا فى الغاية .
( باب الإحصار )
قال العينى: اختلف العلماء فى الحصر بأى شىء يكون وبأى معنى ، فقال
قوم يكون الحصر بكل حال من مرض أو عدو وكسر وذهاب نفقة ونحوها ،
مما يمنعه عن المضى إلى البيت، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه. وروى ذلك عن
ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت . وقال آخرون وهم : الليث بن سعد
ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق لا يكون الإحصار إلى بالعدو فقط ولا يكون
بالمرض . انتهى .
(من كسر) بضم الكاف وكسر السين (أو عرج) بفتح المهملة والراء -

- ٣١٤ -
قال عِكِرْمَةُ: فَأَلْتُ ابنَ عَبَأْسٍ وَأَبَ هُريْرةَ عن ذلِكَ فَقَلاَ : صَدَقّ .
١٨٤٦ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ الْمُتَوَكِّل الْمَسْقَلَانِىُّ وَسَلَةُ قالَ أخبرنا عَبْدُ
الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ عن يَمْعَى بنِ أَبِى كَثِيرٍ عن عِكْرِمَةَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ رافِع
عن الحَجَّاجِ بنِ عَمْرِو عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((مَنْ كُسِرٍ أَوْ عَرِجَ
[ مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ] أَوْ مَرِضَ )) فَذَ كَرَ مَعْنَهُ.
قال سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ قال أنبأنا مَعْمٌَ .
١٨٤٧ - حدثنا النُّفَتِلِيُّ أخبرنا مُحمّدُ بنُ سَدَةَ عن مُمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ
عن عَمْرِوِ بنِ مَيْعُونٍ قال سَمِعْتُ أَبَ حَاضِرٍ الْجَمْيَرِىِّ يُحَدِّثُ أَبِى مَيْمُونَ
ابنِ مِهْرَانَ قال: ((خَرَجْتُ مُعْتَمِراً عَمَ حَصَرَ أَهْلُ الشَّامِ ابْنَ الزُّبَيْرِ
- أى أصابه شىء فى رجله وليس بخلقه فإذا كان خلقة قيل عرج بكسر الراء
( من قابل ) أى فى السنة المستقبلة .
قال الخطابي: وهذا الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض والعذر يعرض
للمحرم من غير حبس العدو ، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى
وروى ذلك عن عطاء وعروة والنخعى. وقال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق
لا حصر إلا حصر العدو، وروى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما وروى
معناه أيضاً عن ابن عمر (وعليه الحج من قابل) وإنما هذا فيمن كان حجه عن
فرض، فأما المتطوع بالحج إذا حصر فلا شيء عليه غير هذا الإحصار . وهذا
على مذهب مالك والشافعى . وقال أبو حنيفة وأصحابه : عليه حجة وعمرة، وهو
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله .
وإن صح حديث الحجاج بن عمرو فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحل بعد فواته
بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض ، فقد روينا عن ابن عباس ثابتاً عنه أنه قال :
(( لا حصر إلا حصر عدو)) . تم كلامه .

- ٣١٥ -
بِمَكَّةُ وَبَعَثَ مَعِى رِجَلٌ مِنْ قَوْيِى بِهَذْىٍ، فَمَا انْتَيْنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ
مَنَعُونَ أَن نَدْخُلَ الْرَمَ، فَنَحَرْتُ الْهَدْىَ مَنِى ثُمَّ أَخْلَلْتُ ثُمَّ رَجَمْتُ ،
فَمَا كَانَ مِنَ الْعَامِ المُغْبِلِ خَرَجْتُ لِأَفْضِىَ مُمْرَّتِىِ، فَأَيْتُ ابنَ عَبَّاسٍ،
فَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَبْدِلِ الْهَدْىَ فإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ
أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْىَ الَّذِى نَحَرُوا عَمَ الْدَيْبِيَةِ فِى هُمْرَةِ الْقَضَاءِ ».
- قول النخعى ، وعن مجاهد والشعبى وعكرمة عليه حجة من قابل قاله الخطابى
قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه.
قال الترمذى : حديث حسن .
(أبى ميمون بن مهران) بدل من لفظ أبى ( أهل الشام) يعنى الحجاج
( وبعث) أى أرسل (مكانى) الذى كنت فيه. قال الخطابي: أما من لا يرى
عليه القضاء فى غير الفرض فإنه لا يلزمه بدل الهدى ، ومن أوجبه فإنما يلزمه
البدل لقوله تعالى ﴿ هدياً بالغ الكعبة) ومن محر الهدى فى الموضع الذى أحصر
فيه وكان خارجاً من الحرم فإن هديه لم يبلغ الكعبة فلزمه إبداله وإبلاغه
الكعبة. وفى الحديث حجة لهذا القول انتهى. وقال البيهقى: وفعله إن صح
الحديث استحب الإبدال وإن لم يكن واجباً، كما استحب الإتيان بالعمرة ، ولم
يكن قضاء ما أحصر عنه واجباً بالتحلل انتهى ( عام الحديبية) قال ابن القيم :
عمرة الحديبية كانت سنة ست فهده المشركون عن البيت فنحر البدن حيث
صد بالحديبية وحلق هو وأصحابه رؤسهم وحلوا من إحرامهم ورجع من عامه
إلى المدينة ، وعمرة القضاء ويقال لها عمرة القضية فى العام المقبل دخلها فأقام بها
ثلاثاً ثم خرج بعد إكمال عمرته .
-
= وقال غيره : معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا كان
فد اشترط ذلك فى عقد الإحرام ، على معنى حديث ضباعة .

- ٣١٦ -
- واختلف هل كانت قضاء العمرة التى صد عنها فى العام الماضى عمرة مستأنفة
على قولين العلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد أحدهما أنها قضاء وهو مذهب
أبى حنيفة رحمه الله، والثانى ليست بقضاء وهو قول مالك رحمه الله والذين
قالوا كانت قضاء احتجوا بأنها سميت عمرة القضاء وهذا الاسم تابع للحكم.
وقال آخرون : القضاء هنا من المقاضاة لأنه قاضى أهل مكة عليها لا أنه من قضى
يقضى قضاء ، قالوا ولهذا سميت عمرة القضية، قالوا والذين صدوا عن البيت كانوا
ألفاً وأربعمائة وهؤلاء كلهم لم يكونوا معه فى عمرة القضية، ولو كان قضاء لم
يتخلف منهم أحد. وهذا القول أصح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
بأمر من كان معه بالقضاء انتهى .
قال : المنذری : والحديث فى إسناده محمد بن إسحاق .
قالوا : ولو كان الكسر مبيحاً للحل، لم يكن للاشتراط معنى.
=
قالوا : وأيضاً فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث، فإنه لا يحل بمجرد الكسر
والعرج ، فلابد من تأويله ، فيحمله على ماذكرناه .
قالوا : وأيضاً فإنه لا يستفيد بالحل زوال عقده ، ولا الانتقال من حاله ،
بخلاف المحصر بالعدو .
وقوله ((وعليه الحج من قابل)) هذا إذا لم يكن حج الفرض، فأما إن كان
متطوعاً ، فلا شيء عليه غير هدى الإحصار .
قال البيهقى : وحديث الحجاج بن عمرو قد اختلف فى إسناده ، والثابت عن
ابن عباس خلافه، وأنه لا حصر إلا حصر العدو . تم كلامه .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع من الوصول إلى البيت بمرض
أو كسر أو عرج، هل حكمه حكم المحصر فى جواز التحلل ؟ فروى عن ابن عباس
وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يحلله إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك ==

-٣١٧-
= والشافعى وإسحاق وأحمد فى المشهور من مذهبه ١٠
وروى عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو ، وهو قول عطاء والثورى وأبى
حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعى ، وأبى ثور ، وأحمد فى الرواية الأخرى عنه . =
ومن حجة هؤلاء : حديث الحجاج وأبى هريرة وابن عباس .
قالوا : وهو حديث حسن يحتج بمثله .
قالوا : وأيضاً ظاهر القرآن ، بل صريحه ، يدل على أن الحصر يكون بالمرض ،
فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحصره المرض وحصره العدو، فيكون
لقط الآية صريحاً فى المريض،، وحصر العدو ملحق به، فكيف يثبت الحكم فى
الفرع دون الأصل ؟ قال الخليل وغيره : حصرت الرجل حصراً : منعته وحبسته ،
وأحصر هو عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه .
قالوا: وعلى هذا خرج قول ابن عباس (( لاحصر إلا حصر العدو)) ولم يقل
لا إحصار إلا إحصار العدو ، فليس بین رأيه وروايته تعارض ، ولو قدر تعارضهما
فالأخذ بروايته دون رأيه ، لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة .
قالوا : وقولكم: لو كان يحل بالحصر ، لم يكن للاشتراط معنى - جوابه
من وجهين:
أحدهما : أنكم لا تقولون بالاشتراط ، ولا يفيد الشرط عندكم شيئاً . فلا يحل
عندكم بشرط ولا بدونه ، فالحديثان معاً حجة عليكم، وأما نحن فعندنا أنه يستفيد
بالشرط فائدتين : إحداهما : جواز الإحلال ، والثانية : سقوط الدم ، فإذا لم
يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال وحده ، وثبت وجوب الدم عليه ، فتأثير الاشتراط
فى سقوط الدم .
وأما قولك: إن معناه أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج لغير مرض
ففى غاية الضعف ، فإنه لا تأثير للكسر ولا للعرج فى ذلك ، فإن المفوت يحل صحيحاً
كان أو مريضاً .
وأيضاً فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص وإلغاء الوصف الذى
اعتبره وهذا غير جائز .

-٣١٨ -
٤٥ - باب دخول مكة
١٨٤٨ -- حدثنا عُمَّدُ بنُ عُبَهْدٍ [حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلٍ حدثنا إِسْمَ صِيلُ
ح. وحدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عُبَهْدٍ] حدثنا حَمَّاهُ بنُ زَيْدٍ من أَيُّوبَ من نَافِعٍ
((أَنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ بَاتَ بِذِى ◌َطُوَّى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ
( باب دخول مكة)
(بات) أى نزل فى الليل ليلة قدومه (بذى طوى) بفتح الطاء وضمها -
= وأما قولكم: إنه يحمل على الحل بالشرط - فالشرط إما أن يكون له تأثير فى
الحل عندكم، أو لا تأثير له ، فإن كان مؤثراً فى الحل لم يكن الكسر والعرج هو
السبب الذى علق الحكم به، وهو خلاف النص ، وإن لم يكن له تأثير فى الحل بطل
حمل الحديث عليه .
قالوا: وأما قولكم إنه لا يقول أحد بظاهره- فإن ظاهره أنه بمجرد الكسر
والعرج يحل .
جوابه : أن المعنى فقد صار ممن يجوز له الحل ، بعد أن كان ممنوعاً منه ، وهذا
كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا، فقد
أفطر الصائم)) وليس المراد به أنه أفطر حكماً ، وإن لم يباشر المفطرات ، بدليل
إذنه لأصحابه فى الوصال إلى السحر ، ولو أفطروا حكماً لاستحال منهم الوصال ،
ولقوله تعالى: ﴿ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) فإذا نكحت زوجاً
آخر حلت ، لا بمجرد نكاح الثانى ، بل لابد من مفارقته ، وانقضاء العدة ، وعقد
الأول عليها .
قالوا : وأما قولكم إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التى هو عليها ولا
التخلص من أذاه، بخلاف من حصره العدو - فكلام لا معنى تحته ، فإنه قد يستفيد
بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو، فإنه إذا بقى ممنوعاً من اللباس وتغطية الرأس
والطيب مع مرضه ، تضرر بذلك أعظم الضرر فى الحر والبرد . ومعلوم أنه قد يستفيد
بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه ، كما يستفيد المحصر بالعدو بحله ، فلافرق ==

-٣١٩ -
ثُمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَراً وَيَذْ كُرُ عن النّبِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ فَعَلَهُ)).
١٨٤٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ جَمْفَرِ الْبَرْمَكِىُّ أخبرنا مَعْنٌ من مَالِكٍ
ح. وحدثنا مُسَدَّدٌ وَابنُ حَنْبَلٍ مِن يَخْتَ حٍ. وحدثنا عُثْنُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ
أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ جَمِيعاً عن خُبَيْدِ اللهِ عن نَافِعٍ عن ابنٍ مُمَرَ ((أَنَّ النَّبِىِّ
صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الَّذِيَّةِ الْمُلْيَ قالاَ عن ◌َحْسَى أَنَّ النَّبِّ
صلى اللهُ عليه وسلم كانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ كَدَاء مِنْ تَنِيَّةِ الْبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ
مِنَ الثَّفِيَّةِ السُّغْلَى. زَادَ الْبَرْمَكِىُّ: يَعْنِى تَنِيِّتَىْ مَكَّةَ. وَحَدِيثُ
مَُدَّدٍ أَثَمّ )).
- وكسرها والفتح أفصح وأشهر موضع بمكة داخل الحرم، وقيل اسم بثر عند
مكة فى طريق أهل المدينة . قال النووى : والحديث فيه فوائد منها الاغتسال
للدخول مكة وأنه يكون بذى طوى لمن كان فى طريقه وبقدر بعدها لمن لم
يكن فى طريقه وهذا الغسل سنة ، ومنها المبيت بذى طوى وهو مستحب لمن
هى على طريقه هو موضع معروف بقرب مكة ، ومنها استعباب دخول مكة
نهاراً وهذا هو الصحيح ، وقد ثبت أن الغبى صلى الله عليه وسلم دخلها محرما
بعمرة الجعرانة ليلا . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. وقد دخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم مسكة ليلا فى عمرة الجعرانة ( من الثنية العليا )
التى ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة يقال لها كداء بالفتح والمد. والثنية بفتح
الثاء المثلثة وكسر النون وتشديد الياء كل عقبة فى جبل أو طريق عال فيه تسمى
ثنية ( من ثنية البطحاء) الأبطح كل مكان متسع، والأبطح بمكة هو المحصب
(ويخرج من الثنية السفلى) وهى التى أسفل مكة عندباب شبيكة يقال لها كدى -
= بينهما ، فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه
فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه؟ والله أعلم .

- ٣٢٠-
١٨٥٠ - حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةً أخبرنا أبو أُسَامَةَ عن حُبَيْدِ اللهِ
عن نَافِعٍ عن ابنِ مُمَ ((أَنَّ النَّىَّ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقٍ
الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ».
- بضم الكاف مقصور بقرب شعب الشامهين وشعب ابن الزبير عند قميقعان .
وقال بن المواز كدى التى دخل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى العقبة
الصغرى التى بأعلى مسكة التى يهبط منها على الأبطح والمقبرة منها على يسارك
وكدى التى خرج منها هى العقبة الوسطى التى بأسفل مكة وفى لفظ البخارى
من طريق مسدد عن يحيى عن عبيد الله عن نافع بلفظ : دخل مكة من
كداء من الثنية العليا التى بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى (زاد البرمكى يعنى
ثنيتى مكة) وكذا أخرجه الاسماعيلى فى مستخرجه من طريق أخرى قال
المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه .
( من طريق الشجرة) هى شجرة كانت بذى الحليفة . قاله السندى. وفى
عمدة القارى قال المنذرى هى على ستة أميال من المدينة وعند البكرى هى
من البقيع وقال عياض : هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى
مكة من المدينة كان صلى الله عليه وسلم يخرج منها إلى ذى الحليفة فيبيت
بها وإذا رجع بات بها أيضا .
( من طريق المعرس ) بلفظ اسم المفعول من التعريس مكان معروف على
ستة أميال من المدينة . قال الحافظ وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال
من المدينة لكن المعرس أقرب انتهى. والمعنى كان يخرج من المدينة من طريق
الشجرة التى عند مسجد ذى الخليفة ويدخل المدينة من طريق المعرس وهو
أسفل من مسجد ذى الحليفة قال ابن بطال : كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك
كمايفعل فى العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى . قال المنذرى: وأخرجه -