النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٨١- = قال شيخنا: وأفنى به جدى أبو البركات فى آخر عمره لما حج : قال شيخنا : وهو الصحيح، لأن المقطوع لبسه أصل لابدل . قال شيخنا: فأبو حنيفة فهم من حديث ابن عمر أن المقطوع لبسه أصل لابدل ، جوزلبسه مطلقاً ، وهذا فهم محميح، وقوله فى هذا أصح من قول الثلاثة والثلاثة فهموا منه الرخصة فى لبس السراويل عند عدم الازار والخف عند عدم النعل ، وهذا فهم صحيح، وقولهم فى هذا أصح من قوله ، وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحاً بلا قطع عند عدم النعل ، وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح ، وقوله فى ذلك أصح الأقوال . فإن قيل : فلو كان المقطوع أصلا لم يكن عدم النعل شرطاً فيه ، والنبى صلى الله عليه وسلم إنما جعله عند عدم النعل . قيل : بل الحديث دليل على أنه ليس كالخف ، إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه فدل على أن يقطعه يخرج عن شبه الخف ، ويلتحق بالنعل . وأما جعله عدم النعل شرطاً فلأجل أن القطع إفساد لصورته وماليته ، وهذا لايصار إليه إلا عند عدم النعل ، وأما مع وجود النعل فلا يفد الخف ويعدم ماليته، فإذا تبين هذا تبين أن المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف ، كما قال أبو حنيفة ، وأن على قول الموجبين للقطع لافائدة فيه ، فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع ، وهو عندهم كالخف . فإن قيل: فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار ، وهذا يفيد الجواز ، وأما سقوط الفدية فلا، فهلا قلتم كما قال أبو حنيفة : يجوز له ذلك مع الفدية ؟ فاستفاد الجواز من هذا الحديث ، واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة ، حيث جوز له فعل المحظور مع الفدية ، فكان . أسعد بالنصوص وبموافقتها منكم ، مع موافقته لابن عمر فى ذلك . قيل : بل إيجاب الفدية ضعيف فى النص والقياس ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر البدل فى حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ، وعائشة ، ولم يأمر فى شىء منها بالفدية ، مع الحاجة إلى بيانها ، وتأخير البيان عن وقته ممتنع ، فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجباً دليل على عدم الوجوب ، كما أنه جوز لبس السراويل بلا فتق ، ولو كان الفتق واجباً لبينه. وأما القياس فضعيف جداً .. فإن قيل : هذا من باب الأبدال التى تجوز عند عدم مبدلاتها، كالتراب عند عدم = - ٢٨٢ - = الماء، وكالصيام عند العجز عن الإعتاق والإطعام، وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره ، وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية ، والفرق بينهما أن الـاس مشتركون فى الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم ، ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه ، فالحاجة إلى ذلك عامة ، ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم، ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإن ذلك حاجة العارض، ولهذا رخص النبى صلى الله عليه وسلم للنساء فى اللباس مطلقاً بلا فدية ، ونهى عن النقاب والقفازين ، فإن المرأة لما كانت كلها عورة، وهى محتاجة إلى ستر بدنها، لم يكن عليها فى ستر بدنها فدية ، وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات وألخفاف هى عامة ، إذا لم يجدوا الإزار والنعال ، وابن عمر لما لم يبلغه حديث الرخصة مطلقاً أخذ بحديث القطع ، وكان يأمر النساء بقطع الخفاف ، حتى أخبرته بعد هذا صفية زوجته عن عائشة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أرخص للنساء فى ذلك ))، فرجع عن قوله . ومما يبين أن النبى صلى الله عليه وسلم أرخص فى الحفين بلا قطع ، بعد أن منع منهما ، أن فى حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقاً ، ولم يبين فيه حالةمن حالة ، وفى حديث ابن عباس وجابر المتأخرين ترخيصه فى لبس السراويل عند عدم الازار ، فدل على أن رخصة البدل لم تكن شرعت فى لبس السراويل ، وأنها إنما شرعت وقت خطبته بها، وهى متأخرة ، فكان الأخذ بالمتأخر أولى ، لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمدار المسألة على ثلاث نكت : إحداها : أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات لم تشرع قبل . والثانية : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع . والثلاثة : أن الخف المقطوع كالفعل أصل، لا أنه بدل . والله أعلم. فصل وأما نهيه صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب ، وأن تلبس القفازين ، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل ، لاكرأسه ، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة = ! - ٢٨٣ - = والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين . فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها ، ومنعها من القفازين والنقاب ، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها ، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما ، وهما القفازان ، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه ، وليس عن النبى صلى الله عليه وسلم حرف واحد فى وجوب كشف المرأة وجهها عند الاحرام ، إلا النهى عن النقاب ، وهو كالنهى عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء . وهذا واضح بحمد الله . وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطى وجهها وهى محرمة ، وقالت عائشة :. « كانت الركبان يمرون بنا ، ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفنا)) ذكره أبو داود . واشتراط المجافاة عن الوجه - كما ذكره القاضى وغيره - ضعيف لا أصل له دلیل ولا مذهباً قال صاحب المغنى: ولم أر هذا الشرط - يعنى المجافاة - عن أحمد ولا هو فى الخبر، مع أن الظاهر خلافه ، فإن الثوب المسدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطاً لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما ، مما يعد أستر الوجه ، قال أحمد : لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل ، كأنه يقول : إن النقاب من أسفل على وجهها . تم كلامه . فان قيل: فما تصنعون بالحديث المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إحرام الرجل فى رأسه، وإحرام المرأة فى وجهها)) فعل وجه المرأة كرأس الرجل ، وهذا يدل على وجوب كشفه ؟ .قيل : هذا الحديث لا أصل له ، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ، ولا يعرف له إسناد ، ولا تقوم به حجة ، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها، وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه ، لا مطلق الستر كاليدين . والله أعلم . - ٢٨٤ - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : تحريم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر ، وعطاء وطاوس ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعى : ومالك، والامام أحمد ، والشافعى فى أحد قوليه . وإسحق بن راهويه ، وتذكر الرخصة عن على وعائشة وسعد بن أبى وقاص ، وبه قال الثورى ، وأبو حنيفة ، والشافعى فى القول الآخر. ونهى المرأة عن ابسهما ثابت فى الصحيح، کنھی الرجل عن لبس القميص والعام ، وكلاهما، فی حدیثواحد ، عن راو واحد، وكنهيه المرأة عن النقاب ، وهو فى الحديث نفسه . وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع ، وهى حجة على من خالفها وليس قول من خالفها حجة عليها . فأما تعليل حديث ابن عمر فى القفازين بأنه من قوله ، فإنه تعليل باطل ، وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث (( نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ، ولبسها القفازين))، ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً إليه ، ليس من كلام ابن عمر. وموضع الشبهة فى تعليله أن نافعاً اختلف عليه فيه : فرواه الليث بن سعد عنه عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم، فذكر فيه ((ولا تلبس القفازين)) قال أبو داود : ورواه حاتم بن اسمعيل ويحيى بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع .- على ما قال الليث - ورواه موسى بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفاً على ابن عمر وكذلك رواه عبيد الله بن عمر، ومالك ، وأيوب موقوفاً ، وكذلك هو فى المودأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر "كان يقول (( لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين)) ولكن قد رفعه الليث بن سعد وموسى بن عقبة فى الأكثر عنه . وابراهيم بن سعد أيضاً رفعه عن نافع، ذكره أبو داود ، ورواه محمد بن إسحاق عن نافع مرفوعاً ، كما تقدم . فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخارى فى صحيحه والترمذى . وقال : حديث صحيح . ورواه النسائى فى سننه . ولم يروا وقف من وقفه علة . وأما حديث موسى بن عقبة فرواه النسائى فى سننه عن سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة - فذكر الحديث. وقال فى آخره : = -٢٨٥ - ٣٣ - باب المحرم يحمل السلاح ١٨١٥- حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرِ أخبرنا شُعْبَةُ عِنْ أَبِى إِسْحَاقَ قال: سَمِعْتُ الْبِرَاءَ يَقُولُ: ((لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَهْلَ الْدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لاَ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ بِحُلْبَصِبْرِ السَّلاَحِ فَسَأَلْتُهُ مَا جُلْبَانُ السِّلاَحِ؟ قَالَ الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ». ( باب المحرم يحمل السلاح) ( على أن لا يدخلوها) النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ( إلا يجلبان السلاح) بضم الجيم وسكون اللام شبه الجراب من الأدم ، يوضع فيه السيف مغموراً ويطرح فيه الرا كب سوطه وادائه ويعلقه فى آخرة الكور أو وسطه . ورواه القتيبى بضم الجيم واللام وتشديد الباء ، وقال هو أوعية السلاح بما فيها . وفى بعض الروايات ولا يدخلها إلا يجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه ، يريد ما يحتاج فى إظهاره والقتال به إلى معاناة لا كالرماح لأنها مظهرة يمكن تعجيل الأذى بها وإنما اشترطوا ذلك ليكون علماً وأمارة السلم إذا كان دخولهم صلحاً . كذا فى النهاية . وقال ابن بطال: أجاز مالك والشافعى حمل السلاح للمحرم فى الحج والعمرة وكرهه الحسن ( قال القراب بما فيه) قال الكرمانى : القراب جراب قلت : ليس بجراب ولكنه يشبه الجراب يطرح فيه الراكب - = (( ولا تنتقب المرأة الحرام. ولا تلبس القفازين)) مرفوعاً. قال البخارى: تابعه موسى بن عقبة وإسمعيل بن إبرهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحق فى النقاب والقفاز ين)) وقال عبيد الله: وكا يقول (( لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين)) وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: (( لا تنتقب المرأة)) وتابعه ليث بن أبى سليم . فالبخارى رحمه الله ذكر تعليله. ولم يرها علة مؤثرة . فأخرجه فى صحيحه عن عبد الله بن يزيد حدثنا الليث حدثنا نافع عن ابن عمر - فذكره. ٠٠٠ - ٢٨٦ - ٣٤ - باب فى المحرمة تغطى وجهها ١٨١٦ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَبَلٍ أخبرنا هُشَمُ أخبرنا [أنبأنا] يَزِيدُ ابنُ أَبِىِ زِيَادٍ مِنْ تُجَاهِدٍ مِنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْها قالَتْ: ((كَانَ الرّ كْبانُ يَمُونَ بِنا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَمٍ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حاذَوْا بِنا [حاذَوْنا] سَدَلَتْ إِحْدَانا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِها عَلَى وَجْهِها، فَإِذَا جاوَزْونَا كَشَفْنَاهُ )) . - سيفه بغمده وسوطه ويطرح فيه زاد من تمر وغيره قاله المينى . قال الخطابي: هكذا جاء تفسير الجلبان فى هذا الحديث ولم أسمع فيه من ثقة شيئاً، وزعم بعضهم أنه إنما سمى جلبانًا لجفائه وارتفاع شخصه من قولهم رجل جلبان وامرأة جلبانة إذا كانت جسيمة جافية الخلق ، قلت : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث، ويشبه أن يكون المعنى فى مصالحتهم على أن لا يدخلوها بالسيوف فى القرب أنهم لم يأمنوا أهل مكة أن يخفروا الذمة فاشترط حمل السلاح فى القرب معهم ولم يشترط شهر السلاح ليكون سمة وأمارة له انتهى. قال المنذرى: أخرجه البخارى ومسلم أتم منه ( باب فى المحرمة تغطى وجهها) ( كان الركبان ) بضم الراء جمع الراكب (يمرون) أى مارين ( بنا) أى علينا معشر النساء ( محرمات ) بالرفع على الخبرية أى مكشوفات الوجوه ( فإذا حاذوا بنا) وهو بفتح الذال من المحاذاة بمعنى المقابلة أى قابلوا ( سدلت ) أى أرسلت (جلبابها) بكسر الجيم أى برقعها أو طرف ثوبها (من رأسها على وجهها) بحيث لم يمس الجلباب بشرة . كذا فى المرقاة . وقال محدث العصر مولانا محمد إسحاق الدهلوى: أى سدلت منفصلا عن الوجه لئلا يتعارض حديث لا تنتقب -. -٢٨٧- ٣٥ - باب فى المحرم يظلل ١٨١٧ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلِ أخبرنا مُمَّدُ بنُ سَلَمَةً عن أَبِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عن زَيْدِ بنِ أَبِى أُنَيْسَةَ عن يَحْسَى بِنِ حُصَيْنٍ عن أُمِّ الخصَيْنِ حَدَّثَتْهُ قَلَتْ حَجَجْنَا مَعَ النَّيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلم حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَأَيْتُ أُسَمَةَ وَبِلاَلاً وَأَحَدَهُاَ آخِذٌ بِخِطَامٍ نَاقَةِ النَّبِىِّ [ رَسُولِ اللهُ] صلى اللهُ عليه - المحرمة (فإذا جاوزونا) أى تعدوا عنا وتقدموا علينا (كشفناء) أزلنا الجلباب ورفعنا النقاب وتركنا الحجاب . ولو جعل الضمير إلى الوجه بقرينة المقام فله وجه كذا فى المرقاة . وفى نيل الأوطار: واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم علبها ستره مطلقاً كالعورة لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافياً عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة . هكذا قال أصحاب الشافعى وغيرهم. وظاهر الحديث خلافه لأن المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة ، فلو كان التجافى شرطً لبينه صلى الله عليه وسلم انتهى. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه. وذكر سعد بن يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن مجاهداً لم يسمع من عائشة. وقال أبو حاتم الرازى : مجاهد عن عائشة مرسل وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحهما من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث منها ما هو ظاهر فى سماعه وفى إسناده أيضاً يزيد بن أبى زياد وتكلم فيه غير واحد وأخرج له مسلم فى جماعة غير محتج به انتهى. ( باب فى المحرم يظلل) (وأحدهما) أى والحال أن أحدهما (أخذ) بصيغة الفاعل (بخطام) بكسر - - ٢٨٨ - وسلم وَالْآخَرُ رَافِعٌ تَوْبَهُ يَسْتُرْهُ [ لِيَسْتُرَهُ] مِنَ الْحُرِّ حَتَّى رَتَى ◌َجْرَةَ الْمَقَبَةَ)). - الخاء بمعنى الزمام والمهار ككتاب (رافع) بالتنوين (ثوبه) ثوباً فى يده (يستره أى يظله بثوب مرتفع على رأسه بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولفظ أحمد ومسلم ((حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس النبى صلى الله عليه وسلم يظلله من الشمس)) ( من الحر) وفيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره من محمل وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وقال مالك وأحمد لا يجوز والحديث يرد عليهما . وأجاب عنه بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم، فهو كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيده فإن فعل لزمته الفدية عند مالك وأحمد، وأجمعوا على أنه لو قد تحت خيمة أو سقف جاز. وقد احتج لمالك وأحمد على منع التظلل بما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد استغال بينه وبين الشمس فقال اضح لمن أحرمت له وبما أخرجه البيهقى أيضاً بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعاً ما : من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه ، وقوله اضح بالضاد المعجمة وكذا يضحى للشمس والمراد ابرز للضحى . قال الله تعالى ﴿ وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) ويجاب عن قول ابن عمر بأنه موقوف وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفا لا يدل على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف ، لأن غاية ما فيه أنه أفضل على أنه يبعد منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل المفضول ويدع الأفضل فى مقام التبليغ قاله الشوكانى . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى . - ٢٨٩ - ٣٦ - باب المحرم يحتجم ١٨١٨ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلِ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِ و بِنِ دِينَارٍ من عَطَاءٍ وَطَؤُسٍ عن ابنِ عَبَأْسٍ ((أَنَّ النَّبيّ صلى اللهُ عليهِ وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ يُخْرِمٌ )). ١٨١٩ - حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِ شِْبَةَ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا هِشَامٌ عن عِكْرَمَةَ عن ابنِ عَبَأْسٍ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ يُحْرِمٌ فِى رَأْسِهِ مِنْ دَاءِ كَانَ بِهِ)). ( باب المحرم يحتجم ) (احتجم وهو محرم) قال الخطابي: لم يكن أكثر من كره من الفقهاء الحجامة للمحرم إلا من أجل قطع الشعر، وإن احتجم فى موضع لا شعر عليه فلا بأس به ، وإن قطع شعرا افتدى . وعمن رخص فى الحجامة للمحرم سفيان الثورى وأبو حنيفة وأصحابه وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق. وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة لا بد منها. وكان الحسن يرى فى الحجامة دما يهربقه. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى انتهى . (من داء كان به ) أى من مرض. ولفظ البخارى ومسلم فى وسط رأسه من رواية ابن بحينة . قال النووى: فى هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها له فى الرأس وغيره إذا كان له عذر فى ذلك وقطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقلع الشعر فإن لم يقطع فلا فدية عليه . ودليل المسألة قوله تعالى ﴿فمن كان مريضا أو به أذى من رأسه فقدية) الآية . وهذا الحديث محمول على أن النبى صلى الله عليه وسلم كان له عذر فى الحجامة فى وسط الرأس لأنه لا ينفك عن قطع شعر أما إذا أراد المحرم الحجامة بغير حاجة فإن - (١٩ - عون المعبود ٥) - ٢٩٠- ١٨٢٠ - حدثنا أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن قَتَادَةَ من أَنَسٍ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعَ كَنَ بِ » . قَالَ أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قالَ ابنُ أَبِى عَرُوبَةَ أَرْسَلَهُ يَْنِى مِن قَتَدَةَ . - تضملت قلع شعر فهى حرام لتحريم قطع الشعر فإن لم تضمن ذلك بأن كانت فى موضع لا شعر فيه فهى جائز عندنا وعند الجمهور ولا فدية فيها . وعن ابن عمر ومالك كرامتها ، وعن الحسن البصرى فيها الفدية . دليلنا أن إخراج الدم ليس حراماً فى الإحرام . وفى هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام وهى أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للمجاعة وغير ذلك انتهى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى وأخرجه النسائى مختصرا. ( على ظهر القدم ) أى أعلى القدم ( من وجع كان به ) ولفظ النسائى: احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وتأ كان به ، وفى رواية له من حديث جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم من وثأ كان به ، ومعناه من وجع يصيب اللحم لا يبلغ العظم أو وجع يصيب العظام من غير كسر قاله السندى. وهذا الحديث يرد إطلاق من ذهب إلى كراهتها وكذا إطلاق الحسن البصرى أن فيها الفدية . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى ولفظ النسائى من وثاً كان به ( ابن أبى عروبة) هو سعيد أى روى عن قتادة مرسلا من غير ذكر أنس .- - ٢٩١ - ٣٧ - باب يكتحل المحرم ١٨٢١ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَنْبَل أخبرنا سُفْيَانُ عن أيُّوبَ بِنِ مُوسَى عن نُبَيْرِ بِنِ وَهْبٍ قَالَ ((اشْتَكَى ◌ُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ مَعْمَرٍ عَيْنَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَنَ بِنِ عُثْاَنَ قَالَ مُفْيَانُ وَهُوَ أَمِيرُ المَوْسِمِمَا يَضْنَعُ بِهِمَاَ قَالَ أصِْدْهُمَ بِالصَِّرِ فَإِى سَمِعْتُ ءُثَانَ يُحَدِّثُ ذُلِكَ من رَسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم )) . ١٨٢٢ - حدثنا عُثَانُ بنُ أَبِ شَْبَةَ حدثنا إِسْمَاعِلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ ابنِ عُلِيَّةَ عن أيُّوبَ عن نَفِع عن نُبَيْهِ بِنِ وَهَبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ . (باب يكتحل المحرم) (أمير الموسم) قال فى المصباح: السمة هى العلامة ومنه الموسم، لأنه معلم يجتمع إليه انتهى. والمعنى أنه كان أمير الحجاج فى موسم الحج (قال: اضمدها بالصبر ) بفتح ثم كسر دواء معروف مر. قال الخطابي: الصبر ليس بطيب، ولذلك رخص له أن يتعالج به . فأما الكحل الذى لا طيب فيه فلا بأس به . وقال الشافعى: وأنا له فى النساء أشد كراهة منى له فى الرجال ولا أعلم على واحد منهما الفدية . ورخص فى الكحل للمحرم سفيان الثورى وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق . وكره الإنمد للمحرم سفيان وإسحاق. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى. - ٢٩٢ - ٣٨ - باب المحرم يغتسل ١٨٢٣ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن زَيْدِ بِنِ أَسْلَمَ عن إِبْرَاهِيمَ بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ خُنَيْنٍ عن أبِيهِ ((أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَأْسٍ وَالمِسْوَرَ ابْنَ تَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأُبْوَاءِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ. قَالَ المِسْوَرُ لاَ يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَهُ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِ أيُوبَ الأَنْصَارِىٌّ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يَسْتُر ◌ِثَوْبٍ. قال فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَفَيْنٍ أَرْسَلَفِى إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ ابنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُخْرِمٌ قال فَوَضَعَ أبُوَ أُوبَ يَدَهُ عَلَى النَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَالِ رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ الإِنْسَانِ يَصُبُّ عَلَيْهِ أُعْبُبْ، فَالَ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ أبُو أيُّوبَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَ رَأيْتُهُ يَفْعَلَ صلى اللهُ عليهِ وسَهم)) (باب المحرم يغتسل) أى الإغتسال للمحرم ترفها وتنظفاً وتطهراً من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك. وروى عن مالك أنه كره للمحرم أن يغعلى رأسه فى الماء . وروى فى الموطأ عن نافع أنّ ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام (بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة موضع قريب من مكة وها نازلان بها ( بين القرنين) هوبفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر وشبههما من البناء وتمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل المستقي به ويعلق عليها البسكرة قاله النووى ( على الثوب) السائر (فط أطأه) أى أزاله عن رأسه. وفى رواية للبخارى: جمع ثيابه - -٢٩٣- ٣٩ - باب المحرم يتزوج ١٨٢٤ - حدثنا الْتَغْنِىُّ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن نُبَيْهِ بِنِ وَهْبٍ أَغِى بَغِ عَبْدِ الدَّارِ أَنّ ◌ُمَرَ بنَ عَبَيْدِ اللهِ [عبْدِ اللهِ] أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بِنِ عُثْمانَ بنِ عَفَّنَ يَسْأَلُهُ وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الحَاجِّ وَهُمَ مُحْرِ مَانِ؛ إِنِّى أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بنَ عَمَرَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بنَ جُبَيْرٍ فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ ذلكَ - إلى صدره حتى نظرت إليه وحتى رأيت رأسه ووجهه فى رواية له ، وفى هذا الحديث فوائد منها جواز اغتسال المحرم وغسله رأسه وإصرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعراً، ومنها قبول خبر الواحد وأن قبوله كان مشهوراً عند الصحابة ، ومنها الرجوع إلى النص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص. ومنها السلام على المتطهر فى وضوء وغسل بخلاف الجالس على الحدث، ومنها جواز الاستعانة فى الطهارة ولكن الأولى تركها إلا لحاجة واتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده عن الجغابة بل هو واجب علية وأما غسله لتبرد فمذهبها ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، ويجوز عندها. غسل رأسه بالسدر والخطعى بحيث لا ينتف شعراً، وقال أبو حنيفة ومالك هو حرام موجب للفدية قاله النووى . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه . ( باب المحرم يتزوج) : (عن نبيه) بضم النون مصغراً ( أن عمر بن عبيد الله) مصغراً (أرسل) نبيها المراوى المذكور كما فى رواية لمسلم ( إلى أبان) بفتح الهمزة والموحدة ( أمير الحتاج) من جهة عبد الملك (أردت أن أنكح) بضم فسكون أزوج ابنى - - ٢٩٤ - فَأَنْكَرَ ذُلِكَ عَلَيْهِ أَبانُ وَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ أَبِ عُثْمانَ بنَ عَنَّانَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ)). - (فأردت أن تحضر) فيه ندب الاستئذان لحضور العقد (فأنكر ذلك عليه أبان) فقال لا أراه إلا أعرابياً أى جاهلا بالسنة كما عند مسلم ( قال إنى سمعت أبى عثمان) عطف بيان أو بدل من أبى وفى تصريحه بسمعت رد على من قال : إنه لم يسمع أباه فالمثبت مقدم (لا ينكح) بفتح أوله أى لا يعقد لنفسه (الحرم) بحج أو عمرة أو بهما ( ولا ينكح) بضم أوله أى لا يعقد لغيره بولاية ولا وكالة وهو بالجزم فيهما على النهى كما ذكر الخطابى أنه الرواية الصحيحة ، قاله الزرقانى. قال الخطابى: قد ذهب إلى ظاهر الحديث مالك والشافعى ، ورأيا النكاح إذا عقد فى الإحرام مفوخاً عقده المرء لنفسه أو كان ولياً يعقده لغيره. وقال أبو حنيفة وأصحابه: نكاح المحرم لنفسه وإنكاحه لغيره جائز. واحتجوا فى ذلك بخبر ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة وهو محرم . وتأول بعضهم خبر عثمان على معنى أنه إخبار عن حال المحرم ، وأنه باشتغاله بنسكه لا يتسع بعقد النكاح ولا يفرغ له ، وقال بعضهم معنى ينكح أى أنه لا يطأ ليس أنه لا يعقد . قال الخطابي: قلت الرواية الصحيحة لا ينكح المحرم بكسر الحاء على معنى النهى لا على حكاية الحال وقصة أبان فى منعه عمر بن عبيد الله من العقد وإنكاره ذلك وهو راوى الخبر دليل على أن المعنى فى ذلك العقد، فأما أن المحرم مشغول بنسكه ممنوع من الوطء فهذا من العلم العام المفروغ من بيانه اتفاق الجماعة والعامة من أهل العلم انتهى ، قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى النسائي وابن ماجه. - - ٢٩٥- ١٨٢٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أَنَّ ◌ُمَّدَ بنَ جَعْفرِ حدَّثَهُمْ أخبرنا سَعِيدٌ عَنْ مَطَرٍ وَيَعْلَى بنُ ◌َحَكِيمٍ عنْ نَافِعِ عنْ نُبَيْدِ بنِ وَهْبٍ عن أَبانَ ابن عُثْمَانَ عن عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم ذَكَرَ مِثْلَهُ. زَادَ ((وَلاَ يَخْطُبُ)). ١٨٢٦ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَادٌ عنْ حبِيبِ بنِ الشَّهدِ عنْ مَيْعُونِ بنِ مِفْرَانَ عنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ بن أَخِى مَيْدُونَةَ عنْ مَيْمُونَةً قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ وَنَحْنُ حَلَّلاَنِ بِسَرِفَ )). ١٨٢٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عِنْ أُيُوبَ عنْ حِكْرِمَةَ - (زاد ولا يخطب) بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء أى لا يطلب امرأة النكاح، قال على القارى: روى الكلمات الثلاث بالنفى والنهى . وذكر الخطابى أنها على صيغة النهى أصح على أن النفى بمعنى المهى أيضاً بل أبلغ، والأولان التحريم والثالث التنزيه عند الشافعى فلا يصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده، والكل التنزيه عند أبى حنيفة. وقال الطبيبى: أخرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وأبو عيسى وأبو عبد الرحمن فى كتبهم والذى وجدناه الأكثر فيما يعتمد عليه من الروايات الإمبات وهو الرفع فى تلك الكلمات (ونحن حلالان بشرف ) ومن غريب التاريخ أنها دفنت بسرف أيضاً ، وهو بين الحرمين قريب مكة دون الوادى المشهورة بوادى فاطمة . قال الطبرى: وهو على عشرة أميال من مكة، والصحيح أنه على ستة أميال. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجه بنحوه . - ٢٩٦ - عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ النَِّىَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْءُونَةَ وَهُوَ يُحْرِمٌ)). - ( تزوج ميمونة وهو محرم ) قال العينى: واحتج بهذا الحديث إبراهيم النخمى والثورى وعطاء بن أبى رباح وحماد بن أبى سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وصاحباه وقالوا: لا بأس للمحرم أن ينكح ولكنه لا يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق: لا يجوز للمحرم أن ينكح ولا ينكح غيره فإن فعل ذلك فالفكاح باطل، وهو قول عمر وعلى . انتهى . قلت : لا حجة لهم برواية ابن عباس هذه لأنها مخالف لرواية أكثر الصحابة ولم يروه كذلك إلا ابن عباس وحده وانفرد به، قاله القاضى عياض ، ولأن سعيد بن المسيب وغيره وهموه فى ذلك وخالفته ميمونة وأبو رافع فرويا أنه نكحها وهو حلال وهو أولى بالقبول لأن ميمونة فى الزوجة وأبو رافع هو السفير بينهما فهما أعرف بالواقعة من ابن عباس لأنه ليس له من التعلق بالقصة مالهما ولصغره حينئذ عنهما إذ لم يكن فى سنهما ولا يقرب منه فإن لم يكن - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وعن سعيد بن المسيب قال: ((وهم ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم))، وقدروى مالك فى الموطأ عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سليمان بن يسار: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار ، فزوجاه ميمونة بنت الحارث ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج))، وهذا، وإن كان ظاهره الإرسال ، فهو متصل ، لأن سلمان بن يسار رواه عن أبى رافع (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما ))، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وهذا صريح فى تزوجها بالوكالة قبل الاحرام . - ٢٩٧ - ١٨٢٨ - حدثنا ابنُ بَشَارِ حدثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِىِّ أخبرنا سفْيانُ عنْ إِسْمَاعِلَ بنِ أُمَيَّةً عنْ رَجُلٍ منْ سَيِدٍ بنِ المُسَيَِّ قَالَ: ((وَهِم ابنُ عَبَّاسٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْعُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ)) . ٤٠ - باب ما يقتل المحرم من الدواب ١٨٢٩ - حدثنا أحمدُ بنُ حَنَبَلِ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن - ومما فهو قابل للتأويل بأنه تزوجها فى أرض الحرم وهو حلال فأطلق ابن عباس على من فى الحرم أنه محرم لكن هو بعيد ، وأجيب عن التفرد بأنه قد صح من رواية عائشة وأبى هريرة نحوه كماقالة الحافظ فى الفتح، وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو داود وسكت عنه هو ثم المنذرى ، وفى إسناده رجل مجهول فالقول المحقق فى جوابه بأن رواية صاحب القصة والسفير فيها أولى لأنه أخبر وأعرف بها والله أعلم. وقال الحافظ فى الفتح : وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف فى الواقعة كيف كانت ولا تقوم بها الحجة ولأنها تحتمل الخصوصية فكان الحديث فى النهى عن ذلك أولى بأن يؤخذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشترى الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس فى معارضة السنة فلا يعتبر به . وأما تأويلهم حديث عثمان بأن المراد به الوطء ، فمتعقب بالتصريح فيه بقوله ولا يفكح بضم أوله وبقوله فیه ولا يخطب انتهى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى بنحوه ... ( وهم ابن عباس الخ) هذا هو أحد الأجوبة التى أجاب بها الجمهور عن حديث ابن عباس . ( باب ما يقتل المحرم من الدواب ) بتشديد الباء الموحدة جمع دابة وهى ما دب من الحيوان من غير فرق بين - - ٢٩٨ - الزُّهْرِىِّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ قال: ((سُئِلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ؟ فَقَالَ: ◌َخْسٌ ، لَاجُنَاحَ فِى قَتْلِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِىِ الحِّ وَاَحَمَ: الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ [ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ]، وَالحِدَأْةُ، وَالْكَلْبُ اْعَقَورِ )). - الطير وغيره ومن أخرج الطير من الدواب حديث الباب من جملة مايرد به عليه (خمس) أى من الدواب كما عند مسلم ( لا جناح) أى لا إثم ولا جزاء، والمعنى لا حرج ( فى الحل والحرم) أى فى أرضه. وورد فى لفظ عند مسلم من روايته أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يأمر بقتل الكلب العقور الحديث . وعدد أبى عوانة ليقتل المحرم وظاهر الأمر الوجوب ويحتمل الندب والإباحة . وقد روى البزار من حديث أبى رافع أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل المقرب والفأرة والحية والحدأة، وهذا الأمر ورد بعد نهى المحرم عن القتل وفى الأمر الوارد بعد النهى خلاف معروف فى الأصول هل يفيد الوجوب أو لا ، قاله الشوكانى ( العقرب) قال فى الفتح: هذا اللفظ للذكر والأنثى. قال ابن المنذر : لا نعلمهم اختلفوا فى جواز قتل العقرب ( والغراب ) هذا الإطلاق مقيد بما عند مسلم من حديث عائشة بلفظ الأبقع وهو الذى فى ظهره أو بطنه بياض، وقد اعتذر ابن بطال وابن عبد البر عن قبول هذه الزيادة بأنها لم تصح لأنهامن رواية ققادة وهو مدلس ، وتعقب بأن شعبة لا يروى عن شهوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم وهذه الزيادة من رواية شعبة ، بل صرح النسائى بسماع قتادة قال فى الفتح: وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذى يأ كل الحب من ذلك ، ويقال له غراب الزرع وأفتوا بجوازاً كله فبقى ما عداه من الغربان ملحقاً بالأبقع انتهى . قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب فى الإحرام إلاّ عطاء - - ٢٩٩- ١٨٣٠ - حدثنا علِيُّ بنُ بَجْرٍ أخبرنا حاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ حدَّثنى ◌ُمَّدُ ابنُ عَجْلَانَ عن الْقَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أبى صَالِحٍ عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم قَال: ◌َخْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَاَلٌ فِى الْرَمِ: الْيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالِدَأَةُ، وَالْمَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ )). ١٨٣١ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيٌْ أنبأنا يَزِيدُ بنُ أَبِى زِيَادٍ أخبرنا عَبْدُ الرَّحْنِ بنُ أَبِى نُعمِ الْبَجَلَىُّ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ((أَنَّ النِّيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلم سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: الخِيّةُ، وَالْعَقْرَبُ - قال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا (والفأرة) بهمزة ساكنة ويجوزفيها التسهيل. قال فى الفتح: ولم يختلف العلماء فى جواز قتلها للمحرم إلا ما حكى عن إبراهيم النخعى فإنه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه عنه ابن المنذر . وقال هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم (والحدأة) بكسر الحاء المهملة وفضح الدال بعدها همزة بغير مد على وزن عنبة، وحكى صاحب المحكم فيه المد ( والكلب العقور) اختلف فى المراد بالكلب العقور ، فروى سعيد بن منصور عن أبى هريرة بإسناد حسن كما قال الحافظ إنه الأسد. وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأى كلب أعقر من الحية . وقال زفر: المراد به هنا الذئب خاصة وقال فى الموطأ : كل ماعقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور . وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة : المراد به هنا الكلب خاصة ولا يلتحق به فى هذا الحكم سوى الذئب. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة . (عن أبى هريرة) إلى آخر الحديث. قال المنذرى: فى إسناده محمد بن عجلان - - ٣٠٠ - وَالْقُوَّيْسِقَةُ، وَيَرْبِىِ الْغُرَابَ وَلاَ يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقورُ، وَالْجِدَأَةُ، وَالسَُّعُ الْعَادِى )) . - ( والفويسقة) تصغير فاسقة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها. وأصل الفسق هو الخروج ومن هذا سمى الخارج عن الطاعة فاسقاً ، ويقال : فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت عنه قاله الخطابى (ويرمى الغراب ولا يقتله) قال الخطابي: يشبه أن يكون المراد به الغراب الصغير الذى يأ كل الحب وهو الذى استثناء مالك من جملة الغربان ، وأيضاً قال: اختلف أهل العلم فيما يقتله المحرم من الدواب ، فقال الشافعى: إذا قتل المحرم شيئاً من هذه الأعيان المذكورة فى هذه الأخبار فلا شىء عليه، وقاس عليها كل سبع ضار ، وكل شىء من الحيوان لا يؤكل لحمه، لأن بعض هذه الأعيان سباع ضارية وبعضها هوام ، وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل فى معنى السباع ولا هى من جملة الهوام وإنما هو حيوان مستخبث اللحم غير مستطاب الأكل وتحريم الأكل يجمعهن كلهن فاعتبره وجعله دليل الحسنكم، وقال مالك نحواً من قول الشافعى إلا أنه قال لا يقتل المحرم الغراب الصغير، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل الكلب وسائر ما جاء فى الحبر وقاستوا عليه الذئب ولم يجعلوا على قاتله فدية، وقالوا فىء السبع والمر والفهد والخنزير عليه الجزاء إن قتلها، إلا أن يكون قد ابتدأ. الحرم فعليه قيمته إلا أن يكون قيمته أكثر من دم فعليه دم ولا يجاوزه انتهى كلام الخطابئ مختصراً ( وَالسبع العادى) أى الظالم الذى يفترس الناس ويعقر، فكل ما كان هذا الفعل نعقاً له من أسد وتمر وفهد ونحوها، فيكمه هذا الحكم وليس على قلتلها فدية والله أعلم . قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وابن ماجه. وقال الترمذى : حديث حسن . هذا آخر كلامه، وفى إسناده یزید بن أبى زياد. وقد تقدم الكلام عليه.