النص المفهرس
صفحات 401-420
- ٤٠١ - - وقال أصحاب الرأى: لا جمعة إلافى مصر جامع وتنعقد عندهم الجمعة بأربعة . وقال الأوزاعى: إذا كانوا ثلاثة صلوا جمعة إذا كان فيهم الوالى . وقال أبو ثور كسائر الصلوات فى العدد . انتهى كلام الخطابى . قلت : حديث ابن عباس وكعب بن مالك المذكوران فى الباب فيهما دلالة واضحة على صحة صلاة الجمعة فى القرى نحديث ابن عباس أخرجه أيضاً البخارى فى صحيحه، وحديث كعب أخرجه أيضاً ابن ماجه وزادفيه: ((كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم النبى صلى الله عليه وسلم من مكة )) وأخرجه الدارة طنى وابن حبان والبيهقى فى سننه وقال حسن الإسناد صحيح ، وقال فى خلافياته رواته كلهم ثقات والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم . وقال الحافظ فى التاخيص إسناده حسن . قلت : الأمر كماقال البيهقى فإن إسناده حسن قوى ورواته كلهم ثقات وفيه محمد بن إسحاق ، وقد عنعن عن محمد بن أبى أمامة فى رواية ابن إدريس كما عند المؤلف أبى داود ، لكن أخرج الدارقطنى ثم البيهقى فى المعرفة من طريق وهب بن جرير حدثنا أبى عن محمد بن إسحاق قال حدثنى محمد بن أبى أمامة عن أبيه ثم ساق الحديث . ومحمد بن إسحاق ثقة عند شعبة وعلى بن عبد الله وأحمد ويحيى بن معين والبخارى وعامة أهل العلم ولم يثبت فيه جرح فتقبل روايته إذا صرح بالتحديث ، وههنا صرح به فارتفعت عنه مظنة التدليس . وفى هذا كله رد على العلامة العينى حيث ضعف الحديث فى شرح البخارى لأجل محمد بن إسحاق وهذا تعنت وعصبية منه . وفى الباب عند الدارقطنى من طريق الزهرى عن أم عبد الله الدوسية قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة)) وهذا الحديث أخرجه الدارقطنى بثلاثة طرق وكلها ضعيفة، - (٢٦ - عون المعبود ٣) -٤٠٢ - - وأخرجه أيضاً الطبرانى والبيهقى وابن عدى وضعفوه، والتفصيل فى التعليق المغنى على سنن الدارقطنى . وقال العينى: ليس فى حديث كعب أن النبى صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك أو أقرهم عليه. إنتهى. وتقدم آنفاً الجواب عن هذا الكلام . وقال البيهقى فى المعرفة : وكانوا لا يستبدون بأمور الشرع لجميل نياتهم فى الإسلام ، فالأشبه أنهم لم يقيموا فى هذه القرية إلا بأمر النبى صلى الله عليه وسلم. إنتهى. وقال الإمام ابن حزم رحمه الله : ومن أعظم البرهان على صمتها فى القرى أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى المدينة وإنما هى قرى صغار متفرقة فبنى مسجده فى بنى مالك بن النجار وجمع فيه فى قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك انتهى. وهذا الكلام حسن جداً. وأخرج محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح عن على بن خشرم عن عيسى بن يونس عن شعبة عن عطاء بن أبى ميمونة عن أبى رافع (( أن أبا هريرة كتب إلى عمر رضى الله عنه يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين فكتب إليهم أن جمعوا حيث ما كنتم)) قال البيهقى فى المعرفة إسناد هذا الأثر حسن. قال الشافعى معناه فى أى قرية كنتم لأن مقامهم بالبحرين إنما كان فى القرى . وأيضاً أخرجه ابن أبى شيبة من طريق أبى رافع عن أبى هريرة عن عمر أنه ((كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم)) قال العينى سنده صحيح. وأيضاً أخرجه سعيد بن منصور في سننه وصححه ابن خزيمة، وهذا يشمل المدن والقرى . وأخرج الطبرانى فى الكبير والأوسط عن أبى مسعود الأنصارى قال (( أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة جمعهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر رجلا)) وفى إسناده صالح بن أبى الأخضر وهو ضعيف . قال الحافظ : ويجمع بين رواية الطبرانى هذه ورواية أسعد بن زرارة - -- ٤٠٣ - - التى عند المؤلف بأن أسعد كان آمراً وكان مصعب إماما . قال البيهقى فى المعرفة : وروينا عن معاذ بن موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق أن النبى صلى الله عليه وسلم حين ركب من بنى عمرو بن عوف فى هجرته إلى المدينة مر على بنى سالم وهى قرية بين قباء والمدينة فأدركته الجمعة فصلى فيهم الجمعة وكانت أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم)) انتهى. ثم أخرج البيهقى من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عبيد الله بن عبدالله بن عقبة قال كل قرية فيها أربعون رجلا فعليهم الجمعة)) ومن طريق سليمان بن موسى (( أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المياه فيما بين الشام ومكة جمعوا إذا بلغتم أربعين رجلا)) قال البيهقى وروبنا عن أبى المليح الرقى أنه قال أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز ((إِذا بلغ أهل القرية أربعين رجلا فليجمعوا)) وعن جعفر بن برقان قال (( كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن عدى الكندى أنظر كل قرية أهل قرار ليسوا هم بأهل عمود ينتقلون فأمر عليهم أميراً ثم مره فليجمع بهم)). وحكى الليث بن سعد أن أهل الاسكندرية ومدائن مصر ومدائن سواحلها كانوا يجمعون الجمعة على عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان بأمرهما وفيها رجال من الصحابة . وكان الوليد بن مسلم يروى عن شيبان عن مولى لآل سعيد ابن العاص أنه سأل ابن عمر عن القرى التى بين مكة والمدينة ما ترى فى الجمعة قال نعم إذا كان عليهم أمير فليجمع انتهى كلام البيهقى . وفى المصنف عن مالك كان أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون انتهى . هذه الآثار للسلف فى صحة الجمعة فى القرى ويكفى لك عموم آية القرآن الكريم (إذا نودي للصلاة) الآية ولا ينسخها أو لا يخصصها إلا آية أخرى - - ٤٠٤ - - أو سنة ثابتة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تنسخها آية ولم يثبت خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . واعلم أن جماعة من الأئمة استدلوا بحديث كعب بن مالك وما ذكر من الآثار على اشتراط أربعين رجلا فى صلاة الجمعة وقالوا إن الأمة أجمعت على اشتراط العدد والأصل الظهر فلا تصلح الجمعة إلا بعدد ثابت بدليل ، وقد ثبت جوازها بأربعين فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صحيح ، وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (صلوا كما رأ يتمونى أصلى)) قالوا ولم تثبت صلاته لها بأقل من أربعين . وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة فى الحديث على اشتراط الأربعين لأن هذه واقعة عين وذلك أن الجمعة فرضت على النبى صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة كما أخرجه الطبرانى عن ابن عباس فلم يتمكن من إقامتها هنالك من أجل الكفار، فلما هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمعوا فجمعوا واتفق أن عدتهم إذا كانت أربعين ، وليس فيه ما يدل على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة . وقد تقرر أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم . وروى عبد بن حميد وعبد الرزاق عن محمد بن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبى صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة . قالت الأنصار لليهود يوم يجمعون فيه كل أسبوع والنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل يوماً تجمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره فجعلوه يوم العروبة واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه فأنزل الله تعالى فى ذلك بعد ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) الآية قال الحافظ فى التلخيص ورجاله ثقات إلا أنه مرسل . وقولهم لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بأقل من أربعين يرده - - ٠٥ غ - - حديث جابر عند الشيخين وأحمد والترمذى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا إثنا عشر رجلا فأنزلت هذه الآية ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائماً) واللفظ لأحمد وما أخرجه الطبرانى عن أبى مسعود الأنصارى والدار قطنى والبيهقى عن أم عبد الله الدوسيه ، وتقدم كل ذلك. وأما احتجاجهم بحديث جابر عند الدار قطنى والبيهقى بلفظ (( فى كل أربعين فما فوقها جمعة وأضحية وفطر)) فضعيف جداً . قال البيهقى هذا الحديث لا يحتج بمثله . والحاصل أن الجمعة تصح بأقل من أربعين رجلا وهذا هو الصحيح المختار وقال الحافظ عبد الحق فى أحكامه: لا يصح فى عدد الجمعة شىء. وقال الحافظ ابن حجر فى التلخيص: وقد وردت عدة أحاديث تدل على الاكتفاء بأقل من أربعين وكذلك قال السيوطى: لم يثبت فى شىء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص انتهى. والخلاف فى هذه المسألة منتشر جداً، وقد ذكر الحافظ فى الفتح خمسة عشر مذهباً لا نطيل الكلام بذكره. واستدل الحنفية على أن الجمعة لا تجوز فى القرى بما أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه أخبرنا معمر عن أبى إسحاق عن الحارث عن على قال: (( لا تشريق ولا جمعة إلا فى مصر جامع)) وابن أبى شيبة فى مصنفه حدثنا عباد بن العوام عن حجاج عن أبى إسحاق عن الحارث عن على قال ((لا جمعة ولا تشريق ولاصلاة فطر ولا أضحى إلا فى مصر جامع أو مدينة عظيم)) وفيهما الحارث الأعور وهو ضعيف جداً لا يحل الاحتجاج به . وروى ابن أبى شيبة أيضاً حدثنا جرير عن منصور عن طلحة عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن أنه قال : قال على (( لا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر جامع)) وأخرجه أيضاً عبد الرزاق أنبأنا الثورى عن زبيد الأيامى عن سعد بن عبيدة عن أبى الرحمن السلمى عن على مثله - -٤٠٩ - - قال العينى إسناد طريق جرير صحيح. وقال البيهقى فى المعرفة: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان حدثنا أبو بكر بن محموية حدثنا جعفر بن محمد القلانسي حدثنا شعبة عن زبيد الأيامى عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على قال (( لا تشريق ولا جمعة إلا فى مصر جامع)) وكذلك رواه الثورى عن ربيد موقوفا انتهى . قال البيهقى والزيلمى وابن حجر: لم يثبت حديث على مرفوعاً وأما موقوفا فيصح. وقال ابن الهمام فى شرح الهداية: وكفى بعلى قدوة وإماماً انتهى. وهذا ليس بشىء لأن للاجتهاد فيه مسرحاً فلا تقوم به الحجة. وقد عارضه عمل عمر وعثمان وعبد الله بن عمر وأبى هريرة ورجال من الصحابه رضى الله عنهم. وهذه الآثار مطابقة لإطلاق الآية الكريمة والأحاديث النبوية فهى أحرى بالقبول ، ولذا قال الحافظ ابن حجر: فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع إلى المرفوع . قلت: هذا هو المتعين ولا يحل سواه. وأيضًا لا يدرى ما حد المصر الجامع أهى القرى العظام أم غير ذلك ، فإن قال قائل : بل هى القرى العظام ، قيل له : فقد جمع الناس فى القرى التى بين مكة والمدينة على عهد السلف ، وبالربذة على عهد عثمان، كماذكره البيهقى فى المعرفة، وإنما رأينا الجمعة وضعت عن المسافر والنساء وأما أهل القرى فلم توضع عنهم . قال فى التعليق المغنى: وحاصل الكلام أن أداء الجمعة كما هو فرض عين فى الأمصار فهكذا فى القرى من غير فرق بينهما ولا ينبغى لمن يريد اتباع السنة أن يترك العمل على ظاهر آية القرآن والأحاديث الصحاح الثابتة بأثر موقوف ليس علينا حجة على صورة المخالفة للنصوص الظاهرة . وأما أداء الظهر بعد أداء الجمعة على سبيل الاحتياط فبدعة محدثة فاعلها آثم بلا مرية ، فإن هذا إحداث فى الدين والله أعلم . - -٤٠٧ - ٢١٤ - باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد ١٠٥٧ - حدثنا عُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا إِسْرَائِيلُ أخبرنا عُثمانُ بنُ المُغِيرَةِ عن إِيَاسِ بنِ أَبِى رَمْلَةَ الشَّامِيِّ قال: ((شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِى سُفْيَانَ وَهُوَ يَنْأَلُ زَيْدَ بنَ أَرْقَ قال: أَشَهِدْتَ [هَلْ شَهِدْتَ ] مع رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم عِدَيْنِ اجْتَمَعَا فِى يَوْمٍ؟ قال: نَعَمْ. قال: فَكَيْفَ صَنَعَ ؟ قال: صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِى الْجُعَةِ فقال: مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلّى فَلْيُصَلٌ)). ( باب إذا وافق يوم الجمعة) فاعل وافق ( يوم عيد) مفعوله . ( قال صلى العيد) فى يوم جمعة ( ثم رخص فى الجمعة) أى فى صلاتها (فقال من شاء أن يصلى) أى الجمعة ( فليصل) هذا بيان لقوله رخص وإعلام بأنه كان الترخيص بهذا اللفظ وسيأتى حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليهوآله وسلم قال ((قد اجتمع فى يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون)) وأخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث أبى صالح وفى إسناده بقية ، وسمح الدارقطنى وغيره إرساله، والحديث دليل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها وتركها ، وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلها . وإلى هذا ذهب جماعة إلا فى حق الإمام وثلاثة معه . وذهب الشافعى وجماعة إلى أنها لا تصير رخصة مستدلين بأن دليل وجوبها عام لجميع الأيام، وما ذكر من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما فى أسانيدها من المقال. قال فى السبل: قلت حديث زيد بن أرقم قد صححه ابن خزيمة ، ولم يطعن غيره فيه فهو يصلح للتخصيص فإنه يخص العام بالآحاد انتهى . وفى النيل : حديث زيد بن أرقم أخرجه أيضاً الحاكم وصححه على بن المدينى وفى إسناده إياس - -٤٠٨ - ١٠٥٨ - حدثنا مُمَّدُ بنُ طَرِيفِ الْبَجَلِىُّ أخبرنا أَسْبَاطٌ عن الأعمَشِ - ابن أبى رملة وهو مجهول انتهى. وذهب عطاء إلى أنه يسقط فرضها عن الجميع لظاهر قوله ((من شاء أن يصلى فليصل)) ولفعل ابن الزبير فإنه صلى بهم فى يوم عيد صلاة العيد يوم الجمعة ، قال ثم جئنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً . قال : وكان ابن عباس فى الطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال أصاب السنة ، وفى رواية عن ابن الزبير أنه قال عيدان اجتمعا فى يوم واحد جمعتهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. وعلى القول بأن الجمعة الأصل فى يومها والظهر بدل فهو يقتضى صحة هذا القول لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل، وظاهر الحديث أيضاً حيث رخص لهم فى الجمعة ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع تقدير إسقاط الجمعة للمظهر يدل على ذلك كما قاله الشارح المغربى فى شرح بلوغ المرام وأيد مذهب ابن الزبير . قال فى السبل قلت ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر فى منزله ، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر فى يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر فى منزله ، بل فى قول عطاء إنهم صلوا وحدانا أى الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه ، ولايقال إن مراده صلاة الجمعة وحدانا فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعا. ثم القول بأن الأصل فى يوم الجمعة صلاة الجمعة والظهر بدل عنها قول مرجوح، بل الظهر هو الغرض الأصلى المفروض ليلة الإسراء والجمعة متأخرة فرضها . ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعا فهى البدل عنه. وقد حققناه فى رسالة مستقلة انتهى كلام محمد بن إسماعيل الأمير . قال المنذرى : وأخرجه النسائى وابن ماجه . - ٤٠٩ - عن عَطَاءِ بنِ أَبِى رَبَحٍ قال: ((صَلَّى بِغَ ابنُ الزُّبَيْرِ فِى يَوْمِ عِيدٍ فِى يَوْمٍ ◌ُعَةٍ أَوَّلَ الَّهَارِ ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَ فَصَلَيْنَا وُحْدَاناً. وكان ابنُ عَبَّاسٍ بِالطَّيِفِِ ، فَأَ قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فقال: أَصَبَ السُّنَّةَ)). ١٠٥٩ - حدثنا يَحْتَ بنُ خَلَفٍ أخبرنا أَبُو عَاصِمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ قال قال عَطَاءِ: ((اجْتَمَعَ يَوْمُ بُعَةٍ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ فقال: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِى يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَجَمََّهُمَا جَيعاً فَصَلَّهَا رَ كْعَتَيْنِ بُكْرَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتّى صَلَّى الْعَصْرِ)). - (فقال أصاب السنة) الحديث رجاله رجال الصحيح، وحكى عن الشافعى فى أحد قوليه ، وأكثر الفقهاء أنه لا ترخيص لأن دليل وجوبها لم يفصل وأحاديث الباب ترد عليهم وحكى عن الشافعى أيضاً أن الترخيص يختص بمن كان خارج المصر، واستدل له بقول عثمان (( من أراد من أهل العوالى أن يصلى معنا الجمعة فليصل ومن أحب أن ينصرف فليفعل)» ورده بأن قول عثمان لا يخصص قوله صلى الله عليه وآله وسلم. قالة الشوكانى. قال فى رحمة الأمة إذا انفق يوم عيد يوم جمعة فالأصح عند الشافعى أن الجمعة لا تسقط عن أهل البلد بصلاة العيد، وأما من حضر من أهل القرى فالراجح عنده سقوطها عنهم فإذا صلوا العيد جاز لهم أن ينصرفوا ويتركوا الجمعة . وقال أبو حنيفة بوجوب الجمعة على أهل البلد. وقال أحمد لا تجب الجمعة لا على أهل القرى ولا على أهل البلد بل يسقط فرض الجمعة بصلاة العيد ويصلون الظهر . وقال عطاء تسقط الجمعة والظهر معاً فى ذلك اليوم فلا صلاة بعد العيد إلا العصر. انتهى قال المنذرى : وأخرجه النسائى من حديث وهب بن كيسان عن ابن عباس نحوه مختصراً . (لم يزد عليهما حتى صلى العصر) قال الشوكانى: ظاهره أنه لم يصل الظهر - - ٤١٠ - ١٠٦٠ - حدثنا مُمَّدُ بنُ المُصَّى وَهُمَرُ بنُ حَفْصِ الْوَصَّبِىُّ المَعْنَى قالا أخبرنا بَقِيَّةُ أخبرنا شُعْبَةُ عن مُغِيرَةَ الضَّبِىِّ عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ رُفَّيْع عن أَبِى صَالحِ عن أَبِى هُرِيْرةَ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم إِنَّهُ قَال ((قد اجْتَمَعَ فِى يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأْهُ مِنَ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا يُجَمِعُونَ)). قال عُمَرٌ عن شُعْبَةً. - وفيه أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلى الظهر، وإليه ذهب عطاء، والظاهر أنه يقول بذلك القائلون بأن الجمعة الأصل . وأنت خبير بأن الذى افترضه الله تعالى على عباده فى يوم الجمعة هو صلاة الجمعة فإيجاب صلاة الظهر على من تركها لمذر أو لغير عذر محتاج إلى دليل ولا دليل يصلح للتمسك به على ذلك فيما أعلم انتهى كلامه. قلت: هذا قول باطل والصحيح ما قاله الأمير اليمانى فى سبل السلام . قال ابن تيمية فى المنتقى بعد أن ساق الرواية المتقدمة عن ابن الزبير قلت إنما وجه هذا أنه رأى تقدمة الجمعة قبل الزوال فقدمها واجتزا بها عن العيد انتهى . ( وإنا مجمعون) قال الخطابي: فى إسناد حديث أبى هريرة مقال ويشبه أن يكون معناه لو صح أن يكون المراد بقوله فمن شاء أجزأه من الجمعة أى عن حضور الجمعة ولا يسقط عنه الظهر ، وأما صنيع ابن الزبير فإنه لا يجوز عندى أن يحمل إلا على مذهب من يرى تقديم الصلاة قبل الزوال ، وقد روى ذلك عن ابن مسعود، وروى عن ابن عباس أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال أصاب السنة . وقال عطاء كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والأضحى والفطر. وحكى إسحاق بن منصور عن أحمد بن حنبل أنه قيل له الجمعة قبل الزوال أو بعد الزوال قال إن صليت قبل الزوال فلا أعيبه وكذلك قال ابن اسحاق . فعلى هذا يشبه أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل - -٤١١ - ٢١٥ - باب ما يقرأ فى صلاة الصبح يوم الجمعة ١٠٦١ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا أَبُو عَوانَةَ عن مُخَوَّلِ بنِ رَاشِدٍ عن مُسْلِ الْبَطِينِ من سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فى صلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُعَةِ: ﴿َنْزِيلُ السَّجْدَةَ﴾ ﴿وَهَلْ أَنَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدِّهْرِ))). - العيدين فى معنى التبع لها والله أعلم. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه وفى إسناده بقية ابن الوليد وفيه مقال ( قال عمر ) بن حفص ( عن شعبة) بصيغة عن وأما محمد بن المصفى فقال حدثنا شعبة . (باب ما يقرأ فى صلاة الصبح يوم الجمعة ) ( مخول ) على وزن محمد على الأشهر ( كان يقرأ فى صلاة الفجر يوم الجمعة إلخ) قال النووى: فيه دليل فى استحبابهما فى صبح الجمعة وأنه لا تكره قراءة آية السجدة فى الصلاة ولا السجود، وكره مالك وآخرون ذلك وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من طرق عن أبى هريرة وابن عباس رضى الله عنهم انتهى . وفى كتاب الشريعة لابن أبى داود من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال «غدوت على النبى صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فى صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد)) الحديث وفى إسناده من ينظر فى حاله. والطبرانى فى الصغير من حديث على ((أن النبى صلى الله عليه وسلم سجد فى صلاة الصبح فى تنزيل السجدة)) لكن فى إسناده ضعف قاله الحافظ . قال العراقى: قد فعله عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وهو قول الشافعى وأحمد. وقد اختلف القائلون باستحباب قراءة الم تنزيل السجدة فى يوم الجمعة هل للامام أن يقرأ بدلهاسورة أخرى فيها سجدة فيسجدفيها أو - - ٤١٢ - ١٠٦٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْتَى عَنْ شُعْبَةَ عن مُخَوَّلِ بإِسْنَادَهِ وَمَعْنَاهُ وَزَادَ (( فى صلاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَ إِذَا جَاءَكَ الُنَفِقُونَ)). ٢١٦ - باب اللبس للجمعة ١٠٦٣ - حدثنا القَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ عن نَافِعِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمَرَ ((أَنَّ عُمَرَ بِنَ الْطَّبِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ - يَعْنِى تُبَعُ عِنْدَ بَبِ الْمَسْجِدِ - - يمتنع ذلك، فروى ابن أبى شيبة فى المصنف عن إبراهيم النخعى قال : كان يستحب أن يقرأ يوم الجمعة بسورة فيها سجدة . وروى أيضاً عن ابن عباس. وقال ابن سيرين لا أعلم به بأساً . قال النووى فى الروضة من زوائده: لو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجده لغرض السجود فقط لم أرفيه كلاماً لأصحابنا ، قال وفى كراهته خلاف للسلف . ( وزاد فى صلاة الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون ) قال النووى : فيه استحباب قراءتهما بكماليهما فيهما وهو مذهبنا ومذهب آخرين . قال العلماء والحكمة فى قراءة الجمعة اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها ، وغير ذلك مما فيها من الفوائد والحث على التوكل والذكر وغير ذلك ، وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد ، لأنهم ما كانوا يجتمعون فى مجلس أكثر من اجتماعهم فيها . قال المنذرى : وأخرجه ومسلم والنسائى بتمامه ، وأخرج الترمذى قصة الفجر خاصة، وأخرجه أيضاً ابن ماجه . ( باب اللبس للجمعة ) (رأى حلة سيراء) فى فتح البارى بكسر المهملة وفتح التحتانية ثم راء ثم مد أى حرير . قال ابن قرقول: ضبطناه عن المتقنين بالإضافة كما يقال ثوب خز - - ٤١٣ - فقال: يارسُولَ الله لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَكِنْتَهَا يَوْمَ الْجُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ ، فقال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاخَلَقَ لَهُ فى الآَخِرَةِ، ثُمَّ جَاءَتْ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ ابْنَ الْطَّابِ مِنْهَاَ حُلَّةً، فقال عُمَرُ: يارسولَ الله كَسَوْتَنِيِهاَ وَقَدْ قُلْتَ فى ◌ُلَةٍ عُطَرِدٍ مَ قُلْتَ ، فقال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: إِنِّى لَمْ أَكُسُكَها لِتَكْبَسَهاَ، فَكَسَاهَا عُمَرْ أَخَ لَهُ مُشْرِكاً بمَكَّةَ)). - وعن بعضهم بالتنوين على الصفة أو البدل. قال الخطابي: يقال حلة سيراء كنافة عشراء، ووجهه ابن التين فقال: يريد أن عشراء مأخوذ من عشرة أ كملت الناقة عشرة أشهر فسميت عشراء، كذلك الحلة سميت سيراء لأنها مأخوذة من السيور لما فيها من الخطوط التى تشبه السيور . وعطارد صاحب الحله هو ابن حاجب التميمى انتهى (إنما يلبس هذه) أى حله الحرير ( من لا خلاق له ) أى من لا حظ له ولا نصيب له من الخير (فى الآخرة ) كلمة من يدل على العموم ، فيشمل الذكور والإناث ، لكن الحديث مخصوص بالرجال لقيام دلائل أخر على إباحة الحرير للنساء ( منها) أى من جنس الحلة السيراء (وقد قلت فى حله عطارد) بضم المهمله وكسر الراء وهو ابن حاجب بن زرارة التميمى قدم فى وفد بني تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسهم وله صحبة ( ما قلت ) من أنه إنما يلبسها من لا خلاق له فى الآخرة (إنى لم أكسكها لتلبسها) بل لتتفع بها فى غير ذلك . وفيه دليل على أنه يقال كمساء إذا أعطاه كسوة لبسها أم لا فباعه بألفى درهم لكنه يشكل بما هنا من قوله (فكساها عمر أخاً له ) من أمه عثمان بن حكيم. قاله المنذرى أو هو أخو أخيه زيد بن الخطاب لأمه أسماء بنت وهب ، قاله الدمياطى أو كان أخاه من الرضاعة. وانتصاب أخاً على أنه مفعول ثان لكا - - ٤١٤ - ١٠٦٤ - حدثنا أحمدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى يُونُسُ وَعَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عن ابنِ شِهَبٍ عِن سَالِمٍ عِن أَبِيهِ قال: ((وَجَدَ عُرُ بنُ انْطَّابٍ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَعُ بالسُّوقِ فَأَخَذَهَ فَأَنَى بِهَاَ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم فقال: ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمِّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودٍ))، ثُمَّ سَاقَ الحديثَ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ . ١٠٦٥ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى يُونُسُ وَعَمْرٌوَ أَنَّ يَحْيَى بِنَ سَعِهِدِ الْأَنْصَارِىِّ حَدَّثَهُ أَنَّ مُمَّدَ بنَ يَحْهَى بِنَ حَبّانَ حَدَّثَهُ أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم قال: (( مَا عَلَى أَحَدِكَمُ إِنْ وَجَدَ ، أَوْ مَ عَلَى أَحَدِكُ إِنْ وَجَدْ تُمْ أَنْ يَتَّخِذَ تَوَبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُعَةِ سِوَى تَوْبَى - يقال: كسوته جبة فيتعدى إلى مفعولين وقوله له فى محل نصب صفة لقوله أخاً كائناً له ، وكذا قوله ( مشركا بمكة) نصب صفة بعد صفة، واختلف فى إسلامه فإن قلت : الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ومقتضاه تحريم لبس الحرير عليهم فكيف كساها عمر أخاه المشرك؟ أجيب : بأنه يقال: كساء إذا أعطاه كسوة لبسها أم لا كما مر فهو إنما أهداها له لينتفع بها ولا يلزم منه لبسها قاله القسطلانى . قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. ( استبرق) هو ما غلظ من الديباج (ابتع) أى اشترها (تجمل) أى تتزين (للوفود) جمع وفد وهم القوم يجتمعون ويردون البلاد ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء . ( ما على أحدكم) قال فى المرقاة : قيل ما موصولة . وقال الطيبى: ما بمعنى ليس واسمه محذوف وعلى أحدكم خبره وقوله ( إن وجد ) أى سعة يقدر بها على تفصيل زائد على ملبوس مهنته وهذه شرطية معترضة وقوله (أن يتخذ) متعلق بالاسم -٤١٥- مَهِنَتِهِ )). قال عَمْرُو: وأخبرنى ابنُ أَبِى حَبِيبٍ عن مُوسَ بنِ سَمْدٍ من ابنِ حَبَّانَ عن ابنِ سَلاَمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ. قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ عن أَبِيهِ عن يَحَْى بِنِ أَثُّوبَ - المحذوف معمول له ويجوز أن يتعلق على بالمحذوف والخبرأن يتخذكقوله تعالى ﴿ ليس على الأعمى حرج)، إلى قوله ﴿أن تأكلوا من بيوتكم) والمعنى ليس على أحد حرج أى نقص يخل بزهده فى أن يتخذ (ثوبين ليوم الجمعة) أى يلبسهما فيه وفى أمثاله من العيد وغيره. وفيه أن ذلك ليس من شيم المتقين : لولا تعظيم الجمعة ومراعاة شعار الاسلام (سوى ثوبى مهنته) بفتح الميم ويكسر أى بذلته وخدمته أى غير التوبين الذين معه فى سائر الأيام . فى الفائق روى بكسر الميم وفتحها والكر عند الإثبات خطأ وقال الأصمعى بالفتح الخدمة ولا يقال بالكسر ، وكأن القياس لو جىء بالكسر أن يكون كالجاسة والخدمة إلا أنه جاءعلى فعلة يقال مهنت القوم أمهنهم أى ابتذلهم فى الخدمة ذكره الطيب واقتصر فى النهاية على الفتح أيضًا لكن قال فى القاموس المهنة بالكسر والفتح . والحديث يدل على استحباب لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة وتخصيصه بملبوس غير ملموس سائر الأيام . قلت: والحديث مرسل لأن محمد بن يحيى بن حبان يفتح المهملة وتشديد الموحدة من صغار التابعين ( قال عمرو) بن الحارث (وأخبرنى) أى كما أخبرنى يحيى ابن سعيد الأنصارى (ابن أبى حبيب) هو يزيد بن أبى حبيب كما فى رواية ابن ماجه والرواية الآتية ( عن ابن حبان) هو محمد يحيى بن حبان كما عند ابن ماجه (عن ابن سلام) هو عبد الله بن سلام - -- ٤١٦ - عن يَزِيدَ بنِ أبِى حَبِيبٍ عن مُوسَ بنِ سَعْدٍ عن يُوسُفَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلاَمِ عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم . - كما عند ابن ماجهمن هذا الوجه (عن يوسف بن عبد الله بن سلام) قال الحافظ فى الإصابة رأى النبى صلى الله عليه وسلم وهو صغير وحفظ عنه، وذكر البخارى أن ليوسف صحبة ، ونقل ابن أبى حاتم عن أبيه أن له روية وكلام البخارى أصح . وقال البغوى: روى عن النبى صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن سعد فى الطبقة الخامسة من الصحابة ، وذكره جماعة فى الصحابة انتهى . وأخرج ابن ماجه بقوله حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة حدثنا شيخ لنا عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال ((خطبنا النبى صلى الله عليه وسلم)) قال المزى. هذا الشيخ هو محمد بن عمر الواقدى . وحاصل الكلام أن الحديث اختلف فى إسناده من وجوه الأول الاختلاف على يحيى بن سعيد الأنصارى فروى عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن محمد بن يحيى بن حبان عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا كما عند المؤلف، وروى يحيى بن سعيد الأموى عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن عمرة عن عائشه مرفوعاً. قاله ابن عبد البر فى التمهيد. قال الحافظ وفى إسناده نظر ، وأخرجه مالك بلاغاً . الثانى الاختلاف على يزيد بن أبى حبيب فروى عمرو بن الحارث عن يزيد عن موسى عن ابن حبان عن ابن سلام كما عند المؤلف، وهكذا عند ابن ماجة وهذا لفظه حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبى حبيب عن موسى ابن سعد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة فذكر الحديث ، فجعله من مسندات عبد الله بن سلام ، وروى يحيى بن أيوب عن يزيد عن موسى عن - - ٤١٧ - ٢١٧ - باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ١٠٦٦ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْسَى عن ابنِ عَجْلَانَ عن ◌َمْرِوِ بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن جَدِّهِ ((أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم نَعَى عن الشِّرَاءُ وَالْبَيْعِ فى الْمَسْجِدِ ، وَأَنْ تُنْشَدَ فيه ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فيه شِعْرٌ، وَنَهَى عن التَّحَلْقِ قَبْلَ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ )) . - يوسف بن عبد الله بن سلام فجعله من مسندات يوسف بن عبد الله بن سلام لا من مسندات أبيه عبد الله بن سلام الثالث روى عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحي بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه كما فى الرواية المتقدمة لابن ماجه. قال المزى فى الأطراف: هو أشبه بالصواب انتهى . أى كونه من مسندات عبد الله بن سلام لا إبنه يوسف والله أعلم كذا فى غاية المقصود . ( باب التحاق يوم الجمعة قبل الصلاة ) (وأن ينشد فيه شعر) قال الترمذى عقب روايته وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى غير حديث رخصة فى إنشاد الشعر فى المسجد. قال العراقى فى شرحه: ويجمع بين أحاديث النهى وبين أحاديث الرخصة فيه بوجهين أحدهما أن يحمل النهى على التنزيه وتحمل الرخصة على بيان الجواز ، والثانى أن يحمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه كهجاء المشركين ومدح النبي صلى الله عليه وسلم والحث على الزهد ومكارم الأخلاق، ويحمل النهى على التفاخر والهجاء والزور وصفة الخمر ونحو ذلك ( ونهى عن التحلق ) الحلقة والاجتماع للعلم والمذاكرة. قال الخطابى: إنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة ، وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة والذكرة إذا فرغ منها كان الاجتماع والتحاق بعدذلك . . (٢٧ - عون المعبود ٣) -٤١٨ - ٢١٨ - باب اتخاذ المنبر ١٠٦٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابنِ مُمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الْقَرِىُّ الْفُرَشِىُّ حدثنى أَبُو حَزِمِ بنِ دِينَارٍ ((أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بنَ سَمْدِ السَّاعِدِىَّ وَقَدْ امْتَرَوْا فى المِنْبَرِ مِعَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عنِ ذَلِكَ فقال: وَاللهِ إِنِّى لا أَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوِّلَ - وقال الطحاوى: النهى عن التحلق فى المسجد قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به . وقال العراقى: وحمله أصحابنا والجمهور على بابه لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتكبير والتراص فى الصفوف الأول فالأول . قاله السيوطى. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه. وقال الترمذى : حديث حسن ، وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة فى الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب . ( باب اتخاذ المنبر ) ( القارى) بالقاف والراء المخففة وياء النسبة نسبة إلى قارة وهى قبيلة، وإنما قيل له القرشى لأنه حليف بنى زهرة، كذا فى عمدة القارى (أبو حازم) بالحاء المهمله والزاى واسمه سلمة الأعرج ( أن رجالا ) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم ( وقد امتروا) جملة حالية أى تجادلوا أو شكوا من الماراة وهى المجادلة قال الراغب: الامتراء والمارة المجادلة ومنه ﴿فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً﴾، وقال الكرمانى: من الامتراء وهو الشك ( فى المنبر) أى منبر النبى (مم عوده) أى من أى شىء هو ( فسألوه) أى سهل بن سعد ( عن ذلك) المترى فيه ( مما هو) بثبوت ألف ما الاستفهامية المجرورة على الأصل وهو قليل وهى قراءة عبد الله وأبى فى (عم يتساءلون) والجمهور بالحذف وهو المشهور، وإنما أتى بالقسم - - ٤١٩ - يَوْمٍ وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم، أَرْسَلَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم إِلَى فُلَنَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَاهَاَ سَهْلُ - أَنْ مُرِى غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِ أَعْوَاداً أُجْاِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَأَّمْتُ النَّاسَ، - مؤكداً بالجمله الإسمهة وبإن التى للتحقيق وبلام التأكيد فى الخبر لإرادة التأكيد فيما قاله للمسامع ( ولقد رأيته) أى المنبر ( أول) أى فى أول (يوم وضع) موضعه هو زيادة على السؤال كقوله ( وأول يوم ) أى فى أول يوم وفائدة هذه الزيادة المؤكدة باللام وقد إعلامهم بقوة معرفته بما سألوه عنه ، ثم شرح الجواب بقوله أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة امرأة ) بعدم الصرف فى فلانة للتأنيث والعلمية ولا يعرف اسم المرأة، وقيل فكيهة بنت عبيد بن دليم أو علامة بالعين المهملة وبالمثلثة وقيل انه تصحيف فلانة أو هى عائشة فقال لها ( قد سماها سهل) أخرج قاسم بن أصبغ وأبوسعد فى شرف المصطفى من طريق يحيى بن بكير عن ابن لهيعة حدثنى عمارة بن غزية عن عباس بن سهل عن أبيه ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى خشبة فذا كثر الناس قيل له لوكنت جعلت منبراً وكان بالمدينة نجار واحد يقال ميمون)) فذكر الحديث (أن مرى) أصله أومرى على أفعلى فاجتمعت همزتان فثقلتا فحذفت الثانية واستغنى عن همزة الوصل فصار مرى على وزن على لأن المحذوف فاء الفعل (غلامك النجار) بالنصب صفة لغلام ( أجاس) بالرفع أى أنا أجاس أو بالجزم جواب للأمر . والغلام اسمه ميمون كما عند قاسم بن أصبغ أو إبراهيم كما فى الأوسط للطبرانى أو باقول بالموحدة والقاب المضمومة كما عند عبد الرزاق ، أو باقوم بالميم بدل اللام كما عند أبى نعيم فى المعرفة أو صباح بضم الصاد كما عند ابن بشكوال، أو قبيصة المخزومى مولاهم كما ذكره عمر بن شبة فى الصحابة ، أو كلاب مولى ابن عباس، أو تميم الدارى كما عند أبى داود والبيهقى أو مبينا كما ذكره ابن - - ٤٢٠ - فَأَمَرَتْهُ ، فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْهُ إلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَهُنَا، فَرَأَيْتُ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم صَلَى عَلَيْهَا وَكَبِّرَ عَلَيْهَا، ثُمْ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَاَ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِى أَصْلٍ الْبَرِ ثُمَّ عَدَ ، فَأَ فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقال: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَّتِى)). - بشكوال ، أو رومى كما عند الترمذى وابن خزيمة ومحجاه ويحتمل أن يكون المراد به تميما الدارى لأنه كان كثير السفر إلى أرض الروم. وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون ولا اعتداد بالأخرى لوهائها، وحمله بعضهم على أن الجميع اشتركوا فى عمله، وعورض بقوله فى كثير من الروايات ولم يكن بالمدينة إلا تجار واحد . وأجيب باحتمال أن المراد بالواحد الماهر فى صناعته والبقية أعوان له كذا فى الفتح والإرشاد . (فأمرته) أى أمرت المرأة غلامها أن يعمل (فعملها) أى الأعواد ( من طرفاء الغابة ) بفتح الطاء وسكون الراء المهملتين وبعد الراء فاء ممدودة شجر من شجر البادية . وفى منتهى الأرب : طرفاء جمع طرفة بالتحريك بالفارسية درخت كزانتهى . والغابة بالغين المعجمة وبالموحدة موضع من عوالى المدينة من جهة الشام ( ثم جاء) الغسلام (بها) بعد أن عملها ( فأرسلته) أى المرأة ( إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تعلمه بأنه فرغ منها (فأمر بها) عليه الصلاة والسلام (فوضعت) أنث لإرادة الأعواد والدرجات . ففى رواية مسلم من طريق عبد العزيز بن أبى حازم ((فعمل له هذه الدرجات الثلاث)) (صلى عليها) أى على الأعواد المعمولة منبراليراه من قد تخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض ( وكبر عليها) زاد فى رواية سفيان عن أبى حازم عند البخارى فقرأ (ثم ركع وهو عليها) جملة حالية، زاد سفيان أيضاً ثم رفع رأسه (ثم نزل القهقرى) -