النص المفهرس

صفحات 381-400

- ٣٨١ -
- عن يونس بن يزيد الأبلى عن ابن شهاب قال ((بلغنا أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جمع أهل العوالى فى مسجده يوم الجمعة)) انتهى. قال القرطبى
وصاحب التوضيح فى حديث عائشة رد لقول الكوفيين إن الجمعة لا تجب على
من كان خارج المصر، لأن عائشة أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا يتناوبون
الجمعة فدل على لزومها عليهم . انتهى .
فإن قلت : لو كان حضور أهل العوالى واجباً إلى المدينة ما تناوبوا ولكانوا
يحضرون جميعاً . قلت: ليس المراد من قولها ينتابون أن بعض أهل العوالى
كانوا يأتون مسجد النبى صلى الله عليه وسلم وبعضهم يجمعون فى منازلهم ، بل
المراد من كان حاضراً فى منازلهم حضروا المدينة يوم الجمعة ، لأن فيهم من يتفرق
إلى حوائجه من سفر أو عمل ولم يصل إلى منزله يوم الجمعة ، ومنهم من كان من
أصحاب الأعذار لا يستطيع الحضور إلى المدينة، فكيف يحضرون جميعاً. نم
لما وصلوا هؤلاء إلى منازلهم وزالت عنهم الأعذار كانوا يحضرون المسجد،
ومنهم من كان حضر المدينة فى الجمعة الأولى لعله غاب العلة المذكورة فى الجمعة
الآخرة ولم يصل إلى المدينة .
والحاصل أن بعض هؤلاء يحضرون المدينة فى الجمعة الأولى مثلا ، ثم من
هؤلاء الحاضرين من يغيب فى الجمعة الأخرى ، فصدقت عائشة رضى الله عنها
فى قولها أنهم كانوا ينتابون ، فانتيابهم لأجل هذا لا لعدم المبالاة فى حضور
الصلاة، لأن فى الرواية المذكورة عن الزهرى ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
جمع أهل العوالى فى مسجده يوم الجمعة)) وهذه الرواية مبينة للمراد .
والحديث فيه دليل على لزوم حضور المسجد الجامع لصلاة الجمعة لمن كان
على مسافة ثلاثة أميال فما دونها ولا يحسن له التجميع فى غيره ، فمن جمّع فى غيره
من غير عذر شرعى فقد خالف السنة وأتم لكن لا تبطل صلاته لأنه ماورد -

- ٣٨٢ -
- فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء فيه وعيد وأما من كان على أكثر
مسافة منها فيجوز له أن يجمع حيث شاء مع الجماعة.
ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر قال ((إن أهل قباء كانوا يجمعون
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة)) وسنده حسن. وأخرج الترمذى
عن رجل من أهل قباء عن أبيه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال
(( أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشهد الجمعة من قباء)) انتهى. وفيه رجل
مجهول. وقباء موضع بقرب المدينة من جهة الجنوب نحو ميلين . وأخرج عبد
الرزاق عن معمر عن ثابت قال : كان أنس يكون فى أرضه وبينه وبين البصرة
ثلاثة أميال فيشهد الجمعة بالبصرة . وأخرج أبو داود فى المراسيل من طريق محمد
ابن سلمة المرادى عن ابن وهب عن ابن لهيعة أن بكير بن الأشج حدثه ((أنه
كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسمع أهلها
تأذين بلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلون فى مساجدهم )).
ولفظ البيهقى فى المعرفة: أنبأنى أبو عبد الله عن أبى الوليد حدثنا إبراهيم بن
على حساثنا يحيى بن يحيى أخبرنا ابن لهيمة عن بكير بن الأشج قال حدثنى
أشياخنا (( أنهم كانوا يصلون فى تسع مساجد فى عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهم يسمعون أذان بلال ، فإذا كان يوم الجمعة حضروا كلهم مسجد رسول
الله صلى الله عليه وسلم)) . وقال أبو بكر بن المنذر: روينا عن ابن عمر أنه كان
يقول ((لا جمعة إلا فى المسجد الأكبر الذى فيه الإمام)) انتهى كلام البيهقى.
وقال الحافظ فى التلخيص : وروى البيهقى أن أهل ذى الخليفة كانوا يجمعون
بالمدينة ، قال: ولم ينقل أنه أذن لأحد فى إقامة الجمعة فى شىء من مساجد المدينة
ولا فى القرى التى بقربها. انتهى. وقال الأثرم: لأحمد بن حنبل: أجمع جمعتين
فى مصر قال: لا أعلم أحداً فعله. وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس أن الجمعة -

- ٣٨٣-
- لم تكن تصلى فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفى عهد الخلفاء الراشدين إلا فى
مسجد النبى صلى الله عليه وسلم. وفى تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم
فى مسجد واحد أبين البيان بأن الجمعة خلاف سائر الصلوات ، وأنها لا تصلى
إلا فى مكان واحد .
وذكر الخطيب فى تاريخ بغداد أن أول جمعة أحدثت فى الإسلام فى بلد مع
قيام الجمعة القديمة فى أيام المعتضد فى دار الخلافة من غير بناء مسجد لإقامة الجمعة ،
وسبب ذلك خشية الخلفاء على أنفسهم فى المسجد العام ، وذلك فى سنة ثمانين
ومائتين ، ثم بنى فى أيام المكتفى مسجد جمعوا فيه .
وذكر ابن عساكر فى مقدمة تاريخ دمشق أن عمر كتب إلى أبى موسى
وإلى عمرو بن العاص وإلى سعد بن أبى وقاص أن يتخذ مسجداً جامعاً للقبائل
فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى المسجد الجامع فشهدوا الجمعة . وقال ابن المنذر :
لا أعلم أحداً قال بتعداد الجمعة غير عطاء . انتهى كلام الحافظ .
قال الخازن فى تفسيره: ولا تنعقد إلا فى موضع واحد من البلد ، وبه قال
الشافعى ومالك وأبو يوسف. وقال أحمد: تصح بموضعين إذا كثر الناس
وضاق الجامع . وفى رحمة الأمة : والراجح من مذهب الشافعى أن البلد إذا كبر
وعسر اجتماع أهله فى موضع واحد جاز إقامة جمعة أخرى ، بل يجوز التمدد
بحسب الحاجة . وقال داود: الجمعة كسائر الصلوات يجوز لأهل البلد أن يصلوها
فی مساجدهم. انتهى .
وأنت عرفت أن الجمعة فى بلد واحد أو قرية واحدة فى عهد النبي صلى الله
عليه وسلم ثم الخلفاء لم تكن تصلى إلا فى المسجد الجامع ولم يحفظ عن السلف
خلاف ذلك، إلا ما روى عن عطاء بن أبى رباح وداود إمام الظاهرية ، وقولهما
هذا خلاف السنة الثابتة ، فلا يحتج بقولهما . هذا ملخص من غاية المقصود .-

- ٣٨٤ -
١٠٤٣ - حدثنا مُمَّدُ بنُ يَحْي بنِ فَارِسٍ أخبرنا قَبِيصَةُ أخبرنا سُفْيَانُ
عن مُمَّدِ بنِ سَعِيدٍ - يَعْنِى الطَّائِىَّ- عن أَبِى سَلَمَةَ بنِ نُبَيْدٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ
هَارُونَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و عن النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((الْجُمُعَةُ
عَلَى كلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ )).
- والمطالب الرفيعة فى المسائل النفيسة، كلاهما لأخينا الأعظم أبى الطيب أدام الله
مجده . وحديث عائشة هذا أخرجه البخارى ومسلم .
(الجمعة) واجبة ( على كل من سمع النداء ) أو كان فى قوة السامع، وليس
المراد أن الجمعة لا تجب على من لم يسمع النداء وإن كان فى البلد الذى تقام فيه
الجمعه أو فى خارجه، لقول الله تبارك وتعالى ( إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة
فاسعوا إلى ذكر الله ) الآية. فأمر الله تعالى بالسعى بمجرد النداء ولم يقيده
بالسماع وهذا هو الظاهر . قال الحافظ فى الفتح: والذى ذهب إليه الجمهور أنها
يجب على من سمع النداء أو كان فى قوة السامع ، سواء كان داخل البلد أو خارجه
انتهى. وقد حكى الحافظ زين لدين العراقى فى شرح الترمذى عن الشافعى ومالك
وأحمد بن حنبل أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم يسمعوا النداء. انتهى.
والحديث وإن كان فيه المقال كما سيأتى ، لكن يشهد لصحته قوله تعالى
(إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) الآية. قال النووى فى الخلاصة: إن البيهقى -
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
حديث (( الجمعة على من سمع النداء)) قال عبد الحق : السحيح أنه موقوف ،
وفيه أبو سلمة بن نبيه ، قال ابن القطان: لا يعرف بغير هذا ، وهو مجهول . وفيه
أيضاً الطائفى، مجهول عند ابن أبى حاتم ، ووثقه الدار قطنى . وفيه أيضاً عبد الله
ابن هارون ، قال ابن القطان: مجهول الحال. وفيه أيضاً قبيصة ، قال النسائى:
كثير الخطأ، وأطلق، وقيل كثير الخطأ على الثورى ، وقيل هو ثقة
إلافى الثورى .

- ٣٨٥ -
قال أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هذا الحديثَ جَمَاعَةٌ عن سُفْيَنَ مَقْصُوراً عَلَى عَبْدِ اللهِ
ابنِ عَمْرِو ولم يَرْفَعُوهُ وإنما أُسْنَدَهُ قَبِيصَةُ .
- قال له شاهد فذكره بإسناد جيد. قال العراقى وفيه نظر. قال ويغنى عنه حديث
أبى هريرة عند مسلم وغيره قال (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال
يارسول الله ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد ، فسأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يرخص له فيصلى فى بيته ، فرخص له ، فلما ولى دعاه فقال : هل تسمع
النداء بالصلاة ؟ قال نعم ، قال فأجب)) وروى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن
ابن أم مكتوم قال : فإذا كان هذا فى مطلق الجماعة فالقول به فى خصوصية الجمعة
أولى. والمراد بالنداء المذكور فى الحديث هو النداء الواقع وقت جلوس الإمام
على المنبر لأنه الذى كان فى زمن النبوة ( مقصوراً) أى موقوفاً ( وإنما أسنده
قبيصة) وفى إسناده محمد بن سعيد الطائفى. قال المنذرى: وفيه مقال. وقال فى
التقريب : صدوق. وقال أبو بكر بن أبى داود: هو ثقة. قال: وهذه سنة
تفرد بها أهل الطائف . انتهى ..
قال الشوكانى : وقد تفرد به محمد بن سعيد عن شيخه أبى سلمة ، وتفرد به
أبو سلمة عن شيخه عبد الله بن هارون ، وقد ورد من حديث عبد الله بن عمرو
من وجه آخر أخرجه الدارقطنى من رواية الوليد عن زهير بن محمد عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً، والوليد وزهير كلاهما من رجال الصحيح .
قال العراقى : لكن زهير روى عن أهل الشام منا كير منهم الوليد ، والوليد
مداس ، وقد رواه بالعفعنة فلا يصح، ورواه الدارقطنى أيضاً من رواية محمد بن
الفضل بن عطية عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى
صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن الفضل ضعيف جداً، والحجاج هو ابن أرطاة وهو
مدلس مختلف فى الاحتجاج به . والله أعلم .
( ٢٥ - عون المعبود ٣)

- ٣٨٦ -
٢١٠ - باب الجمعة فى اليوم المطير
١٠٤٤ - حدثنا عُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا هَمَامٌ عن قَتَادَةً عن أَبِى الْمَلِيحِ
عن أَبِيهِ ((أَنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ يَوْمَ مَطَرٍ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم
مُغَادِيَهُ أَنِ الصَّلاَةُ فى الرِّحَلِ».
( باب الجمعة فى اليوم المطير )
بفتح الميم، صيغة اسم الفاعل ، أى يوم ماطر، أى ذو مطر ، كذا فى اللسان
أى هل يلزم للمصلى حضوره فى الجامع أو يجمع فى رحله لأجل المطر أو يسقط
عنه الجمة .
( عن أبى المليح) قال المنذرى: وأبو المليح اسمه عامر بن أسامة، وقيل
زيد بن أسامة ، وقيل أسامة بن عامر ، وقيل عمير بن أسامة ، هذلى بصرى ،
اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه ، وأبوه له صحبة، ويقال إنه لم يرو عنه
إلا ابنه أبو المليح (أن يوم حنين ) مصغر واد بين مكة والطائف هو مذكر
منصرف ، وقد يؤنث على معنى البقعة ، وقصة حنين أن النبى صلى الله عليه وسلم
فتح مكة فى رمضان سنة ثمان ثم خرج منها لقتال هوازن وثقيف وقد بقيت
أيام من رمضان فسار إلى حنين ، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون ثم أمدهم
الله بنصره فعطفوا وقاتلوا المشركين فهزموهم وغنموا أموالهم وعيالهم ، ثم صار
المشركون إلى أوطاس ، فمنهم من سار على نخلة اليمانية ومنهم من سلك الثنايا ،
وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك نخلة ، ويقال إنه صلى الله
عليه وسلم أقام عليها يوماً وليلة ثم سار إلى أوطاس فاقتتلوا وانهزم المشركون
إلى الطائف وغستم المسلمون منها أيضاً أموالهم وعيالهم ، ثم سار إلى الطائف
فقاتلهم بقية شوال، فلما أهل ذو القعدة ترك القتال لأنه شهر حرام ورحل راجعاً
فنزل جعرانة وقسم بها غنائم أوطاس وحنين ويقال كانت ستة آلاف سبى -

-٣٨٧-
١٠٤٥ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْتَتّى أخبرنا عَبْدُ الْأَعْلَى أخبرنا سَعِيدٌ عن
صَاحِبٍ لَهُ عَن أَبِى مَلِيحٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ ◌ُمعَةٍ .
١٠٤٦ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِىّ قال سُفْيَنُ بنُ حَبِيبٍ خُبِّرْنا عن خَالِدٍ
الْخُذَّاءِ عن أبى قِلاَبَةَ عن أبى الَلِيحِ عن أَبِ (( أَنَّهُ شَهِدَ النَّيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم زَمَنَ الْدَيْبِيَةِ فِى يَوْمِ بُعَةٍ وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبْغَلَّ أَسْفَلُ نِعَلِهِمْ،
فَأَمَرَّهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فى رِحَلِهِمْ )).
- قلت : وقد اختلف على أبى المليح ، فقال قتادة عنه: إن القصة وقعت بحنين
وقال خالد الحذاء عنه: إنها وقعت زمن الحديبية. والله أعلم. (الرحال) جمع
رحل والمراد بها الدور والمساكن والمنازل . قاله ابن الأثير . ولفظ النسائى:
أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبى المليح
عن أبيه قال (( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فأصابنا مطر فنادى
منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلوا فى رحالكم » .
(أخبرنا سعيد) هو ابن عبد العزيز الدمشقى ( عن صاحب له ) أى لسعيد
ولم يعرف هذا .
( قال سفيان بن حبيب خبرنا ) بصيغة المجهول من التفعيل والمخبر اسفيان
ابن حبيب لم يعرف . وأخرج ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا
إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن أبى المليح قال ((خرجت فى ليلة مطيرة
فلما رجعت استفتحت فقال أبى: من هذا؟ قال أبو المليح قال: لقد رأيتنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وأصابتغا سماء لم تبل أسافل نعالنا،
فنادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا فى رحالكم)) (زمن الحديبية)
بئر بقرب مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم أطلق على الموضع ويقال بعضه -

- ٣٨٨ -
٢١١٠٠ - باب التخلف عن الجماعة
فى الليلة الباردة أو الليلة المطيرة
١٠٤٧ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا ◌َّادُ بنُ زَيْدٍ أخبرنا أَثُّوبُ
عن نَافِعِ ((أَنّ ابنَ مُمَرَ نَزَلَ بِضَجْفَنَ فِى لَيْلَةٍ بَرِدَةٍ فَأَمَرَ الْغَدِىَ فَقَدَى
أَنٍ [ بأَنِ] الصَّلاَةُ فى الرِّحَلِ )).
- فى الجل وبعضه فى الحرم وهو أبعد أطراف الحرم على البيت وقال الزمخشرى:
إنها على تسعة أميال من المسجد. وقال أبو العباس أحمد الطبرى: حد الحرم
من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جدة عشرة أميال ، ومن طريق
الطائف سبعة أميال ، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن طريق العراق سبعة
أميال انتهى. وقال الطرطوشى فى قوله تعالى ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) هو
صلح الحديبية قال ابن القيم : وكانت سنة ست فى ذى القعدة على الصحيح
( لم يبقل أسفل نعالهم) والمراد به قلة المطر. واعلم أنه فى الاستدلال بهذه الرواية
على ترجمة الباب نظر لأن الراوى لم يبين أن النداء المذكور كان لصلاة الجمعة ،
نعم كانت هذه الواقعة يوم الجمعة فيحتمل أن هذا الأمر كان لصلاة الجمعة ، وكذا
يحتمل أن يكون لغيرها من الصلاة وإن تعين احتمال يوم الجمعة فهذه واقعة سفر
لا يستدل بها على الحضر والله أعلم.
( باب التخلف عن الجماعة فى الليلة الباردة )
( نزل بضجنان) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم بعدهما نون وبعد ألف
نون آخر وهو جبل على بريد من مكة . وقال الزمخشرى بينه وبين مكة خمسة
وعشرون ميلا. كذا فى عمدة القارى ( فى ليلة باردة) وفى رواية للبخارى ((فى
الليلة الباردة أو المطيرة)) وفى أخرى له ((إذا كانت ذات برد ومطر)» وفى صحيح -

-- ٣٨٩ ۔۔
قال أُثُّوبُ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ عن ابنِ مُعَرَ ((أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه
وسلم كَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ بَارِدَةٌ أَوْ مَطِيرَةٌ أَمَرَ الْمُنَادِىَ فَنَادَى: الصَّلاَءُ
فى الرِّحَالٍ)).
-- أبى عوانة ((ليلة باردة وذات مطر أو ذات ريح)) وفيه أن كلا من الثلاثة عذر
فى التأخر عن الجماعة . ونقل ابن بطال فيه الإجماع لكن المعروف عند الشافعية أن
الريح عذر فى الليل فقط . وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل . وفى حديث
الباب من طريق بن إسحاق عن نافع فى هذا الحديث فى الليلة المطيرة والغداة القرة
وفيها بإسناد صحيح من حديث أبى المليح عن أبيه أنهم مطروا يوماً فرخص
لهم كما تقدم ، وكذلك فى حديث ابن عباس الآتى فى الباب ((فى يوم مطير)) قال
الحافظ: ولم أر فى شىء من الأحاديث الترخيص لعذر الريح فى النهار صريحاً
( أن الصلاة فى الرحال) فى رواية للبخارى ثم يقول على أثره يعنى أثر الأذان :
ألا صلوا فى الرحال ، وهو صريح فى أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان .
وفى رواية لمسلم بلفظ ((فى آخر ندائه)) قال القرطبى: يحتمل أن يكون المراد
فى آخره قبيل الفراغ منه جمعاً بينه وبين حديث ابن عباس الآتى فى الباب، وحمل
ابن خزيمة حديث ابن عباس على ظاهره ، وقال إنه يقال ذلك بدلا من الجيعلة
نظراً إلى المعنى لأن معنى حى على الصلاة هلموا إليها ، ومعنى الصلاة فى الرحال
تأخروا عن المجىء فلا يناسب إيراد اللفظين معاً لأن أحدهما نقيض الآخر . قال
الحافظ : ويمكن الجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة فى
الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص ، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن
يستكمل الفضيلة ولو يحمل المشقة ، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال :
(( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر فمطرنا فقال: ليصل من شاء
منكم فى رحله)) والرحال: قال أهل اللغة: الرحل المنزل وجمعه رحال سواء كان -

-٣٩٠ -
١٠٤٨ - حدثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ عن أُثُّوبَ عن نَافِعِ
قال: ((نَادَى ابْنُعَرَ بِالصَّلاَةِ بِضَجْفَنَ، ثُمَّ نَادَى أَنْ صَّلُوا فى رِحَلِكَمُ.
قال فيه: ثُمَّ حَدَّثَ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الُنَادِىَ
فَيْتَدِى بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ يُنَدِى أَنْ صَلُّوا فى رِحَلِكُمُ فِى الَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ وفى
الَّيْلَةِ المَطِيرَةِ فِى السَّفَرِ ».
قال أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أَثُّوبَ وَعُبَيْدِ اللهِ ، قال فيه:
السَّفَرِ فِى الْلَيْلَةِ الْقَرَّةِ أَو المَطِيرَةِ .
١٠٤٩ - حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو أُسَامَةَ عن عُبَيْدِ اللهِ
عن نَافِعٍ عن ابنٍ ◌ُمَرَ ((أَنَّهُ نَادَى بالصَّلاَةِ بِضَجْفَنَ فِى لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ
- من حجر أو مدر أو خشب أو وبر أو صوف أو شعر أو غيرذلك. وفى فتح
البارى : والصلاة فى الرحل أعم من أن يكون بجماعة أو منفرداً لكنها مظنة ،
الانفراد والمقصود الأصلى فى الجماعة إيقاعها فى المسجد .
( ورواه حماد بن سلمة ) والمعنى أن حماد بن سلمة يروى عن أيوب
وعبيد الله كلاهما عن نافع بحرف الترديد أى فى الليلة القرة أو المطيرة ، وأما
إسماعيل عن أيوب فلم يذكر حرف الترديد ، وقال فى الليلة الباردة وفى الليلة
المطيرة ، ولكن اتفقوا على أن هذه واقعة سفر، وخالفهم محمد بن إسحاق فقال
كان ذلك فى المدينة كما سيأتى. قال المنذرى: وخالفه الثقات ( فى الليلة القرة)
أى الباردة . قال فى النهاية: يوم قر بالفتح أى بارد وليلة قرة بالفتح أى بارد
وليلة قرة . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه، وفى رواية: فى اليلة القرة
أو المطيرة .
(عن عبيد الله عن نافع) قال النووى: فى هذا الحديث دليل على تخفيف -

- ٣٩١ -
وَرِيحٍ ، فقال فى آخِرِ نِدَائِهِ: أَلاَ صَّلُوا فِى رِحَلِكُمُ، أَلاَ صَلُّوا فى الرِّحَلِ.
ثُمَّ قال: إنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَهُ
بَرِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِى سَفَرٍ يقولُ: أَلاَ صَلُوا فِى رِحَلِكُمُ )).
١٠٥٠ - حدثنا الْقَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ عن نَفِع ((أَنَّ انَ عَرَ - يَعْنِى
أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِى لَيْلَةٍ ذَاتٍ بَرْدٍ وَرِيحٍ فقال: أَلاَ صَلُوا فِى الرَّحَلِ. ثُمَّ قال
إنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ بَارِدَةٌ
أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ يقولُ: أَلاَ صَلُّوا فى الرِّحَلِ)).
١٠٥١ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُمَّدٍ النُّغَيْلِيُّ أخبرنا مُمَُّ بنُ سَلَمَةَ عن
مُمَّدِ بنِ إِسْحَقَ عن نَفِعِ عن ابنِ عُمَرَ قال: ((نَدَى [كَأَنَ يُنَدِى] مُنَادِى
- أمر الجماعة فى المطر ونحوه من أعذار وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر وأنها
مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها ويحمل المشقة لقوله فى الرواية الثانية ((ليصل
من شاء فى رحله)) وأنها مشروعة فى السفر وأن الأذان مشروع فى السفر. وفى
حديث ابن عباس رضى الله عنه أن يقول ألا صلوا فى رحالكم فى نفس الأذان.
وفى حديث ابن عمر أنه قال فى آخر ندائه ، والأمران جائزان ، نص عليهما
الشافعى رحمه الله، فيجوز بعد الأذان وفى أثنائه لثبوت السنة فيهما ، لكن
قوله بعده أحسن ليبقى نظم الأذان على وضعه . ومن أصحابنا من قال : لا يقوله
إلا بعد الفراغ وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس رضى الله عنه ،
ولا منافاة بينهما لأن هذاجرى فى وقت وذاك فى وقت كلاهما سحيح. قال المنذرى
وأخرجه البخارى ومسلم .
(عن مالك عن نافع) قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى -

٣٩٣٠ مسد
رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم بِذَلِكَ فِى الَمَدِينَةِ فِى الَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ»
قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هذا الخبرَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِىُّ عن الْقَاسِ
عن ابنِ عَمَرَ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال فيه (( فى السَّعَرِ)).
١٠٥٢ - حدثنا عُثَانُ بنُ أَبِ شَيْبَةَ أخبرنا الْفَضْلُ بنُ دُ كَيْنٍ أخبرنا
زُهَيْرٌ عن أَبِى الزُّبَيْرِ عن جَايِرٍ قال: « كُنَّا مع رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم
فِى سَفَرٍ فَمَطِرْنَا، فقال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكَمْ
فِى رَحِْلِهِ ».
١٠٥٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ أخبرنى عَبْدُ الْحِيدِ صَاحِبُ
الزِّيَادِىِّ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ الْحَارِثِ بنِ عَمِّ مُمَّدِ بنِ سِيرِينَ ((أَنَّ ابْنَ
عَّاسٍ قال لِمُؤَذَّفِهِ فِى يَوْمٍ مَطِيرٍ: إذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُمَّداً رسولُ الله
فَلَا تَقُلْ حَىَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قُلْ صَلُوا فى بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا
ذَلِكَ، فقال: قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِِّّى، إِنَّ الْجُمَةَ عَزْمَةٌ وَإِّى كَرِهْتُ
أَنْ أُحْرِ جَكُمْ فَتَمْشُونَ فِى الطَّيْنِ وَالَطَرِ » .
- (فى الليلة المطيرة) أى ذى مطر (والغداة القرة) أى الباردة. قال المنذرى:
محمد بن إسحاق فيه مقال، وقد خالفه الثقات، والقاسم هذا هو ابن محمد بن
أبى بكر الصديق أحد الثقات النبلاء .
(عن جابر) قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى .
( ابن عم محمد بن سيرين) قال الدمياطى: ليس ابن عمه وإنما كان زوج
بنت سيرين فهو صهره . قال فى الفتح: لا مانع أن يكون بين سيرين والحارث
أخوة من الرضاع ونحوه فلا ينبغى تغليط الرواية الصحيحة مع وجود الاحتمال
المقبول (قل صلوا فى بيوتكم) بدل الحيعلة مع إتمام الأذان ( فكان الناس -

-٣٩٣ -
- استنكروا ذلك) أى قوله فلا تقل حى على الصلاة قل صلوا فى بيوتكم (فقال)
ابن عباس ( قد فعل ذا ) أى الذى قلته للمؤذن (من هو خير منى) أى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ( إن الجمعة عزمة ) بفتح العين وسكون الزاى أى واجبة ،
فلو تركت المؤذن يقول حى على الصلاة لبادر من سمعه إلى الحجىء فى المطر فيشق
عليه، فأمرته أن يقول صلوا فى بيوتكم ليعلموا أن المطر من الأعذار التى تصدير
العزيمة رخصة ، وهذا مذهب الجمهور ، لكن عند الشافعية والحنابلة مقيد بما
يؤذى ببل الثوب فإن كان خفيفاً أو وجد كنا يمشى فيه فلا عذر. وعن مالك
رحمه الله لا يرخص فى تركها بالمطر والحديث حجة عليه، قاله القسطلانى فى
إرشاد السارى .
وقال العينى فى عمدة القارى : والمراد بقول ابن عباس إن الجمعة عزيمة ،
ولكن المطر من الأعذار التى تصير العزيمة رخصة ، وهذا مذهب ابن عباس
أن من جملة الأعذار لترك الجمعة المطر، وإليه ذهب ابن سيرين وعبد الرحمن
ابن سمرة ، وهو قول أحمد وإسحاق . وقالت طائفة لا يتخلف عن الجمعة فى اليوم
المطير . وروى ابن قانع قيل لمالك أنتخلف عن الجمعة فى اليوم المطير؟ قال
ما سمعت، قيل له فى الحديث ألا صلوا فى الرحال ، قال ذلك فى السفر. انتهى
كلامه .
قلت : هذا من استنباطات عبد الله بن عباس رضى الله عنه ولم يثبت عن
النبى صلى الله عليه وسلم صريحاً أنه رخص فى ترك صلاة الجمعة لأجل المطر .
والصحيح عندى فى معنى قول ابن عباس رضى الله عنه إن الجمعة واجبة متحتمة
لا تترك لكن يرخص المصلى فى حضور المسجد الجامع لأجل المطر، فيصلى
الجمعة فى رحله بمن كان معه جماعة ، وليس المراد والله أعلم أن الجمعة تسقط لأجل
المطر، فإنه لم يثبت قط عن النبى صلى الله عليه وسلم .
-

- ٣٩٤ -
٢١٢ - باب الجمعة للمملوك والمرأة
١٠٥٤ - حدثنا عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ حدثنى إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ
أخبر ناهُرَ يْمٌ عن إِبْراهِيمَ بنِ مُمَّدِ بنِ المُغْنَشِرِ عن فَيْسِ بنِ مُنْظٍ عن طَارِقِ
ابنِ شِهَبٍ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((الْجُمَةُ حَقٌّ وَاحِبٌ عَلَى كلِّ
مُسْلٍِ فِى جَمَعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةُ: عَبْدٌ تَخْلُكٌ أَوَ امْرَأَةٌ أَو صَبِىٌّ أَوْ مَرِيضٌ)).
- وغرض المؤلف من انعقاد هذا الباب أن التخلف عن الجماعة فى الليلة الباردة
أو المطيرة كما ثبت من حديث ابن عمر فكذا يجوز التخلف عن حضور المسجد
الجامع يوم الجمعة بدليل رواية ابن عباس كذا فى غاية المقصود ( وإنى كرهت
أن أحرجكم) بضم الهمزة وسكون الحاء من الحرج، ويؤيده ما فى بعض
الروايات أوتمكم أى أن أكون سبباً فى إكسابكم الإثم عند حرج صدوركم
فربما يقع تسخط أو كلام غير مرضى ( فتمشون فى الطين والمطر) فتكونون
فى الحرج. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجه.
( باب الجمعة للمملوك والمرأة)
(عن طارق بن شهاب) بن عبد شمس الأحمسى البجلى الكوفى أدرك
الجاهلية ورأى النبى صلى الله عليه وآله وسلم وليس منه سماع وغزا فى خلافة
أبى بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو أربعاً وثلاثين غزوة وسرية، ومات سنة اثنين
وثمانين ذكره فى السبل ( قال الجمعة حق ) أى ثابت فرضيتها بالكتاب والسنة
(واجب) أى فرض مؤكد ( على كل مسلم) فيه رد على القائل بأنها فرض
كفاية ( فى جماعة) لأنها لا تصح إلا بجماعة مخصوصة بالإجماع، وإنما اختلفوا
فى العدد الذى تحصل به وأقلهم عند أبى حنيفة ثلاثة سوى الإمام ولا يشترط
كونهم من حضر الخطبة وقال: اثنان سوى الإمام . وقال ابن حجر المكى :
ومذهبنا أنه لا بد من أربعين كاملين .
-

- ٣٩٥-٠
- قلت: ويجىء تحقيق ذلك فى شرح الباب الآتى ( أو امرأة) فيه عدم
وجوب الجمعة على النساء ، أما غير العجائز فلا خلاف فى ذلك، وأما العجائز
فقال الشافعى : يستحب لهن حضورها ( أو صبى) فيه أن الجمعة غير واجبة على
الصبيان وهو مجمع عليه ( أو مريض) فيه أن المريض لا تجب عليه الجمعة إذا كان
الحضور يجلب عليه مشقة، وقد ألحق به الإمام أبو حنيفة الأعمى ، وإن وجد
قائداً لما فى ذلك من المشقة. وقال الشافعى: إنه غير معذور عن الحضور إن
وجد قائداً .
قال البيهقى فى المعرفة : وعند الشافعى لا جمعة على المريض الذى لا يقدر على
شهود الجمعة إلا بأن يزيد فى مرضه أو يبلغ به مشقة غير محتملة ، وكذلك من
كان فى معناه من أهل الأعذار. انتهى. وقوله («عبد مملوك أو امرأة أو صبى
أو مريض )» هكذا فى النسخ بصورة المرفوع . قال السيوطى: وقد يستشكل
بأن المذكورات عطف بيان لأربعة وهو منصوب لأنه استثناء من موجب ،
والجواب أنها منصوبة لا مرفوعة وكانت عادة المتقدمين أن يكتبوا المنصوب
بغير ألف ويكتبوا عليه تنوين النصب ذكره النووى فى شرح مسلم .
قال السيوطى : ورأيته أنا فى كثير من كتب المتقدمين المعتمدة ، ورأيته
فى خط الذهبى فى مختصر المستدرك : وعلى تقدير أن تكون مرفوعة تعرب خبر
مبتدأ انتهى . قال الخطابى: أجمع الفقهاء على أن النساء لا جمعة عليهن، فأما
العبيد فقد اختلفوا فيهم فكان الحسن وقتادة يوجبان على العبد الجمعة إذا كان
مخارجاً، وكذا قال الأوزاعى ، وأحسب أن مذهب داود إيجاب الجمعة عليه.
وقد روى عن الزهرى أنه قال إذا سمع المسافر الأذان فليحضر الجمعة . وعن
إبراهيم النخعى نحو من ذلك . وفيه دلالة على أن فرض الجمعة من فروض
الأيميان، وهو ظاهر مذهب الشافعى وقد علق القول فيه . وقال أكثر -

-٣٩٦ -
قال أَبُو دَاوُدَ : طَارِقُ بنُ شِهَبٍ قَدْ رَأَى النَّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم ولم
يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا .
- الفقهاء هو من فروض الكفاية وليس إسناد هذا الحديث بذاك. وطارق بن
شهاب لا يصح له سماع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه قد لقى
النبى صلى الله عليه وسلم انتهى. ويجى الجواب عن ذلك ( ولم يسمع منه شيئاً)
وقال ابن أبى حاتم : سمعت أبى يقول: ليست له صحبة والحديث الذى رواه
مر سل إنتهى .
وقال البيهقى فى المعرفة : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن
إسحاق الفقيه أخبر ناعبيد بن محمد العجلى حدثنى العباس بن عبد المطلب
المنبرى حدثنى إسحاق بن منصور حدثنا هريم بن سفيان عن إبراهيم بن محمد
ابن المنتشر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى موسى عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة إلا أربعة:
عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض)) أسنده عبيد بن محمد وأرسله غيره ،
فذكر البيهقى بإسناده رواية أبى داود ثم قال أحمد البيهقى: هذا هو المحفوظ
مرسل وهو مرسل جيد وله شواهد ذكرناها فى كتاب السنن وفى بعضها المريض
وفى بعضها المسافر انتهى كلام البيبقى .
وقال أبو داود الطيالسى : حدثنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن
شهاب قال: ((رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وغزوت فى خلافة أبى بكر)).
قال ابن حجر: وهذا إسناد صحيح، وبهذا الإسناد قال: ((قدم وفد بجيلة على
النبى صلى الله عليه وسلم فقال ابدأوا بالأخمسين ودعا لهم)) قال الحافظ ابن حجر
إذا ثبت أنه لقى الغبى صلى الله عليه وسلم فهو صحابى على الراجح، وإذا ثبت أنه
لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابى وهو مقبول على الراجح .

- ٣٩٧ -
٢١٣ - باب الجمعة فى القرى
١٠٥٥ - حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ وَحُمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ المَخْرَمِىُّ
لَفْظُهُ قالا أخبرنا وَكِيْعٌ عن إِبْراهِيمَ بنِ طَهْمَنَ عن أبى ◌َجْرَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ
قال ((إِنَّ أَوِّلَ ◌ُعَةٍ مُّعَتْ فِى الْإِسْلاَمِ بَعْدَ جُعَةٍ ◌ُمِّعَتْ فِى مَسْجِدِ رسولِ الله
- وقد أخرج له النسائى عدة أحاديث وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته .
إنتهى . وقال الحافظ زين العراقى: فإذا قد ثبتت صحبته فالحديث صحيح
وغايته أن يكون مرسل صحابى وهوحجة عند الجمهور إنما خالف فيه أبو إسحاق
الاسفراينى بل ادعى بعض الحنفية الإجماع على أن مرسل الصحابى حجة إنتهى
قلت : على أنه قد اندفع الإعلال بالإرسال بما فى رواية الحاكم والبيهقى من
ذكر أبى موسى .
وفى الباب عن جابر عند الدار قطنى والبيهقى وتميم الدارى عند العقيلى
والحاكم أبى أحمد وابن عمر عند الطبرانى فى الأوسط وكلها ضعيفة قاله الحافظ
فى التلخيص .
وعن أم عطية بلفظ: (( نهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا)) أخرجه
ابن خزيمة . وقد استدل بهذه الروايات على أن الجمعة من فرائض الأعيان ،
وهذا هو الحق والله أعلم . قاله فى غاية المقصود.
( باب الجمعة فى القرى )
فى هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى ، والقرية
واحدة القرى كل مكان اتصلت فيه الأبنية واتخذ قراراً ، ويقع ذلك على المدن
وغيرها. والأمصار المدن الكبار واحدها مصر ، والكفور القرى الخارجة عن
المصر واحدها كفر بفتح الكاف ( طهمان) بفتح المهملة وسكون الهاء
الخراسانى (عن أبى جمرة) بالجيم والراء نصر بن عبد الرحمن بن عصام (جمعت) -

- ٣٩٨ -
صلى اللهُ عليه وسلم بِالَّذِينَةِ لَجُمُعَةٌ مُهِّمَتْ بِحُوَانَ - قَرْبَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ))
قال عُثْنُ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ .
- بضم الجيم وتشديد الميم المكسورة (بجواثا قرية من قرى البحرين) بضم الجيم
وتخفيف الواو وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة وهى قرية من قرى عبد القيس أو مدينة
أو حصن أو قربة من قرى البحرين . وفيه جواز إقامة الجمعة فى القرى لأن
الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم لما عرف
من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية فى زمن نزول الوحى ،
ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن كما استدل بذلك جابر وأبوسعيد فى
جواز العزل بأنهم فعلوا والقرآن ينزل فلم ينهوا عنه وحكى الجوهرى والزمخشرى
وابن الأثير أن جوانى اسم حصن البحرين . قال الحافظ : وهذا لا ينافى
كونها قرية. وحكى ابن التين عن أبى الحسن اللخمى أنها مدينة ، وما ثبت فى
نفس الحديث من كونها قرية أصح مع احتمال أن تكون فى أول الأمر قرية ثم
صارت مدينة . وذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وأسنده ابن أبى شيبة عن على
وحذيفة وغيرهما أن الجمعة لا تقام إلا فى المذن دون القرى ، واحتجوا بما روى
عن على مرفوعاً: ((لا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر جامع)) وقد ضعف أحمد
رفعه وصحح ابن حزم وقفه ، وللاجتهاد فيه مسرح فلا ينتهض للاحتجاج به .
وقد روى ابن أبى شيبة عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيث
ما كنتم ، وهذا يشمل المدن والقرى وصححه ابن خزيمة . وروى البيهقى من
طريق الوليد بن مسلم سألت الليث بن سعد فقال كل مدينة أو قرية فيها جماعة
أمروا بالجمعة ، فإن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان
بأمرهما ، وفيهما رجال من الصحابة .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يرى أهل المياه .-

- ٣٩٩-
١٠٥٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا ابنُ إذْرِيسَ عن محمَّدِ بنِ
إِسْحَقَ عن مُمَّدٍ بِنِ أَبِى أُمَمَةَ بنِ سَهْلٍ عِن أَبِهِ مِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنِ كَمْبِ
ابنِ مَلِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ أَبِهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ - عن أَبِهِ كَمْبِ بنِ مَالِكٍ
(( أَنَّهُ كَنَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْمُعَةِ تَرَجَّمَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ
لَهُ : إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَّحْتَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ. قال: لِأَنَّهُ أَوَّلَ مَنْ ◌َجَّعَ
بِنَاَ فى هَزْمِ النَّبِيْتِ مِنْ حَرَّةٍ إِنِى بَيَضَةَ فِى نَقِيعِ يُقَالُ لَهُ نَفِيعُ الْضَاتِ
قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قال: أَرْبَعُونَ )).
- بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم ، فلما اختلف الصحابة وجب الرجوع
إلى المرفوع. كذا فى فتح البارى . ويؤيد عدم اشتراط المصر حديث أم عبد الله
الدوسية الآتى وبجىء بسط الكلام فيه فى آخر الباب. وذهب البعض إلى
اشتراط المسجد قال لأنها لم تقم إلا فيه . وقال أبو حنيفة والشافعى وسائر العلماء
إنه غير شرط، وهو قوى إن صحت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم فى بطن
الوادى وقد روى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم فى بطن الوادى إبن سعد
وأهل السير ، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها فى المسند على اشتراطه .
قال المنذرى : وأخرجه البخارى .
( ترحم ) الماضى من التفعيل، وفى رواية ابن ماجه ((كلما سمع أذان الجمعة
يستغفر لأبى أمامة ويصلى عليه)) (فى هزم) بفتح الهاء وسكون الزاء المطمئن
من الأرض . قال ابن الأثير: هزم بنى بياضة هو موضع بالمدينة ( النبيت )
بفتح النون وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وبعدها تاء فوقية هو
أبو حى باليمن اسمه عمرو بن مالك كذا فى القاموس (من حرة) بفتح الحاء
المهملة وتشديد الراء هى الأرض ذات الحجارة السود . قال العينى هى قرية على -

-٤٠٠ -
- ميل من المدينة (بنى بياضة) هى بطن من الأنصار (فى نقيع) بالنون ثم القاف
ثم الياء التحتية بعدها عين مهملة . قال ابن الأثير: هو موضع قريب من المدينة
كان يستنقع فيه الماء أى يجتمع. وقال الخطابى فى المعالم: النقيع بطن الوادىمن
الأرض يستنقع فيه الماء مدة ، وإذا نضب الماء أى غار فى الأرض أنبت الكلا
ومنه حديث عمر أنه حمى النقيع لخيل المسلمين . وقد يصحف أصحاب الحديث
فيروونه البقيع بالباء: موضع القبور بالمدينة ، وهو المعالى من الأرض . انتهى .
( يقال له ) أى النقيع (نقيع الخضمات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين
موضع بنواحى المدينة كذا فى النهاية . والمعنى أنه جمع فى قرية يقال لها هزم
النبيت وهى كانت فى حرة بنى بياضة فى المكان الذى يجتمع فيه الماء ، واسم
ذلك المكان نقيع الخضمات ، وتلك القرية هى على ميل من المدينة . كذا فى
غاية المقصود .
قال الخطابي : وفى الحديث من الفقه أن الجمعة جوازها فى القرى جوازها
فى المدن والأمصار، لأن حرة بنى بياضة يقال على ميل من المدينة . وقد استدل
به الشافعى على أن الجمعة لا تجوز بأقل من أربعين رجلا أحراراً مقيمين، وذلك
أن هذه الجمعة كانت أول ماشرع من الجمعات ، فكان جميع أوصافها معتبرة
فيها ، لأن ذلك بيان لمجمل واجب وبيان المجمل الواجب واجب. وقد روى
عن عمر بن عبد العزيز اشتراط عدد الأربعين فى الجمعة ، وإليه ذهب أحمد
وإسحاق. إلا أن عمر قد اشترط مع عدد الأربعين أن يكون فيها وال ، وليس
الوالى من شرط الشافعى .
وقال مالك : إذا كان جماعة فى القرية التى بيوتها متصلة وفيها مسجد يجمع
فيه وسوق وجبت عليهم الجمعة ، ولم يذكر عدداً محصوراً ولم يشترط الوالى ،
ومذهبه فى الوالى كمذهب الشافعى .