النص المفهرس

صفحات 361-380

- ٣٦١-
٢٠١ - باب كيف الانصراف من الصلاة
١٠٢٨ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ أخبرنا شُعْبَةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ
عن قَبِيصَةَ بنِ هُلْبٍ - رَجُلٌ مِنْ طَىَّ - عن أَبِهِ (( أَنَّهُ صَلَى مع النَّبِيَّ صلى اللهُ
عليه وسلم فَكَانَ يَنْصَرِفُ عن شِقِّيْهِ)).
١٠٢٩ - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ أخبرنا شُعْبَةُ عن سُلَمَانَ عن عُمَارَةَ
ابنِ مُمَيْرٍ عن الْأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ عن عَبْدِ اللهِ قال: (( لا يَجْعَلْ أَحَدُكُمُ نَصِيبًا
لِشَّيْطَانِ مِنْ صَلاَتِهِ أَنْ لا يَنْصَرِفَ إِلاَّ عن يَمِينِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله
- التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالا فقط لا يستحب هذا المكث،
وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة (( أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سلم
لا يقعد إلا قدر ما يقول اللهم أنت السلام)) قال المنذرى: وأخرجه البخارى
والنسائى وابن ماجه .
( باب كيف الانصراف من الصلاة )
( فكان ينصرف عن شقيه) أى حيناً عن يمينه وحيناً عن شماله. قال
المنذرى : وأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى : حديث هلب حديث
حسن .
( عن عبد الله) هو ابن مسعود ( أن لا ينصرف إلا عن يمينه) بيان لما
قبله وهو الجعل أو استئناف بيانى كأنه قيل كيف يجعل للشيطان شيئاً من صلاته
فقال يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه قال القسطلانى. قال النووى
فى حديث ابن مسعود (( لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً لا يرى إلاأن
حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه أكثرمارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينصرف عن شماله)) وفى حديث أنس ((أكثر مارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم-

-٣٦٢ -
صلى اللهُ عليه وسلم أَ كْثَرَ مَا يَنْصَرِفُ عن شِمالِهِ. قَالْ عُمَارَةُ: أَتَيْتُ المَدِينَةَ
بَعْدُ فَ أَيْتُ مَغَزِلَ النّىِّ صلى اللهُ عليه وسلم عن يَسَارِهِ)).
- ينصرف عن يمينه)) وفى رواية كانينصرف عن يمينه وجه الجمع بينهما أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة هذا فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر
فيما يعلمه فدل على جوازهما ولا كراهية فى واحد منهما. وأما الكراهية التى اقتضاها
كلام ابن مسعود فليسب بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال وإنما هى
فى حق من يرى أن ذلك لا بد منه، فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين
مخطىء، ولهذا قال يرى أن حقاً عليه فإنما ذم من رآه حقاً عليه. ومذهبنا أنه
لاكراهية فى واحد من الأمرين لكن يستحب أن ينصرف فى جهة حاجته سواء
كانث عن يمينه أو شماله ، فإن استوى الجهتان فى الحاجة وعدمها فاليمين أفضل ،
لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين فى باب المكارم ونحوها . هذا صواب
الكلام فى هذين الحديثين ، وقد يقال فيهما خلاف الصواب والله أعلم انتهى .
قال المنذرى: قال عمارة وهو ابن عمير ((أتيت المدينة بعد فرأيت منازل النبى
صلى الله عليه وسلم عن يساره )» وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه ،
وليس فيه قول عمارة، وقد أخرج مسلم فى صحيحه والنسائى فى سننه من حديث
إسماعيل بن عبد الرحمن السدى قال (( سألت أنسا كيف أنصرف إذا صليت
عن يمينى أوعن يسارى قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ينصرف عن يمينه)) وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر
هذا مدة وهذا مدة والله عز وجل أعلم. ثم كلام المنذرى ( قال عمارة ) ابن عمير
( أتيت المدينة بعد ) مبنى على الضم ، أى بعد سماع هذا الحديث (فرأيت منازل
النبي صلى الله عليه وسلم) جمع منزل أى بيوته صلى الله عليه وسلم (عن يساره)
يسار النبى صلى الله عليه وسلم فى حال أداء الصلاة فكأن عمارة بين وجه -

-٣٦٣-
٢٠٢ - باب صلاة الرجل التطوع فى بيته
١٠٣٠ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَقْبَلٍ أخبرنا يَحْمَى عن عُبَيْدِ اللهِ أخبرنى
نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ قال قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: ((اجْعَلُوا فى
بُوتِكُمُ مِنْ صَلَائِكُمُ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً » .
- تحوله صلى الله عليه وسلم إلى جانب اليسار أى لما فرغ النبى صلى الله عليه وسلم
من الصلاة تحول إلى جانب اليسار للتسبيح أو الدعاء مثلا، ثم قام ذاهباً إلى
بيوته وهى فى جانب يساره صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
( باب صلاة الرجل التطوع فى بيته )
( اجعلوا فى بيوتكم) بكسر الباء وضمها (من صلاتكم) أى بعض
صلاتكم التى هى النوافل مؤداة فى بيوتكم ، وقوله من صلاتكم مفعول أول ،
وفى بيوتكم مفعول ثان قدم على الأول للاهتمام بشأن البيوت وأن من حقها أن
يجعل لها نصيباً من الطاعات ، لتصير منورة لأنها مأواكم ومنقلبكم، وليست
كتبوركم التى لا تصلح لصلاتكم. كذا فى المرقاة.
وقال النووى : ولا يجوز حمله على الفريضة. وفى الصحيحين: ((صلوا أيها
الناس فى بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة)) وإنما شرع
ذلك لكونه أبعد من الرياء ولتنزل الرحمة فيه والملائكة .
وفى حديث ذكر ابن الصلاح أنه مرسل (( فضل صلاة الغفل فيه على فعلها
فى المسجد كفضل صلاة الفريضة فى المسجد على فعلها فى البيت )) لكن قال
صاحب قوت الأحياء إن ابن الأثير ذكره فى معرفة الصحابة عن عبد العزيز
ابن ضمرة بن حبيب عن أبيه عن جده حبيب بن ضمرة ، ورواه الطبرانى
وأسنده مرفوعاً بنحوه ما تقدم عن صهيب بن النعمان عنه صلى الله عليه وسلم --

-٣٦٤ -
١٠٣١ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ أخبر نى
سُليمانُ بنُ بِلاَلٍ عن إِراهِيمَ بنِ أَبِى النَّصْرِ عن أَبِهِ عن بُشْرِ بنِ سَعِيدٍ عن
زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((صَلَةُ المَرْءِ فِى بَيْتِهِ أَفْضَلُ
مِنْ صَلاَتِهِ فِى مَسْجِدِى هَذَا إِلاَّ المَكْتُوبَةَ)) .
- ويستثنى من ذلك نفل يوم الجمعة وركعتا الطواف والإحرام والتراويح الجماعة
( ولا تتخذوها قبوراً) أى مثل القبور التى ليست محلا للصلاة بأن لا تصلوا
فيها كالميت الذى انقطعت عنه الأعمال، أو المراد لا تجعلوا بيوتكم أو طاناً للنوم
لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت . ذكره القسطلانى . قال المنذرى :
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه.
( قال صلاة المرء فى بيته أفضل) لأنه أبعد من الرياء. والحديث يدل على
استحباب فعل صلاة التطوع فى البيوت ، وأن فعلها فيها أفضل من فعلها فى
المساجد ، ولو كانت المساجد فاضلة كالمسجد الحرام ومسجده صلى الله عليه وسلم
ومسجد بيت المقدس . وقد ورد التصريح بذلك فى هذا الحديث فإن فيه («صلاة
المرء فى بيته أفضل من صلاته فى مسجدى هذا إلا المكتوبة)) قال العراقى :
وإسناده صحيح. فعلى هذا لو صلى نافلة فى مسجد المدينة كانت بألف صلاة على
القول بدخول النوافل فى عموم الحديث ، وإذا صلاها فى بيته كانت أفضل من
ألف صلاه، وهذا حكم المسجد الحرام وبيت المقدس .
وقد استثنى أصحاب الشافعى من عموم أحاديث الباب عدة من النوافل
فقالوا فعلها فى غير البيت أفضل وهى ماتشرع فيها الجماعة كالعيدين والكسوف
والاستسقاء ونحية المسجد وركعتى الطواف وركعتى الإحرام . قاله الشوكانى
(إلا المكتوبة) قال العراقى: هو فى حق الرجال دون النساء ، فصلاتهن فى
البيوت أفضل وإن أذن لهن فى حضور بعض الجماعات . وقد قال صلى الله -

- ٣٦٥ -
٢٠٣ - باب من صلى لغير القبلة ثم علم
١٠٣٢ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا ◌َّادٌ عن ثَابِتٍ وَحَيْدٍ
عن أَنَسٍ أَنَّالنَّبِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَأَعْحَبَهُ كَانُوا يُصَلُونَ نَحْوَ بَيْتِ الَّقْدِسِ
فَلَمَا فَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ
فَوَّلُوا وُجُوهَكُمُ شَطْرَهُ﴾. فَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلَّةَ فَدَاهُمْ وَهُمْرُ كُوعٌ فى
- عليه وسلم فى الحديث الصحيح إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا
لهن وبيوتهن خير لهن)). والمراد بالمكتوبة الواجبات بأصل الشرع والصلوات
الخمس دون المنذورة .
قال النووى : إنما حث على النافلة فى البيت لكونه أخفى وأبعد من الرياء
وأصون من محيطات الأعمال وليتبرك البيت بذلك وتنزل فيه الرحمة والملائكة
وينفرمنه الشيطان كماجاء فى الحديث. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى
بمثله ، وقال الترمذى حديث حسن .
( باب من صلى لغير القبلة ثم علم)
(كانوا يصلون ) قال البغوى فى المعالم: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان
أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت
المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن يكون قبلته قبل البيت
وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم نخرج رجل ممن صلى
معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كاهم قبل البيت . وكان تحويل القبلة
في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين (من بنى سلمة) بكسر اللام -

- ٣٦٦ -
صلاةِ الْفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ لَقْدِسِ: أَلاَ إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوَّلَتْ إِلَى الْكُمْبَةِ
مَّتَيْنِ . قال: فَالُوا كَاهُمْ رُكُوعٌ إِلَى الْكَمْبَةِ» .
- غير هذا ( وهم ركوع) جمع راكع (فمالوا كما هم) أى انصرفوا كما كانوا
را كعين . قال الخطابي: فيه من العلم أن ما مضى من صلاتهم كان جائزاً ولولا
جوازه لم يجز البناء عليه، وفيه دليل على أن كل شىء له أصل صحيح فى التعبد
ثم طرأ عليه الفساد قبل أن يعلم صاحبه فإِن الماضى منه صحيح ، وذلك مثل أن
يجد المصلى نجاسة بثوبه لم يكن علمها حتى صلى ركمة فإنه إذا رأى النجاسة ألقاها
على نفسه وبنى على ما مضى من صلاته ، وكذلك فى المعاملات ، فلو وكل وكيلا
فباع الوكيل واشترى ثم عزله بعد أيام فإن عقوده التى عقدها قبل بلوغ الخبر
إياه صحيحة . وفيه دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد . وقال النووى : فيه
دليل على جواز النسخ ووقوعه. وفيه قبول خبر الواحد وأن النسخ لا يثبت
فى حق المكلف حتى يبلغه. وقوله بيت المقدس فيه لغتان مشهورتان . إحداهما
فتح الميم وإسكان القاف ، والثانية ضم الميم وفتح القاف . وأصل المقدس التقديس
من التطهير انتهى . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى والله أعلم.

-٣٦٧ -
باب تفريع أبواب الجمعة
٢٠٤ - باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة
١٠٣٣ - حدثنا الفَعْنَىُّ عن مَالِكٍ عن يَزِيدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ المَادِ
عن مُحمّدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ عن أَبِى سَلَةَ بنِ عَبْدِ الرََّنِ عن أَبِى هُرِيْرةَ قال قال
رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: (( خَيْرُ يَوْمٍ طَلَمَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ،
فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ ، وَفِيهِ تِيِبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَتَ، وَفِيهِ تَقُومُ
السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَةٍ إِلَّ وَهِىَ مُسِخَةٌ يَوْمَ الْجُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتّى
( باب تفريع أبواب الجمعة)
(فيه) أى يوم جمعة ( خلق آدم ) الذى هو مبنى العالم ( وفيه أهبط) أى
أنزل من الجنة إلى الأرض لعدم تعظيمه يوم الجمعة بما وقع له من الزلة ليتداركه
بعد النزول فى الطاعة والعبادة فيرتقى إلى أعلى درجات الجنة ، وليعلم قدر النعمة
لأن المنحة تتبين عند المحنة ، والظاهر أن أهبط هنا بمعنى أخرج . وفى رواية
المسلم («فيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها)) قيل: كان الإخراج من الجنة إلى السماء
والإحباط منها إلى الأرض، فيفيد أن كلا منهما كان يوم الجمعة إما فى يوم واحد
وإما فى يومين والله أعلم. ( تيب عليه) وهو ماض مجهول من تاب أى وفق
للتوبة وقبلت التوبة منه وهى أعظم المنة عليه. قال الله تعالى (ثم اجتباه ربه فتاب
عليه وهدى﴾ (وفيه ) أى فى نحوه من أيام الجمعة ( مات) والموت تحفة المؤمنين
كما ورد عن ابن عمر مرفوعاً رواه الحاكم والبيهقى وغيرهما . قال القاضى: لاشك
أن خلق آدم فيه يوجب له شرفاً، وكذا وفاته فإِنه سبب لوصوله إلى الجناب
الأقدس والخلاص عن النكبات ( وفيه تقوم الساعة ) وفيها نعمتان عظيمتان
للمؤمنين وصولهم إلى النعيم المقيم وحصول أعدائهم فى عذاب الجحيم .

- ٣٦٨ -
تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقاً مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لا يُصَادِفُهَاَ
عَبْدٌ مُسْلٌٍ وَهُوَ يُصَلّى يَنْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلٌّ حَاجَةٌ إلَّ أَعْطَاهُ إِيَّهَا. قَالَ كَعْبٌ:
ذَلِكَ فِى كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ فى كلِّ ◌ُجُمُعَةٍ. قال فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ
فقال: صَدَقَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم. قال أَبُو هُريْرةَ: ثُمَّ لَقِتُ
- ( وما من دابة) زيادة من لإفادة الاستغراق فى النفى ( إلا وهى مسيخة)
بالسين بإبدال الصاد سيناً، ويروى مصيخة بالصاد وهما لغتان أى منتظرة لقيام
الساعة . قال الخطابى : قوله مسيخة معناه مصيغة مستمعة يقال أصاخ وأساخ
بمعنى واحد. إِنتهى ( يوم الجمعة) ووجه إصاخة كل دابة وهى مالا يعقل هو
أن الله تعالى يجعلها ملهمة بذلك مستشعرة عنه فلا عجب فى ذلك من قدرة الله
تعالى (من حين تصبح ) قال الطيبي: بنى على الفتح لإضافته إلى الجملة ويجوز
إعرابه إلا أن الرواية بالفتح ( حتى تطلع الشمس ) لأن القيامة تظهر يوم الجمعة
بين الصبح وطلوع الشمس ( شفقاً ) أى خوفاً (من الساعة) أى من قيام القيامة
وإِنماسميت ساعة لوقوعها فى ساعة (إلا الجن والإنس) فإنهم لا يعلمون ذلك أو أنهم
لا يلهمون بأن هذا يوم يحتمل وقوع القيامة فيه (لا يصادفها ) أى لا يوافقها
وهو يصلى حقيقة أو حكما بالانتظار ( يسأل الله) حال أو بدل ( حاجة) من أمر
الدنيا والآخرة (إلا أعطاه إياه) بالشروط المعتبره فى آداب الدعاء (ذلك فى كل
سنة يوم) قال الطيبي : الإشارة إلى اليوم المذكور المشتمل على تلك الساعة
الشريفة ويوم خبره ( فقلت بل فى كل جمعة ) قال الطيبى أى هى فى كل جمعة
أو فى كل أسبوع يوم (فقرأ كعب التوراة ) بالحفظ أو بالنظر (فقال) أى كعب
( صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفى هذا معجزة عظيمة دالة على كمال
علمه صلى الله عليه وسلم مع أنه أمى حيث أخبر بما خفى على أعلم أهل الكتاب ..

- ٣٦٩ -
عَبْدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ حَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِ معَ كَمْبٍ، فقال عَبْدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: قَدْ
عَلَمْتُ أَيْهُ سَاعَةٍ مِىَ. قال أَبُو هُرِيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: فَأَخْبِرْنِى بِهَا. فقال عَبْدُ اللهِ
بِنُ سَلَاَمِ: هِىَ آَخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُعَةِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ
مِنْ يَوْمِ الْجُعَةِ وَقَدْ قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: لا يُصَادِفُهاَ عَبْدٌ
◌ُلِمٌ وَهُوَ يُصَلّى، وَتَلْكَ السَّاعَةُ لايُصَلَّى فيها؟ فقال عَبْدُ اللهِ بنُ سَلاَمٍ: أَلَمْ
يَقُلْ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: مَنْ جَلَسَ تَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ فَهُوَ فِى
صلاةٍ حَتَّى يُصَلَّىَ؟ قال فَقُلْتُ: بَلَى. قال: هُوَ ذَاكَ)).
- (عبد الله بن سلام) هو سحابى جليل كان من علماء اليهود فدخل فى الإسلام
(بمجلسى) أى بجلوسى مع كعب ومذاكرتى معه (أية ساعة هى) بنصب أية
أى عرفت تلك الساعة وبرفعها أيضاً، ورجعه ابن حجر المكى حيث قال هى
هنا كهى فى ( لنعلم أى الحزبين﴾ (فقلت له) أى لعبد الله (فأخبر نى بها)
أى بتلك الساعة ( هى آخر ساعة من يوم الجمعة ) قال الأشرف يدل على قوله
حديث التمسوا الساعة كما سيأتى (وقد قال رسول الله) والحال أنه قال ( صلى
الله عليه وسلم) فى شأنها ( لا يصادفها) أى لا يوافقها (من جلس مجلساً)
أى جلوساً أو مكان جلوس ( ينتظر الصلاة) أى فيه (فهو فى صلاة) أى حكما
(حتى يصلى) أى حقيقة (فقلت بلى) أى بلى قال صلى الله عليه وسلم ذلك
( قال) عبد الله ( هو) أى المراد بالصلاة ( ذلك) أى الانتظار وقيل أى الساعة
الخفيفة آخر ساعة من يوم الجمعة وتذكير الضمير باعتبار الوقت ذكره فى
المرقاة. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث
صحيح. وقد أخرج البخارى ومسلم طرفاً منه فى ذكر ساعة الجمعة من رواية -
( ٢٤ - عون المعبود ٣ )

-- ٣٧٠-
١٠٣٤ - حدثنا هَارُونُ بنُ عَبْدِ اللهِ أخبرنا حُسَيْنُ بنُ عَلِىِّ عن
عَبْدِ الرََّنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَيرٍ مِن أَبِى الْأَشْمَتِ الصَّفْعَنِّ عن أَوْسِ بنِ
أُوْسٍ قال قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: (( إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيِّكُمُ يَوْمُ
الْمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ قُبِضَ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْفَةُ، فَأَكْثِرُوا
عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ، فإِنَّ صلاتَكُ مَعْرُوضَةٌ عَلَىّ. قال قالُوا: يارسولَ الله
- الأعرج عن أبى هريرة وأخرج مسلم الفصل الأول فى فضل الجمعة من رواية
الأعرج أيضاً . تم كلامه .
( إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة) قال على القارى: وفيه إشارة إلى أن
يوم عرفة أفضل أو مساو ( فيه خلق آدم ) أى طينته ( فيه النفخة) أى النفخة
الثانية التى توصل الأبرار إلى النعم الباقية . قال الطيبى وتبعه ابن حجر المسكى
أى النفخة الأولى فإنها مبدأ قيام الساعة ومقدم النشأة الثانية ولا منع من الجمع
كذا فى المرقاة (وفيه الصعقة) أى الصيحة والمراد بها الصوت الهائل الذى يموت
الإنسان من هوله وهى النفخة الأولى، فالتكرار باعتبار تغاير الوصفين والأولى
ما اخترناه من التغاير الحقيقى ( فاكثروا على من الصلاة فيه) أى فى يوم الجمعة
فإن الصلاة من أفضل العبادات وهى فيها أفضل من غيرها لاختصاصها بتضاعف
الحسنات إلى سبعين على سائر الأوقات ولكون أشغال الوقت الأفضل بالعمل
الأفضل هو الأكمل والأجمل ولكونه سيد الأيام فيصرف فى خدمة سيد الأنام
عليه الصلاة والسلام ( فإن صلاتكم معروضة على) يعنى على وجه القبول فيه
وإلا فهي دائماً تعرض عليه بواسطة الملائكة إلا عند روضته فيسمعها بحضرته،
وقد جاء أحاديث كثيرة فى فضل الصلاة يوم الجمعة وليلتها وفضيلة الإكثار منها -

- ٣٧١-
وَكَيْفَ تُعْرَضُ صلاتُنَاَ عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ - قال - يَقُولُونَ بَلِتَ . فقال:
إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرِّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَدَ الْأَنْبِيَاءِ ».
- على سيد الأبرار (وقد أرمت) جملة حالية بفتح الراء وسكون الميم وفتح التاء
المخففة، ويروى بكسر الراء أى بليت ، وقيل على البناء للمفعول من الارم وهو
الأكل أى صرت ما كولا للأرض، وقيل أرمت بالميم المشددة والتاء الساكنة
أى أرمت العظام وصارت رميما . كذا قاله التوربشتى. قال الطيبى ويروى
أربمت بالميمين أى صرت رميما . قيل فعلى هذا يجوز أن يكون ارمت بحذف
إحدى الميمين كظلت ثم كسرت الراء لالتقاء الساكنين يعنى أو فتحت بالأخفية
أو بالنقلية على ما عرف فى محله. قال الخطابى أصله أرحمت محذفوا إحدى
الميمين وهى لغة بعض العرب، وقال غيره هو أرمت بفتح الراء والميم المشددة
وإسكان التاء أى أرمت العظام (قال) أى أوس الراوى (يقولون) أى الصحابة
أى يريدون بهذا القول ( بليت فقال) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( إن الله عز وجل حرم على الأرض) أى منعها وفيه مبالغة لطيفة (أجاد
الأنبياء) أى من أن تأكلها فإن الأنبياء فى قبورهم أحياء . قال ابن حجر المكى:
وما أفاده من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبدون ويصلون فى قبورهم مع
استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة أمر لا مرية فيه، وقد صنف البيهقى
جزأ فى ذلك. قال المنذرى: وأخرجه النسائى وابن ماجة وله علة دقيقة أشار
إليها البخارى وغيره وقد جمعت طرقه فى جزء . وفى النيل بعد سرد الأحاديث
فى هذا الباب ما نصه: وهذه الأحاديث فيها مشروعية الإكثار من الصلاة
على النبى صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وأنها تعرض عليه صلى الله عليه وسلم
وأنه حى فى قبره. وقد أخرج ابن ماجه بإسناد جيد أنه صلى الله عليه وسلم قال
لأبى الدرداء ((إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد -

- ٣٧٢ -
٢٠٥ - باب الإجابة أية ساعة هى فى يوم الجمعة
١٠٣٥ - حدثنا أحمدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبر نى عَمْرُوَ
- يَعْى ابْنَ الْحَارِثِ - أَنَّ الْلاَعَ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَةَ
- يَعْنَى ابْنَ عَبْدِ الرَّْحَنِ - حَدَّثَهُ عن جَايِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ عن رسولِ الله
صلى اللهُ عليه وسلمٍ أَنَّهُ قال: ((يَوْمُ الْجُعَةِ ئِذْتَ عَشَرَةَ - يُرِيدُ سَاعَةٌ -
- الأنبياء )) وفى رواية للطبرانى ((ليس من عبد يصلى على إلا بلغنى صلاته
قلنا وبعد وفاتك قال وبعد وفانى إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل
أجساد الأنبياء)) وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم حى بعد وفاته وأنه يسر بطاعات أمته ، وأن الأنبياء لا يبلون ،
مع أن مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت سائر الموتى. وقد صح عن ابن
عباس مرفوعاً ((ما من أحد يمر على قبرأخيه المؤمن وفى رواية بقبر الرجل
كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه)» ولابن أبى الدنيا إذا مر
الرجل بقبر يعرفه فيسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه رد
عليه السلام)) وصح أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى
ويسلم عليهم. وورد النص فى كتاب الله فى حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون
وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد فكيف بالأنبياء والمرسلين . وقد ثبت
فى الحديث ((الأنبياء أحياء فى قبورهم)) رواه المنذرى وصححه البيهقى. وفى محيح
مسلم عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال ((مررت بموسى ليلة أسرى بى عند
الكثيب الأحمر وهو قائم يصلى فى قبر)) انتهى .
(باب الإجابة أية ساعة هى فى يوم الجمعة)
(ثنتا عشرة يريد ساعة) ولفظ النسائى يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، -

- ٣٧٣-
لا يُوجَدُ مُسْمٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلاَّ أَنَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ، فَالْقَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ
بَعْدَ الْعَصْرِ ».
١٠٣٦ - حدثنا أَحَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى مَخْرَمَةُ
- يَعْنِى ابنَ بُكَيْرٍ - عن أَبِيهِ عن أبى بُرْدَةَ بنِ أَبِى مُوسَىَ الْأَشْعَرِيِّ قال
- والمرادههنا الساعة النجومية والمراد أنهافى عدد الساعات كسائر الأيام (يسأل الله)
أى فى ساعة منها، وهذه الساعات عرفية، وضمير التمسوها راجع إلى هذه الساعة
(آخر ساعة) ظرف لالتمسوا والمراد بها الساعة النجومية فلا إشكال فى الظرفية
بأن يقال كيف يلتمس الساعة. كذا فى حاشية النسائى السندى . قال القاضى :
اختلف السلف فى وقت هذه الساعة وفى معنى قائم يصلى، فقال بعضهم هى من
بعد العصر إلى الغروب، قالوا ومعنى يصلى يدعو ، ومعنى قائم ملازم ومواظب
كقوله تعالى ( مادمت عليه قائماً) وقال آخرون هى من حين خروج الإمام
إلى فراغ الصلاة، وقال آخرون من حين تقام الصلاة حتى يفرغ، والصلاة
عندهم على ظاهرها ، وقيل من حين يجلس الإمام على المنبر حتى يفرغ من الصلاة
وقيل آخر ساعة من يوم الجمعة . قال القاضى : وقد رويت عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى كل هذا آثار مفسرة لهذه الأقوال ، قال وقيل عند الزوال وقيل من
الزوال إلى أن يصير الظل نحو ذراع، وقيل هى مخفية فى اليوم كله كليلة القدر ،
وقيل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . قال القاضى : وليس معنى هذه الأقوال
أن هذا كله وقت لها بل معناه أنها تكون فى أثناء ذلك الوقت لقوله وأشار
بيده يقللها. هذا كلام القاضى ، والصحيح بل الصواب ما رواه مسلم من حديث
أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن
تقضى الصلاة ذكره النووى . قال المنذرى: وأخرجه النسائى.
(عن أبى بردة) هو عامر بن عبد الله بن قيس وعبد الله هو أبو موسى -

-- ٣٧٤-
قال لِى عَبْدُ اللهِ بنُ مُمَرَ ((أَسَمِعْتَ أَبَكَ يُحَدِّثُ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه
وسلم فى شَأْنِ الُْعَةِ - يَعْنى السَّاعَةَ؟ قال قُلْتُ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ يقولُ سَمِعْتُ
رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: هِىَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ
تُقْفَى الصَّلاَةُ)) قال أَبُو دَاوُدَ: يَعْنِى عَلَى الِغْرِ.
٢٠٦ - باب فضل الجمة
١٠٣٧ - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن أبى صَالحِ
عن أَبِى هُرِيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمَةَ - قَالَ: فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمَةِ إِلَى
اُلْجُمُعَةِ وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةٍ أَيَّمٍ، وَمَنْ مَسَّ الْصَا فَقَدْ لَغَ)).
- الأشعرى، وأبو بردة من التابعين المشهورين (يقول هى) أى ساعة الجمعة
(ما بين أن يجلس الإمام) أى على (المنبر إلى أن تقضى الصلاة) وقد اختلف العلماء.
فى هذه الساعة. وذكر الحافظ فى فتح البارى عن العلماء ثلاثة وأربعين قولا ،
وهذا المروى عن أبى موسى أحدها ، ورجحه مسلم على ما روى عنه البيهقى
وقال هو أجود شىء فى هذا الباب وأصحه، وقال به البيهقى وابن العربى وجماعة.
وقال القرطبى : هو نص فى موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره . وقال النووى
هو الصحيح بل الصواب . قال الحافظ : وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت
الذى عين بل تكون فى أثنائه ، وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون
ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلا، وانتهاؤها انتهاء الصلاة . قال المنذرى :
وأخرجه مسلم .
( باب فضل الجمعة )
(وزيادة ثلاثة أيام) هو بنصب زيادة على الظرف كما قال النووى . قال -

- ٣٧٥
١٠٣٨ - حدثنا إِبْراهِيمُ بنُ مُوسَ أنبأنا عِيسَ أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمنِ
بِنُ يَزِيِدَ بنِ جَابِرٍ حدثنى عَطَاء الْخِراسَنِىُّ عن مَوْلَى امْرَأَتِهِ أُمَّ عُثمانَ قال
سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ يقولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ
غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَّايَتِهاَ إِلَى الْأَسْوَاقِ فَيَرْمُونَ النَّاسَ بِالثَّرَابِيثِ أَوْ الرَّبَئِيثِ
- قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة التى تجعل بعشر
أمثالها ، وصار يوم الجمعة الذى فعل فيه هذه الأفعال الجميلة فى معنى الحسنة التى
تجعل بعشر أمثالها. قال بعض العلماء: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة
وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان ويضم
إليها ثلاثة فتصير عشرة ( ومن مس الحصا فقد لغا) أى سوّاء السجود غير مرة
فى الصلاة ، وقيل بطريق اللعب فى حال الخطبة ، فقد لغا ، أى بصوت لغو مانع
عن الاستماع ، فيكون شبيهاً لقوله تعالى ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا
القرآن والغوافيه) وقال ابن حجر المكى: فقد لغا، أى تكلم بما لا يشرع له
أو عبث بما يظهر له صوت . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجه.
( فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ) شك من الراوى . قال الخطابي :
إنما هو الربائث جمع ربيئة وهى ما يعوق الإنسان عن الوجه الذى يتوجه إليه ،
وأما الترابيث فليست بشىء . وقال فى النهاية فى حديث على: إذا كان يوم
الجمة غدت الشياطين براياتها فيأخذون الناس بالربائث فيذكرونهم الحاجات
أى لير بثوهم بها عن الجمعة ، يقال ربثته عن الأمر إذا حبسته ونبطته، والربائث
جمع ربيئة وهى الأمر الذى يحبس الإنسان عن مهامه . وقد جاء فى بعض الروايات
يرمون الناس بالترابيث. قال الخطابي: وليس بشىء. قلت: يجوز إن صحت
الرواية أن يكون جمع تربية وهى المرة الواحدة من التربيث ، تقول: ربئته -

-٣٧٦ -
وَيُنَبِّطُونَهُمْ عِن الْجُمُعَةِ، وَتَغْدُو المَلائِكَةُ فَتَجْلِسُ [فَيَجْلِسُونَ] عَلَى أَبْوَابِ
المَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ الرَّجُلَ مِنْ سَاعَةٍ وَالرَّجُلَ مِنْ سَاعَتَيْنِ حَتّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ
فَإِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ نَجْلِسَا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ الاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ، فَأَنْصَتَ وَلَمْ
بَلْغُ ، كَانَ لَهُ كِفْاَنِ مِنْ أَجْرٍ ، فَإِنْ تَأَى وَجَسَ حَيْثُ لا يَسْمَعُ فَأَنْصَتَ
وَلَمْ يَلْغُ ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ أَجْرِهِ، وَإِنْ جَلَسَ نَجْلًِ يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنَ
الاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ فَلَغَا وَلَمْ يُنْعِتْ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ وِزْرٍ ، وَمَنْ قَالِ يَوْمَ
اُلْجُمُعَةِ لِصَاحِبِهِ: صَهْ. فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَ فَلَيْسَ لَّهُ فِى ◌ُعَتِهِ تِلْكَ شَىْء.
ثُمَّ يقولُ فى آخِرٍ ذَلِكَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ ذَلِكَ)).
- وهما قولان للشافعى. قال القاضى: قال مالك وأبو حنيفة والشافى وعامة العلماء
تربيثاً وتربيئة واحدة مثل قدمته تقديماً وتقديمة واحدة. انتهى ( ويتبطونهم)
أى يؤخرونهم ( والنظر) أى إلى الأمام (فأنصت ) أى سكت ( ولم يلغ) من
اللغو ( كان له كفلان) أى سهمان ونصيبان (فإن نأى) أى تباعد (كان له
كفل) بالكسر، أى حظ ونصيب ( لصاحبه صه) اسم فعل بمعنى اسكت
( شىء) من الأجر .
قال النووى : الملائكة التى تستمعون الذكر هؤلاء الملائكة غير الحفظة
وظيفتهم كتابة حاضرى الجمعة . ومعنى فقد لغا ، أى قال اللغو ، وهو الكلام
الملغى الساقط الباطل المردود ، وقيل معناه قال غير الصواب، وقيل تكلم بما
لا ينبغى ، ففى الحديث النهى عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة ، ونبه بهذا
على ما سواه لأنه إذا قال أنصت وهو فى الأصل أمر بمعروف وسماه لغواً فغيره
من الكلام أولى، وإنما طريقه إذا أراد به نهى غيره عن الكلام أن يشير
إليه بالسكوت إن فهمه ، فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل
ممكن. واختلف العلماء فى الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه، -

-٣٧٧-
قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الْوَلِيدُ بنُ مُسْلٍ عن ابنِ جَابِرٍ قال: بالرَّبَائِثِ .
وقال مَوْلَى امْرَ أَ تِ أُمّ مُثْمَانَ بنِ عَطَاء.
٢٠٧ - باب التشديد فى ترك الجمعة
١٠٣٩ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْبِى عن مُمَّدِ بنِ عَمْرٍو حدثنى ◌ُبَيْدَةُ
ابنُ سُفْيَنَ الْضْرَبِىُّ عن أَبِى الْجَعْدِ الصَّْرِىِّ - وَكَانَتْ لَهُ مُحْبَةُ - أَنَّ
رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم قال: (( مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ بَُع تَهَوُنَا بِهَا طَبَعَ
اللهُ عَلَى قَلْبِهِ » .
- يجب الإنصات للخطبة، واختلفوا إذا لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما
لو سمعه، فقال الجمهور يلزمه ، وقال النخعى وأحمد وأحد قولى الشافعى لا يلزمه .
انتهى. قال المنذرى: فيه رجل مجهول ، وعطاء بن أبى مسلم الخراسانى وثقه
يحيى بن معين وأثنى عليه غيره وتكلم ابن حبان وكذبه سعيد بن المسيب.
(عن ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (قال ) أى الوليد بن
مسلم بالربائث من غير شك وأما حديث عيسى فقد روى عن ابن جابر بالشك بين
الترابيث والربائث وقال أى الوليد بن مسلم (مولى امرأته) أى عطاء الخراسانى
(أم عثمان) بدل من امرأته ( ابن عطاء) الخراسانى. والحاصل أن عطاء
الخراسانى يروى عن مولى امرأته ولم يعرف اسم مولاها ، وأما امرأة عطاء
فهى أم عثمان، وعثمان هذا هو ابن عطاء الخراسانى . والله أعلم.
( باب التشديد فى ترك الجمعة)
( عن أبى الجعد الضمرى ) قال فى جامع الأصول: بفتح الضاد المعجمة
وسكون الميم، منسوب إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناف . وفى الخلاصة : صحابى
له أربعة أحاديث ( من ترك ثلاث جمع) بضم الجيم وفتح الميم جمع جمعة (تهاوناً
بها) قال الطيبي: أى إهانة، وقال ابن الملك: أى تساهلا عن التقصيرلا عن -

- ٣٧٨ -
٢٠٨ - باب كفارة من تركها
١٠٤٠ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلِىّ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا عَّامٌ
أخبرنا قَتَادَةُ عن قُدَامَةَ بنِ وَبْرَةَ الْمُجَيْنِىِّ عن سَثُرَةَ بنِ جُنْذُبٍ عن النَِّّ
صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ ،
فإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ )) .
- عذر (طبع الله) أى ختم (على قلبه) بمنع إيصال الخير إليه، وقيل كتبه منافقاً
قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه، وقال الترمذى: وحديث
أبى الجعد حديث حسن. قال: وسألت محمداً - يعنى البخارى - عن اسم أبى
الجعد الضمرى فلم يعرفه اسمه وقال لا أعرف له عن النبى صلى الله عليه وسلم
إلا هذا الحديث . قال أبو عيسى: ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد
ابن عمرو. هذا آخر كلامه . وذكر الكرابيسى أن اسم أبى الجعد هذا عمرو
ابن بكر ، وقال غيره اسمه أدرع ، وقيل جنادة .
( باب كفارة من تركها )
( العجيفى) مصغراً نسبة إلى عجيف بن ربيعة ( عن سمرة بن جندب ) بضم
الدال وفتحها ( فليتصدق ) الأمر التصدق لدفع إنم الترك ( بدينار) فى الأزهار
أى كفارة (فإن لم يجد) أى الدينار كماله (فبنصف دينار ) أى فليتصدق بنصفه
قال ابن حجر المكى: وهذا التصدق لا يرفع إنم الترك أى بالكلية حتى ينافى
خبر (( من ترك الجمعة من غير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة)) وإنما
يرجى بهذا التصدق تخفيف الإثم . وذكر الدينار ونصفه لبيان الأ كمل ،
فلا ينافى ذكر الدرهم أو نصفه وصاع حنطة أو نصفه فى الرواية الآتية ، لأن هذا
البيان أدنى ما يحصل به الندب. وقال العلامة السندى: والحكم للتصدق لأن :-

- ٣٧٩-
قال أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رَوَاهُ خَالِدُ بنُ قَيْسٍ ، وَخَالَفَهُ فِى الْإِسْنَادِ،
وَوَافَقَهُ فِى الْمَتْنِ.
١٠٤١ - حدثنا محمَّدُ بنُ سُكَمَانَ الْأُنْبَارِىُّ أخبرنا محمّدُ بنُ يَزِيدَ
وَ إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ عن أَيُّوبَ أَبِى الْعَلَاءِ عن قَدَةَ عن قُدَامَةَ بنِ وَبْرَةَ
قال قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ فَتَهُ [فَاتَتْهُ] الْمُعَةُ مِنْ غَيْر
عُذْرٍ فَلْيَتَصَدِّقْ بِدِرْهَ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ صَاعِ حِنْظَةٍ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ)).
قال أُبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ بَشِيرِ عن قَتَادَةَ هَكَذَا، إِلاَّ أَنَّهُ قال:
مُدَّا أَوْ نِصْفَ مُدّ ، وقال: عن سَمُرَةَ .
- الحسنات يذهبن السيئات ، والظاهر أن الأمر للاستحباب ولذلك جاء التخيير
بين الدرهم والنصف ، ولابد من التوبة مع ذلك ، فإنها ماحية للذنب . انتهى .
وقال المنذرى: وأخرجه النسائى . وقيل ليحيى بن معين: مَن قدامة بن وبرة
وما حاله ؟ قال: ثقة . وقال أحمد بن حنبل: قدامة بن وبرة لا يعرف . وحكى
عن البخارى أنه قال : لا يصح سماع قدامة من سمرة.
( هكذا رواء خالد) حديث خالد أخرجه النسابى بقوله : أخبرنا نصر بن
على أنبأنا نوح عن خالد عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال (( من ترك الجمعة متعمداً فعليه دينار فإن لم يجد فنصف دينار)) انتهى
وأيضاً وأخرجه ابن ماجه نحوه.
( عن قدامة بن وبرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال المنذرى.
هذا مرسل ، وقد أخرج النسائى وابن ماجه هذا الحديث فى سننهما من حديث
الحسن عن سمرة وهو منقطع ( وقال عن سمرة ) أى قال سعيد بن بشير عن قتادة
عن قدامة بن وبرة عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ يكون الحديث :-

-٣٨٠-
قال أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحَدَ بنَ حَنْبَلَ يُشْأَلُ عن اخْتِلاَفِ هذا الحديثِ
فقال: ◌َّامٌ عِنْدِى أَحْفَظُ مِنْ أَثُّوبَ - يَعْنِى أَبَ الْعَلاءِ.
٢٠٩ - باب من تجب عليه الجمة
١٠٤٢ - حدثنا أَحَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى عَمْرٌو عن
◌ُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِى جَمْغَرٍ أَنَّ مُحمَّدَ بنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ من غُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عن
عائشةَ زَوْجِ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهَا قالت (( كان النَّاسُ مَنْتَ بُونَ الْجُمَةَ
مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَمِنَ الْعَوالِ ».
- متصلا ، لكن رجح المؤلف رواية همام على رواية أيوب وسعيد بن بشير ،
فإن فى رواية حمام ذكر دينار بخلاف رواية أيوب ففيها ذكر درهم ، والمحفوظ
ذكر الدينار. والله أعلم.
(باب من تجب عليه الجمعة)
فثبت بحديثى الباب أن الجمعة واجبة على من كان خارج المصر والباد كما
كانت واجبة على كل من سمع النداء من أهل البلد . وأشار بهذا الباب إلى الرد
على الكوفيين فإنهم لم يوجبو الجمعة على من كان خارج المصر (ينتابون الجمعة)
يفتعلون من النوبة ، أى يحضرونها نوباً ، والانتياب افتعال من النوبة ، وفى
رواية يتناوبون ( من منازلهم) القريبة من المدينة (ومن العوالى) جمع عالية :
مواضع وقرى شرقى المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال أو ثلاثة وأبعدها
ثمانية . قاله القسطلانى. وفى لسان العرب: والعوالى هى أماكن بأعلى أراضى
المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية . انتهى .
وفى كتاب المراسيل لأبى داود قال مالك : العوالى على ثلاثة أميال من المدينة.
وأخرج أبو داود فى المراسهل من طريق أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب -
٠