النص المفهرس
صفحات 1-20
عون المعبود ـرح ◌ِشِبْنْ أبى دَاوُد للعلامة أبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى مع شرح الانتا ابن قيم الجوزية ضبط وتحقيق عبدالرحمن محمد عثمان الناشر ٨٨/٣ %) محمد عبد الحسية مناصب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة الطبعة الثانية ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م حقوق الطبع محفوظة للناشر بسم الله الرحمن الرحيم ١٢٨ - باب فى الغسل للجمعة ٣٣٦ - حدثنا أَبُوتَوْبَةَ الرَّبِيعُ بنُ نَافِعٍ أخبرنا مُعَاوِيَةٌ عن يَحْيَى أخبرنى أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بِنَ الْطَّاب بَيْنَ [بَيْنَا]َ هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فقال عُمَرُ: أَخْتِسُونَ عن الصَّلاَةِ؟ فقال الرَّجُلُ: مَاهُوَ إِلاَّ أَنْ سَمِعْتُ النِّذَاءَ فَتَوَضَّأْتُ. قال [فقال] مُمَرُ: الْوُضُوءَ أَيْضًا، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا رسولَ اللهِ صَلَى اللهُ عليه وسلم يقولُ : (إِذَا أَفَى أَحَدُكُمُ الْجُمَّةَ فَلْيَغْتَسِلْ ( باب فى الغسل للجمعة) هل هو واجب يأثم يتركه أم لا. ( بينا هو يخطب) وفى بعض النسخ بينما. وبينا أصله بين وأشبعت فتحة النون فصار بينا، وقد تبقى بلا إشباع ، ويزاد فيها ما فتصير بينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجآت ( إذ دخل رجل) هو عثمان بن عفان ففى رواية مسلم: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان ، فعرض به عمر. وقوله إذدخل رجل جواب بينا (فقال عمر أتحتبسون عن الصلاة ) أى فى أول وقتها فإنكار عمر رضى الله عنه على عثمان رضى الله عنه لأجل احتباسه عن التبكير ( فقال الرجل.) أى عثمان (ماهو) أى الاحتباس (إلا أن سمعت النداء ) أى الأذان (فتوضأت) وحضرت الصلاة، ولم أشتغل بشىء بعد أن سمعت الأذان إلا بالوضوء (فقال عمر الوضوء) هذا إنكار آخر على ترك الواجب - -٤ - ٣٣٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ بنِ قَعْنَبٍ عن مَالِكٍ عن صَفْوَانَ - أو السنة المؤكدة وهى الغسل. وقوله: الوضوء جاءت الروايات فيها بالواو وحذفها ، ففى رواية البخارى: والوضوء بالواو ، وفى رواية الموطإِ: الوضوء بحذف الواو . قال الحافظ ابن حجر: والوضوء فى روايتنا بالنصب ، والمعنى أى تتوضأ الوضوء مقتصراً عليه ، وجوز القرطبى الرفع على أنه مبتدأ حذف خبره أى الوضوء تقتصر عليه أو هو خبر مبتدؤه محذوف أى كفايتك الوضوء (أيضاً) منصوب على أنه مصدر من أض يثيض أى عاد ورجع . قال ابن السكيت : تقول فعلته أيضاً إذا كنت قد فعلته بعد شىء آخر كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور . ذكره العلامة العينى. قال السيوطى: فيه دليل على أن لفظ أيضاً عربية ، وقد توقف به جمال الدين بن هشام . قات: وفى حديث سمرة فى الكسوف: ((أن الشمس اسودت حتى آضت)) قال أبو عبيد: أى صارت ورجعت . وقد أثبته أهل اللغة كما يظهر من اللسان . والمعنى ألم يكفك أن فاتك فضل المبادرة إلى الجمعة حتى أضفت إليه ترك الغسل واقتصرت على الوضوء أيضاً ( أو لم تسمعوا) بهمزة الاستفهام والواو العاطفة ( إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) الفاء التعقيب وظاهره أن الغسل يعقب المجىء وليس ذلك المراد ، وإنما التقدير: إذا أراد أحدكم ، وقد جاء مصرحاً به فى رواية عند مسلم بلفظ: ((إذا أراد أحدكم أن يأتى الجمعة فليغتسل)) قال الحافظ - ابن حجر: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة) فإن المعنى: إذا أردتم المناجاة بلا خلاف، قال الخطابى فى المعالم : وفيه دلالة على أن غسل يوم الجمعة غير واجب ولو كان واجباً لأشبه أن يأمر عمر عثمان أن ينصرف فيغتسل ، فدل سكوت عمر ومن حضره من الصحابة على أن الأمر به على سبيل الاستحباب دون الوجوب وليس يجوز على عمرو - ابنِ سُلَمٍ عن عَطَاءِ بنِ يَسَرٍ عن أَبِى سَعِيدٍ الْخُذْرِىِّ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((غُسْلُ يَوْمِ الْمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَظٍ)) .. - عثمان ومن يحضرتهما من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا على ترك واجب . انتهى. قال الحافظ فى الفتح: وعلى هذا الجواب حول أكثر المصنفين فى هذه المسألة كابن خزيمة والطبرانى والطحاوى وابن حبان وابن عبد البر وهلم جرا ، وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك فكان إجماعاً منهم، على أن الغسل ليس شرطاً فى صحة الصلاة وهو استدلال قوى . انتهى قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث عبد الله ابن عمر عن أبيه . ( غسل يوم الجمعة واجب ) قال الخطابي : معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض كما يقول الرجل لصاحبه حقك على واجب وأنا أوجب حقك وليس ذلك بمعنى اللزوم والذى لا يسع غيره ، ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر الذى تقدم ذكره انتهى. قال ابن دقيق العيد فى شرح عمدة الأحكام : ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر ، وقد أولوا صيغة الأمر على النذب وصيغة الوجوب على التأكيد كما يقال إكرامك على واجب ، وهو تأويل ضعيف إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجعاً على هذا الظاهر وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديث (( من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)) ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث انتهى ( على كل محتلم) أى بالغ ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب وتفسيره بالبالغ مجاز لأن الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجب للغسل سواء كان - ٣٣٨ - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَلِدِ الرَّمْلِيُّ أخبرنا المُفَضَّلُ - يَعْنى ابنَ فضالة - عن عَّشِ بنِ عَبَأْسٍ عن بُكَيْرٍ عن نَفِع عن ابنِ مُمَرَ عن حَنْصَةَ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلم قال: ((عَلَى كُلِّ مُخْتٍَ رَوَاحُ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الْجُمُعَةَ الْغُسْلُ)) . قال أَبُو دَاوُدَ: إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلٍ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ )). - يوم الجمعة أم لا. ذكره الزرقانى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه . (رواح الجمعة) الرواح ضد الصباح وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل كذا ذكر جماعة من أئمة اللغة، لكن أنكر الأزهرى على من زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، ونقل أن العرب تقول راح فى جميع الأوقات بمعنى ذهب، قال وهى لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد فى الغريبين نحوه (وعلى كل من راح الجمعة الغسل (الغسل مبتدأ مؤخر وعلى كل من راح الجمعة خبره. وهذا الحديث عام مخصوص منه البعض فإن صلاة الجمعة لا تجب على المسافر والمريض وغير ذلك وإن كانوا بالغين. قال المنذرى: حسن وأخرجه النسائى ( إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزاء من غسل الجمعة وإن أجنب) وأما قبل طلوع الفجر فلا لأن طلوع الفجر أول اليوم شرعاً فمن اغتسل قبل طلوع الفجر لا يجزىء عن الجمعة لأنه اغتسل قبل مجىء الوقت . قال ابن المنذر: أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون يجزىء غسلة واحدة للجنابة والجمعة. وقال ابن بطال رويناه عن ابن عمر ومجاهد ومكحول والثورى والأوزاعى وأبى ثور . وقال أحمد: أرجوأن يجزيه. وهو قول أشهب وغيره وبه قال المزنى. - ٧ - ٣٣٩ - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَوْهِبٍ الرَّمْلِيُّ الْهَهْذَانِىُّ ح. وحدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنُ يَحْسَى الْرَّانِىُّ فَالا أخبرنا مُمَّدُ بنُ سَمَةَ ح. وحدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمّادٌ ، وهذا حديثُ مُمَدِ بنِ سَةَ عن عُمَدِ بنِ إِسْحَاقَ عن مُمَّدِ بنِ إِبْاهِيمَ عنْ أَبِى سَلَّمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [ قال أَبُو دَاوُدَ]: قال يَزِيدٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِى حَدِيْنِمَا عِنْ أَبِى سَمَّةَ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِى أُمَمَةَ بنِ سَهْلٍ عن أَبِى سَعِيدٍ الْخُذْرِىِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قالا قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أُحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَنَّ مِنْ طِيبٍ - إنْ كَنَ عِنْدَهُ - ثُمَّ أَنَى الْجُعَةَ فَمْ يَتَخَطِّ أَعْنَقَ النَّاسَ، ثُمَّ صَلَى مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إذَا خَرَجَ إِمَمُهُ حَتَّى - وعن أحمد لا يجزيه عن غسل الجنابة حتى ينويها وهو قول مالك فى المدونة ، وذكره ابن عبد الحكم. وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبى قتادة أنه قال من اغتسل يوم الجمعة للجنابة اغتسل الجمعة . قاله العينى فى عمدة القارى . ( وهذا حديث محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق) الحاصل أن يزيد وعبد العزيز كلاهما يرويان عن محمد بن سلمة ، وأما موسى فيروى عن حماد ثم محمد بن سلمة وحماد بن سلمة كلاهما يرويان عن محمد بن إسحاق ، لكن هذا الحديث المروى هو لفظ محمد بن سلمة وليس لفظ حماد ( قال يزيد وعبد العزيز فى حديثهما) عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم ( عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وأبى أمامة بن سهل عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة (قالا) وأما موسى بن سلمة مخالف فى بعض الإسناد (ولبس من أحسن ثيابه) وفيه استحباب التجمل والزينة يوم الجمعة الذى هو عيد للمسلمين ( فلم يتخط أعناق الناس ) أى لم يتجاوز رقاب الناس ولم يؤذهم وهو كناية عن التبكير - - ٨ - يَفَرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ، كَنَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ ◌ُعَتِهِ الَّتِى قَبْلَهَا. قال ويقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَزِيَادَةً ثَلَاثَةً أَيَّامٍ، ويقولُ: إِنَّ الْسَنَةَ بِمَشْرِ أَمْثَالِهَا » - أى على المصلى أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بين اثنين ولا يزاحم رجلين فيدخل بينهما لأنه ربما ضيق عليهما خصوصاً فى شدة الحر واجتماع الأنفاس ( ثم صلى ما كتب الله له) أى يصلى ماشاء. وفيه دليل على أنه ليس قبل الجمعة سنة مخصوصة مؤكدة ركعتان أو أربع ركعات مثلاً كالسنة بعد الجمعة، فالمصلى إذا دخل المسجد يوم الجمعة فله أن يصلى ماشاء متنفلا . وأما مارواه ابن ماجه عن ابن عباس قال (( كان النبى صلى الله عليه وسلم يركع من قبل الجمعة أربعاً لا يفصل فى شىء منهن)) ففى إسناده بقية ومبشر بن عبيد والحجاج ابن أرطاة وعطية العوفى وكلهم متكلم فيه ( ثم أنصت) يقال : أنصت إذا سكت وأنصته إذا أسكته فهو لازم ومتعد والأول المراد ههنا ( حتى يفرغ من صلاته) أى يفرغ المصلى أو الإمام، والأول أظهر (كانت) هذه المذكورات من الغسل ، ولبس أحسن الثياب ومس الطيب وعدم التخطى والصلاة النافلة والإنصات ( كفارة لما بينها) أى الجمعة الحاضرة (وبين جمعته التى قبلها) قال الإمام الخطابى: يريد بذلك ما بين الساعة التى يصلى فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى لأنه لو كان المراد به ما بين الجمعتين على أن يكون الطرفان وهما يوم الجمعة غير داخلين فى العدد لكان لا يحصل له من عدد المحسوب أكثر من ستة أيام ، ولو أراد ما بينهما على معنى إدخال الطرفين فيه بلغ العدد ثمانية فإذا ضمت إليها الثلاثة المزيدة التى ذكرها أبو هريرة صار جملتها إما أحد عشر على أحد الوجهين، وإما تسعة أيام على الوجه الآخر ، فدل على أن المراد به ماقلناه على سبيل التكسير لليوم ليستقيم الأمر فى تكميل عدد العشرة. انتهى كلامه (قال ويقول أبو هريرة وزيادة ثلاثة أيام ويقول إن الحسنة بعشراً مثالها) - - ٩ - قال أَبُو دَاوُدَ: وحديثُ ◌ُمَّدِ بنِ سَلَمَةَ أَتَمُّ، ولم يَذْ كُرْ حَّادٌ كلامَ أَنِى هُرَيْرَةَ . ٣٤٠ - حدثنا عُمَّدُ بنُ سَلَمَةَ المرَادِىُّ أخبرنا ابنُ وَهُبٍ عنْ عَمْرِو بْنِ الْخَارِثِ أَنَّ سَعِيدَ بنَ أَبِى هِلاَلٍ وَبُكَيْرَ بنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ عن أَبِى بَكْرِ بِنِ المُنْكَدِرِ عنِ عَمْرِوِ بنِ سُلَيْمِ الزُّرَبِّ مِن عَبْدِ الرََّنِ بنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عن أَبِيهِ أَنَّ النِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((الْعُسْلُ يَوْمَ الْجُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلٍ وَالسِّوَاكُ وَ يَسَنُ مِنَ الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ. إلاَّ أَنَّ بُكَيْراً لم يَذْ كُرْ عَبْدَ الرَّحْمنِ وقال فى الطِّيبِ: وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ ». - قال هذا القول محمد بن سلمة ويحتمل أن يكون مقولة أبى سلمة بن عبد الرحمن الراوى عن أبى هريرة . فإن قلت تكفير الذنوب الماضية بالحسنات وبالتوبة وبتجاوز الله تعالى، وتكفير الذنوب الأيام الثلاث الآتية الزائدة على الأسبوع هو تكفير الذنب قبل وقوعه فكيف يعقل ، قلت المراد عدم المؤاخذة به إذا وقع ، ومنه ما ورد فى صحيح مسلم فى مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر . قال المنذرى: وأخرجه مسلم مختصراً من حديث أبى صالح عن أبى هريرة وأدرج وزيادة ثلاثة أيام فى الحديث . ( الغسل يوم الجمعة على كل محتلم) وفى رواية البخارى بلفظ الغسل يوم - الجمعة واجب على كل محتلهم ( والسواك) بالرفع معطوف على قوله الغسيل (ويمس من الطيب) قال النووى: معناه ويسن له سواك ومس الطيب (ماقدر له) وفى رواية مسلم ما قدر عليه. قال القاضى عياض: يحتمل ما قدر عليه إرادة التأكيد ليفعل ما أمكنه ويحتمل إرادة الكثرة، والأول أظهر، ويؤيده قوله الآتى ولو من طيب المرأة لأنه يكره استعماله للرجال وهو ما ظهر لونه -. -١٠- ٣٤١ - حدثنا مُمَّدُ بنُ حَاتِ الْجَرْ جَرائِىُّ حِّى أخبرنا ابنُ المُبَارَكِ عن الْأُوْزَاعِيِّ حَدَّثَنَى حَسَّنُ بنُ عَطِيَّةَ حَدَّثَى أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىُّ حَدَّثَنَى أَوْسُِ بنُ أَوْسِ الثَّقَفِىُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وخفى ريحه ، فإباحته للرجل لأجل عدم غيره يدل على تأكد الأمر فى ذلك (أن بُكيراً لم يذكر) واسطة ( عبد الرحمن) بين عمرو بن سليم وأبى سعيد الخدرى كما ذكره سعيد بن أبى هلال ( وقال) بكير (ولو من طيب المرأة) وهو ما ظهر لونه وخفى ريحه وهو المكروه للرجال، فأباحه للرجال للضرورة لعدم غيره . وهذا الحديث يدل على وجوب غسل يوم الجمعة للتصريح فيه بلفظ الواجب فى رواية البخارى . وقد استدل به على عدم الوجوب باعتبار اقترانه بالسواك ومس الطيب . قال القرطبى: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرها بالعاطف ، فالتقدير الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك . قال: وليا بواجبين اتفاقاً ، فدل على أن الغسل ليس بواجب إذ لا يصح تغريك ما ليس بواجب بالواجب بلفظ واحد. انتهى. وتعقبه ابن الجوزى بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب لاسيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف . وقال ابن المنير فى الحاشية : إن سلم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه لأن للقائل أن يقول أخرج بدليل فبقى ما عداه على الأصل . قال المنذرى : وأخرجه مسلم والنسائى وأخرجه البخارى من حديث عمرو بن سليم الزرقی عن أبى سعيد بنحوه . (الجرجرائى) نسبة إلى جرجرايا بفتح الجيمين وتسكين الراء الأولى وفتح الثانية: مدينة من أرض العراق بين واسط وبغداد ( حبى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وآخره ياء المتكلم: لقب لمحمد بن حاتم (يقول من غسل) .-. -١١ - يقولُ: ((مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَّكَبْ وَدَنَاَ مِنَ الْإِمَمِ فَاسْتَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَّةٍ أَجْرُ صِيامِهاَ وَقِيَامِهَاَ)). - بالتشديد والتخفيف (يوم الجمعة واغتسل) قال الإمام الخطابى: اختلف الناس فى معناهما، فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المتظاهر الذى يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ألا تراه يقول فى هذا الحديث: ومشى ولم يركب ومعناهما واحد، وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد . وقال بعضهم: غسل معناه غسل الرأس خاصة وذلك لأن العرب لهم لم وشعور وفى غسلها مؤنة فأفرد ذكر غسل الرأس من أجل ذلك، وإلى هذا ذهب مكحول وقوله اغتسل معناه غسل سائر الجسد، وزعم بعضهم أن قوله غسل أى معناه أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ليكون أملك لنفسه وأحفظ لبصره فى طريقه قال ومن هذا قول العرب: فحمل غسله إذا كثر الضرب. انتهى. (ثم بكر) بالنشديد على المشهور قال النووى أى راح فى أول وقت ( وابتكر) أى أدرك أول الخطبة ورجحه العراقى فى شرح الترمذى ، وقيل كرره التأكيد ، وبه جزم ابن العربى فى عارضة الأحوذى . قال ابن الأثير فى النهاية : بكر أتى الصلاة فى أول وقتها ، وكل من أسرع إلى شىء فقد بكر إليه، وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شىء با كورته، وابتكر الرجل : إذا أ كل باكورة الفواكه، وقيل : معنى اللفظين واحد، فعل وافتعل، وإنما كرر للمبالغة والتوكيد كما قالوا جاد مجد . انتهى. (ومشى ولم يركب) قال الخطابي: معناهما واحد، وإنه للتأكيد هو قول الأثرم صاحب أحمد. انتهى (ولم يلغ) من لنا يلغو لغواً معناه : استمع الخطبة ولم يشتغل بغيرها . قال النووى : معناه لم يتكلم ، لأن الكلام حال الخطبة لغو ( كان له بكل خطوة) -. - ١٢ - ٣٤٢- حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا اللَّيْثُ عن خَلِدِ بنِ يَزِيدَ عن سَعِيدٍ بِنِ أَبِى هِلاَلٍ عن عُبَدَةَ بنِ نُسَىِّ عن أَوْسِ الثَّقَفِىِّ عن رسولِ الهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال: ((مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُعَةِ وَاغْتَسَلَ)) وَسَقَ نَحْوَهُ . ٣٤٣ - حدثنا ابنُ أَبِ عَقِيلٍ وَعُمَّدُ بنُ سَلَمَةَ الِصْرِيَانِ فالا أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قال ابنُ أَبِى عَقِيلِ قال أخبرنى أُسَامَةُ - يَعْنِى ابنَ زَيْدٍ - عن عَمْرِو ابنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال: (( مَنَ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُعَةِ وَمَسَنَّ مِنْ طِيبِ امْرَ أَتِهِ - إِنْ كَانَ لَا - وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ فِيَبِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ المَوْعِظَةِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَاَ، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَبَ النَّاسِ كَنَتْ لَهُ فُهْراً ». - بضم الخاء بعد ما بين القدمين ( عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) أى صيام السنة وقيامها ، وهو بدل : من عمل سنة . قال المنذرى : وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه ، وقال الترمذى. حديث أوس بن أوس حديث حسن . ( عن عمرو بن شعيب عن أبيه) تقدم الكلام فى الاحتجاج بحديث عمرو ابن شعيب فى باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً (كانت كفارة لما بينهما) أى كانت هذه الخصال كفارة لما بين الجمعتين (ومن لغا) قال ابن الأثير : لنا الإنسان يلغو ولنى يلغى ولِغِى يلغى إذا تكلم بالمطرح من الكلام وما لا يعنى . وفى الحديث ((من قال لصاحبه والإمام يخطب صه فقد لغا)) وقوله ((من مس الحصى فقد لنا)) أى تكلم، وقيل عدل عن الصواب، وقيل خاب، والأصل الأول انتهى (كانت) هذه الصلاة ( له) لهذا المصلى (ظهراً) أى مثل صلاة الظهر - - ١٣ - ٣٤٤ - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا مُمَّدُ بنُ بِشْرِ أخبرنازَ كَرِياً أخبرنا مُصْعَبُ بنُ شَيْبَةَ عن طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ الْعَزِىِّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ عن عَئِشَةَ أَنَّهَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَغْنَسِلُ مِنْ أَرْبَعِ: مِنَ الْجْنَبَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمِنَ الْحِجَامَةِ وَمِنْ غُسْلِ الَّيِّتِ )) . ٣٤٥ - حدثنا عَمُدُ بنُ خَالِدِ الدِّمَشْقِىُّ أخبرنا مَرْوَانُ أخبرنا عَلِيُّ بنُ خَوْشَبٍ قال: سَأَلْتُ مَكْحُولاً عن هذا الْقَوْلِ ((غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، قال: غَسَلَ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)). - فى الثواب فيحرم هذا المصلى بتخطى رقاب الناس واللغو عند الخطبة عن هذا الثواب الجزيل الذى يحصل لمصلى صلاة الجمعة وهو الكفارة من هذه الجمة الحاضرة إلى الجمعة الماضية أو الآتية وأجر عبادة سنة قيامها وصيامها . (كان يغتسل من أربع) قال الإمام الخطابى: قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام والمعانى ترتبها وتغزلها منازلها . أما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق . وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان عليه السلام يفعله ويأمر به استحباباً . ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى وإنما لايؤمن من أن يكون أصاب المحتجم رشاش من الدم ، فالاغتال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة . فأما الاغتسال من الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه غير واجب، وقد روى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((من غسل ميتاً فليغتسل)) وروى عن ابن المسيب والزهرى معنى ذلك ، وقال النخعى وأحمد وإسحاق : يتوضأ غاسل الميت، وروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: ليس على غاسل الميت غسل ، وقال أحمد : لا يثبت فى الاغتسال من غسل الميت حديث ، وقال أبو داود : حديث مصعب ابن شيبة ضعيف ويشبه أن يكون من رأى الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما - - ١٤ - ٣٤٦ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِىُّ أخبرنا أَبُو مِسْهَرٍ عن سَعِيدٍ ابنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِى غَسَّلَ [فى قَوْلِهِ غَسَّلَ ] وَاغْتَسَلَ قال قال سَعِيدٌ: غَسَّلَ )) رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَدَهُ)). ٣٤٧ - حدثنا عَيْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن سُمَىّ عن أبى صَالحِ السَّمَّانِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((مَن اغْتَلَ يَوْمَ الْمُعَةِ غُسْلَ الْنَبَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ - لا يؤمن من أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نضح وربما كانت على بدن الميت نجاسة، فأما إذا علمت سلامته فلا يجب الاغتسال منه. انتهى. قال المنذرى : وأخرجه فى الجنائز وقال : هذا منسوخ ، وقال أيضاً : وحديث مصعب فيه خصال ليس العمل عليه ، وقال البخارى : حديث عائشة فى هذا الباب ليس بذاك ، وقال الإمام أحمدبن حنبل وعلى بن المدينى : لا يصح فى هذا الباب شىء ، وقال محمد بن يحي رضى الله عنهم : لا أعلم فيمن غسل ميتاً فليغتسل حديثاً ثابتاً، ولو ثبت لزمنا استعماله. انتهى. (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف أى غلا كغسل الجنابة ، ويشهد بذلك رواية ابن جريج عند عبد الرزاق: فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة . واختلفوا فى معنى غسل الجنابة ، فقال قوم: إنه حقيقة حتى يستحب أن يواقع زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه وليغتسل فيه من الجنابة . وفيه حمل المرأة أيضاً على الاغتسال ذلك اليوم وعليه حمل قائل ذلك حديث أوس الثقفى من غسل يوم الجمعة واغتسل على رواية من روى غسل بالقشديد. وقد حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد ، وثبت أيضًا عن جماعة من التابعين، وقال القرطبى: إنه أنسب الأقوال (ثم راح) - - ١٥ - الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنََّا قَرَّبَ كَبْشَا أَفْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَن رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ )) . - أى ذهب أول النهار. قال الإمام الخطابى: معناه قصدها وتوجه إليها مبكراً قبل الزوال ، وإنما تأولناه على هذا المعنى لأنه لا يجوز أن يبقى بعد الزوال من وقت الجمعة خمس ساعات ، وهذا جائز فى الكلام أن يقول الرجل راح لكذا ولأن يفعل كذا ، بمعنى أنه قصد إيقاع فعله وقت الرواح ، كما يقال للقاصدين للحج حجاح ولما يحجوا بعد، وللخارجين إلى الغزو غزاة ونحو ذلك من الكلام فأما حقيقة الرواح فإنما هو بعد الزوال. وأخبرنى الحسن بن يحيى عن أبى بكر ابن المنذر قال : كان مالك بن أنس يقول : لا يكون الرواح إلا بعد الزوال ، وهذه الأوقات كلها فى ساعة واحدةً . قلت : كأنه قسم الساعة التى يحين فيها الرواح الجمعة أقساماً خمسة ، فسماها ساعات على معنى التشبيه والتقريب ، كما يقول القائل: قعدت ساعة وتحدثت ساعة ونحو ذلك، يريد جزءاً من الزمان غير معلوم، وهذا على سعة مجاز الكلام وعادة الناس فى الاستعمال . انتهى . (فكأنما قرب) بتشديد الراء ( بدنة) أى تصدق بها متقرباً إلى الله تعالى. والمراد بالبدنة البعير ذكراً كان أو أنثى ، والماء فيها الوحدة لا التأنيث (ومن راح فى الساعة الثانية ) قد عرفت آنفاً معنى راح، والساعة من قول الإمام الخطابئ ( بقرة) التاء فيها للوحدة. قال الجوهرى: البقر إسم جنس، والبقرة تقع على الذكر والأنثى وإنما دخله الهاء على أنه واحد من جنس ( كبشاً أقرن) الفلكيش هو الفحل، وإنما وصف بالأقرن لأنه أ كمل وأحسن صورة ، ولأن القرن ينتفع به (دجاجة) بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان. والدجاجة ... - ١٦ - ١٢٩ - باب الرخصة فى ترك الغسل يوم الجمعة ٣٤٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا خَّادُ بنُ زَيْدٍ عن يَحْمَى بنِ سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ عن عَلْشَةَ قالت: ((كَانَ النَّاسُ مُهَانَ أَنْفُسِهِمْ فَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ ◌ِهَيْئَتِهِمْ ، فَقِيلَ لَهُمْ لَوَ اغْتَسَلْتُمْ ». - تقع على الذكر والأنثى، والتاء للوحدة لا للتأنيث (بيضة) واحد من البيض والجمع بيوض، وجاء فى الشعر بيضات ( الذكر) المراد بالذكر ما فى الخطبة من المواعظ وغيرها . قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة بنحوه . ( باب الرخصة فى ترك الغسل يوم الجمعة ) (كان الناس مهان أنفسهم) قال الخطابي: المهان جمع ماهن وهو الخادم ، يريد أنهم كانوا يخدمون لأنفسهم فى الزمان الأول ، حيث لم يكن لهم خدم يكفون لهم المهنه، والإنسان إذا باشر العمل الشاق حى بدنه وعرق سيما فى البلد الحار فربما تكون منه الرائحة ، فأمروا بالاغتسال تنظيفاً للبدن وقطعاً للرائحة. انتهى ( فقيل لهم: لو اغتسلتم ) لو للتمنى فلا تحتاج إلى جواب أو الشرط ، فالجواب محذوف تقديره لكان حسناً . وحديث عائشة هذا استدل به على عدم وجوب غسل الجمعة ، ووجه دلالته أنهم لما أمروا بالاغتسال لأجل تلك الروائح الكريهة ، فاذا زالت زال الوجوب . وأجيب عنه بوجهين : الأول أنا لا نسلم أنها إذا زالت العلة زال الوجوب، كما فى وجوب السعى مع زوال العلة التى شرع لها وهى إغاظة المشركين، والثانى بأنه ليس فيه نفى الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به والإعلام بوجوبه، والله تعالى أعلم. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه . ٠٠ -١٧- ٣٤٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَهَ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنى ابنَ مُمٍَّ - عن عَمْرِو بنِ أَبِى ◌َمْرِو عن عِكْرِمَةَ ((أَنَّ نَاسً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى الْفُلَ يَوْمَ الْجُعَةِ وَاحِباً؟ قال: لاَ. وَلَكِنَّه أَظْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسلَ وَمَنْ لَمْ يَغْلَسَلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ، وَسَأُخْرُ كُمُ كَيْفَ بَدَأَ الْغُسلُ: كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ، يَلْبِسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَنَ مَسْجِدُمْ فَيِّقَاً مُقَرِبَ السَّقْفِ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ. فَخَرَجَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرِقَ الَّاسُ فِى ذَلِكَ الصُّوفِ عَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَمَا وَجَدَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم تِلْكَ الرِّيحَ قال: أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا وَلْيَمَسَّ أَحَدُ كَمُ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللهُ تَعَلَى ذِكْرُهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُواْ غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ - (كان الناس مجهودين ) الجهد بالفتح المشقة والعسرة ، يقال : جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة ، وجهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا ، ومجهدون معسرون . كذا فى النهاية ، والمعنى أنهم كانوا فى المشقة والعسرة لشدة فقرهم ( مقارب السقف) لقلة ارتفاع الجدار ( إنما هو) أى سقف المسجد (عريش) بفتح العين هو كل مايستظل به. والمراد أن سقف المسجد كان من جريد النخل كما فى رواية المؤلف عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنياً باللبن والجريد وسقفه بجريد وعمده الخشب ( حتى ثارت منهم رياح) أي طارت وانتشرت ( آذى بذلك) الريح (بعضهم) فاعل آذى (بعضاً) مفعول آذى (وكفوا العمل) بصيغة المجهول من كفى يكفى ولفظة كفى تجىء - (٢ - عون المعبود ٢) - ١٨ - وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِى كَانَ يُؤْذِى بَعْضُهُمْ بَعْضَاً مِنَ الْعَرَقِ)) . ٣٥٠ - حدثنا أَبُو الْوَلِدِ الطَّيَالِسِىُّ أخبرنا ◌َّامٌ عِن قَتَادَةَ عن الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ قال قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (( مَنْ تَوَضَّأْ فَبِهَا وَلَعَِتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ ». - لمعان منها أجزأ وأغنى ومنها وقى. والأولى متعدية لواحد كقوله: قليل منك يكفينى ، ولكن قليل لا يقال له قليل . والثانية متعدية لاثنين كقوله تعالى ﴿ كفى الله المؤمنين القتال﴾ وههنا بمعنى وفى ، أى وقاهم خدامهم وغلمانهم عن العمل والتعب والشدة ( وذهب بعض الذى كان يؤذى بعضهم بعضاً من العرق) بفتح العين والراء وهو ما يخرج من الجسد وقت الحرارة . وقوله من العرق بيان لقوله بعض الذى ، والمعنى: أن العرق الذى كان يؤذى به بعضهم بعضاً ذهب وزال بسبب لبسهم غير الصوف . ( من توضأ فيها) قال الخطابى قال الأصمعى : أى فبالسنة أخذ. انتهى. وقال ابن الأثير: والباء فى قوله فيها متعلقة بفعل مضمر ، أى فيهذه الخصلة. أو الفعلة يعنى الوضوء ينال الفضل انتهى ( ونعمت) بكسر النون وسكون العين هذا هو المشهور ، وروى بفتح النون وكسر العين وفتح الميم وهو الأصل فى هذه اللفظة . قال الإمام الخطابى: نعمت الخصلة أو نعمت الفعلة ونحو ذلك. وإنما أظهرت التاء التى هى علامة التأنيث لإضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة . انتهى . (ومن اغتسل فهو أفضل) قال الخطابي: وفيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة ، وأن الغسل لها فضيلة لا فريضة . وقال الترمذى : دل هذا الحديث على أن غسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء. انتهى . وقال الحافظ : فاما الحديث فعول على المعارضة به كثير من المحدثين ، ووجه الدلالة منه قوله ((فالغسل أفضل)» فانه يقتضى اشتراك الوضوء والغسل فى أصل الفضل .- - ١٩ - ١٣٠ - باب الرجل يسلم فيؤمر بالغسل ٣٥١ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ كَثِيرِ الْمَبْدِىُّ أخبرنا سُفْيَانُ أخبرنا الْأُغَرُ عن خَلِيفَةَ بنِ حُصَيْنٍ عن جَدِّهِ فَيْسِ بنِ عَصِمٍ قال: (( أَتَيْتُ النَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم أُرِيدُ الْإِسْلاَمَ فَأَمَرَّبِ أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَهُ وَسِدْرٍ )). - فيستلزم إجزاء الوضوء ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة أخرجها أصحاب السنن الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان ، وله علتان : إحداهما أنه من عنعنة الحسن ، والأخرى أنه اختلف عليه فيه ، وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس والطبرانى من حديث عبد الرحمن بن سمرة والبزار من حديث أبى سعيد وابن عدى من حديث جابر وكلها ضعيفة . انتهى. قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وقال الترمذى : حديث سمرة حديث حسن . وقال : ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبد الرحمن النسائى: الحسن عن سمرة كتاب ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة. هذا آخر كلامه. وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً ولا لقيه ، وقيل: إنه سمع منه ، ومنهم من عين سماعه لحديث العقيقة ، كماذكره النسائى. وقوله: فبها ونعمت أى فبالرخصة أخذ ونعمت السنة ترك. وقيل: فبالسنة (أخذ وأعمت الخصله الوضوء، والأول أصح لأن الذى ترك هو السنة وهو الغسل. انتهى) (باب الرجل يسلم) من الإسلام وهو الإقرار بكلمة الشهادتين ( فيؤمر بالغسل). ( فامرنى أن أغتسل بماء وسدر) فيه دليل واضح على أن من أسلم يؤمر بالغسل لأن أمر النبى صلى الله عليه سلم يدل على الوجوب . قال الخطابي: هذا الغسل عندأكثر أهل العلم على الاستحباب لا على الإيجاب . وقال الشافعى : - - ٢٠ - ٣٥٢ - حدثنا ◌َخْلَدُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا ابنُ جُرَيَجٍ قال أُخْبِرْتُ عن عُثَيِْ بنِ كُلَيْبٍ عن أَبِهِ عن جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ النَِّيَّ صلى اللهُ إذا أسلم الكافر أحب له أن يغتسل ، فإن لم يفعل ولم يكن جنباً أجزأه أن يتوضأ ويصلى . وكان أحمد بن حنبل وأبو ثور يوجبان الاغتسال على الكافر إذا أسلم قولا بظاهر الحديث ، وقالوا : لا يخلو المشرك فى أيام كفره من جماع أو احتلام وهو لا يغتسل، ولو اغتسل لم يصح منه، لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض الدين وهو لا يجزئه إلا بعد الإيمان كالصلاة والزكاة ونحوها . وكان مالك يرى أن يغتسل الكافر إذا أسلم. واختلفوا فى المشرك يتوضأ فى حال شركه ثم يسلم ، فقال بعض أصحاب الرأى : له أن يصلى بالوضوء المتقدم فى حال شركه، لكنه لو تيمم ثم أسلم لم يكن له أن يصلى بذلك التيمم حتى يستأنف التيمم فى الإسلام إن لم يكن واجداً للماء ، والغرق من الأمرين عندهم أن التيمم مفتقر إلى النية ، ونية العباده لا تصح من مشرك ، والطهارة بالماء غير مقتقر إلى النية ، فإذا وجدت من المشرك سحت فى الحكم كما توجد من المسلم سواء. وقال الشافعى : إذا توضأ وهو مشرك أو تيمم ثم أسلم كان عليه إعادة الوضوء للصلاه بعد الإسلام ، وكذلك التيم لا فرق بينهما ، ولكنه لو كان جنباً فاغتسل ثم أسلم، فان أصحابه قد اختلفوا فى ذلك، فمنهم من أوجب عليه الاغتال ثانياً كالوضوء سواء وهذا أشبه وأولى، ومنهم من فرق بينهما . فرأى أن عليه أن يتوضأ على كل حال ولم ير عليه الاغتسال ، فان أسلم وقد علم أنه لم تكن أصابته جنابة قط فى حال كفره فلا غسل عليه فى قولهم جميعاً، وقول أحمد فى الجمع بين إيجاب الاغتسال والوضوء عليه إذا أسلم أشبه بظاهر الحديث وأولى بالقياس انتهى كلامه ، قلت: قول من قال بوجوب الاغتسال على الكافر إذا أسلم هو موافق بظاهر الحديث لأن حقيقة الأمر الوجوب ما لم توجد قرينة صارفة عنه ...