النص المفهرس

صفحات 421-440

- ٤٢١ -
صلى اللهُ عليه وسلم يَنْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلاَةُ ◌َمْسَاً وَالْفُسْلُ مِنَ الْجَبَةِ مَرَّةً
وَغُسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ مَرَّةً » .
٢٤٥ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِىٌّ أخبرنا [حدثنى] الْخَارِثُ بنُ وَجِيبٍ
أخبرنا مَالِكُ بنُ دِينَارٍ عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ عن أَبِى هَرَيْرَةَ قال قال
- ( يسأل) ربه عز وجل التخفيف (حتى جعلت الصلاة خمساً) قال الشيخ
عبد الحق الدهلوى: الظاهر أن ذلك ليلة المعراج، والمشهور أحاديث المعراج
فى الصحيحين وغيرهما هو ذكر الصلوات فقط انتهى . وأورد الشيخ عبدالوهاب
الشعرانى حديث ابن عمر هذا فى كتابه كشف الغمة عن جميع الأمة بلفظ « كان
ابن عمر رضى الله عنه يقول كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات
وغسل البول من الثوب سبع مرات فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل
ربه عز وجل ليلة الإسراء حتى جعلت الصلاة خمساً وغسل الجنابة مرة وغسل
البول مرة)) قال عبد الحق الدهلوى: وغسل الثوب مرة هو مذهب الشافعى
وتثليث الغسل مندوب . وعند أبى حنيفة التثليث فى نجاسة غير مرئية واجب .
قال الفقيه برهان الدين المرغينانى من أجل أئمة الحنفية : والنجاسة ضربان مرئية
وغير مرئية فما كان منها مرئياً فطهارتها بزوال عينها وما ليس بمرئى فطهارته
أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر لأن التكرار لا بد منه للاستخراج،
وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده ، ويتأيد ذلك بحديث :
((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)) انتهى
قال المنذرى: عبد الله بن عصم ويقال ابن عصمة نصيبى ويقال كوفى كنيته
أبو علوان تكلم فيه غير واحد، والراوى عنه أيوب بن خالد أبو سليمان اليمانى
ولا يحتج بحديثه .

- ٤٢٢ -
رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا
الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ )).
- ( إن تحت كل شعرة جنابة) الشعر بفتح الشين وسكون العين للانسان
وغيره فيجمع على شعور مثل فلس وفلوس ، وبفتح العين فيجمع على أشعار
مثل سبب وأسباب وهو مذكر الواحدة شعرة بفتح الشين، والشعرة بكسر.
الشين على وزن سدرة شعر الركب للنساء خاصة قاله فى العباب . فلو بقيت شعرة
واحدة لم يصل إليها الماء بقيت الجنابة (فاغسلوا الشعر) بفتح العين وسكونها
أى جميعه. قال الإمام الخطابى: ظاهر هذا الحديث يوجب نقض القرون
والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة لأنه لا يكون شعره مغسولا إلا أن
ينقضها ، وإليه ذهب إبراهيم النخعى وقال عامة: أهل العلم إيصال الماء إلى
أصول الشعر وإن لم ينقض شعره يجزيه . والحديث ضعيف انتهى. قلت:
واستثنيت المرأة من هذا الحكم كما سيجىء ( وأنقوا البشر) من الإنقاء أى
نظفوا البشر من الأوساخ لأنه لو منع شىء من ذلك وصول الماء لم ترتفع الجنابة.
والبشر بفتح الباء والشين قال إمام أهل اللغة الجوهرى فى الصحاح: البشر ظاهر
جلد الانسان وفلان مؤدم مبشر إذا كان كاملا من الرجال كأنه جمع لين الأدمة
وخشونة البشرة وكذا فى القاموس والمصباح . وأما الأدمة فقال الجوهرى الأدمة
باطن الجلد الذى يلى اللحم، وقال فى القاموس الأدمة محركة باطن الجلدة التى
على اللحم أو ظاهره عليه الشعر. قال الخطابي: وقد يحتج به من يوجب
الاستنشاق فى الجنابة لما فى داخل الأنف من الشعر، واحتج بعضهم فى إيجاب
المضمضة بقوله وانقوا البشر فزعم أن داخل الفم من البشر وهذا خلاف قول
أهل اللغة لأن البشرة عندهم هى ما ظهر من البدن وأما داخل الأنف والفم فهو
الأدمة والعرب تقول فلان مؤدم مبشر إذا كان خشن الظاهر مخبور الباطن -

- ٤٢٣ -
قال أَبُو دَاوُدَ: الْخَارِثُ بنُ وَحِهِ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
٢٤٨ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمَّدٌ أخبرنا عَطَاءِ بنُ السَّائِبِ
عن زَاذَانَ عن عَلِىَّ قال: إِنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((مَنْ تَرَكَ
مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْها فُعِلَ مِاَ كَذَا وَكَذَا مِنَ النََّرِ )) .
. كذلك أخبرنى أبو عمر عن أبى العباس أحمد بن يحيى انتهى كلامه .
قلت : على تصريح الجوهرى داخل الفم والأنف ليس من الأدمة لأن الأدمة
على تفسيره هى باطن الجلد الذى بلى اللحم ، وداخل الفم والأنف ليس كذلك
بل هو مما لا يلى اللحم وليس هو من الباطن بل هو من الظاهر، فالاستدلال على
إيجاب المضمضة فى الغسل من الجنابة بقوله صلى الله عليه وسلم: وأنقوا البشر صحيح
(حديثه منكر) إعلم أن المفكر ينقسم إلى قسمين: الأول - ما انفرد به المستور
أو الموصوف بسوء الحفظ أو الضعف فى بعض مشائخه خاصة أو نحوهم ثمن لا يحكم
لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بما لا متابع له ولا شاهد، وعلى هذا القسم يوجد
إطلاق المنكر لكثير من المحدثين كأحمد والنسائى وإن خولف مع ذلك فهو القسم
الثانى من المفكر وهو المعتمد على رأى أكثر المحدثين . ومراد المؤلف بقوله
حديثه منكر هو القسم الأول (وهو) الحارث (ضعيف) وكذا ضعفه آخرون . قال
المنذرى وأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى: حديث الحارث بن وجيه
حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك. وذكر الدارقطنى
أنه غريب من حديث محمد بن سيرين عن أبى هريرة تفرد به مالك بن دينار
وعنه الحارث بن وجيه . وذكر الترمذى أيضاً أن الحارث تفرد به عن مالك
ابن دينار انتهى كلام المنذرى .
( من ترك موضع شعرة من جنابة ) متعلق بترك أى من عضو مجنب
( لم يغسلها ) الظاهر بالنظر إلى المعنى أن يكون الضمير لموضع أنته باعتبار -

٤٢٤ -
قال عَلِيٌّ: فَنْ ثَّ عَدَيْتُ رَأْسِ، فَنْ ثَمَّ عَدَيْتُ رَأْسِى، فَنْ ثَمَّ
عَدَيْتُ رَأْسِى . وكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ.
- المضاف إليه (فعل) بصيغة المجهول (بها) الباء السببية والضمير للتأنيث يرجع
إلى الشعرة أو موضعها ولفظ أحمد فعل الله به ( كذا وكذا من النار) كناية
عن العدد أى كذا وكذا عذاباً أو زماناً ( قال على رضى الله عنه فمن ثم ) أى فمن
أجل أن سمعت هذا التهديد ( عاديت رأسى ) أى فعلت بشعر رأسى فعل العدو
بالعدو يعنى قطعت شعر رأسى مخافة أن لا يصل الماء إلى جميع رأسى . وقوله
عاديت هو كناية عن دوام جز شعر الرأس وقطعه ( وكان ) على ( يجز شعره)
من الجز بالجيم وتشديد الزاء المعجمة هو قص الشعر والصوف . قال فى المصباح
جززت الصوف جزا قطعته من باب قتل . وقال بعضهم: الجز القطع فى الصوف
وغيره. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه فى إسناده عطاء بن السائب وقد وثقه
أبو داود السجستانى وأخرج له البخارى حديثاً مقروناً بأبى بشر. وقال يحيى بن
معين لا يحتج بحديثه وتكلم فيه غيره وقد كان تغير فى آخر عمره . وقال الإمام
أحمد من سمع منه قديماً فهو صحيح ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشىء ووافقه على
هذه التفرقة غير واحد . انتهى كلام المنذرى . واستدل بحديث على هذا جواز
حلق الرأس ولو دواماً ، ويدل على جواز حلق الرأس حديث ابن عمر أن النبى
صلى الله عليه وسلم رأى صبياً حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهى عن ذلك
وقال احلقوا كله أو اتركوا كله. أخرجه مسلم والمؤلف ويجىء بحث ذلك
فى كتاب الترجل إن شاء الله تعالى .

-٤٢٥ س.
٩٩- باب الوضوء بعد الغسل
٢٤٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُمَّدٍ النُّغَيْلِىُّ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ
عن اْأَسْوَدِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: (( كَانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَغْدَسِلُ
وَيُصَلِّى الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلاَةَ الْغَدَاةِ وَلاَ أُرَاهُ يُحْدِثُ وُضُوءًا بَعْدَ الْعُسْلِ».
(باب الوضوء بعد الغسل)
( يغتسل) من الجنابة (ويصلى) بعد الغسل ( الركعتين) قبل الصبح (و)
يصلى ( صلاة الغداة ) أى الصبح ( ولا أراه) بالضم أى لا أظنه ( يحدث) من
الأحداث أى يجدد (وضوءاً بعد الغسل) اكتفاءً بوضوئه الأول قبل الغسل
كما فى أكثر الروايات أو باندراج ارتفاع الحدث الأصغر تحت ارتفاع الأكبر
بإيصال الماء إلى جميع أعضائه: قال الترمذى: هذا قول غير واحد من أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم والتابعين أن لا يتوضأ بعد الغسل .
قلت : لا شك فى أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ فى الغسل لا محالة ،
فالوضوء قبل إتمام الغسل سنة ثابتة عنه ، وأما الوضوء بعد الفراغ من الغسل
فلم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ولم يثبت . قال المنذرى: وأخرج الترمذى
والنسائى وابن ماجه عن عائشة قالت ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يتوضأ بعد الغسل)» وفى حديث ابن ماجه بعد الغسل من الجنابة حسن . قال
ابن سيد الناس فى شرح الترمذى: أنها تختلف نسخ الترمذى فى تصحيح حديث
عائشة المذكور. وأخرجه البيهقى بأسانيد جيدة . وفى الباب عن ابن عمر مرفوعاً
وعنه موقوفاً أنه قال لما سئل عن الوضوء بعد الغسل وأى وضوء أعم من الغسل
رواه ابن أبى شيبة. وروى ابن أبى شيبة أيضاً أنه قال لرجل قال له إنى
أتوضأ بعد الغسل فقال لقد تعمقت ، وكذلك كان يقول جابر بن عبد الله
والله تعالى أعلم .

- ٤٢٦ -
١٠٠ - باب المرأة تنقض شعرها عند الغسل
٢٤٨ - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَابنُ السَّرْحِ قالا أخبرنا سُفْيَانُ بنُ
عُيَيْنَةَ عن أَثُوبَ بنِ مُوسَى عن سَعِيدِ بنِ أبى سَعِيدٍ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ رَافِعٍ
مَوْلَى أُمّ سَلَمَةَ عنِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ((إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِينَ. وقال زُهَيْرٌ :
إِنَّهَ قَالَتْ: يارسولَ اللهِ إِى امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضُفْرَ رَأْسِى، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْجَنَابَةِ؟
( باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل )
أو يكفيها صب الماء على رأسها من غير نقض الضفائر.
( قالت إن امرأة من المسلمين) هذا اللفظ ابن السرح، فلم يصرح من هى
( وقال زهير) فى روايته ( إنها) أى أم سلمة فزهير صرح بأن السائلة هى أم سلمة
(أشد) بفتح الهمزة وضم الشين أى احكم (ضغر رأسى) قال النووى: هو بفتح
الضاد وإسكان الفاء . هذا هو المشهور المعروف فى رواية الحديث والمستفيض
عند المحدثين والفقهاء . وقال الإمام ابن أبزى : وقولهم فى حديث أم سلمة أشد
ضغر رأسى يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء وصوابه ضم الضاد والقاء جمع
ضفيرة كسفينة وسفن وهذا الذى أنكره ليس كمازعمه بل الصواب جواز
الأمرين ولكل واحد منهما معنى صحيح ، ولكن يترجح فتح الضاد والمعنى -
وقال الشيخ شمس الدين بن القيم :
حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة،
وهذا اتفاق من أهل العلم ، إلا ما يحكى عن عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعى أنهما
قالا تنقضه ، ولا يعلم لهما موافق. وقد أنكرت عائشة على عبد الله قوله، وقالت :
(يا عجباً لا بن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتلن أن ينقضن رؤوسهن، ولا يأمر هن
أن يحلقن رؤوسهن!؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء
واحد ما أزيد على أن أفرغ على رأسى ثلاث إفراغات )) رواه مسلم . وأما نقضه =

- ٤٢٧ -.
قال: إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْفَنِى عَلَيْهِ ثَلاَثًا. وقال زُهَيْرٌ: تَحْنِى عَلَيْهِ ثَلاَثَ
حَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ تُفِيضِى عَلَى سَأْرِ جَسَدِهِ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ )) .
- أنى إمرأة احكم فتل شعر رأسى (أن تحفنى) من الحفن وهو ملأ الكفين من
أى شىء كان أى تأخذى الحفنة من الماء ( عليه ثلاثاً) أى على رأسك كما فى
رواية الترمذى وهذا لفظ ابن السرح ( تحنى عليه) تمنى بكسر مثلثة وسكون
ياء أصله تحتوين كتضربين أو تنصرين حذف حرف العلة بعد نقل حركته أو
حذفه وحذف النون للنصب وهو بالواو والياء يقال: حثيت وحثوت لغتان
مشهورتان والحثية هى الحفنة وزناً ومعنى ( ثم تفيضى على سائر جسدك فإذا
أنت قد طهرت) قال الخطابي فيه دليل على أنه إذا انغمس فى الماء أو جلل به -
= فى غسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه. قال مهنا: سألت أحمد عن
المرأة تنقض شعرها من الحيض ؟ قال: نعم. قلت له : كيف تنقضه من الحيض
ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال : حدثت أسماء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال
((تنقضه)). فاختلف أصحابه فى نصه هذا. حملته طائفة منهم على الاستحباب ،
وهو قول الشافعى ومالك وأبى حنيفة ، وأجرته طائفة على ظاهره ، وهو قول
الحسن وطاوس. وهو الصحيح، لما احتج به أحمد من حديث عائشة ((أن أسماء
سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها
وسدرها فتطهر ، فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى
تبلغ شؤون رأسها - الحديث)) رواه مسلم. وهذا دليل على أنه لا يكتفى فيه بمجرد
إفاضة الماء كغسل الجنابة ، ولا سيما فإن فى الحديث نفسه ((وسألته عن غسل الجنابة.
فقال : تأخذ ماء فتطهر به فتحسن الطهور ، أو تبلغ الطهور ، ثم تصب على رأسها
فتدالسكه حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تفيض عليها الماء ) ففرق بين غسل الحيض
وغسل الجنابة فى هذا الحديث . وجعل غسل الحيض آكد. ولهذا أمر فيه بالسدر
المتضمن لنقضه . وفى وجوب السدر قولان ، هما وجهان لأصحاب أحمد . وفى حديث
عائشة رضى الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إذا كانت حائضاً : =

-٤٢٨-
٢٤٩ - حدثنا أَحَدُ بنُ عَمْرِوِ بنِ السَّرْحِ حَدَّثَنَى ابْنُ نَفِعٍ - يَعْنى
الصَّائِغَ عن أُسَمَةَ عن المَغْبُرِيِّ عن أُمِّ سَلَمَةَ قَلَتْ: ((إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى
- بدنه من غير ذلك باليد وإمرار بها عليه فقد أجزأه، وهو قول عامة الفقهاء
إلا مالك بن أنس فإنه قال فى الوضوء إذا غمس يده أو رجله لم يجزه وإن نوى
الطهارة حتى يمر يديه على رجليه بدلك بينهما انتهى. ويجى ءبيانه مبسوطً فى آخر
الباب . قال فى سبل السلام: والحديث دليل على أنه لا يجب نقض الشعر على
المرأة فى غسلها من جنابة أو حيض، وأنه لا يشترط وصول الماء إلى أصوله ،
وهى مسألة خلاف ، فعند البعض لا يجب النقض فى غسل الجنابة ويجب
فى الحيض والنفاس لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ((انقضى شعرك واغتسلى)
وأجيب بأنه معارض بهذا الحديث ويجمع بينهما بأن الأمر بالنقض الندب أو -
= خذى ماءك وسدرك وامتشطى)) والبخارى: ((انقضى رأسك وامتشطى))
وقد روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن عروة عن عائشة ((أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال لها ، وكانت حائضاً: انقضى شعرك واغتسلى)) والأصل نقض الشعر
لتيقن وصول الماء إلى ماتحته ، إلا أنه عفى عنه فى غسل الجنابة لتكرره ووقوع المشقة
الشديدة فى نقضه، بخلاف غسل الحيض ، فإنه فى الشهر أو الأشهر مرة ، ولهذا أمر
فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها فى غسل الجنابة : أخذ السدر، والفرصة الممسكة، ونقض
الشعر . ولا يلزم من كون السدر والمسك مستحباً أن يكون النقض كذلك ، فإن
الأمر به لا معارض له ، فبأى شىء يدفع وجوبه ؟ فإن قيل : يدفع وجوبه بما رواه
مسلم فى صحيحه من حديث أم سلمة قالت: (( قلت يارسول الله، إنى امرأة أشد صفر
رأسى، أفأ نقضه للحيضة والجنابة؟ قال: لا ، إنما يكفيك أن تحتى على رأسك ثلاث
حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين)) وفى الصحيح عن عائشة قالت: ((كنت
أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، وما أزيد على أن أفرغ
على رأسى ثلاث إفراغات)) وفى حديث أبى داود ((أن امرأة جاءت إلى أم سلمة
فسألت لها النبى صلى الله عليه وسلم عن الغسل وقال فيه: واغمزى قرونك عند كل =

- ٤٢٩-
أُمّ سَلَمَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَتْ: فَأَلْتُ لَهَا النَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
- يجاب بأن شعر أم سلمة كان خفيفاً فعلم صلى الله عيه وسلم أنه يصل الماء إلى
أصوله . وقيل : يجب النقض إن لم يصل الماء إلى أصول الشعر وإن وصل لخفة
الشعر لم يجب نقضه أو بأنه إن كان مشدوداً نقض وإلا لم يجب نقضه لأنه يبلغ
الماء أصوله . وأما حديث: بلوا الشعر وانقوا البشر. فلا يقوى على معارضة حديث
أم سلمة . وأما فعله صلى الله عليه وسلم وإدخال أصابعه كما سلف فى غسل
الجنابة ، ففعله لا يدل على الوجوب ثم هو فى حق الرجال وحديث أم سلمة فى
حق النساء . هكذا حاصل ما فى الشرح المغربى إلا أنه لا يخفى أن حديث عائشة
كان فى الحج فإنها أحرمت بعمرة ثم حاضت قبل دخول مكة ، فأمرها صلى
الله عليه وسلم أن تنقض رأسها وتمشط وتغتسل وتهل بالحج وهى حينئذ لم تطهر -
= حفنة)) وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عمرو أمر النساء بنقضهن رؤوسهن
دليل على أنه ليس بواجب . قيل: لا حجة فى شىء من هذا . أما حديث سلمة
فالصحيح فيه الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض ، وليست لفظة الحيضة فيه
محفوظة ، فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبى شيبة . وإسحاق بن راهويه وعمرو
الناقد وابن أبى عمر ، كلهم عن ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبى سعيد
عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت: (( قلت : يا رسول الله، إنى امرأة أشد
صفر رأسى، فأنقضه لبل الجنابة؟ فقال: لا)) ذكره مسلم عنهم . وكذلك رواه
عمرو الناقد عن یزید بن هرون عن الثوری عن أيوب بن موسى ، وراه عبد بن
حميد عن عبد الرزاق عن الثورى عن أيوب ، وقال: (( أفأ نقضه للحيضة والجنابة؟))
قال مسلم : وحدثنيه أحمد الدارمى أخبرنا زكريا بن عدى أخبرنا يزيد يعنى ابن زريع
عن روح بن القاسم، قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال: ((أفأحله وأغسله من
الجنابة؟)) ولم يذكر الحيضة. فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب،
فاقتصر على الجنابة . واختلف فيه عن الثورى : فقال يزيد بن هرون عنه كما قال
ابن عيينة وروح وقال عبد الرزاق عنه: ((أفأ نقضه للحيضة والجنابه؟)) ورواية =

- ٤٣٠ -
بَعْنَاهُ. قال فيه: وَاعْمِزِى قُرُونَكِ عِنْدَ كلِّ حَفَْةٍ))
- من حيضها فليس إلا غسل تنظيف لا حيض ، فلا يعارض حديث أم سلمة
أصلا ، فلا حاجة إلى هذه التأويلاب التى فى غاية الركا كة ، فإن خفة شعرهذه
دون هذه يفتقر إلى دليل ، والقول بأن هذا مشدود وهذا بخلافه والعبارة عنهما
من الراوى بلفظ النقض دعوى بغير دليل. انتهى كلام صاحب السبل . قلت :
مداومة النبى صلى الله عليه وسلم على فعل وزجره على تاركه يفيد الوجوب ،
فالصحيح أنه فى حق الرجال دون النساء ، والله تعالى أعلم . قال المنذرى :
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه .
(بمعناه) أى ذكر الراوى بمعنى الحديث الأول ، وزاد فيه هذه الجملة : -
= الجماعة أولى بالصواب ، فلو أن الثورى لم يختلف عليه لترجحت رواية ابن عيينة
وروح ، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هرون مثل رواية الجماعة ، ومن أعطى
النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة فى الحديث . وأما حديث عائشة :
((أنها كانت تفرغ على رأسها ثلاث إفراغات)) فإنما ذلك فى غسل الجنابة، كما يدل
عليه سياق حديثها ، فإنها وصفت غسلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما
كانت تغتسل معه من الجنابة التى يشتركان فيها، لا من الحيض ، فإن رسول اللهصلىالله
عليه وسلم لم يكن يغتسل معها من الحيض . وهذا بين . وأما حديث أم سلمة الذى
ذكره أبو داود - وفيه ((واغمزى قرونك)) فإنما هو فى غسل الجنابة. وعنه وقع
السؤال كما هو مصرح به فى الحديث . فإن قيل : حديث عائشة الذى استدللتم به
ليس فيه أمرها بالغسل، إنما أمرها بالامتشاط ، ولو سلمنا أنه أمرها بالغل فذاك
غسل الإحرام لا غسل الحيض ، والمقصود منه التنظف وإزالة الوسخ ، ولهذا تؤمر
به الحائض حال حدثها. ولو سلمنا أنه أمر الحائض بالنقض وجب حمله على الاستحباب
جمعاً بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح * فالجواب :
أما قولك ليس فيه أمر بالغسل ففاسد، فإنه قال: ((خذى ماءك وسدرك)) وهذا
صريح فى الغسل، وقوله: ((انقضى رأسك وامتشطى )) أمر لها فى غسلها بنقض =

- ٤٣١-
٢٥٠ - حدثنا عُثْانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا يَحْتِى بنُ أَبِى بُكَيْرِ أخبرنا
إبْرَاهِيمُ بنُ نَفِع عن الْسَنِ بنِ مُسْلٍ عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةً عن عَائِشَةَ
قَالَتْ: ((كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَتْاَ جَنَابَةٌ أَخَذَتْ ثَلاَثَ حَفَنَاتٍ هَكَذَا
- تَعْنِى بِكَفِيْهاَ جَمِيعاً - فَتَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، وَأَخَذَتْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَصَبَّتْهَاَ عَى
هَذَا الشِّقِّ وَالْأُخْرَى عَى الشِّقِّ الْآخَرِ)).
- (واغمزى قرونك عند كل حفنة) قال فى النهاية: الغمز العصر والكبس باليد
أى اكبسى واعصرى ضفائر شعرك عند كل حفنة من الماء . وقال أبو بكر بن
العربى فى شرح الترمذى: الغمز هو التحريك بشدة . والقرون واحدها قرن :
وهو شىء مجموع من الشعر من قولك : قرنت الشىء بغيره أى جمعته معه،
ويحتمل أن يكون ذلك الحمل من الشعر؛ إذا جمعت وفتلت جاءت على هيأة
القرون فسميت بها . انتهى . قال ابن تيمية : فيه دليل على وجوب بل داخل
الشعر المسترسل .
(كانت إحدانا) أى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ( تعنى) أى عائشة
بقولها هكذا ( بكفيها جميعاً) وهذا تفسير من أحد الرواة (وأخذت) أى إحدانا
الماء ( بيد واحدة فصبتها) أى اليد الممتلئة من الماء (على هذا الشق) الأيمن من
الرأس ( والأخرى) أى اليد الأخرى (على الشق الآخر) وهو الأيسر. وفى -
= رأسها لا أمر بمجرد النقض والامتشاط. وأماقولكم: إنه كان فى غسل الاحرام
فصحيح، وقد بينا أن غسل الحيض آكد الأغسال وأمر فيه النبى صلى الله عليه وسلم
بما لم يأمر به فى سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه ، فأمرها بنقضه ، وهو غير رافع
الحدث الحيض ، تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعاً لحدثه بطريق الأولى . وأما
قولك: إنه يحمل على الاستحباب جمعاً بين الحديثين فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك
الزيادة التى تنفى النقض للحيض ، وقد تبين أنها غير ثابتة ، وأنها ليست محفوظة =

- ٤٣٢ -
٢٥١ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِىِّ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ عن عَمَرِ بنِ
سُؤَيْدٍ عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنَّ نَفْتَسِلُ وَعَلَيْنَاَ الضَّادُ
وَنَحْنُ مَعَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ مُحِلاَّتٌٍ وَمُحْرِ مَاتٍ())
- هذا الحديث أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقضن ضفائر رؤوسهن
عند الاغتسال من الجنابة . قال المنذرى : وأخرجه البخارى بنحوه .
( كنا تغتسل وعلينا الضماد) بكسر الضاد المعجمة وآخره الدال المهملة .
قال الجوهرى: ضمد فلان رأسه تضميداً أى شده بعصابة أو ثوب ما خلا العمامة
وقال فى النهاية أصله الشد يقال ضمد رأسه وجرحه إذا شده بالضماد وهى خرقة
يشد بها العضو المؤف ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشد .
انتهى . والمراد بالضماد فى هذا الحديث ما يلطخ به الشعر مما يلبده ويسكنه من
طيب وغيره لا الخرقة التى يشد بها العضو الماؤف، والمعنى كنا نلطخ ضفائر
رؤوسنا بالصمغ والطيب والخطمى وغير ذلك ثم نغتسل بعد ذلك ويكون مانلطخ
ونضمد به من الطيب وغيره باقياً على حاله لعدم نقض الضفائر ويحتمل أن يكون
المعنى: كنا نغسل ونكتفى بالماء الذى نغسل به الخطمى ولا نستعمل بعده ماءاً
آخر أى نكتفى بالماء الذى نغسل به الخطمى ونتوى به غسل الجنابة ولا نستعمل
بعده ماءاً نخص به الغسل . قاله الحافظ ابن الأثير فى جامع الأصول . ويؤيده
حديث عائشة الآتى من طريق قيس بن وهب من رجل من بنى سواءة عنها ،
والله تعالى أعلم ( ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محلات ومحرمات )
من الإحلال والإحرام وهما فى موضع النصب على الحال من قولها : نحن مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فى محل الرفع على أنها خبر لقولها نحن . والمعنى
كنا نفعل ذلك المذكور فى الحل وعند الإحرام. قال المنذرى: إسناده حسن .-

- ٤٣٣ -
٢٥٢ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عَوْفٍ قال قَرَأْتُ فى أَصْلِ إِشْمَاعِيلَ بنِ عَيَأْشٍ
قال ابنُ عَوْفٍ وأخبرنا ◌ُمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عن أَبِيهِ حَدَّثَى ضَمْضَهُ بنُ زُرْعَةَ
عن شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ قال: أَفْتَنِى جُبَيْرُ بنُ نُغَيْرٍ عن الْفُسْلِ مِنَ الْجَبَةِ أَنَّ
تَوْبَانَ حَدََّهُمْ أَنَّهُمْ اسْتَفْتَوْا النَِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أَمَّا
الرَّجُلُ فَلْيَنْثُرْ [فَلْيَنْشُرْ] رَأْسَهُ فَلْيَفْسِلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الشَّعْرِ، وَأَمَّا
- ( قال قرأت فى أصل إسماعيل بن عياش) أى فى كتابه. وإسماعيل بن
عياش وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخارى وابن عدى فى أهل الشام وضعفوه
فى الحجازيين ( وأخبرنا محمد بن إسماعيل عن أبيه) إسماعيل بن عياش قال فى
التقريب: إنما عابوا عليه أى محمد بن إسماعيل بن عياش أنه حدث عن أبيه
بغير سماع . والحاصل أن ابن عوف روى هذا الحديث أولا عن صحيفة إسماعيل
ابن عياش بغير سماع وأجازه منه ثم رواه عن ابنه محمد بن إسماعيل بن عياش
عن أبيه إسماعيل ، وعلى كل حال فالحديث ليس بمتصل الإسناد لأن ابن عوف
ومحمد بن إسماعيل كلاهما لم يسمع من إسماعيل بن عياش (حدثهم) أى- جميراً- [جبير]
وغيره ممن يروى عن ثوبان (عن ذلك) أى عن صفة غسل الجنابة (أما الرجل
فلينشر رأسه) بالشين المعجمة من النشر هكذا فى عامة النسخ أى ليفرق يقال:
جاء القوم نشراً أى منتشرين متفرقين (حتى يبلغ ) الماء ( أصول الشعر) ولا
يحصل بلوغ الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض إن كان صغيراً وإن لم يكن ضغيراً -
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن
زرعة عن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير عن ثوبان . وهذا إسناد شامى ، وأكثر
أيمة الحديث يقول : حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح ، ونص عليه
أحمد بن حنبل رضى الله عنه.
(٢٨ - عون المعبود ١)

- ٤٣٤ -
الَرْأَّهُ فَلاَ عَلَيْهَا أَنْ لا تَنْقُضَهُ لِتَغْرِفَ عَلَى رَأْسِهَا ثَلاَثَ غَرَفَاتٍ بِكَفَيْهاَ )).
- فبانتشار وتفرقة للشعر وهذا الحكم للرجال (وأما المرأة فلاعليها أن لا تنقضه)
لا نافية أى لاضرر على المرأة فى ترك نقض شعرها. وقيل زائدة فالمعنى لاواجب
على المرأة أن تنقض شعرها ( لتغرف ) أمر المؤنث الغائب وهذه جملة مستأنفة
( على رأسها ثلاث غرفات ) جمع غرفة بفتح الغين مصدر للمرة من غرف إذا
أخذ الماء بالكف قاله الطيبى . وفى بعض الشروح غرفة بفتح الغين مصدر ويضم
الفين المغروف أى ملأ الكف وغرف بالضم جمع غرفة بالضم . قال المنذرى:
فى إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه وفيهما مقال. انتهى. قال ابن القيم
هذا الحديث رواه أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش وهذا إسناد شامى
وحديثه عن الشاميين صحيح . انتهى .
واعلم أنه اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فى نقض المرأة ضفر رأسها على
أربعة أقوال :
الأول : لا يجب النقض فى غسل الحيض والجنابة كليهما إذا وصل الماء
إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه، حتى يبلغ الماء إلى داخل الشعر المسترسل ، وإلى
أصول الشعر والى جلد الرأس ، وهذا مذهب الجمهور واستدلالهم بحديث على
من ترك موضع شعرة من جنابة الحديث ، وبحديث أم سلمة من طريق أسامة
ابن زيد عن القبرى عنها ، وفيه : واغمزى قرونك عند كل حفنة . والغمز هو
التحريك بشدة ، وبحديث عائشة فى صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخرجه الأئمة الستة إلا ابن ماجه ، وفيه يدخل يديه فى الإناء فيخلل شعره حتى
إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة، ولمسلم : ثم يأخذ الماء فيدخل
أصابعه فى أصول الشعر. والترمذى والنسائى ثم يشربه الماء، وبحديث عائشة
أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض وفيه : فتذلك حتى -

- ٤٣٥ -
- تبلغ شؤون رأسها أخرجه مسلم والمؤلف، وبغير ذلك من الأحاديث التى
تدل بظاهرها على دعواهم.
الثانى: أنها تنقصه بكل حال وهو قول إبراهيم النخعى. قال ابن العربى:
ووجه قوله وجوب عموم الغسل ولم ير ما ورد من النبى صلى الله عليه وسلم من
الرخصة ولو رآه ما تعداه إن شاء الله تعالى .
الثالث : وجوب النقض فى الحيض دون الجنابة وهو قول الحسن
وطاوس وأحمد بن حنبل ، واحتجاجهم بحديث أنس قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( إذا اغتسلت المرأة من حيضتها نقضت شعرها نقضاً وغسلته
بخطى وأشنان، فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء وعصرته))
أخرجه الدارقطنى فى الأفراد والبيهقى فى سننه الكبرى والطبرانى فى
معجمه الكبير.
قلت : قال فى السيل الجرار فى إسناده مسلم بن صبيح اليحمدى وهو مجهول
وهو غير أبى الضحى مسلم بن صبيح المعروف فإنه أخرجه الجماعة كلهم. وأيضاً
إقرانه بالغسل الخطمى وأشنان يدل على عدم الوجوب ، فإنه لم يقل أحد بوجوب
الخطمى ولا الأشنان انتهى، وبحديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها
وكانت حائضًاً: انقضى شعرك واغتسلى. رواه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه،
وفى رواية البخارى: فزعمت أنها حاضت ولم تظهر حتى دخلت ليلة عرفة فقالت
يا رسول الله هذه ليل يوم عرفة وإنما كنت تمتعت بعمرة فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم: انقضى رأسك وامتشطى وأمسكى عن عمرتك . الحديث .
قلت : أجيب بأن الخبر ورد فى مندوبات الإحرام والغسل فى تلك الحال
للتنظيف لا للصلاة والنزاع فى غسل الصلاة ذكره الشوكانى فى نيل الأوطار .
وقال فى السيل الجرار: واختصاص هذا بالحج لا يقتضى ثبوته فى غيره ولاسيما -

- ٤٣٦ -
- وللحج مدخلة فى مزيد التصييف ثم اقترانه بالامتشاط الذى لم يوجبه أحد
يدل على عدم وجوبه انتهى .
الرابع : لا يجب النقض على النساء وإن لم يصل الماء إلى داخل بعض شعرها
المضفور ويجب على الرجال إذا لم يصل الماء إلى جميع شعره ظاهره وباطنه من
غير نقض، وهذا المذهب الرابع هو القوى من حيث الرواية والدراية فإنك تعلم
أن النصوص الصحيحة قد دلت وقام الإجماع على أن عموم الغسل يجب فى جميع
الأجزاء من شعر وبشر حتى لا يتم الغسل إن بقى موضع يسير غير مغسول ،
وهذا الحكم بعمومه يشمل الرجال والنساء لأن النساء شقائق الرجال ، لكن
رخص الشارع للنساء فى ترك نقض ضفر رؤوسهن ، يدل عليه حديث أم سلمة
أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إنى إمرأة أشد ضفر
رأسى أفانقضه؟ قال لا ) إنما يكفيك أن تحنى عليه ثلاث حفنات . وكذا قول
عائشة : عجباً لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسان أن ينقضن رؤوسهن
أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن الحديث، وكذا حديث ثوبان المتقدم . وإنما
رخص النبى صلى الله عليه وسلم النساء لترداد حاجتهن وأجل مشقتهن فى نقض
شعورهن المضفورة ، فحكم الرجال فى ذلك مغاير للنساء فإذا لا يبل الرجال جميع
شعورهم ظاهرها وباطنها لا يتم غسلهم بخلاف النساء فإنهن إذا صببن على
رؤوسهن ثلاث حثيات ثم غسلهن وإن لم يصل الماء إلى داخل بعض شعورهن
المضفورة . وأما الضفر للرجال فكان أقل القليل ونادراً فى عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة فلذا مادعت حاجتهم لسؤاله إلى النبى صلى الله
عليه وسلم وما اضطروا لاظهار مشقتهم لديه فلم يرخص لهم فى ذلك وبقى لهم
حكم تعميم غسل الرأس على وجوبه الأصلى. وأما الجواب عن حديث عائشة
أن أسماء بنت شكل سألت النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فتدلكه دلكا
شديداً حتى يبلغ الماء أصول شعرها فمن وجهين: الأول-أن هذا الحديث أخرجه -

-٤٣٧ -
١٠١ - باب فى الجنب يغسل رأسه بالخطعى
٢٥٣ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ زِيَادٍ أخبرنا شَرِيِكٌ عن قَيْسِ بنِ
وَهْبٍ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِى سُوَاءَةَ بنِ عَامِرٍ عن عَائِشَةَ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم)) أَنَّهُ كَنَ يَغْسِلُ رَأْسَهُبِالْخِطْعِىِّ وَهُوَ جُنُبٌ، يَجَْزِى بِذَلِكَ، وَلَ يَصُبُّ"
عَلَيْهِ الْمَاءَ)).
- الشيخان من طريق منصور بن صفية عن أمه عن عائشة ولم يذكر منصور هذه
الجملة وإنما أتى بها إبراهيم بن المهاجر وهو ليس بقوى، وأخرجه مسلم فى المتابعات .
والثانى - أنه يحمل حديث أم سلمة على الرخصة وحديث أسماء بنت شكل على
العزيمة ، فلا منافاة والله تعالى أعلم . والبسط فى غاية المقصود .
( باب فى الجنب يغسل رأسه بالخطمى )
هو بكسر الخاء المعجمة الذى يغسل به الرأس كذا الجوهرى . وقال
الأزهرى هو بفتح الخاء ومن قال خطى بالكسر فقد لحن قاله ابن رسلان .
وقال الطيبى هو بكسر خاء نبت يغسل به الرأس ( عن رجل من بنى سواءة)
بضم السين على وزن خرافة ( كان يغسل رأسه بالخطعى وهو جنب) أى فى حال
الجنابة ( يحتزى بذلك ) قال ابن رسلان أى أنه كان يكتفى بالماء المخلوط به
الخطى الذى يغسل به وينوى به غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماءاً آخر صاف
يخص به الغسل، وهذا فيما إذا وضع السدر أو الخطمى على الرأس وغسله به فإنه
يجزى ذلك ولا يحتاج إلى أن يصب عليه الماء ثانياً مجرداً للغسل. وإنما إذا طرح
السدر فى الماء ثم غسل به رأسه فإنه لا يجزيه ذلك بل لا بد من الماء القراح بعده
فليتنبه لذلك لئلا يلتبس . ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم غسل رأسه بالماء
الصافى قبل أن يغسله بالخطمى فارتفعت الجنابة عن رأسه ثم يغسل سائر الأعضاء -

- ٤٣٨ -
١٠٢ - باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء
٢٥٤ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ رَافِع أخبرنا يَحَْى بِنُ آدَمَ أخبرنا شَرِيِكٌ
عن قَيْسِ بنِ وَهْبٍ عن رَجُلٍ مِنْ بَنِى سُوَاءَةَ بنِ عَمِرٍ عن عَائِشَةَ فِيما يَفِيضُ
بَيْنَ الرَّجُلِ وَالَرْأَةٍ مِنَ الْمَاءِ قَالَتْ: ((كَانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
يَأْخُذُ كَفَّ مِنْ مَاءِ يَصُبُّ عَى الْمَاءِ ثُمَّ يَأْخُذُ كَفَّا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ يَعُبُّهُ عَلَيْهِ)).
ويحتمل أن الخطمى كان قليلا والماء لم يفحش تغيره انتهى كلام ابن رسلان
( ولا يصب عليه الماء ) قال ابن رسلان الضمير فى عليه عائد إلى الخطمى
ولم يتعرض لإفاضة الماء على جسده، ويحتمل أن يكون الضمير فى عليه عائداً إلى
رأسه أى يصب الماء الذى يزيل به الخطمى ولا يصب على رأسه الماء الآخر بعد
إزالته . قال المنذرى: رجل من بنى سواءة مجهول قيل يكتفى بالماء الذى يغسل به
الخطمى وينوى غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل انتهى.
( باب فيما يفيض )
بفتح أوله من باب ضرب أى يسيل .
(بين الرجل والمرأة من الماء) أى المنى أو المذى ( من الماء) قال ابن رسلان
يعنى أنه سأل عائشة رضى الله عنها عن الماء الذى ينزل بين الرجل والمرأة من
المذى والمنى ما حكمه ( يصب على الماء) الذى ينزل منه عند مباشرتها، ويروى
يصب على بتشديد الياء قاله ابن رسلان ( كفاً من ماء) يعنى الماء الباقى منه.
وفيه حجة لما ذهب إليه أحمد بن حنبل فى المذى أنه يكفى فى غسل رش كف
من ماء كذا فى شرح ابن رسلان .
وقال السيوطى فى مرقاة الصعود: قال الشيخ ولى الدين العراقى: الظاهر ...

١
- ٤٣٩-
١٠٣ - باب مؤاكلة الحائض ومجامعتها
٢٥٥ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَدٌ أخبرنا ثَابِتٌ الْمُنَانِىُّ
عَنْ أَنَسِ بِنِ مَلِكٍ قال: ((إِنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إذَا حَضَتْ مِنْهُم المَرْأَةُ
أَخْرَ جُوهَا مِنَ الْبَيْتِ وَلَمْ يُؤَا كِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِى الْبَيْتِ
فَسُئِلَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَلَى ذِكْرُهُ:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الَحِيضِ﴾ إِلَى
- أن معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حصل فى ثوبه أو بدنه منى
يأخذ كفاً من ماء فيصبه على المنى لإزالته عنه ، ثم بقية ماء فى الإناء فيصبه
عليه لإزالة الأثر وزيادة تنظيف المحل . فقولها : يأخذ كفاً من ماء تعنى الماء
المطلق ، يصب على الماء تعنى المنى، ثم يصبه تعنى بقية الماء الذى اغترف منه كفاً
عليه أى على المحل ، هذا ما ظهر لى فى هذا المقام فى معناه، ولم أر من تعرض
شرحه . هذا آخر كلام السيوطى . قال المنذرى: وفيه أيضاً رجل مجهول .
( باب مؤاكلة الحائض)
أى الأكل مع الحائض ( ومجامعتها ) أى مخالطتها فى البيت وقت الحيض
ماذا حكمها ( ولم يؤا كلوها ) أى لم يأكلوا معها ولم تأ كان معهم (ولم يجامعوها
فى البيت) أى لم يخالطوها ولم يساكنوها فى بيت واحد قاله النووى (عن ذلك)
أى فعل اليهود مع نسائهم من ترك المؤاكلة والمشاربة والمجالسة معها (عن
المحيض) أى الحيض أو مكانه ماذا يفعل بالنساء فيه ﴿قل هو أذى ) قذر أو
محله أى شىء يتأذى به أى برائحته ( فاعتزلوا النساء) أى اتركوا وطئهن (فى
المحيض) أى وقته أو مكانه، والمراد من هذا الاعتزال ترك المجامعة لا ترك -

- ٤٤٠ -
آخِرِ الْآيَةِ. فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: جَامِعُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ ،
وَاصْنَعُوا كَلَّ شَىْءٍ غَيْرَ الشِّكَحِ. فقالت الْيَهُودُ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ
يَعَ شَيًْ مِنْ أَمْرِنَا إِلَّ خَفَا فِهِ. فَجَاءَ أْسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وَعَبَدُ بنُ بِشْرٍ
إِلَى الشَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقال: يارسولَ الله إنَّ الْبَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا،
أَفَلاَ تَنْكِحَهُنَّ فِى لَحِيضِ؟ فَتَمَعَرَ وَجْهُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم حَّى
- المجالسة والملابسة (جامعوهن فى البيوت) أى خالطوهن فى البيوت بالمجالسة
والمضاجعة والمؤاكلة والمشاربة ( واصنعوا كل شىء ) من أنواع الاستمتاع
كالمباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو القبلة أو المعانقة أو اللمس
أو غير ذلك ( غير النكاح ) قال الطيبي: إن المراد بالفكاح الجماع إطلاق لا سم
السبب باسم المسبب، لأن عقد النكاح سبب للجماع انتهى . وقوله : اصنعوا كل
شىء هو تفسير الآية وبيان لاعتزلوا. فإن الاعتزال شامل المجانية عن المؤا كلة
والمصاحبة والمجامعة ، فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن المراد بالاعتزال ترك
الجماع فقط لا غير ذلك ( فقالت اليهود ما يريد هذا الرجل) يعنون به نبينا محمداً
صلى الله عليه وسلم (أن يدع) من ودع أى يترك (إلا خالفنا فيه) أى فى الأمر
الذى نفعله ( فجاء أسيد بن حضير) بلفظ التصغير (وعباد بن بشر) بكسر الباء
وسكون الشين وهما صحابيان مشهوران ( تقول كذا وكذا) فى ذكر مخالفتك
إياهم فى مؤا كلة الحائض ومشاربتها ومصاحبتها (أفلا ننكحهن فى المحيض )
أى أفلا نباشرهن بالوطء فى الفرج أيضاً، لكى تحصل المخالفة التامة معهم ،
والإستفهام إنكارى (فتمعر) كتغير وزنا ومعنى. قال الخطابي: معناه تغير،
والأصل فى التمعر : قلة النضارة وعدم إشراق اللون ومنه مكان معر وهو -