النص المفهرس

صفحات 381-400

- ٣٨١ -
٩ - باب فى الجنب يقرأ القرآن
٢٢٦ -- حدثنا خَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدثنا شُعْبَةُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن
- كان لايمس ماءاً للغسل (يقول هذا الحديث وهم يعنى حديث أبى إسحاق)
وقال الترمذى وقدروى عن أبى إسحاق هذا الحديث شعبة والثورى وغير
واحد ، ويرون أن هذا غلط من أبى إسحاق ، وقال شارحه الإمام أبو بكر
ابن العربى فى عارضة الأحوذى شرح الترمذى تفسير غلط أبى إسحاق هو أن
هذا الحديث رواه أبو إسحاق ههنا مختصراً اقتطعه من حديث طويل فأخطأ فى
اختصاره إياه.
( باب فى الجنب يقرأ القرآن )
أى هل يقرأ فثبت بحديث الباب عدم جوازها
= عن أبى إسحاق كرواية الثورى وغيره عن أبى إسحاق فى هذا المعنى وحديث زهير
أتم سياقه. وقد روى مسلم الحديث بكاله فى كتاب الصلاة، وقال فيه: ((وإن لم
يكن جنباً توضأ للصلاة) وأسقط منه وهم أبى إسحاق . وهو قوله : ثم ينام قبل أن
بمس ماء)) فأخطأ فيه بعض النقلة، فقال: ((وإن نام جنباً توضأ الصلاة)) فعمد
ابن حزم إلى هذا الخطأ الحادث على زهير فصححه ، وقد كان صحح خطأً أبى
إسحاق القديم فصحح خطأ ين متضادين ! وجمع بين غلطين متنافرين ! تم كلامه .
قال البيهقى : والحفاظ طعنوا فى هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود،
وأن أبا إسحاق ربما دلس ، فرواها من تدليساته ، بدليل رواية إبراهيم عن الأسود
وعبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا
أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ، ثم ينام)) رواه مسلم، قال: وحديث
أبى إسحاق صحيح من جهة الرواية ، فإن أبا إسحاق بين فيه سماعه من الأسود ،
والمدلس إذا بين سماعه وكان ثقة فلا وجه لرده. تم كلامه . والصواب ما قاله أمة
الحديث الكبار مثل يزيد بن هارون ومسلم والترمذى وغيرهم من أن هذه اللفظة
وهم وغلط . والله أعلم .
=
٣٠

- ٣٨٢ -
عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَمَةَ قال: ((دَخَلْتُ عَلَى عَلىَّ أَنَا وَرَجُلانِ، رَجُلٌ مِنَّا وَرَجُلٌ
مِنْ بَنِى أَسَدٍ أَحْسَبُ ؛ فَبَعَثَهُمَا عَلِىٌّ وَجْهَا وقال: إِنَّكُمَا عَلْجَنِ فَعَلِجَا عَنْ
دِينِكُمَاَ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ المَخْرَجَ، ثُمَّ خَرَجَ فَدَعَ بِمَاءِ، فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةٌ
فَتَمَسَّحَ بِهَ، ثُمَّ جَعَلَ بَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَنْكُرُ وا ذَلِكَ ، فقال: إِنَّ رسولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْلاَءِ فَيُقْرِ ثُنَ الْقُرْآنَ وَيَأْ كُلُ مَعَنَاً
اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ - أَوْ قَالِ يَحْجِزُهُ - عن الْقُرْآنِ شَىٌْ لَيْسَ الْجَنَبَةَ))
- ( دخلت على على) بن أبى طالب ( أنا ورجلان رجل منا ) أى من مواد
وهو أبو قبيلة من اليمن ( ورجل من بنى أسد) وأسد أبو قبيلة من مضر
(أحسب) أى أحسب كون رجل منا والآخر من بنى أسد ولا أتيقن به
(فبعثهما على وجهاً) الوجه والجهة بمعنى كذا فى الصحاح. وفى المصباح الوجه
ما يتوجه إليه الإنسان من عمل وغيره انتهى. والمعنى بعثهما عاملا أو لأمر آخر.
إلى جهة من المدن أو القرى ( وقال إنكما علجان) تثنية علج بفتح العين
وسكون اللام وكسر العين وسكون اللام وفتح العين وكسر اللام مثل ثلاث
لغات فى كتف. قال الخطابى يريد الشدة والقوة على العمل، يقال رجل علج
إذا كان قوى الحلقة. وفى النهاية العلاج القوى الضخم ( فعالجا عن دينكما ) قال
الخطابى أى جاهدا أو جالدا انتهى . وقال ابن الأثير أى مارسا العمل الذى
ندبتكما إليه واعملا به ( ثم قام) هذه الجملة فى نسخة واحدة وسائر النسخ خال
عنها ( فدخل المخرج) هو موضع قضاء الحاجة (فتمسح بها) أى بحفنة من الماء
أى غسل بها بعض أعضائه . ويشبه أن يكون العضو المغول هو اليدان ،
ويؤيده رواية الدارقطنى وفيها فغسل كفيه ( ثم جعل يقرأ القرآن ) من غير أن
يتوضأ (فأنكروا ذلك) الفعل عليه، فأجاب عن استعجالهم (فيقرئنا القرآن) -

-٣٨٣ -
- من الإقراء أى يعلمنا القرآن (ولم يكن يحجبه) أى لا يمنعه (أو قال يحجزه)
وهذا شك من أحد الرواة ، ومعناه أيضاً لا يمنع. ولعل ضم أكل اللحم مع
القراءة للاشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة (عن القرآن شىء)
فاعل يحجز ( ليس الجنابة ) بالنصب قال الخطابى معناه غير الجنابة ، وحرف
ليس لها ثلاثة معانى أحدها أن يكون بمعنى الفعل وهو يرفع الاسم وينصب
الخبر كقولك ليس عبد الله غافلا ، ويكون بمعنى لا كقولك رأيت عبد الله
ليس زيداً ينصب زيد كما ينصب بلا ، ويكون بمعنى غير كقولك ما رأيت
أكرم من عمرو ليس زيد وهو يجر ما بعده انتهى. قال المنذرى: وأخرجه
الترمذى والنسائى وابن ماجة مختصراً ، وقال الترمذى حديث حسن صحيح .
وذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن على إلا من حديث عمرو بن مرة عن
عبد الله بن سلمة. وحكى البخارى عن عمرو بن مرة كان عبد الله يعنى ابن سلمة
يحدثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر لا يتابع فى حديثه . وذكر الإمام الشافعى
رضى الله عنه هذا الحديث وقال لم يكن أهل الحديث يثبتونه . قال البيهقى
وإنما توقف الشافى فى ثبوت هذا الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة
الكوفى وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة ، وإنما روى
هذا الحديث بعد ما كبر. قاله شعبة هذا آخر كلامه. وذكر الخطابى أن الإمام
أحمد ابن حنبل رضى الله عنه كان يوهن حديث علىّ هذا ويضعف أمر عبد الله
ابن سامة . انتهى كلام المنذرى .
والحديث يدل على جواز القراءة للمحدث بالحدث الأصغر وهو مجمع عليه
لم تر فيه خلافاً، وعلى عدم الجواز للجنب، وقد وردت أحاديث فى تحريم قراءة
القرآن للجنب وفى كلها مقال ، لكن تحصل القوة بانضمام بعضها إلى بعض لأن
بعض الطرق ليس فيه شديد الضعف وهو يصلح أن يتمسك به. قال الخطانى : -

- ٣٨٤ -
- فى الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن وكذلك الحائض لا تقرأ لأن
حدثها أغلظ من حدث الجنابة . وقال مالك فى الجنب إنه لا يقرأ الآية ونحوها،
وقد حكى أنه قال تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب لأن الحائض إن لم تقرأ نسيت
القرآن لأن أيام الحيض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول . وروى عن ابن المسيب
وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأساً بقراءة الجنب القرآن وأكثر العلماء على
تحريمه انتهى .
وأما قراءة المحدث فى المصحف ومسه فلا يجوز إلا بطهارة لحديث روا.
الأثرم والدار قطنى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده
(( أن النبى صلى الله علية وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً وكان فيه لا يمس
القرآن إلا طاهر ، وأخرجه مالك فى الموطإ مرسلا عن عبد الله بن محمد بن عمر
بن حزم أن فى الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم
((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)) وأخرج الدار قطنى والحاكم والبيهقى فى الخلافيات
والطبرانى من حديث حكيم بن حزام قال: (( لما بعثنى رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى اليمين قال: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر)) وفى إسناده سويد أبو
حاتم وهو ضعيف. وذكر الطبرانى فى الأوسط أنه تفرد به، وحسن الحازمى
إسناده. وقد ضعف النووى وابن كثير فى إرشاده وابن حزم حديث حكيم بن
حزام وحديث عمرو بن حزم جميعاً. وفى الباب عن ابن عمر عند الدار قطنى
والطبرانى قال الحافظ إسناده لا بأس به لكن فيه سليمان الأشدق وهو مختلف
فيه رواه عن سالم عن أبيه ابن عمر. قال صاحب المنتقى وابن حجر: ذكر الأثرم
إن أحمد بن حنبل احتج بحديث ابن عمر وأخرج نحوه الطبرانى عن عثمان
ابن أبى العاص وفيه من لا يعرف . وأخرج ابن أبى داود فى المصاحف ، وفى
سنده انقطاع.

- ٣٨٥ -
٩٢ - باب فى الجنب يصافح
٢٢٧ - حدثنا مُعَدَّدٌ قال حدثنا يَحْتَى عن مِسْعَرٍ عَن وَاصِلٍ عن أَبِى
وَائِلِ عن حُذَيْفَةَ (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم لَقِيَهُ فَأَهْوَى إِلَيْهِ ، فقال:
- وفى الباب عن ثوبان أورده على بن عبد العزيز فى منتخب مسنده، وفى
سنده حصيب بن جحدر وهو متروك ، وروى الدارقطنى فى قصة إسلام عمر أن
أخته قالت له قبل أن يسلم: إنه رجس ولا يمسه إلا المطهرون ، وفى إسناده
مقال . وفيه عن سلمان موقوفاً أخرجه الدارقطنى والحاكم ، وكتاب عمرو بن
حزم تلقاه الناس بالقبول . قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقى الناس له
بالقبول . وقال يعقوب بن سفيان : لا أعلم كتاباً أصح من هذا الكتاب فإن
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم.
وقال الحاكم : قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهرى لهذا الكتاب بالصحة .
كذا فى التلخيص والنيل، وهذه كلها تدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن
كان طاهراً ، والمحدث بحدث أصغر أيضاً غير طاهر من وجه كما يدل عليه قوله
صلى الله عليه وسلم: ((فإنى أدخلتهما طاهرتين)) فعلى المحدث بالحدث الأصغر
أن لا يمس القرآن إلا بالوضوء . قال الشوكانى: وأما المحدث حدثاً أصغر
فذهب ابن عباس والشعبى والضحاك وزيد بن على وداود الظاهرى
إلى أنه يجوز له مس المصحف، وقال أكثر الفقهاء: لا يجوز. انتهى. والله
تعالى أعلم
( باب فى الجنب يصافح )
هل يجوز له .
( لقيه) أى حذيفة، زاد مسلم وهو جنب (فأهوى) قال فى المصباح
أهوى إلى الشىء بيده: مدها ليأخذه إذا كان عن قرب، وإن كان عن بعد -
(٢٥ - عون المعبود ١)

- ٣٨٦-
إِّى جُنُبٌ، فقال: إِنَّ المُسْلِمَ لَيْسَ بِنَجِسٍ)).
٢٢٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْتَى وَبِشْرٌ عن مُحَيْدٍ عن بَكْرٍ عن
أَبِ رَافِع عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال: (( لَقِيَنَى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى
- قيل هوى إليه بغير ألف . انتهى (إليه) أى مد رسول الله صلى الله عليه وسلم
يده إلى حذيفة ( فقال) حذيفة ( إنى جنب) ولفظ النسائى: (( كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا لقى الرجل من أصحابه ماسحه(١) ودعا له، قال: فرأيته
يوماً بكرة محمدت عنه ثم أتيته حين ارتفع النهار فقال إنى رأيتك حدت عنى ؟.
فقلت: إنى كنت جنباً خشيت أن تمسنى (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن المسلم ليس بنجس) فيه دليل على أن عرق الجنب طاهر لأن المسلم لا ينجس
وإذا كان لا ينجس فعرقه لا ينجس. وهذا الحديث أصل عظيم فى طهارة
المسلم حياً وميتاً ، فأما الحى فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين وكذلك الصبيان
أبدانهم وثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة فيجوز الصلاة فى ثيابهم
والأ كل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه ، ودلائل هذا كله من السنة
والإجماع مشهورة . وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وذكر البخارى فى صحيحه.
عن ابن عباس تعليقاً: (المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً)) انتهى. وتمسك بمفهوم
الحديث بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين وقواه بقوله تعالى :
﴿إنما المشركون نجس) وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر
الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة . وعن.
الآية بأن المراد أنهم نجس فى الاعتقاد والاستقذار. وحجتهم أن الله تعالى أباح
نكاح نساء أهل الكتاب ، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ، ومع
ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة . -
(١) من كذلك بالأصل ولعلها مازحه.

-٣٨٧-
طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ وَأَنَا جُبٌ فَاخْتَسْتُ فَذَهَبْتُ فَغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ،
فقال: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَ هُرَيْرَةَ؟ قال قُلْتُ: إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِ هْتُ أَنْ
أُجَلِسَكَ عَلَى غَيْرِ ◌َطَهَرَةٍ . قال: سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُسْلمَ لا يَنْجُسُ)) .
- فدل على أن الآدمى الحى ليس بنجس العين ، إذ لافرق بين النساء والرجال.
كذا فى فتح البارى . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه .
(فاختنست ) بالخاء المعجمة ثم المثناة الفوقانية ثم النون ثم السين المهملة
هكذا فى رواية سنن أبى داود كما صرح به الإمام ابن الأثير فى جامع الأصول
والعراقى فى شرح الكتاب ، والمعنى: تأخرت وتواريت (قال) النبى صلى الله
عليه وسلم ( سبحان الله) تعجب من اعتقاد أبى هريرة التنجس بالجنابه أى
كيف يخفى عليه هذا الظاهر ، وفى استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب ،
وإن لم يسأله. قاله الحافظ ( إن المسلم لا ينجس ) يقال بضم الجيم وفتحها لفتان
وفى ماضيه لغتان نجس ونجس يكسر الجيم وضمها فمن كسرها فى الماضى فتحها فى
المضارع ومن ضمها فى الماضى ضمها فى المضارع أيضاً . قاله النووى . ومعنى قوله:
لا ينجس أى بالحدث سواء كان أصغر أو أكبر، ويدل عليه المقام ، إذ المقام
مقام الحدث فلا يرد أنه يتنجس بالنجاسة ، وقد يقال : إن المراد نفسه لا يصير
نجساً ، لأنه إن صحبه شىء من النجاسة فنجاسته بسبب صحبته بذلك ، لا أن ذاته
صار نجساً ، فإذا زال ما كان معه من النجاسة، فالمؤمن على حاله من الطهارة ،
فصدق أن المؤمن لا ينجس أصلا ، والحاصل أن مقتضى ما فعله أبو هريرة أن
المؤمن يصير نجساً بحيث يحترز عن صحبته حالة الجنابة فرده صلى الله عليه وسلم
بأن المؤمن لا يصير كذلك أصلا ، وذلك لا ينافى أن المؤمن قد يحترز عنه
بالنظر إلى ما يصحبه من بعض الأنجاس لأنه أمر معلوم من خارج. قاله الفاضل
السندى فى حواشى الترمذي. قال الحافظ: والحديث فيه جواز تأخير الاغتسال -

- ٣٨٨ -
قال وفى حَدِيثِ بِشْرِ قال حدثنا ◌ُمَيْدٌ قال حَدَّثَنَى بَكْرُ" .
٩٣ - باب فى الجنب يدخل المسجد
٢٢٩ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ قال حدثنا أَفْلَتُ
ابنُ خَلِيفَةَ قال حَدَّثَنْنِى جَسْرَةُ بِذْتُ دِجَاجَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ:
جَاءَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَوَجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَ بِهِ شَارِعَةٌ فى المَسْجِدِ ،
- عن أول وقت وجوبه، وبوب عليه ابن حبان الرد على من زعم أن الجنب
إذا وقع فى البئر فنوى الاغتال أن ماء البئر ينجس . واستدل به البخارى على
طهارة عرق الجنب لأن بدنه لا ينجس بالجنابة فكذلك ما تحلب منه انتهى
(قال ) المؤلف ( حدثنا حميد قال حدثنى بكر) فروى بشر فى كلا الموضعين
بالتحديث ، وأما يحيى القطان فبالعنعنة. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
والترمذى والنسائى وابن ماجه، وفى لفظ البخارى والترمذى : فانللت ،
وفى لفظ للبخارى: فانخنست ، وفى لفظ: فانسللت. وفى لفظ مسلم والنسائى
وابن ماجه : فانسل . انتهى .
( باب فى الجنب يدخل المسجد )
وكذا الحائض هل يجوز لها (حدثتنى جسرة) بفتح الجيم وسكون السين
المهملة ( بنت دجاجة) قال ابن دقيق العيد فى الإمام : رأيت فى كتاب الوهم
والإيهام لابن القطان المقر وعليه دجاجة بكسر الدال وعليها صح وكتب الناسخ
فى الحاشية بكسر الدال انتهى . وقال مغلطاى، هى بكسر الدال لا غير قاله
الزمخشرى فى أمثاله (ووجوه بيوت أصحابه) صلى الله عليه وسلم. ووجه البيت -
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله :
وقال الدارقطنى: أفلت بن خليفة صالح. وقد روى ابن ماجه فى سننه من
حديث أبى الخطاب الهجرى عن محمدوج الذهلى عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة : -

- ٣٨٩ -
فقال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عن المَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم
وَلِمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئً رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بَعْد
- الحد الذى فيه الباب ، ولذا قيل لحد البيت الذى فيه الباب وجه الكعبة أى
كانت أبواب بيوت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (شارعة فى المسجد)
قال الجوهرى أشرعت باباً إلى الطريق أى فتحت ، وفى المصباح شرع الباب
إلى الطريق شروعاً اتصل به وشرعته أنا يستعمل لازماً ومتعدياً ويتعدى
بالألف أيضاً فيقال أشرعته إذا فتحته وأوصلته ، وطريق شارع يسلكه
الناس عامة . والمعنى أنه كانت أبواب بعض البيوت حول مسجده صلى الله
عليه وسلم مفتوحة يدخلون منها فى المسجد ويمرون فيه فأمروا أن يصرفوها
إلى جانب آخر من المسجد ( فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (وجهوا هذه
البيوت عن المسجد ) أى اصرفوا أبواب البيوت إلى جانب آخر من المسجد.
قال الخطابي: يقال وجهت الرجل إلى ناحية كذا . إذا جعلت وجهه إليها ،
ووجهته عنها إذا صرفته عنها إلى غيرها ( ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم)
فى المسجد أو فى بيوتهم ( ولم يصنع القوم شيئاً ) من تحويل أبواب بيوتهم إلى
جانب آخر ( رجاء أن ينزل فيهم) وفى بعض النسخ رجاءة أن تنزل لهم
( رخصة) من اللّه تعالى على ما كانوا عليه (خرج إليهم بعد) أى بعد ذلك
= (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بأعلى صوته ((ألا إن هذا المسجد لا يحل
لجنب ولا لحائض)). قال أبو محمد بن حزم: محدوج ساقط ، وأبو الخطاب مجهول.
ثم رواه من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن ابن أبى عتبة عن إسماعيل عن
جسرة عن أم سلمة عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((هذا المسجد حرام على كل جنب
من الرجال وحائض من النساء، إلا محمداً وأزواجه وعلياً وفاطمة)) قال ابن حزم:
عبد الوهاب بن عطاء منكر الحديث وإسماعيل مجهول: وليس الأمر كما قال أبو محمد =

- ٣٩٠-
فقال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عن المَسْجِدِ فإِنِّى لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِصٍِ وَلاَ جُنُبٍ))
- (فإنى لا أحل المسجد لحائض ولاجنب) والحديث استدل به على حرمة دخول
المسجد للجنب والحائض ، لكنه مأول على المكث طويلا كان أو قصيراً .
وأما عبورهما ومرورها من غير مكث فليس بمحرم إلا إذا خافت التلوث .
ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى ( يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأتم
سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا) روى
الحافظ ابن كثير فى تفسيره عن ابن أبى حاتم بسنده إلى ابن عباس فى قوله تعالى
(ولا جنباً إلا عابرى سبيل) قال لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابرى سبيل
قال تمر به مراً ولا تجلس . ثم قال وروى عن عبد الله بن مسعود وأنس
وأبى عبيدة وسعيد بن المسيب والضحاك وعطاء ومجاهد ومسروق وإبراهيم
النخعى وزيد بن أسلم وأبى مالك وعمرو بن دينار والحكم بن عتبة وعكرمة
والحسن البصرى ويحيى بن سعيد الأنصارى وابن شهاب وقتادة نحو ذلك.
قلت : والعبور إنما يكون فى محل الصلاة وهو المسجد لا فى الصلاة .
وتقييد جواز ذلك فى السفر لا دليل عليه بل الظاهر أن المراد مطلق المار
لأن المسافر ذكر بعد ذلك فيكون تكراراً يصان القرآن عن مثله. قال ابن كثير:
ومن الآية المذكورة احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث
فى المسجد ويجوز له المرور ، وكذا الحائض والنفساء فى معناه إلا أن بعضهم -
= فقد قال ابن معين فى رواية الدورى : إنه ثقة ، وقال فى رواية الدارمى وابن
أبى خيثمة : ليس به بأس . وقال فى رواية الغلابى: يكتب حديثه . وقال أحمد :
كان يحيى بن سعيد حسن الرأى فيه ، وكان يعرفه معرفة قديمة. وقال صالح بن محمد :
أنكروا على الخفاف حديثاً رواه لثور بن يزيد على مكحول عن كريب عن ابن عباس
فى فضل العباس، وما أنكروا عليه غيره، فكان يحمي يقول : هذا موضوع =

-٣٩١-
- قال يمنع مرورهما التلويث لاحتمال ، ومنهم من قال إن أمنت كل واحدة منهما
التلويث فى حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا . قال ابن رسلان فى شرحه قوله
صلى الله عليه وسلم ((فإِنى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) استدل به على
تحريم اللبث فى المسجد والعبور فيه سواء كان لحاجة أو لغيرها قائماً أو جالساً
أو متردداً على أى حال متوضئاً كان أو غيره لإطلاق هذا الحديث ، ويجوز عند
الشافعى ومالك العبور فى المسجد من غير لبث سواء كان لحاجة أم لا ، وحكاه
ابن المنذر عن سفيان الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه لا يجوز
العبور إلا أن لا يجد بداً منه فيتوضأ ثم يمر، وإن لم يجد الماء يتيمم . ومذهب
أحمد يباح العبور فى المسجد للحاجة من أخذ شىء أو تركه أو كون الطريق فيه
وأما غير ذلك فلا يجوز بحال انتهى كلامه :
قلت : القول المحقق فى هذا الباب هو جواز العبور والمرور كما تدل عليه
الأية المذكورة وحديث عائشة رضى الله عنها قالت قال لى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ((ناولينى الخمرة من المسجد فقلت إنى حائض فقال إن حيضتك
ليست فى يدك)) أخرجه الجماعة إلا البخارى، وحديث ميمونة قالت ((كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على إحدانا وهى حائض فيضع رأسه فى
حجرها فيقرأ القرآن وهى حائض ثم تقوم إحدانا بخمرة فتضعها فى المسجد وهى
حائض)) أخرجه أحمد والنسائى. وأما المكث والجلوس فى المسجد للجنب -
= وعبد الوهاب لم يقل فيه حدثنا ثور، ولعله دلس فيه وهو ثقة . وأما إسماعيل ،
فإن كان إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدى فإنه ذكر فى ترجمة ابن أبى عتبة أنه
روى عن إسماعيل هذا، ولم يذكر فى شيوخه إسماعيل غيره ، فهو ثقة ، وروی له
مسلم فى الصحيح . وبعد : فهذا الاستثناء باطل موضوع من زيادة بعض غلاة الشيعة،
ولم يخرجه ابن ماجه فى الحديث .

-٣٩٢-
قال أَبُو دَاوُدَ : هُوَ فُلَيْتُ الْعَامِرِىُّ .
٠٠
٩٤ - باب فى الجنب يصلى بالقوم وهم ناس
٢٣٠ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَمَّادٌ عن زِيَادِ الأعْسلَمِ عن
الْحْسَنِ من أَبِى بَكْرَةَ ((أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم دَخَلَ فى صَلَةِ
- فلا يجوز أيضاً عند مالك وأبى حنيفة. وذهب الإمام أحمد وإسحاق إلى أنه
متى توضأ الجنب جاز له المكث فى المسجد لما روى سعيد بن منصور في سننه
عن عطاء بن يسار قال ((رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
يجلسون فى المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة )) قال ابن كثير هذا
إسناد صحيح على شرط مسلم. قال المنذرى : وأخرجه البخارى فى التاريخ
الكبير وفيه زيادة ، وذكر بعده حديث عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله
عليه وسلم (( سدوا هذه الأبواب إلا باب أبى بكر)) ثم قال وهذا أصح. قال
الخطابى وضعفوا هذا الحديث وقالوا أفلت راويه مجهول لا يصح الاحتجاج
بحديثه، وفيما حكاه الخطابى رضى الله عنه أنه مجهول نظر فإنه أفلت بن خليفة
ويقال فليت بن خليفة العامرى ويقال الذهلى وكنيته أبو حسان حديثه فى
الكوفيين، روى عنه سفيان بن سعيد الثورى وعبد الواحد بن زياد. وقال
الإمام أحمد بن حنبل ما أرى به بأساً . وسئل عنه أبو حاتم الرازى فقال شيخ:
وحكى البخارى إنه سمع من جسرة بنت دجاجة. قال البخارى وعند جسرة
عجائب انتهى . كلام المنذرى ( قال أبو داود هو) أى أفلت يقال له
( فليت العامرى ) أيضا.
( باب فى الجنب يصلى بالقوم وهو )
أى الإمام الجنب ( ناس ) للجنابة فذكر أنه جنب فماذا يصنع

-٣٩٣ ١
الْفَجْرِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَى بِهِمْ » .
٢٣١ - حدثنا عُثَانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ قال حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ قال
أخبرنا ◌َّادُ بنُ سَلَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وقال فى أَوَّلِهِ ((فَكَبَّرَ ، وقال فى
آخِرِهِ : فَأَ قَضَى الصَّلاَةَ قال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِى كُنْتُ جُنُباً)).
قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّهْرِىُ عنْ أَبِى سَلَمَةَ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال :
فَأَ قَمَ فى مُصَلَّهُ وَانْتَظَرْنَهُ أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ ثُمَّ قَال: كما أَنْتُمْ)) . وَرَوَاهُ
، ثُوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَمٌ عن محمّدٍ [ ◌ُمَّدٍ يَعْنِى ابنَ سِبِينَ مُرْسَلاً] عن
النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((فَكَبََّ ثُمَّ أَوْمَأَ [أَوْمَأَ بِيَدِهِ] إلَى الْقَوْمِ
أَنِ اجْلِسُوا، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ)). وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ عِن إِسْمَاعِيلَ بنِ
أَبِى حَكِيمٍ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارِ قال: ((إِنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
كَبَّرَ فِى صَلاَةِ ».
- (فأومأ) بالهمزة أى أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، يقال
أومأت إليه أشرت ولا يقال أوميت وومأت إليه ( أن مكانكم) أن مفسترة
ومكانكم بالنصب أى امكثوا مكانكم وألزموه ( يقطر) بضم الطاء أى يسيل
بسبب الاغتسال .
( بإسناده) الأول من زياد إلى أبى بكرة الصحابى (ومعناه) أى بمعنى
الحديث الأول ( وقال) يزيد بن هارون (فى أوله) أى أول الحديث (فكبر)
أى دخل فى صلاة الفجر فكبر ( وإنى كنت جنباً ) فنسيت أن أغتسل كما فى
رواية الدارقطنى والبيهقى فى المعرفة ( وانتظرنا أن يكبر) وهذا مريح فى أنه
لم يكن كبر ( وكذلك) أى مرسلا وبزيادة لفظ كبر (رواه مالك) بن أنس
فى موطإه

- ٣٩٤-
قال أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدثنا أَبَانُ عن
يَحَْى عن الرَّبِيعِ بِنِ مُمَّدٍ عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم (( أَنَّهُ كَبَّرَ)).
٢٣٢ - حدثنا عَمْرُو بنُ عُثْمَنَ [عُثْمَنَ الْخِمْصِيِّ] قال حدثنا مُحمَّدُ بنُ
حَرْبٍ قال حدثنا الزُّبَيْدِىُّ ح. وحدثنا عَيَّاشُ بنُ الْأَزْرَقِ قال أخبرنا ابنُ
وَهْبٍ عن يُونُسَ ح. وحدثنا تَخْلَدُ بنُ خَالِ قال حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ خَالِ
إِمَمُ مَسْجِدٍ صَنْعَاءَ قال حدثنا رَبَاحٌ عن مَعْعَرٍ ح. وحدثنا مُؤَمَّلُ بنُ الْفَضْلِ
قال حدثنا الْوَلِدُ عن الْأَوْزَاعِيِّ كُلَّهُمْ عن الزُّهْرِىِّ عن أَبِى سَلَمَةَ عن أَبِى
هُرَيْرَةَ قال: (( أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلمٍ حَتَّى إِذَا قَمَ فِى مَقَامِهِ ذَ كَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، فقال لِلنَّاسِ
مَكَنَكُمُ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يُنَطُّفُ رَأْسَهُ قد اغْتَسَلَ
وَنَحْنُ صُفُوفٌ)) وَهَذَا لَفْظُ ابنُ حَرْبٍ، وقال عَيَّا شٌ فِى حَدِيثِهِ ((فَمْ نَزَلْ
- ( إمام مسجد صنعاء) بفتح الصاد وسكون النون وبالعين المهملة هى
صنعاء اليمن . وأذن إبراهيم بن خالد بمسجدها سبعين سنة ( مؤمل ) على وزن
محمد ( فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم) يحتمل أن يكون المعنى خرج فى
حال الإقامة . ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه ، وكان من شأن النبى
صلى الله عليه وسلم أن لا يكبر حتى تستوى الصفوف ، وكانت تسوية الصفوف
سنة معهودة عند الصحابة رضى الله عنهم ( فى مقامه ) بفتح الميم أى فى مصلاه
(ذكر) أى تذكر لا أنه قال لفظاً، وعلم الراوى بذلك من قرأن الحال ،
أو بإعلامه له بعد ذلك ( ينطف ) بكسر الطاء وضمها أى يقطر ( صفوف ) جمع
الصف ، يقال : صففت الشىء صفاً من باب قتل فهو مصفوف وصففت القوم -

-٣٩٥-
قِيَمَا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدَ اغْتَسَلَ )).
- فاصطفوا (فلم نزل قياماً ننتظره) وفى هذا رد على الرواية المرسلة التى فيها ثم
أومأ إلى القوم أن اجلسوا ، وسكت المؤلف عن ألفاظ بقية الرواة ، فاعلها
كانت نحو لفظ ابن حرب وعياش. قال المنذرى. وأخرجه البخارى ومسلم
والنسائى، وفى لفظ البخارى ((ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه))
وفى لفظ مسلم (( حتى خرج إلينا وقد اغتسل ينطف رأسه ماءاً فكبر فصلى
بنا)) انتهى كلام المنذرى .
واعلم أن فى حديث أبى هريرة هذا فوائد منها : أنه لا يجب على من احتلم
فى المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم ، وقد بوب البخارى إذا ذكر فى المسجد
أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيم وأورد فيه هذا الحديث. ومنها جواز الفصل
بين الإقامة والصلاة ، لأن قوله صلى بهم فى رواية الشيخين من طريق أبى هريرة
وفى رواية المؤلف من طريق أبى بكرة ظاهر أن الإقامة لم تعد ولم تجدد، والظاهر
أنه مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت وعن مالك رضى الله عنه: إذا بعدت
الإقامة من الإحرام تعاد ، وينبغى أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر . ومنها:
جواز انتظار المأمومين مجىء الإمام قياماً عند الضرورة وهو غير القيام المنهى
فى حديث ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترونى)).
ثم اعلم أن رواية أبى بكرة المتصلة وروايات محمد بن سيرين وعطاء بن يسار
والربيع بن محمد المرسلة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد ما دخل فى
الصلاة وكبر . وكذا رواية أبى هريرة التى أخرجها ابن ماجة من طريق محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان عن أبى هريرة ، والتى أخرجها البيهقى من طريق وكيع
عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد عن أبى ثوبان عن أبى هريرة تدل على
أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد التكبير والدخول فى الصلاة، وحديث -

-٣٩٦-
- أبى بكرة أخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والبيهقى فى المعرفة قال الحافظ وصححه
ابن حبان والبيهقى ، واختلف فى إرساله ووصله انتهى . وأما رواية أبى هريرة
التى أخرجها المؤلف والشيخان تدل بدلالة صريحة على أنه صلى الله عليه وسلم
انصرف بعد ما قام فى مصلاه وقبل أن يكبر، فرواية أبى هريرة هذه معارضة
للروايات المتقدمة . قال الحافظ فى فتح البارى: ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله
كبر ودخل فى الصلاة أنه قام فى مقامه للصلاة وتهيأ للاحرام بها وأراد أن يكبر
أو بأنهما واقعتان أبداه العياض والقرطبى احتمالا ، وقال النووى: إنه الأظهر
وجزم ابن حبان كعادته ، فإن ثبت وإلا فما فى الصحیح أصح انتهى .
واحتج بحديث أبى بكرة وما فى معناه مالك بن أنس وأصحابه وسفيان
الثورى والأوزاعى والشافعى على أنه لا إعادة على من صلى خلف من نسى
الجنابة وصلى ثم تذكر ، وإنما الإعادة على الإمام فقط ، وبه قال أحمد حكاه
الأثرم وإسحاق وأبو ثور وداود والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير .
وقال أبو حنيفة والشعبى وحماد بن أبى سليمان إنه يجب عليهم الإعادة أيضاً
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر فى الاستذكار شرح الموطإ.
وللطائفتين أحاديث وآثار فمن الأحاديث للطائفة الأولى حديث أبى هريرة
رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يصلون بكم فإن أصابوا
فلسكم وإن أخطأوا فلكم وعليهم)» أخرجه أحمد والبخارى. ومنها حديث
براء بن عازب عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أيما إمام سها فصلى بالقوم وهو
جنب فقد مضت صلاتهم وليغتسل هو ثم ليعد صلاته، وإن صلى بغير وضوء
فمثل ذلك)) والحديث ضعيف ، لأن جويبراً أحد رواته متروك والضحاك
الراوى عن البراء لم يلقه، ومن الآثار لهم ما أخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن
سعيد عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى -

- ٣٩٧ -
- أرضه بالجرف فوجد فى ثوبه احتلاماً فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق
فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته . وأخرجه الدار قطنى من طريق
آخر بلفظ : أن عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا .
وللطائفة الأخرى من الأحاديث حديث أبى هريرة مرفوعاً: ((الإمام
ضامن)) أخرجه أحمد وإسناده صحيح، وأخرجه أيضاً أحمد والطبرانى فى الكبير
عن أبى أمامة الباهلى قال الهيشمى رجاله موثقون ، وأخرجه البزار أيضاً ورجاله
موثقون أيضاً. قالوا: إن الإمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة المؤتم ، لأن
الإمام إنما جعل ليؤتم به ، والإمام ضامن لصلاة المقتدى ، فصلاة المقتدى
مشمولة فى صلاة الإمام ، وصلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم ، فصحة صلاة
المأموم بصحة صلاة الإمام وفسادها بفسادها ، فإذا صلى الإمام جنباً لم تصح
صلاته لفوات الشرط وهى متضمنة لصلاة المأموم فتفسد صلاته أيضاً ، فإذا علم
ذلك يلزم عليه الإعادة ، ويتفرع عليه أنه يلزم للامام إذا وقع ذلك أن يعلمهم
به ليعيدوا صلاتهم ، ولو لم يعلمهم لا إثم عليهم. والطائفة الأخرى آثار
كلها ضعاف ..
ومما يحتج به على الطائفة الأولى بأن الأظهر أن النبى صلى الله عليه وسلم
انصرف قبل أن يكبر كما صرح به مسلم فى الحديث ، فرواية أبى هريرة المروية
فى الصحيحين راجحة ، وروايات غير الصحيحين الدالة على أنه صلى الله عليه
وسلم انصرف بعد التكبير مرجوحة، إذلاشك فى أن الترجيح لأحاديث
الشيخين أو أحدهما عند التعارض .
قلت : وإذا عرفت هذا كله فاعلم أن حديث أبى بكرة الذى سححه ابن
حبان والبيهقى ، وحديث أنس الذى صححه الهيشمى يدل على عدم فساد صلاة
المأمومين بفساد صلاة الإمام لأنه صلى الله عليه وسلم دخل فى الصلاة وكبر الناس.

- ٣٩٨-
- ثم تذكر الجنابة وانصرف وبقى الناس قياماً منتظرين، فكان بعض صلاتهم
خلف النبى صلى الله عليه وسلم وهو جنب ، ومع هذا لم يأمرهم بإعادة تكبير
الإحرام مع أنه أعظم أجزاء الصلاة ، فثبت بهذا صحة صلاة المأمومين خلف
الإمام الجنب الناسى ، ويؤيده فعل عمر رضى الله عنه أيضاً كمامة ، ويؤيده
أيضاً فعل عثمان وعبد الله بن عمر أيضاً كما أخرجهما البيهقى .
وأما الترجيح لأحاديث الصحيحين أو أحدهما على غيرهما عند التعارض
فهو أمر محقق لا مرية فيه ، لكن ليس ههنا التعارض لأنهما واقعتان ، حدث
كل واحد منهم بما شاهد ، ولا حاجة إلى تأويل أن كبر فى معنى قارب أن يكبر
ومما يؤيد أنهما واقعتان مختلفتان أن الذين صلوا خلف عمر رضى الله عنه وعثمان
رضى الله عنه وابن عمر رضى الله عنه من الصحابة لم يفكروا عليهم بل سكتوا
ففى سكوتهم وعدم أمر هؤلاء الأئمة إياهم بإعادة الصلاة دلالة على تعدد الواقعة
وأنه كان لهم بذلك علم من النبى صلى الله عليه وسلم .
لكن يمكن أن يقال من قبل الطائفة الثانية: إن الروايات التى فيها أنه
صلى الله عليه وسلم انصرف بعد ما كبر ودخل فى الصلاة لا تقاوم رواية أبى
هريرة التى فيها أنه صلى الله عليه وسلم انصرف قبل التكبير والدخول فى الصلاة
لأن هذه الروايات بعضها مرسلة وبعضها مرفوعة ، فأما المرسلة فمرسلة ، وأما
المرفوعة فرواية أبى بكرة، وإن صححها ابن حبان والبيهقى ، لكن اختلف فى
إرسالها ووصلها قاله الحافظ . ورواية أنس وإن كان جيد الإسناد اختلف فى
وصلها وإرسالها أيضاً كما قال الحافظ . وأما رواية أبى هريرة التى أخرجها
ابن ماجه فقال الحافظ فى إسنادها نظر، وأما رواية على - مرفوعة - [المرفوعة]
فمدار طرقها على ابن لهيعة .
فلما لم تصلح هذه الروايات لمعارضة حديث أبى هريرة الذى أخرجه المؤلف ..

- ٣٩٩-
٩٥ - باب فى الرجل يجد البلة فى منامه
٢٣٣ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا خَّادُ بنُ خَالِدِ الْيَّاطُ
قال حدثنا عَبْدُ اللّهِ الْعَمْرِىُّ عن عُبَيْدِ اللهِ عن الْقَاسِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ:
« سُئِلَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم عن الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْ كُرُ احْتِلاَماً ،
- والشيخان ظهر أنه لاحاجة لدفع التعارض إلى القول بأنهما واقعتان مع أنه
ليس فى هذه الروايات ما تدل على تعدد الواقعة ولا حاجة أيضاً إلى ارتكاب
التجوز فى معنى كبر ودخل ، ولاح لك أيضاً أن الاستدلال بهذه الروايات على
صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسى ليس بتام ، وكذا الاستدلال
على هذه المسألة بما أخرجه مالك من فعل عمر رضى الله عنه وبما أخرجه البيهقى
من فعل عثمان رضى الله عنه وعبد الله بن عمر رضى الله عنه ليس بتام أيضاً لأنه
هو أفعالهم ، وأما القطع بأنهم إنما فعلوا ما فعلوا، لأنهم رأوا النبى صلى الله عليه
وسلم يفعله فغير مقطوع لأن للاجتهاد مجالا فى هذه المسألة ، مع أنه معارض
لحديث أبى هريرة المرفوع الصحيح: ((الإمام ضامن)) وكذا الاستدلال
بحديث: ((يصلون بكم ، فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم))
ليس بتام أيضاً، لأنه ليس المراد به الخطأ المقابل للعمل، لأنه لا إثم فيه بل
المراد ارتكاب الخطيئة . وهذه المسألة ليست من هذا الوادى فتأمل .
( باب فى الرجل يجد البلة )
بكسر الباء وتشديد اللام : الرطبة من الماء وغيره ، يقال : بللته من الماء
بلا من باب قتل فابتل هو .
( فى منامه) ولا يذكر الاحتلام فما حكمه ( يجد البلل ) بفتحتين أى
الرطوبة (ولا يذكر احتلاماً) الاحتلام: افتعال من الحلم بضم المهملة وسكون -

- ٤٠٠ -
قال: يَغْنَسِلُ، وَعن الرَّجُلِ يَرَى أَنْ قَدَ احْتَلَّ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَلَ ، قال:
لَ غُسْلَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ أُمُّ سُلْمٍ: المَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ، أَعَلَيْهَا غُصْلٌ؟ قال:
نَمْ إِنََّ النِّسَاءِ شَقَائِقُ الرِّجَالِ)).
- اللام وهو ما يراه النائم فى نومه يقال منه حلم بالفتح واحتلم والمراد به ههنا أمر
خاص وهو الجماع أى لا يذكر أنه جامع فى النوم ( يغتسل) خبر بمعنى الأمر
وهو الوجوب ( يرى) بفتح الياء أى يعتقد وبضم الياء أى يظن (قال لا غسل
عليه ) قال الخطابى فى معالم السنن : ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا
رأى بلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق، وروى هذا القول عن جماعة من التابعين
منهم عطاء والشعبى والنخعى . وقال أحمد بن حنبل: أعجب إلىّ أن يغتسل ،
وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنها الماء الدافق ،
واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط، ولم يختلفوا أنه إذا لم ير الماء وإن كان
رأى فى النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال . انتهى كلامه
قلت : ما ذهب إليه الجماعة الأولى من أن مجرد رؤية البلة فى المنام موجب
للاغتسال هو أوفق بحديث الباب، وبحديث أم سلمة أخرجه الشيخان بلفظ: إذا
رأت الماء . وبحديث خولة بنت حكيم بلفظ: ليس عليها غسل حتى تنزل . فهذه
الأحاديث تدل على اعتبار مجرد وجود المنى سواء انضم إلى ذلك الدفق والشهوة
أم لا وهذا هو الحق والله أعلم (فقالت أم سليم) هى أم أنس خادم رسول الله
صلى الله عليه وسلم اشتهرت بكنيتها، واختلف فى إسمها ( أعليها غسل) بهمزة
الاستفهام وعليها خبر مقدم وغسل مبتدأ مؤخر ( إنما النساء شقائق الرجال )
هذه الجملة مستأنفة فيها معنى التعليل. قال ابن الأثير: أى نظائرهم وأمثالهم
كأنهن شققن منهم ولأن حواء خلقت من آدم عليه الصلاة والسلام، وشقيق
الرجل أخوه لأبيه ولأمه، لأن شق نسبه من نسبه، يعنى فيجب الغسل على -.