النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٦١ -
٩٠ - حدثنا عُمَّدُ بنُ عِيسَى قال حدثنا ابنُ عَيَّاشِ عَنْ حَبِيبِ بنِ
صَاحِ عِن يَزِيدَ بنِ شُرَيْحِ الْحَضْرَبِىِّ عن أَبِى حَىٍ اُؤَذِّنِ عن ثَوْبَنَ قال قال
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((ثَلاَثٌ لاَ يَحٌِّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لاَ يَؤُمُّ
رَجُلٌ قَوْماً فَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَنَهُمْ ، وَلاَ يَنْظُرُ فى
- وفيه دليل صريح على كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أ كله فى الحال
الاشتغال القلب به ( ولا) يصلى (وهو) المصلى (يدافعه) المصلى (الأخبثان)
فاعل يدافع وهو البول والغائط ، أى لاصلاة حاصلة للمصلى حالة يدافعه الأخبثان
وهو يدافعهما لاشتغال القلب به وذهاب الخشوع ، ويلحق به كل ماهو فى معناه
مما يشغل القاب ويذهب كمال الخشوع، وأما الصلاة بحضرة الطعام فيه مذاهب
منهم من ذهب إلى وجوب تقديم الأكل على الصلاة ، ومنهم من قال إنه
مندوب ومن قيد ذلك بالحاجة ومن لم يقيد ، ويجىء بعض بيان ذلك إن شاء
الله تعالى فى موضعه .
( ثلاث) ثلاث خصال بالإضافة ثم حذف المضاف إليه ، ولهذا جاز الابتداء
بالفكرة ( أن يفعلهن ) المصدر المنسبك من أنْ والفعل فاعل يحل ، أى لا يحل
فعلهن بل يحرم ، قاله العزيزى ( لا يؤم رجل) يؤم بالضم خبر فى معنى النهى
( فيخص ) قال فى التوسط: هو بالضم للعطف وبالنصب للجواب . وقال
العزيزى فى شرح الجامع: هو منصوب بأن المقدرة لوروده بعد النفى على حد
لا يقضى عليهم فيموتوا ( بالدعاء دونهم ) قال العزيزى : أى فى القنوت خاصة
بخلاف دعاء الافتتاح والركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد.
وقال فى التوسط : معناه تخصيص نفسه بالدعاء فى الصلاة والسكوت عن المقتدين
وقيل نفيه عنهم كار حمنى ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً وكلاهما حرام ، أو الثانى -
(١١ - عون المعبود ١)

-١٦٢-
قَمْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلاَ يُصَلّى وَهُوَ حَقِنٌْ
حَتَّى يَتَخَفَّفَ)) .
٩١ - حدثنا عَمُدُ بنُ خَالِدٍ السُّلَمِىُّ قال حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَلىّ قال حدثنا
تَوْرٌ عن يَزِيدَ بنِ شُرَيْحِ الْضْرَيِّ عن أَبِى حَيٍ المُؤَذِّنِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ
عن النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
- حرام فقط ، لما روى أنه كان يقول بعد التكبير: اللهم نقني من خطاياى ..
الحديث، والدعاء بعد التسليم يحتمل كونه كالداخل وعدمه (فإن فعل) أى خص
نفسه بالدعاء ( فقد خانهم ) لأن كل ما أمر به الشارع أمانة وتركه خيانة
( ولا ينظر) بالرفع عطف على يؤم (فى قمر) بفتح القاف وسكون العين . قال
فى المصباح: قمر الشىء نهاية أسفله والجمع قعور، مثل فلس وفلوس، ومنه جلس
فى قمر بيته، كناية عن الملازمة. انتهى. والمراد ههنا داخل البيت ( قبل أن
يستأذن) أهله. فيه تحريم الاطلاع فى بيت الغير بغير إذنه ( فإن فعل ) اطلع
فيه بغير إذنه ( دخل ) ارتكب إثم من دخل البيت (ولا يصلى) بكسر اللام
المشددة وهو فعل مضارع والفعل فى معنى الفكرة والنكرة إذا جاءت فى معرض
النفى تعم فيدخل فى نفى الجواز صلاة فرض العين والكفاية ، كالجنازة والسنة
فلا يحل شىء منها ( حَقِن) بفتح الحاء وكسر القاف . قال ابن الأثير : الحاقن
والحقن بحذف الألف بمعنى ( يتخفف ) بمثناة تحتية مفتوحة ففوقية ، أى يخفف
نفسه بخروج الفضلة . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وحديث ابن
ماجه مختصر وذكر حديث يزيد بن شريح عن أمامة ، وحديث يزيد بن شريح
عن أبى هريرة فى ذلك قال: وكان حديث يزيد بن شريح عن أبى حى المؤذن
عن ثوبان فى هذا أجود إسناداً وأشهر . انتهى .

-١٦٣-
أَنْ يُصَلَِّ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَنَّفَ. ثُمَّ سَافَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا الَّغْظِ قال:
وَلاَ يَحُِ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمً إلاَّ ◌ِذْنِهِمْ وَلاَ يَخْتَصَنُ
نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَنَهُمْ)) .
- ( ساق نحوه ) أى ساق ثور نحو حديث حبيب بن صالح المتقدم ذكره ،
وذلك لأن ليزيد بن شريح تلميذين أحدهما : حبيب بن صالح والآخر ثور بن
يزيد الكلاعى ، فرواية ثور عن يزيد بن شريح نحو رواية حبيب بن صالح
( على هذا اللفظ) المشار إليه هو ما ذكره بقوله (قال) ثور (إلا بإذنهم)
هذا صريح فى أنه لا يجوز للزائر أن يؤم صاحب المنزل ، بل صاحب المنزل
أحق بالإمامة من الزائر وإذا أذن له فلا بأس أن يؤمهم ( ولا يختص ) فى بعض
النسخ لا يخص ، وخلاصة المرام أن بين رواية حبيب بن صالح وثور تفاوتاً فى
اللفظ لا فى المعنى، إلا أن فى حديث ثور جملة ليست هى فى رواية حبيب بن
صالح، وهى قوله: (( لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا
بإذنهم)) وفى رواية حبيب جملة ليست هى فى رواية ثور، وهى قوله: ((ولا
ينظر فى قعر بيت قبل أن يستأذن ، فإن فعل فقد دخل )) وباقى ألفاظهما متقاربة
فى اللفظ ومتحدة فى المعنى. كذا فى منهية غاية المقصود . وقال فيه : قد زل قلمى
فى الشرح فى كتابة فاعل لقوله ساق ، فكتبت ساق ، أى أحمد بن على ، وإنما
الصحیح أی ثور بن يزيد ، فبناء على ذلك کتبت من ابتداء قوله : ساق إلى
قوله: والله أعلم. لفظ أحمد بن على فى سبعة مواضع وفى كل ذلك ذهول منى
فرحم الله امرأ أصلحها وأبدلها بلفظ ثور بن يزيد . انتهى كلامه . وهذه
الأحاديث فيها كراهة الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الأخبثين ، وهذه
الكراهة عندأكثر العلماء إذا صلى كذلك وفى الوقت سعة، وأما إذا ضاق
الوقت بحيث لو أ كل أو دافع الأخبثين خرج الوقت صلى على حاله محافظة -

- ١٦٤ -
قال أَبُو دَاوُدَ هَذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الشَّامِ لَمْ يَشْرَّكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ .
ت
٤٤ - باب ما يجزىء من الماء فى الوضوء
٩٢ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ كَثِيرِ قال حدثنا هَمَّامٌ عن قَتَادَةَ عن صَفِيَّةَ بِنْتِ
شَيْبَةَ عن عَائِشَةَ ((أَنَّ النَبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَغْنَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ
- على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها، وحكى أبو سعيد المتولى عن بعض الأئمة
الشافعية أنه لا يصلى بحاله، بل يأكل ويتطهر وإن خرج الوقت . قال النووى
وإذا صلى على حاله وفى الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا
وعند الجمهور ، لكن يستحب إعادتها ولا يجب . ونقل القاضى عياض عن
أهل الظاهر أنها باطلة ، وحديث أبى هريرة تفرد به المؤلف ( سنن ) طرق
(أهل الشام ) أى رواة حديث أبى هريرة كلهم شاميون ( فيها) فى تلك
الرواية ( أحد ) غير أهل الشام سوى أبى هريرة .
( باب ما يجزىء من الماء فى الوضوء)
ما يكفى (بالصاع) أى بملء الصاع، والصناع هو مكيال يسع أربعة أمداد
والمد رطل وثلث بالعراقى ، وبه يقول أهل الحجاز والشافعى . وقال فقهاء
العراق وأبو حنيفة: هو رطلان، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثاً أو ثمانية
أرطال. قاله ابن الأثير. وقال الكرمانى فى شرح البخارى: كان الصاع فى عهده
صلى الله عليه وسلم مداً وثلثاً بمدكم هذه ، أى كان صاعه صلى الله عليه وسلم أربعة
أمداد، والمد رطل عراقى وثلث رطل ، فزاد عمر بن عبد العزيز فى المد بحيث
صار الصاع مداً وثلث مد من مد عمر . وقال الحافظ ابن حجر فى الفتح : الصاع
على ما قال الرافعى وغيره: مائة وثلاثون درهماً، ورجح النووى أنه مائة وثمانية
وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، وقد بين الشيخ الموفق سبب الخلاف فى -.

- ١٦٥ -
بالُدِّ)) قال أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ أَبَنٌ عن قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ صَفِيَّةَ.
٩٣ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا هُشَيٌْ قال أخبرنا
يَزِيدُ بنُ أَبِى زِيَادٍ عن سَالِمِ بنِ أَبِى الْجَعْدِ عن جَابِرٍ قال: ((كَانَ النَُّّ
صلى اللهُ عليه وسلم يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ)).
- ذلك فقال: إنه كان فى الأصل مائة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع ثم زادوا
فيه لإزادة جبر الكسر فصار مائة وثلاثين ( بالمد) هو بالضم ربع الصاع لغة،
وتقدم بيانه. وقال فى القاموس: أو ملء كف الإنسان المعتدل إذا ملأهما
ومديده بهما ، ومنه سمى مداً . وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً ( قال سمعت
صفية ) ففى رواية أبان قد صرح قتادة بالسماع ، فارتفعت مظنة التدليس عنه
فى الرواية السابقة المعنعنة. قال المنذرى: وأخرجه النسائى وابن ماجه. وأخرج
البخارى ومسلم من حديث عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك قال: ((كان النبى
صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)) وأخرجه
مسلم من حديث سفينة بنحوه .
(يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد) وليس الغسل بالصاع والوضوء بالمد التحديد
والتقدير ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما اقتصر على الصاع وربما
زاد . روى مسلم من حديث عائشة رضى الله عنها أنها كانت تغتسل هى والنبى
صلى الله عليه وسلم من إناء واحد هو الفرق . قال ابن عيينة والشافعى وغيرها :
هو ثلاثة آصع. وروى مسلم أيضاً من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل
من إناء يسع ثلاثة أمداد . فهذا يدل على اختلاف الحال فى ذلك بقدر الحاجة .
وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر فى حديثى الباب ، وحمله
الأكثرون على الاستحباب لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله صلى الله عليه -

-١٦٦-
٩٤ - حدثنا ابنُ بَشَّارِ قال حدثنا مُمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حدثنا شُعْبَةُ
٥٤٥٠
عن حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبَّادَ بنَ تَمِيمٍ عِن جَدَّتِى وهى أُمُّ عُمَرَةَ
((أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم تَوَضَّأَ فَأُنِىَ بِإِنَاءِفِهِ مَ قَدْرُ تُلْتَىِ لُدِّ)).
٩٥ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ قال حدثنا شَرِيكُ عن عَبْدِ اللهِ
ابنِ عِيسَى عن عَبْدِ اللهِ بنِ جَبْ عن أَنَسِ قال: ((كَانَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه
- وسلم من الصحابة قدرهما بذلك ، ففى مسلم عن سفينة مثله، ولأحمد أيضاً عن
جابر مثله ، وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة ، وهو أيضاً فى حق من يكون
خلقه معتدلا . كذا فى الفتح ويجىء بعض بيانه إن شاء الله تعالى فى باب مقدار
الماء الذی یجزىء به الغسل . قال المنذری : فی إسناده یزید بن أبی زیاد یعد فى
الكوفيين ولا يحتج بحديثه .
( عن جدتى) وفى رواية النسائى: يحدث عن جدتى ، فهى جدة حبيب
الأنصارى كما يظهر من سياق عبارة الكتاب، ورواية النسائى أصرح منه .
وقال الترمذى فى باب ما جاء فى فضل الصائم إذا أكل عنده : وقال أبو عيسى
وأم عمارة هى جدة حبيب بن زيد الأنصارى . انتهى . وقال المزى فى الأطراف
أم عمارة الأنصارية هى جدة حبيب بن زيد. انتهى. وأطال الكلام فى الشرح
بما لا مزيد عليه ( أم عمارة) بضم العين وخفة الميم : اسمها نسيبة بفتح النون
وكسر السين : هى بنت كعب الأنصارية النجارية ( توضأ) أراد التوضى
( فأتى) بصيغة المجهول ( بإناء فيه ماء قدر ثلثى المد) كان الماء الذى فى الإناء
قدر ثلثى المد ، فثلثا المد هو أقل ماروى أنه توضأ به رسول اللهصلى الله عليه وسلم
قال المنذرى : وأخرجه النسائى .

-١٦٧-
وسلم يَتَوَضَّأُ بِنَاءٍ يَسَعُ رَطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ)) .
قال ابُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ قال حَدَّثَنَى عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ جَبْرٍ
قال سَمِعْتُ أَنَّاً، إلَّ أَنَّهُ قال: يَتَوَضَّأُ بِمَكُوهٍ ، وَلَمْ يَذْ كُمْ رَطَلَيْنِ.
قال أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بِنُ آدَمَ عن شَرِيكٍ قال عن ابنِ جَبْرِ بنِ
عَتِيكٍ . قال وَرَوَاهُ سُفْيَنُ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عِيسَى قَالْ حَدَّ ثَنَى جَبْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ.
- ( يسع رطلين) من الماء، والرطل معيار يوزن به وكسره أشهر من فتحه،
وهو بالبغدادى اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلثا أستار، والأستار أربعة
مثاقيل ونصف مثقال، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم ، والدرهم ستة دوانيق،
والدانق ثمانى حبات وخمسا حبة ، وعلى هذا فالرطل تسعون مثقالا وهى مائة
درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، والجمع أرطل. والرطل
مكيال أيضاً وهو بالكسر، وبعضهم يحكى فيه بالفتح. كذا فى المصباح
( إلا أنه ) أى شعبة (بمكوك) بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها
جمعه مكاكيك ومكاكى، ولعل المراد بالمكوك ههنا المد. قاله النووى .
وقال ابن الأثير : أراد بالمكوك المد وقيل الصاع ، والأول أشبه وجمعه
المكاكى بإبدال الياء من الكاف الأخيرة . والمكوك اسم للمكيال ويختلف
مقداره باختلاف الاصطلاح فى البلاد . انتهى . قلت : المراد بالمكوك ههنا المد
لاغير لأنه جاء فى حديث آخر مفسراً بالمد . قال القرطبى : الصحيح أن المراد
به ههنا المد بدليل الرواية الأخرى . وقال الشيخ ولى الدين العراقى فى صحيح ابن
حبان فى آخر الحديث : قال أبو خيثمة : المكوك: المد ( ولم يذكر) شعبة
كما ذكر عبد الله بن عيسى ( عتيك) بفتح العين وكسر الناء الفوقانية ( قال)
أبو داود . وحاصل الكلام أنهم اختلفوا فى إسم الراوى عن أنس ، فقال
شعبة: هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، ومنهم من نسبه إلى جده ، فقال -

-١٦٨-
قال أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتٌ أَحَدَ بنَ حَنْبَلٍ يقولُ: الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالِ.
قال أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ صَاعُ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ ، وَهُوَ صَعُ النَِّّ صلى اللهُ
عليه وسلم
- شريك: هو عبد الله بن جبر. وقال يحيى بن آدم: هو ابن جبر، وأما سفيان
فقال جبر بن عبد الله ، والصحيح المحفوظ : عبد الله بن عبد الله بن جبر بن
عتيك لاتفاق أكثر الحفاظ عليه والله أعلم ( وهو ) أى ما قاله أحمد فى تقدير
الصاع ( ابن أبى ذئب ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى
ذئب أبو الحارث المدنى أحد الأئمة عن نافع والزهرى وشرحبيل وعنه الشورى
ويحيى بن سعيد القطان وأبو نعيم وجماعة . قال الحافظ: هو من أحد الأمة
الأ كابر العلماء الثقاة ، لكن قال ابن المدينى : كانوا يوهنونه فى الزهرى
وكذا وثقه أحمد ولم يرضه فى الزهرى، ورُمى بالقدر ، ولم يثبت عنه ، بل نفى
ذلك عنه مصعب الزبيرى وغيره ، وكان أحمد يعظمه جداً حتى قدمه فى الورع
على مالك ، وإنما تكلموا فى سماعه عن الزهرى لأنه كان وقع بينه وبين الزهرى
شىء، خلف الزهرى أن لا يحدثه ثم ندم . وقال عمرو بن على الفلاس : هو
أحب إلىّ فى الزهرى من كل شامى ( وهو) أى صاع ابن أبى ذئب كصاع
النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما يسع فيه خمسة أرطال وثلث من الماء . قال
المنذرى: وأخرجه النسائى ولفظه: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكى))، وأخرجه مسلم ولفظه: ((كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك)) وفى
رواية مكاكى .

- ١٦٩-
٤٥ - باب الإسراف فى الوضوء
٩٦ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدثنا حَمَّدٌ قال حدثنا سَعِيدُ
الْرَيْرِىُّ عن أَبِى نَعَمَةَ ((أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ مُفَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يقولُ: اللّهُمَّ
إِى أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ مِنِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهاَ. قال: يا بنَىَّ سَلِ الهَ
الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ فِإِنَّى سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ:
( باب الإسراف فى الوضوء)
الزيادة على الثلاث فى غسل أعضاء الوضوء، أو إسراف فى الماء للوضوء
على قدر الحاجة .
( القصر الأبيض ) القصر: هو الدار الكبيرة المشيدة ، لأنه يقصر فيه
الحرم. كذا فى التوسط ( إذا دخلتها ) أى الجنة (قال) عبد الله لابنه حين سمع
يدعو بهذه الكلمات . قال بعض الشراح: إنما أنكر عبد الله على ابنه فى هذا
الدعاء لأن ابنه طمع ما لا يبلغه عملاً(١) حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من
الاعتداء في الدعاء لما فيها من التجاوز عن حد الأدب ، وقيل: لأنه سأل شيئاً -
قال الشيخ شمس الدين بن القيم :
وفى الباب حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الوضوء
شيطاناً يقال له الولهان ، فاتقوا وسواس الماء )) رواه الترمذى وقال : غريب ،
ليس إسناده بالقوى عند أهل الحديث ، لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة ــ يعنى ابن
مصعب - قال : وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن ، قوله ولا يصح
فى هذا الباب عن النبى صلى الله عليه وسلم شىء ، وخارجة ضعيف ، ليس بالقوى
عند أصحابنا ، وضعفه ابن المبارك قال : وفى الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله
ابن مغفل. هذا آخر كلامه . والذى صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية شيطان
الصلاة الذى يوسوس للمصلى فيها ((خنزب)) رواه مسلم فى صحيحه من حديث عمارة
ابن أبي العاص الثقفى ..
(١١) لعل صحة العبارة ((طمع فيما لا يبلغه عمل)) أى من الأجر.

- ١٧٠ -
سَيَكُونُ فِى هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فى اللُّهُورِ وَالدُّعَاءِ)) .
٤٦ - باب فى إسباغ الوضوء
٩٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْسَى عن سُفْيَانَ قال حَدَّثَنَى مَنْصُورٌ
عن هِلاَلٍ بِنِ يَسَفٍ عن أَبِى يَحَْى عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و ((أَن رسولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم رَأَى قَوْمَاً وَأَعْقَبُهُمْ تَلُوحُ، فقال: وَيْلٌ لِلْأَعْقَبِ مِنَ
النَّارِ ، أَسِْفُوا الْوُضُوءَ)).
- معيناً والله أعلم (إنه) الضمير للشأن (يعتدون) يتجاوزون عن الحد (فى الطهور)
يضم الطاء وفتحها ، فالاعتداء فى الطهور بالزيادة على الثلاث ، وإسراف الماء ،
وبالمبالغة فى الغسل إلى حد المسواس ، أجمع العلماء على النهى عن الإسراف فى
الماء ولو فى شاطىء البحر، لما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو
(( أن النبى صلى الله عليه وسلم مرّ بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرَف
يا سعد؟ قال: أفى الوضوء سرَف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار)) انتهى
وحديث ابن مغفل هذا يتناول الغسل والوضوء وإزالة النجاسة ( والدعاء) عطف
على الطهور ، والمراد بالاعتداء فيه المجاوزة الحد ، وقيل الدعاء بما لا يجوز ورفع
الصوت به والصياح ، وقيل سؤال منازل الأنبياء عليهم السلام . حكاها
النووى فى شرحه. وذكر الغزالى فى الإحياء أن المراد به أن يتكلف السجع
فى الدعاء . قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على الدعاء.
( باب فى إسباغ الوضوء)
فى إتمامه بحيث لا يترك شىء من فرائضه وسننه .
(رأى قوماً) وتمام الحديث كما أخرجه مسلم قال: (( رجعنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم .-

- ١٧١ -
- عند العصر فتوضأوا وهم مجال فانتهينا إليهم )) (وأعقابهم) جمع عقب بفتح
العين وكسر القاف وبفتح العين وكسرها مع سكون القاف : مؤخر القدم إلى
موضع الشراك ( تلوح) تظهر يبوستها ويبصر الناظر فيها بياضاً لم يصبه الماء
وفى رواية مسلم تلوح لم يمسها الماء (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(ويل) جاز الابتداء بالفكرة لأنه دعاء، واختلاف فى معناه على أقوال أظهرها
مارواه ابن حبان فى صحيحه من حديث أبى سعيد مرفوعاً: ((ويل واد فى جهنم))
قاله الحافظ ( للأعقاب ) اللام للعهد، ويلتحق بها ما يشاركها فى ذلك معناه:
ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين فى غسلها ، وقيل : إن العقب مخصوص بالعقاب
إذا قصر فى غسله ( من النار ) بيان للويل ( أسبغوا الوضوء) أى أكملوه
وأتموه ولا تتركوا أعضاء الوضوء غير مغسولة ، والمراد بالإسباغ ههنا إكمال
الوضوء، وإبلاغ المساء كل ظاهر أعضائه وهذا فرض ، والإسباغ الذى هو
التثليث سنة ، والإسباغ الذى هو التسبيل شرط ، والإسباغ الذى هو إ كثار
الماء من غير إسراف الماء فضيلة ، وبكل هذا يفسر الإسباغ باختلاف المقامات
كذا فى اللمعات . وقال شيخ شيخنا العلامة محمد إسحاق المحدث الدهلوى :
الإسباغ على ثلاثة أنواع : فرض وهو استيعاب المحل مرة ، وسنة وهو الغسل
ثلاثاً ، ومستحب وهو الإطانة مع التثليث. انتهى. والحديث استدل به على
عدم جواز مسح الرجلين من غير الخفين . قال النووى: وهذه مسألة اختلف
الناس فيها على مذاهب ، فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى فى الأعصار
والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ مسحهما ،
ولا يجب المسح مع الغسل ، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به فى الإجماع
انتهى كلامه . قال فى التوسط: وفيه نظر ، فقد نقل ابن التين التخيير عن
بعض الشافعيين ورأى عكرمة يمسح عليهما، وثبت عن جماعة يعتد بهم فى -

- ١٧٢-
٤٧ - باب الوضوء فى آنية الصفر
٩٨ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدثنا حَمَادٌ قال أخبرنى صَاحِبٌلِ
- الإجماء بأسانيد صحيحة كعلى وابن عباس والحسن والشعبى وآخرين. انتهى.
وفى فتح البارى: فقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم)
عطفاً على ﴿ وامسحوا برؤوسكم) فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة
والتابعين ، فمكى عن ابن عباس فى رواية ضعيفة والثابت عنه خلافه ، وعن
عكرمة والشعبى وقتادة وهوقول الشيعة. وعن الحسن البصرى الواجب الغسل
أو المسح، وعن بعض أهل الظاهر يجب الجمع بينهما . انتهى . قلت : قد
تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صفة وضوئه أنه غسل
رجليه وهو مبين لأمر الله تعالى، وقد قال فى حديث عمرو بن عنبسة الذى رواه
ابن خزيمة وغيره مطولا فى فضل الوضوء، ثم يغسل قدميه كما أمره الله تعالى.
ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن على وابن عباس وأنس ،
وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك ، قال الحافظ فى الفتح . وقال الكرمانى فى
شرح البخارى: وفيه رد للشيعة المتمسكين بظاهر قراءة ﴿وأرجلكم ﴾ بالجر
وما روى عن على وغيره فقد ثبت عنهم الرجوع . انتهى . وروى سعيد بن
منصور عن عبد الرحمن بن أبى ليلى: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
على غسل القدمين ، وادعى الطحاوى وابن حزم أن المسح منسوخ. والله أعلم .
قال المنذرى : وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه واتفق البخارى ومسلم على
إخراجه من يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمر بنحوه .
( باب الوضوء بآ نية الصفر )
بضم الصاد وسكون الفاء ويجىء بيانه .
(صاحب لى) وفى السند الآتى حماد بن سلمة عن رجل ولعله هو شعبة -

-١٧٣ -
عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قالَتْ: ((كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم فى نَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ)).
٩٩ - حدثنا عُمَُّ بنُ الْعَلَاءِ أَنَّ إِسْحَقَ بنَ مَنْصُورٍ حَدَّتَهُمْ عن
◌َّادِ بنِ سَلَةَ عن رَجُلٍ عن هِثَمِ بنِ عُرْوَةَ عن أَبِيهِ عن النَّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم بِنَحْوِهِ.
- قال الحافظ ابن حجر : حماد بن سلمة عن رجل أو عن صاحب له عن هشام بن
عروة هو شعبة (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام ثقة فقيه ربما دلس
( أن عائشة) الحديث فيه انقطاع لأن هشاماً لم يدرك عائشة رضى الله عنها ( فى
تور) أى من تور بحيث نأخذ منه الماء للاغتسال أو نصُب منه الماء على
أعضائنا ، والتور هى بفتح التاء وسكون الواو ، قال الحافظ ابن حجر فى الهدى
السارى: هو إناء من حجارة أو غيرها مثل القدر . وقال فى فتح البارى : هو
شبه الطست ، وقيل: هو الطست، ووقع فى حديث شريك عن أنس فى المعراج
فأتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب ، فظاهره المغايرة بينهما ويحتمل
الترادف وكأن الطست أكبر من التور. انتهى. وقال الطيبى: هو إناء صغير
من صفر أو حجارة يشرب منه ، وقد يتوضأ منه ويؤ كل منه الطعام (من شبه )
بفتحتين وبكسر فساكن: ضرب من النحاس يصنع فيصفر ويشبه الذهب بلونه
وجمعه أشباه . كذا فى التوسط. قال المنذرى : أخرجه من طريقين: إحداهما
منقطعة وفيها مجهول، والأخرى متصلة وفيها مجهول . انتهى .
(حدثهم) أى حدث إسحاق محمد بن العلاء فى جماعة آخرين (عن رجل)
هو شعبة (بنحوه) أى بنحو الحديث المذكور وهذا الإسناد متصل والوضوء ..

-١٧٤-
١٠٠ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلىّ قال حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ وَسَهْلُ بنُ حَمّادٍ
قالا حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى سَلَمَةَ عن ◌َعَمْرِو بنِ يَحْتَى عن
أَبِيهِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ قال: ((جَاءَنَاَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم.
فَأَخْرَ جْنَاً لَهُ مَاءًا فى تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ )).
٤٨ - باب فى التسمية على الوضوء
١٠١ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ مُوسَى عن يَعْقُوبَ
ابْنِ سَلَمَةَ عن أَبِيهِ عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم :
- فى هذين الحديثين وإن لم يكن مذكوراً لكن يطابقان الترجمة من حيث أن
الغسل يشتمل على الوضوء.
(من صفر) هو الذى تعمل منه الأوانى: ضرب من النحاس ، وقيل ما اضفَرَ
منه . قاله فى التوسط . وهذه الأحاديث فيها دليل صريح على جواز التوضى من
النحاس الأصفر بلا كراهة، وإن أشبه الذهب بلونه وهذا هو الصحيح . قال
المنذرى : وأخرجه ابن ماجه وقال فتوضأ منه . انتهى .
( باب فى التسمية على الوضوء )
هل هو ضرورى أم لا . قال السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان
الأهدل فى شرح بلوغ المرام ناقلا عن شرح العباب : البسملة عبارة عن قولك :
بسم الله الرحمن الرحيم بخلاف التسمية فإنها عبارة عن ذكر الله بأى لفظ
كان . انتهى .
(يعقوب بن سلمة ) الليثى المدنى قال الذهبى شيخ ليس بعمدة . قال البخارى
لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبى هريرة ، روى عنه محمد بن موسى -

- ١٧٥ -
(( لَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ ، وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْ كُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ » .
- الفطرى وأبو عقيل يحيى. انتهى (لا صلاة) قال العلماء: هذه الصيغة حقيقة
فى نفى الشىء ، وتطلق على نفى كماله والمراد ههنا الأول ( لمن لا وضوء له ولا
وضوء) بضم الواو ، أى لا يصح الوضوء. قال المحدث الأجل ولى الله الدهلوى
فى الحجة : وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط ، ويحتمل أن يكون المعنى
لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضى بمثل هذا التأويل فإنه من التأويل البعيد الذى
يعود بالمخالفة على اللفظ ( لم يذكر اسم الله عليه) أى لم يقل بسم الله الرحمن
الرحيم على الوضوء أو بسم الله والحمد لله، لما أخرج الطبرانى فى الأوسط
من طريق على بن ثابت عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله، فإن
حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء )» قال تفرد
به عمرو بن أبى سلمة عن إبراهيم بن محمد عنه، وأخرج الإمام البيهقى بإسناده
إلى الشافعى قال: أحب للرجل أن يسمى الله فى ابتداء الوضوء . قال البيهقى :
وهذا لما روينا عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قصة الإناء
الذى وضع يده فيه والماء يفور من بين أصابعه توضأوا بسم الله. انتهى. وقال
العلامة الشيخ محمد طاهر فى تكملة مجمع البحار: ويكفى بسم الله، والأ كمل بسم
الله الرحمن الرحيم ، فإن ترك أولاً قال فى أثنائه: بسم الله أولا وآخراً . انتهى.
والحديث ظاهره نفى الصحة ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل فى رواية أن التسمية
شرط لصحة الوضوء وهو قول أهل الظاهر . قال الشعرانى فى الميزان: قال الأمة
الثلاثة وإحدى الروايتين عن أحمد : إن التسمية فى الوضوء مستحبة مع قول
داود. وأحمد أنها واجبه لا يصح الوضوء إلا بها، سواء فى ذلك العمد والسهو ،
ومع قول إسحاق: إن نسيها أجزأته طهارته وإلا فلا. انتهى . قال المنذرى -

- ١٧٦-
١٠٢ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِ و بنِ السَّرْحِ قال حدثنا ابنُ وَهْبٍ عن
الدَّرَاوَرْدِيِّ ، قال وَذَ كَرَ رَبِيعَةُ أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم:
((لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْ كُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ)) أَنَّهُ الَّذِى يَتَوَضَّأُ وَيَفْتَسِلُ
وَلاَ يَنْوِى وُضُوءَا لِلِصَّلاَةِ وَلاَ غُسْلاً لِلْجَنَبَةِ.
- وأخرجه ابن ماجه وليس فيه تفسير ربيعة ، وأخرجه الترمذى وابن ماجه من
حديث سعيد بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفى هذا الباب أحاديث
ليست أسانيدها مستقيمة. وحكى الأثرم عن الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه
أنه قال : ليس فى هذا الباب حديث يثبت ، وقال: أرجو أن يجزئه الوضوء
لأنه ليس فى هذا حديث أحكم به . وقال أيضاً : لا أعلم فى هذا الباب حديثاً له
إسناد جيد . وقد أخرج الإمام أحمد فى مسنده هذا الحديث الذى خرجه أبو
داود، ورواه عن الشيخ الذى رواه عنه أبو داود بسنده وهو أمثل الأحاديث
الواردة إسناداً ، وتأويل ربيعة بن أبى عبد الرحمن له ظاهر فى قبوله ، غير أن
البخارى قال فى تاريخه : لا يعرف لسلمة سماع من أبى هريرة ولا ليعقوب من
أبيه . انتهى .
( وذكر ربيعة) أى فى جملة ما ذكره من الكلام، أى ذكر أشياء وذكر
تفسير هذا الحديث ( لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه) بدل من قوله حديث
النبى صلى الله عليه وسلم ( أنه ) الرجل وهذه الجملة بتمامها خبر أن فى قوله أن
تفسير .. إلخ (يتوضأ) للصلاة أو لغيرها (ولا ينوى) الرجل المتوضئء والمغتسل
(ولا) ينوى ( غسلا للجنابة) فهما غير قاصدين للطهارة فلا وضوء ولا غسل
لهما من أجل أنهما لم يقصدا بهما الطهارة وإن غسلا ظاهر أعضائهما ، فالنية شرط
للوضوء والغسل . قال الحافظ الإمام البيهقى فى المعرفة: وروينا عن ربيعة بن أبى
عبد الرحمن أنه حمله على النية فى الوضوء. قلت: كلام ربيعة وإن كان صحيحاً -.

- ١٧٧ -
٤٩ - باب فى الرجل يدخل يده فى الإِناء قبل أن يغسلها
١٠٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا أَبُو مُعَوِيَةً عن الأعمَشِ عن أَبِى رَزِينٍ
وَأَبِى صَالحِ عِن أَبِى هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (( إذا قَمَ
أَحَدُ كُ مِنَ الَيْلَ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِى الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ
لا يَدْرِى أَيْنَ بَأَتَتْ يَدُهُ )) .
- فى الواقع وهو عدم صحة الطهارة بغير نية رفع الحدث ، لكن حمله الحديث
على هذا المعنى محل تردد بل هو خلاف الظاهر . وفى الباب أحاديث أُخر ضعاف
ذكرها الحافظ فى التلخيص ثم قال والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة
تدل على أن له أصلا . وقال أبو بكر بن أبى شيبة ثبت لنا أن النبى صلى الله عليه
وسلم قاله . انتهى . قال ابن الكثير فى الإرشاد: وقد روى من طرق أُخر يشد
بعضها بعضاً فهو حديث حسن أو صحيح. وقال ابن الصلاح: يثبت لمجموعها
ما يثبت بالحديث الحسن.
( باب فى الرجل .. إلخ)
( من الليل) إنما خص نوم الليل بالذكر الغلبة لأن التعليل المذكور
فى الحديث يقتضى إلحاق نوم النهار بنوم الليل (يده) بالإفراد . قال الحافظ
والمراد باليد ههنا الكف دون ما زاد عليها، وقوله فلا يغمس هو أبين فى المراد
من رواية الإدخال ، لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده
فى إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء (ثلاث مرات)
هكذا ذكرلفظ ثلاث مرات جابر وسعيد بن المسيب وأبوسلمة وعبد الله بن شقيق -
(١٢ -- عون المعبود ١)

- ١٧٨ -
١٠٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن الأعمَشِ عن أَبِى
صَالحٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم - يَعْنِى بِهَذَا
الْحَديثِ قَالَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا وَلَمْ يَذْ كُرْ أَبَا رَزِينٍ .
١٠٥ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرِوِ بنِ السَّرْحِ وَمُمَُّ بنُ سَلَمَةَ المرَادِئُّ
قالا حدثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ مُعَاوِيَّةَ بنِ صَاحِ عن أَبِى مَرْيَ قال سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: ((إِذَا اسْتَيْفَظَ أَحَدُ كُمُ مِنْ نَوْمِهِ
فَلاَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِى الْإِنَاءِ حَتّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فإِنَّ أَحَدَ كُمْ لاَ يَدْرِى
أَيْنَ بَتَتْ يَدُهُ أَوْ أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ)).
- كلهم عن أبى هريرة كما أخرجه مسلم وأما الأعرج ومحمد بن سيرين وعبدالرحمن
وهمام بن منبه وثابت فرووه عن أبى هريرة بدون ذكر الثلاث ، لكن زيادة
الثقة مقبولة فتعين العمل بها، وفيه النهى عن غمس اليد فى الإناء قبل غسلها
وهذا مجمع عليه، لكن أكثر العلماء على أنه نهى تنزيه لا تحريم ، فلو خالف
وغمس اليد لم يفسد الماء . وروى عن الحسن البصرى وإسحاق بن راهويه ومحمد
ابن جرير الطبرى أنه لا ينجس إن كان قام من نوم الليل ، واستدل لهم بما ورد
من الأمر بإراقته بلفظ ((فإن غمس يده فى الإناء قبل أن يغسلها فليرق ذلك
الماء )) لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن عدى وقال هذه زيادة منكرة لا تحفظ
(فإنه) أى الغامس (باتت يده) زاد ابن خزيمة والدار قطنى ((منه)) أى من
جسده، أى لا يدرى تعيين الموضع الذى باتت فيه أى هل لاقت مكاناً ظاهراً
منه أونجساً أو بثرة أو جرحاً أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد ابتلال موضع
الاستنجاء بالماء أو بنحو عرق . قال الحافظ: ومقتضاه إلحاق من شك فى ذلك
ولو كان مستيقظاً ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة -

-١٧٩-
- مثلا فاستيقظ وهى على حالها أن لا كراهة وإن كان غسلها مستحباً على المختار
كما فى المستيقظ. ومن قال بأن الأمر فى ذلك للتعبد كمالك لا يفرق بين شاكٍ"
ومتيقن . قال النووى قال الشافعى وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى فى معنى
قوله أين باتت يده: إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة فإذا
نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على
بثرة أو قذر أو غير ذلك . قال المنذرى: وأخرجه مسلم .
(أو أين كانت ) قال الحافظ ولى الدين العراقى: يحتمل أنه شك من بعض
رواته وهو الأقرب، ويحتمل أنه ترديد من النبى صلى الله عليه وسلم . والحديث
فيه مسائل كثيرة ، منها أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن قلّت
ولم تغيره ، فإنها تنجسه لأن الذى تعلق باليد ولا يرى قليل جداً، وكانت عادتهم
استعمال الأوانى الصغيرة التى تقصر عن قلتين بل لا تقاربها . ورد بعض من
لا خبرة له فى صناعة الحديث حديث قلتين بحديث الباب وهذا جهل منه.
وأجاب عن إمام عصره وأستاذ دهره العلامة المحدث الفقيه المفسر شيخنا
ومعلمنا السيد محمد نذير حسين الدهلوى فى بعض مؤلفاته بجواب كاف شفيت به
صدور الناس وبهت المعترض . ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها
عليه وأنها إذ وردت عليه نجسته وإذا ورد عليها أزالها، ومنها أن الفل سبعاً
ليس عاماً فى جميع النجاسات وإِنما ورد الشرع به فى ولوغ الكلب خاصة ،
ومنها استحباب غسل النجاسة ثلاثاً لأنه إذا أمر به فى المتوهمة ففى المحققة أولى ،
ومنها استحباب الأخذ بالاحتياط فى العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد
الاحتياط إلى حد الوسوسة . قاله النووى .

- ١٨٠-
٥٠ - باب صفة وضوء النبى صلى الله عليه وسلم
١٠٦ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلَىِّ الْلوَانِىُّ قال حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال
أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىِّ عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ الَّبِىِّ عن ◌ُمْرَانَ بنِ أَبَانَ
مَوْلى عُثّانَ بنِ عَفَنَ قال: وَأَيْتُ عُثْنَ بنَ عَفَنَ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ
ثَلاَثًا فَفَسَلَهُمَ ثُمَّ تَحَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ [ اسْتَنْشَقَ] وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًاً وَغَسَلَ
(باب صفة .. إلخ)
(توضأ ) هذه الجملة مجملة عطفت عليها بجملة مفسرة لها وهى قوله ( فأفرغ)
أى فصب الماء ، والفاء فيه للعطف، أى عطف المفصل على المجمل ( يديه ) وفى
رواية للبخارى على كفيه ( ثلاثاً) أى إفراغًاً ثلاث مرار ( ثم مضمض ) وفى
بعض النسخ تمضمض أى بأن أدار الماء فى فيه ، وليس فى هذه الرواية ذكر عدد
المضمضة ويجىء فى رواية أبى مليكة ذكر العدد . قال الحافظ أصل المضمضة
فى اللغة التحريك ثم اشتهر استعماله فى وضع الماء فى الفم وتحريكه ، وأما معناه
فى الوضوء الشرعى فأ كمله أن يضع الماء فى الفم ثم يديره ثم يمجه . انتهى.
(واستنثر) قال النووى: الاستئثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق.
وقال ابن العربى وابن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق ، والصواب الأول ، ويدل
عليه الرواية الأخرى: استنشق واستنثر جمع بينهما . قال أهل اللغة : هو مأخوذ
من النثرة وهى طرف الأنف وقال الخطابى وغيره هى الأنف ، والمشهور الأول .
قال الأزهرى : روى سلمة عن الفراء أنه يقال نثر الرجل واستنثر إذا حرك
النثرة فى الطهارة. انتهى. وفى الرواية الآتية واستنثر ثلاثاً (وغسل وجهة ثلاثاً)
وفى رواية الشيخين ثم غسل وجهه ، وهذا يدل على تأخير غسل الوجه عن
المضمضة والاستنثار ، وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولا -