النص المفهرس
صفحات 101-120
- ١٠١- - ماجه . وقال الترمذى : هذا الحديث أصح شىء فى الباب وأحسن. انتهى . = يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء . ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة فلو تركها لفاتت مصلحتها . قالوا : ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن فى هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك، وتكون الطهارة شرطاً فيه ، ولا يسنها ولا يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولا روى عنه فى ذلك حرف واحد . وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين : أحدهما : أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع، إذ لا قراءة فيه ولا ركوع ، لا فرضاً ولا سنة ، ثابتة بالتسليم . ويجوز أن يكون القارىء خلف الإمام فيه ، ولا مصافة فيه . وليس إلحاق محل النزاع بصور الانفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق . الثانى: أن هذا القياس إنما يمتنع لو كان صحيحاً إذا لم يكن الشىء المقيس قد فعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم تقع الحادثة ، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده صلى الله عليه وسلم من الحوادث أو شملها نصه ، وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن فى ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييد به . فإن قيل : فقد روى البيهقى من حديث الليث عن نافع عن ابن عمر أنه قال : (( لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر)) وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر ، مع أن فى بعض الروايات: ((وكان ابن عمر يسجد على وضوء)) وهذا هو اللائق به ، لأجل رواية الليث. قيل : أما أثر الليث فضعيف . وأما رواية من روى ((كان يسجد على وضوء)) فغلط ، لأن تبويب البخارى واستدلاله وقوله ((والمشرك ليس له وضوء)) يدل على أن الرواية بلفظ ((غير)) وعليها أكثر الرواة. ولعل الناسخ استشكل ذلك، فظن أن لفظة (غير)) غلط فأسقطها، ولاسيما إن كان قد اغتر بالأر الضعيف المروى عن الليث ، وهذا هو الظاهر ، فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جداً ، وأما زيادة ((غير)) فى مثل هذا الموضع فلا يظن زيادتها غلطاً ، ثم تتفق عليها النسخ المختلفة أو أكثرها . - ١٠٢ = ٣٢ - باب الرجل يجدد الوضوء من غیر حدث ٦٢ - حدثنا ◌ُمَُّ بنُ يَحْسَى بنِ فَارِسٍ قال حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ المقْرِ نِىُّ ح. وحدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا عِيسَى بنُ يُونَسَ قالا حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ زِيَادٍ، قال أَبُودَاوُد: وَأَنَا لِحَدِيثِ ابنِ يَحْتَى أَضْبَطُ، عن غُطَيْفٍ، وَقَال ◌ُمَّدُ عن أَبِى غُطَيْفِ الْهُذَلِّ قال: ((كُنْتُ عِنْدَ ابنِ مُمَرَ، فَمَّا نُودِىَ بالظُّهْرِ تَوَضَّأَ فَصَلَّى، فَمَّا نُودِىَ بالْعَصْرِ نَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ )). قال أَبُو دَاوُد: وَهَذَا حَدِيثُ ◌َُدَّدٍ وَهُوَ أََمُّ . ( باب الرجل يجدد ) من التجديد وفى بعض النسخ يحدث من الإحداث وهما بمعنى واحد . ( قال) أبو غطيف (نودى) أُذن ( فقلت له ) أى لابن عمر فى تكراره الوضوء مع كونه متوضئًاً (فقال) ابن عمر (على ظهر) أى مع كونه طاهراً (كتب له عشر حسنات ) قال ابن رسلان فى شرحه: يشبه أن يكون المراد كتب الله به عشرة وضوءات ، فإن أقل ما وعد به من الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها ، وقد وعد بالواحدة سبعمائة ووعد ثواباً بغير حساب . قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال الترمذى : هذا إسناد ضعيف (وهو أتم ) أى أكمل وأزيد من حديث محمد بن يحيى ، وحديث محمد بن يحيى أنقص من حديث مسدد، وهذا لا ينافى قوله: وأنا لحديث ابن يحيى أضبط ، لأن الضبط هو الإتقان والحفظ ، ولا منافاة بين الإتقان والحفظ وبين الكمال والزيادة ، فيجوز أن يكون الشىء أكمل وأزيد ، ولا يكون أشد محفوظية ، وكذا يجوز أن يكون الشىء أشد محفوظية ولا يكون أ كمل وأزيد . -- ١٠٣ - ٣٣ - باب ما يُنجس الماء ٦٣ - حدثنا مُمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالْسَنُ بنُ عَلِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا حدثنا أَبُو أُسَمَةَ عن الْوَلِيدِ بنِ كَثِيرٍ عن مُمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بِنِ الزُّبَيْرِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أَبِيهِ قال: ((سُئِلَ النَّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم عَن الْمَاءَ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسَِّاعِ، فقالَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: إذَا كَانَ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْحَبَثَ)). ( باب ما ينجس الماء) مضارع معلوم من باب التفعيل ، أى أىُّ شىء ينجس الماء ، فعلم من الحديث أن كون الماء أقل من القلتين ينجسه بوقوع النجاسة فيه . ( عن الماء وما ينوبه) هو بالنون ، أى يرد عليه نوبة بعد نوبة ، وحاصله أى ماحال الماء الذى تنوبه الدواب والسباع ، أى يشرب منها ويبول ويلقى الروث فيها ( قلتين ) القلة بضم القاف وتشديد اللام بمعنى الجرة العظيمة. روى الدار قطنى فى سننه بسند صحيح عن عاصم بن المنذر أنه قال: الفلال هى الخوابى العظام . وقال فى التلخيص : قال إسحاق بن راهويه : الخابية تسع ثلاث قرب وعن إبراهيم قال: القلتان الجركان الكبير تان. وعن الأوزاعى قال : القلة ما تقله اليداى ترفعه . وأخرج البيهقى من طريق ابن إسحاق قال : القلة الجرة التى تستقى فيها الماء والدورق . ومال أبو عبيد فى كتاب الطهور إلى تفسير عاصم بن المنذر وهو أولى . وروى على بن الجعد عن مجاهد قال: القلتان الجرتان ولم يقيدهما بالكبر وعن عبد الرحمن بن مهدى ووكيع ويحيى بن آدم مثله. رواه ابن المنذر. انتهى (لم يحمل الحبث) بفتحتين: النجس ومعناه لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما فسره الرواية الآتية إذا بلغ الماء قلتين فإنه - - ١٠٤ - قال أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَفْظُ ابْنِ الْعَلَاءِ، وقال عُثْنُ وَالْسَنُ بنُ عَلِىّ عن مُمَدِ بنِ عَبَّادِ بنِ جَعْفَرٍ ، قال أَبُوداوُدَ: وَهُوَ الصَّوَابُ . - لاينجس ، وتقدير المعنى لا يقبل النجاسة ، بل يدفعها عن نفسه . ولو كان المعنى أنه يضعف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معنى ، فإن ما دونهما أولى بذلك . وقيل معناه لا يقبل حكم النجاسة كما فى قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾ أى لم يقبلوا حكمها (هذا لفظ ابن العلاء) أى قال محمد بن العلاء فى روايته محمد بن جعفر بن الزبير (محمد بن عباد بن جعفر) مكان محمد بن جعفر ابن الزبير. وحاصله الاختلاف على الوليد بن كثير، فقيل عنه عن محمد بن جعفر ابن الزبير، وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر ( وهو الصواب ) أى محمد بن عباد هو الصواب . واعلم أنه قد اختلف الحفاظ فى هذا الاختلاف بين محمد بن عباد ومحمد بن جعفر ، فمنهم من ذهب إلى الترجيح فقال المؤلف : حديث محمد ابن عباد هو الصواب . وذكر عبد الرحمن بن أبى حاتم فى كتاب العلل عن أبيه أنه قال: محمد بن عباد بن جعفر ثقة ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة ، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه . وقال ابن منده : واختلف على أبى أسامة فروى عنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر ، وقال مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير وهو الصواب ، لأن عيسى بن يونس رواه عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل فذكره ، وأما الدارقطنى فإنه جمع بين الروايتين فقال : ولما اختلف على أبى أسامة فى إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب فى ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبى أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعاً عن محمد بن جعفر بن الزبير ، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر فصح القولان جميعاً عن أبى أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر .- - ١٠٥- ٦٤ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدثنا حَادٌ ح. وحدثنا أَبُوكامِلٍ حدثنا يَزِيِدُ - يَعْنِى ابنَ زُرَيْعٍ - عن مُمَّدِ بنِ إِسْحَفَ عنِ مُمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ، قال أَهُو كامِلٍ ابنُ الزُّبَيْرِ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُمَرَ عن أَبِهِ (( أَنَّ - ابن الزبير وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعاً، فكان أبو أسامة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد ابن عباد بن جعفر ، وكذلك البيهقى. قاله الزيلعى . قلت : هو جمع حسن . والحديث أخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه والشافعى وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطنى والبيهقى . قال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقد احتجا بجميع رواته . وقال ابن مندة : إسناده على شرط مسلم ومداره على الوليد بن كثير ، فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر ، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر . وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر والجواب : أن هذا ليس اضطراباً قادحاً ، فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظاً انتقال من ثقة إلى ثقة ، وعند التحقيق الصواب أنه عند الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبدالله ابن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم . كذا فى التلخيص . ( عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر) فكلاهما ، أى حماد بن سلمة ويزيد بن زريع يرويان عن محمد بن إسحاق . كذا فى منهية الشرح (ابن الزبير) مكان محمد بن جعفر ، أى قال أبو كامل بإسناده إلى محمد بن إسحاق عن ابن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله، وأما موسى بن إسماعيل فقال بإسناده إلى محمد ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله ، ففى رواية أبى كامل نسب محمد بن جعفر إلى جده ، وفى رواية موسى بن إسماعيل نسب إلى أبيه - - ١٠٦- رسولَ اللّه صلى اللهُ عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِى الْفَلاَةِ)) فَذَ كَرَ مَعْنَهُ. ٦٥ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدثنا خَّادٌ قال أخبرنا عَصِمُ ابنُ اُنْذِرِ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُمَرَ قال حَدَّقَى أَبِىِ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((إِذَا كَانَ الْتَاءِ قُلَّتَيْنِ فإِنَّهُ لاَ يَنْجَسُ)). - ويحتمل أن أبا كامل قال فى روايته محمد بن جعفر بن الزبير بذكر والد جعفر أى الزبير ، وقال موسى محمد بن جعفر بغير ذكر والد جعفر، والله أعلم. كذا فى [منهية] غاية المقصود ( الفلاة) بفتح الفاء: الأرض لاماء فيها، والجمع فلا ، مثل حصاة وحصى ( فذكر معناه) أى مثل الحديث الأول . ( قلتين ) والمراد من القلال قلال مجر لكثرة استعمال العرب لها فى أشعارهم كما قال أبو عبيد فى كتاب الطهور، وكذلك ورد التقيد بها فى الحديث الصحيح قال البيهقى فى معرفة السنن والآثار : قلال مجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز ولشهرتها عندهم شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال مجر ، فقال: مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال مجر . واعتذار الطحاوى فى ترك الحديث أصلاً بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذراً عند من علمه. انتهى (فإنه) أى الماء (لا ينجس) بفتح الجيم وضمها وهذا مفسر - قال الشيخ شمس الدين بن القيم فى باب ما ينجس الماء : ورواه الحاكم فى المستدرك وقال: صحيح على شرط البخارى ومسلم ، وصححه الطحاوى . رواه الوليد بن کثیر عن مد بن جعفر بن الز بير عن عبد الله بن عبد الله ابن عمر عن أبيه . هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبى أسامة عن الوليد ورواه الحميدى عن أبى أسامة : حدثنا الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله ابن عبد الله عن أبيه . فهذان وجهان . قال الدار قطنى فى هاتين الروايتين: فلما اختلف على أبى أسامة اخترنا أن نعلم من أتى بالصواب فنظرنا فى ذلك ، فإذا شعيب = -- ١٠٧- قال أَبُو دَاوُدَ: حَّادُ بنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عن عَصِيمٍ. - لقوله صلى الله عليه وسلم يحمل الحبث. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه . وسئل يحيى بن معين عن حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر فقال: هذا جيد الإسناد ، فقيل له: فإن ابن علية لم يرفعه، قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية ، فالحديث حديث جيد الإسناد . وقال أبو بكر البيهقى: وهذا إِسناد صحيح موصول . انتهى ( حماد بن زيد وقفه عن عاصم) قال الدار قطنى فى سننه: خالفه حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبى بكر بن عبيد الله ابن عبدالله بن عمر عن أبيه موقوفاً غير مرفوع ، وكذلك رواه إسماعيل بن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفاً أيضاً . انتهى. وقد سلف آنفاً ما يجاب عن هذا. واعلم أن حديث القلتين صحيح ثابت عن رسول الله - = ابن أيوب قد روى عن أبى أسامة ، وصح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعاً، وكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر . ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ، رواه جماعة عن ابن إسحاق ، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه . وفيه تقوية لحديث ابن إسحاق . فهذه أربعة أوجه . ووجه خامس : محمد بن كثير المصيصى عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم . ووجه سادس: معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر - قوله . قال البيهقى : وهو الصواب ، يعنى حديث مجاهد . ووجه سابع : بالشك فى قلتين أو ثلاث ، ذكرها يزيد بن هارون وكامل بن طلحة وإبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر ابن الزبير، قال: ((دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستاناً فيه مقرأة ماء(١) = (١) المقراة: الحوض يجتمع فيه الماء. - ١٠٨- - صلى الله عليه وسلم ومعمول به . قال يحيى بن معين: جيد الإسناد وقال البيهقى: إسناد صحيح موصول ، وصححه الدارقطنى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال ابن مندة : هو صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذى فى جامعه : قال أبو عيسى وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شىء ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحواً من خمس قرب. وفى المحلى شرح الموطأ : وقال الشافعى : ما بلغ القلتين فهو كثير لاينجس بوقوع النجاسة ، وبه قال إسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وجماعة من أهل الحديث ، منهم ابن خزيمة انتهى . وأما الجرح فى حديث القلتين كما ذهب إليه الحافظ ابن عبدالبر والقاضى إسماعيل بن إسحاق وغيرها ، فلا يقبل جرحهم إلا ببيان واضح وحجة بالغة . وقد حقق شيخنا العلامة الأجل الأ كمل السيد محمد نذير حسين الحدث الدهلوى هذا المبحث بما لامزيد عليه وقال فى آخره : وبهذا التحقيق اندفع ماقال بعض - = فيه جلد بعير ميت فتوضأ منه ، فقلت : أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟ حدثنى عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شىء)) ورواه أبو بكر النيسابورى : حدثنى أبو حميد المصيصى حدثنا حجاج، قال ابن جريج أخبر نى لوط عن ابن إسحاق عن مجاهد أن ابن عباس قال ((إذا كان الماء قلتين فصاعداً لم ينجسه شىء)). ورواه أبو بكر بن عياش عن أبان عن أبى يحي عن ابن عباس ، كذلك موقوفاً . وروى أبو أحمد بن عدى من حديث القاسم العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا بلغ الماء أربعين قلة لا يحمل الخبث )) تفرد به القاسم العمرى هكذا؛ وهو ضعيف ، وقد نسب إلى الغلط فيه، وقد ضعف القاسم أحمد والبخارى ويحيى بن معين وغيرهم . قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا على الحافظ يقول : حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم ((إذا بلغ الماء أربعين قلة)) خطأ، والصحيح عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو - قوله . قلت : كذلك رواه عبد الرزاق أخبرنا الثورى ومعمر عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص - قوله . - ١٠٩- - قاصرى الأنظار المعذورين فى بعض الحواشى على بعض الكتب ، ولا يخفى أن الجرح مقدم على التعديل فلايدافعه تصحيح بعض المحدثين له من ذكره ابن حجر وغيره. ووجه الاندفاع لا يخفى عليك بعد التأمل الصادق ألا ترى أن تقديم الجرح على التعديل فرع لوجود الجرح ، وقد نفيناه لعدم وجود وجهه وجعلناه هباءً منثوراً ، فأين المقدم وأين التقديم ، وإن سلمنا أن وجه الاضطراب فى الإسناد والمتن والمبنى فقد نفينا الاضطراب فى الإسناد وسننفى الأخيرين . وقد قال الشيخ محب الله البهارى فى المسلم : إذا تعارض الجرح والتعديل فالتقديم للجرح مطلقاً ، وقيل بل للتعديل عند زيادة المعدلين ، ومحل الخلاف إذا أطلقا أو عين الجارح شيئاً لم ينفه المعدل أو نفاه لا بيقين، وأما إذا نفاه يقيناً فالمصير إلى الترجيح اتفاقاً . وقال العلوى فى حاشيته على شرح النخبة : نعم إن عين سبباً نفاه المعدل بطريق معتبر فإنهما يتعارضان . انتهى. فثبت صلوح معارضة الجرح للتعديل ثم الترجيح للتعديل لجودة الأسانيد من حيث ثقاة الرواة . انتهى كلامه . = وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن سليمان عن عبد الرحمن بن أبى هريرة عن أبيه قال ((إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل خبثاً)) وخالفه غير واحد ، فرووه عن أبى هريرة، فقالوا (أربعين غرباً)) ومنهم من قال ((دلواً)) قاله الدار قطنى. والاحتجاج بحديث القلتين مبنى على ثبوت عدة مقامات : (الأول) صحة سنده. (الثانى) ثبوت وصله، وأن إرساله غير قادح فيه. ( الثالث ) ثبوت رفعه، وأن وقف من وقفه ليس بعلة. (الرابع) أن الاضطراب الذى وقع فى سنده لا يوهنه. ( الخامس) أن القلتين مقدرتان بقلال مجر. (السادس) أن قلال مجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار، (السابع) أن القلة مقدرة بقريتين حجازيتين ، وأن قرب الحجاز لا تتفاوت. ( الثامن ) أن المفهوم حجة. (التاسع) أنه مقدم على العموم. (العاشر) أنه مقدم على القياس الجلى. (الحادى عشر) أن المفهوم عام فى سائر صور المسكوت عنه. (الثانى عشر) أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد (الثالث عشر) الجواب عن المعارض = - ١١٠- = ومن جعلهما خمسمائة رطل احتاج إلى مقام. (رابع عشر) وهو أنه يحمل الشىء نصفاً احتياطاً . (ومقام خامس عشر) أن ماوجب به الاحتياط صار فرضاً . قال المحددون : الجواب عما ذكرتم : أما صحة سنده فقد وجدت ، لأن رواته ثقات ، ليس فيهم مجروح ولامتهم . وقد سمع بعضهم من بعض. ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوى وغيرهم . وأما وصله، فالذين وصلوه ثقاة، وهم أكثر من الذين أرسلوه، فهى زيادة من ثقة ، ومعها الترجيح. وأما رفعه فكذلك . وإنما وقفه مجاهد على ابن عمر ، فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفاً لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد الله له من ابن عمر مرفوعاً . فإن قلنا : الرفع زيادة، وقد أتى بها ثقة، فلا كلام . وإن قلنا: هى اختلاف وتعارض ، فعبيد الله أولى فى أيه من مجاهد ، لملازمته له وعلمه بحديثه ، ومتابعة أخيه عبد الله له . وأما قولك: إنه مضطرب ، فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه ، إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد ومحمد بن جعفر ، كما قال الدار قطنى : قدصح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعاً ، فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين ، وكذلك لامانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعاً عن أبيهما ، فرواه المحمدان عن هذا تارة ، وعن هذا تارة . وأما تقدير القلتين بقلال مهجر ، فقد قال الشافعى : حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج - بإسناد لا يحضرنى ذكره - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً)) وقال فى الحديث: ((بقلال مجر)) وقال ابن جريج : أخبرنى محمد أن يحيي بن عقيل أخبره أن يحيي بن يعمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً ولا بأساً ، قال : فقلت ليحي ابن عقيل : فلال مجر ؟ قال : قلال مجر ، قال : فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين . قال ابن عدى : محمد هذا: هو محمد بن يحيى ، يحدث عن يحي بن أبى كثير ويحيى بن عقيل . قالوا: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها لهم فى حديث المعراج ، وقال فى سدرة المنتهى: ((فإذا نبقها مثل قلال مجر)) فدل على أنها معلومة عندهم . وقد قاب يحي بن آدم، ووكيع ، وابن إسحاق : القلة : الجرة . وكذلك قال مجاهد : القلتان : الجرتان . - ١١١- = وأما كونها متساوية المقدار ، فقد قال الخطابى فى معالمه : قلال مجر : مشهورة الصنعة معلومة المقدار ، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان . وهو حجة فى اللغة . وأما تقديرها بقرب الحجاز ، فقد قال ابن جريج : رأيت القلة تسع قربتين . وابن جريج حجازى ، إنما أخبر عن قرب الحجاز ، لا العراق ولا الشام ولا غيرها . وأما كونها لا تتفاوت، فقال الخطابى : القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوة على مثال واحد ، يريد أن قرب كل بلد على قدر واحد ، لا تختلف . قال : والحد لا يقع بالمجهول . وأما كون المفهوم حجة ، فله طريقان : أحدهما : التخصيص . والثانى : التعليل . أما التخصيص ، فهو أن يقال: تخصيص الحكم بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة ، وهى نفى الحكم عما عدا المنطوق . وأما التعليل فيختص التعليل فيختص بمفهوم الصفة، وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له ، فينتفى الحكم بانتفائها . فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوى ، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطاً له . وأما تقديمه على العموم ، فلاُل دلالته خاصة ، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة ، وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم ، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإِناء من ولوغ الكلب وإراقته ، وبحديث النهى عن غمس اليد فى الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل ؟ وأما تقديمه على القياس الجلى فواضح ، لأن القياس عموم معنوى ، فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظى فتقديمه على المعنوى بطريق الأولى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس ، تكروجها من مقتضى لفظ العموم . وأما كون المفهوم عاماً ، فلأنه إنما دل على نفى الحكم عما عدا للمنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة ، فلا يجوز نفى = - ١١٢ - = الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم. ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص ، فتعين بقيد عن جميعها . وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد : فلأنه عدد صدر من الشارع فكان تحديداً وتقيداً، كالخمسة الأوسق ، والأربعين من الغنم، والخمس من الإبل ، والثلاثين من البقر ، وغير ذلك ، إذ لابد للعدد من فائدة ، ولا فائدة له إلا التحديد . وأما الجواب عن بعض المعارض ، فليس معكم إلا عموم لفظى ، أو عموم معنوى وهو القياس ، وقد بينا تقديم المفهوم عليهما . وأما جعل الشىء نصفاً ، فلأنه قد شك فيه ، فعدماه نصفاً احتياطياً، والظاهر أنه لا يكون أكثر منه، ويحتمل النصف فما دون ، فتقديره بالنصف أولى . وأما كون ما أوجب به الاحتياط يصير فرضاً، فلأن هذا حقيقة الاحتياط ، كإمساك جزء من الليل مع النهار ، وغسل جزء من الرأس مع الوجه . فهذا تمام تقرير هذا الحديث سنداً ومتناً ، ووجه الاحتجاج به . قال المانعون من التحديد بالقلتين : أما قولكم: إنه قد صح سنده ، فلا يفيد الحكم بصحته ، لأن صمه السند شرط أو جزء سبب للعلم بالصحة لا موجب تام ، فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحديث . أما الشذوذ فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام ، والطاهر والنجس ، وهو فى المياه كالأوسق فى الزكاة، والنصب فى الزكاة، فكيف لا يكون مشهوراً شائعاً بين الصحابة ينقله خلف عن سلف ، لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة ؟ فإن أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول ووجوب غسله ، ونقل عدد الركعات ، ونظائر ذلك. ومن المعلوم : أن هذا لم يروه غير ابن عمر ، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله ، فأين نافع ، وسالم ، وأيوب ، وسعيد بن جبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التى مخرجها من عندهم ، وهم إليها أحوج الخلق ، لعزة الماء عندهم ؟ ومن البعيد جداً أن تكون هذه السنة عند ابن عمر وتخفى على علماء= -١١٣- = أصحابه وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم، ولا يروونهاويديرونها بينهم. ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا، فلو كانت هذه للسنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقول الناس بها وأرواهم لها . فأى شذوذ أبلغ من هذا؟ وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه عنده سنة من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه شذوذه . وأما عِلَيْهِ : ثمن ثلاثة أوجه : أحدها : وقف مجاهد له على ابن عمر ، واختلف فيه عليه ، واختلف فيه على عبيد الله أيضاً ، رفعاً ووقفاً . ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزى ، وأبو العباس ابن تيمية وقفه ، ورجح البيهقى فى سننه وقفه من طريق مجاهد ، وجعله هو الصواب قال شيخنا أبو العباس : وهذاً كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه ، فنقل ابنه ذلك عنه . قلت : ويدل على وقفه أيضاً : أن مجاهداً - وهو العلم المشهور الثبت - إنما رواه عنه موقوفاً . واختلف فيه على عبيد الله وقفاً ورفعاً ... العلة الثانية : اضطراب سنده ، كما تقدم . العلة الثالثة: اضطراب منه، فإن فى بعض ألفاظه ((إذا كان الماء قلتين)) وفى بعضها (( إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث)) والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدم . قالوا : وأما تصحيح من صححه من الحفاظ ، فمعارض بتضعيف من ضعفه ، وممن ضعفه حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر وغيره . ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة . قالوا : وأما تقدير القلتين بقلال مجر ، فلم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شىء أصلا. وأما ما ذكره الشافعى فمنقطع، وليس قوله: ((بقلال مجر)) فيه: من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، ولا أضافه الراوى إليه، وقد صرح فى الحديث أن التفسير بها من كلام يحي بن عقيل . فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحد الفاصل بين الحلال والحرام ، الذى تحتاج إليه جميع الأمة ، = (٨ - عون المعبود ١) - ١١٤ - - لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع ؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: وأما ذكرها فى حديث المعراج ، فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبى صلى عليه وسلم نبق السدرة بها! وما الرابط بين الحكمين؟ وأى ملازمة بينهما ؟ الكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها ؟ ! وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد. والتقييد بها فى حديث المعراج لبيان الواقع ، فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه؟ وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة ، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها . والظاهر أن الإطلاق فى حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التى هى أعرف عندهم ، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها ، فالإطلاق إنما ينصرف إليها ، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد بلد دون غيره ، هذا هو الظاهر ، وإنما مثل النبى صلى الله عليه وسلم بقلال مجر، لأنه هو الواقع فى نفس الأمر ، كما مثل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعى الجوزة ، دون النخل. وغيره من أشجارهم ، لأنه هو الواقع ، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم . وهكذا التمثيل بقلال مجر ، لأنه هو الواقع ، لا لكونها أعرف القلال عندهم . وهذا بحمد الله واضح. وأما قولكم: إنها متساوية المقدار ، فهذا إنما قاله الخطابى ، بناه على أن ذكرها تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية. وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة فى نقله، ولا أخبر به عيان . ثم إن الواقع بخلافه ، فإن القلال فيها الكبار والصغار فى العرف العام أو الغالب ، ولا تعمل بقالب واحد . ولهذا قال أكثر السلف: القلة الجرة. وقال عاصم بن المنذر - أحد رواة الحديث -: القلال الخوابى العظام . وأما تقديرها بقرب الحجاز فلاننازعكم فيه ، ولكن الواقع أنه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب فرآها تسعهما ، فهل يلزم من هذا أن كل قلة من قلال مجر تأخذ قربتين من قرب الحجاز ؟ وأن قرب الحجاز كلها على قدر واحد ، ليس فيها صغار وكبار؟ ومن جعلها متساوية فإنما مستنده أن قال : التحديد لا يقع بالمجهول ، فياسبحان الله! إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستنداً إلى صاحب الشرع ، فأما والتقدير بقلال مجر وقرب الحجاز تحديد يحيي بن عقيل وابن جريح ، فكان ماذا ؟ - ١١٥- = وأما تقرير كون المفهوم حجة ، فلا تنفعكم مساعدتنا عليه ، إذ المساعدة على مقدمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل . وأما تقديمكم له على العموم فممنوع ، وهى مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء ، وفيها قولان معروفان . ومنشأ النزاع تعارض خصوص المفهوم وعموم المنطوق ، فالخصوص يقتضى التقديم، والمنطوق يقتضى الترجيح، فإن رجحتم المفهوم بخصوصه ، رجح منازعوكم العموم بمنطوقه . ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من وجوه: أحدها : أن حديثه أصح . الثانى : أنه موافق للقياس الصحيح . الثالث : أنه موافق لعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً ، فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدد الماء بقلتين ، وعملهم بترك التحديد فى المياه عمل نقلى خلفاً عن سلف ، نجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأجناس ، وترك أخذ الزكاة من الخضروات ، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم، دون ماطريقه الاجتهاد والاستدلال. فإنهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم . فتأمل هذا الموضع. فإن قيل : ماذكرتم من الترجيح ثمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهى عن البول فى الماء الراكد ، والأمر بإراقة ماولغ فيه الكلب ، والأمر بغسل اليد من نوم الليل، فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير ، ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها ، بل لابد من تقديره ، فتقدير. بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما، لأن التقدير بالحركة، والأذرع المعينة، وما يمكن نزحه وما لا يمكن - تقديرات باطلة لا أصل لها، وهى غير منضبطة فى نفسها ، قرب حركة تحرك غديراً عظيماً من الماء ، وأخرى تحرك مقداراً يسيراً منه ، بحسب المحرك والمتحرك. وهذا التقدير بالأذرع تحكم محض لا بسنة ولا قياس، وكذا التقدير بالنزح الممكن مع عدم انضباطه، فإن عشرة آلاف مثلا يمكنهم نزح ما لا ينزحه غيرهم، فلا ضابط له . وإذا بطلت هذه التقديرات - ولابد من تقدير - فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته، إما عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وإما عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم. قيل : هذا السؤال مبنى على مقامات. أحدها : أن النهى فى هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة المناء المنهى عنه، - ١١٦ - = والثانى : أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء ، بل يختص ببعض المياه دون بعض. والثالث : أنه إذا تعين التقدير ، كان تقديره بالقلتين هو المتعين . فأما المقام الأول فنقول : ليس فى شىء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول والولوغ وغمس اليد فيه . أما النهى عن البول فيه فليس فيه دلالة على أن الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه ، بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه، فإن الأبوال متى كثرت فى المياه الدائمة أفسدتها، ولو كانت قلالاً عظيمة. فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين ، فيجوز للناس أن يبولوا فى القلتين فصاعداً ، وحاشى للرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين ، ويكون قد جوز للناس البول فى كل ماء بلغ القلتين ؟ أو زاد عليهما ، وهل هذا إلا إلغاز فى الخطاب ، أن يقول (( لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى)) ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقى أو خمسمائة، مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم ؟! وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر، وكل هذا خلاف مدلول الحديث ، وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة . فإنهم ينهون عن البول فى هذه المياه ، وإن كان مجرد البول لا ينجسها ، سداً للذريعة. فإنه إذا مكن الناس من البول فى هذه المياه - وإن كانت كبيرة عظيمة - لم تلبث أن تغير وتفسد على الناس ، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال . وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلى فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك. فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه صلى الله عليه وسلم، ومقصوده، وحكمته بنهيه، ومراعاته مصالح العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم وعلف دوابهم . فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر، ويدل عليها تصرف الشرع فى موارده ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ، ويشهد لها بالصحة . وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقى، أو بما يتحرك أو لا يتحرك ، أو بعشرين ذراعاً مكسرة ، أو بما لا يمكن تزحه - فأقوال ، كل منها بكل معارض ، وكل بكل مناقض ، لا يشم منها رائحة الحكمة ، ولا يشام منها بوارق المصالحة، ولا تعطل بها المفسدة المخوفة . فإن الرجل إذا علم أن النهى إنما تناول هذا المقدار من = - ١١٧- = الماء لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه ، وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال . وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإيطال كان هو الباطل المحال . ومما يدل على هذا أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر فى النهى وصفاً يدل على أنه هو المعتبر فى النهى، وهو كون الماء ((دائماً لا يجرى)) ولم يقتصر على قوله ((الدائم)) حتى نبه على العلة بقوله ((لا يجرى)) فتقف النجاسة فيه ، فلا يذهب بها . ومعلوم أن هذه العلة موجودة فى القلتين وفيما زاد عليهما . والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى ، حيث اعتبروا القلتين حتى فى الجارى ، وقالوا : إن كانت الجرية قلتين فصاعداً لم يتأثر بالنجاسة ، وإن كانت دون . القلتين تأثرت ، وألغوا كون الماء جارياً أو واقفاً ، وهو الوصف الذى اعتبره . الشارع. واعتبروا فى الجارى والواقف القلتين. والشارع لم يعتبره ، بل اعتبر الوقوف والجريان . فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديث ولم تقيدوه بماء دون ماء ، لزمكم المحال، وهو أن ينهى عن البول فى البحر ، لأنه دائم لا يجرى . قيل: ذكره صلى الله عليه وسلم ((الماء الدائم الذى لا يجرى)) تنبيه على أن حكمة النهى إنما هى ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم ، وأن النهى إنما تعلق بالمياه الدائمة التى من شأنها أن تفسدها الأبوال. فأما الأنهار العظام والبحار فلم يدل نهى النبى صلى الله عليه وسلم عليها بوجه ، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول فى الأنهار العظام - كالغيل والفرات - جواز البول فى البحار أولى وأحری ، ولو قدر أن هذا تخصيص لعموم كلامه ، فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقلتين ، أو ما لا يمكن تزحه، أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه، لأن المفسدة المنهى عن البول لأجلها لا تزول فى هذه المياه ، بخلاف ماء البحر فإنه لا مفسدة فى البول فيه . وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلى فى الظل . وبوله صلى الله عليه وسلم فى ظل الشجرتين. واستقاره بجذم الحائط ، فإنه نهى عن التخلى فى الظل النافع ، وتخلى مستتراً بالشجرتين والحائط ، حيث لم ينتفع أحد بظلهما ، فلم يفسد ذلك الظل على أحد . وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى عن البول فى الماء الدائم ، مع أنه قد يحتاج إليه، فلأن ينهى عن البول فى إناء ثم يصبه فيه بطريق = - ١١٨- = الأولى. ولا يستريب فى هذا من علم حكمة الشريعة ، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم. ودع الظاهرية البحتة ، فإنها تقسى القلوب ، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها ، وما أودعته من الحكم والمصالح والعدل والرحمة . وهذه الطريق - التى جاءتك عفواً تنظر إليها نظر متكىء على أريكته - قد تقطعت فى مفاوزها أعناق المطى ، لا يسلكها فى العالم إلا الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة ، والاحتمالات المتعددة ، والتقديرات المستبعدة . فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية، وخدمه بها، وجعله أصلا محكما يرد إليه متشابها ، فما وافقه منها قبله ، وما خالفه تكلف له وجوهاً بالرد غير الجميل ، فما أتعبه من شقی ، وما أقل فائدته ! ومما يفسد قول المحددين بقلتين أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن البول فى الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول، هكذا لفظ الصحيحين: ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى ثم يغتسل فيه)) وأنتم تجوزون أن يغتسل فى ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه . وهذا خلاف صريح للحديث ! فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم ، وإن جوز موه خالفتم الحديث ، فإن جوزتم البول والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعاً . ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال فى الماء اليسير ولم يتغير جوزتم له الغسل فيه ، لأنا لم نعلل النهى بالتنجيس، وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس ، كما تقدم ، فلا يرد علينا هذا . وأما إذا كان الماء كثيراً فبال فى ناحية ثم اغتسل فى ناحية أخرى لم يصل إليها البول ، فلا يدخل فى الحديث ، لأنه لم يغتسل فى الماء الذى بال فيه ، وإلا لزم إذا بال فى ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبداً ، وهو فاسد . وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغسل فيه بعد البول ، لما يفضى إليه من إصابة البول له . ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل فى مستحمه . وذلك لما يفضى إليه من تطاير رشاش الماء الذى يصيب البول، فيقع فى الوسواس ، كما فى الحديث (( فإن عامة الوسواس منه)) حتى لو كان المكان مبلطاً لا يستقر فيه البول ، بل يذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء. = -١١٩- ونظير هذا منع البائل أن يستجمر أو يستنجى موضع بوله ، لما يفضى إليه من التلوث بالبول . ولم يرد النبى صلى الله عليه وسلم بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه . والذى يدل على ذلك : أنه قيل له فى بئر بضاعة ((أنتوضأ منها وهى بئر يطرح فيها الحيض(١) ولحوم الكلاب وعذر الناس؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شىء)). فهذا نص مميح صريح على أن المساء لا ينجس بملاقاة النجاسة ، مع كونه واقفاً ، فإن بئر بضاعة كانت واقفة ، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلا . فلا يجوز تحريم ما أباحه وفعله ، قياساً على ما نهى عنه ، ويعارض أحدهما بالآخر ، بل يستعمل هذا وهذا ، هذا فى موضعه ، وهذا فى · موضعه ، ولا تضرب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض . فوضوؤه من بئر بضاعة - وحالها ما ذكروه له - دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ، ما لم يتغير . ونهيه عن الغسل فى الماء الدائم بعد البول فيه، لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول ، كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره ، فاستعملنا السنن على وجوهها . وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنه كان أكثر من قلتين ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه ، ولا دل كلامه عليه بوجه . وإنما علل بطهورية الماء ، وهذه علة مطردة فى كل ماء. قل أو كثر ، ولا يرد المتغير ، لأن طهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها ، فلا يدخل فى الحديث ، على أنه محل وفاق فلا یناقض به . وأيضاً : فلو أراد صلى الله عليه وسلم النهى عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أى نجاسة كانت لأتى بلفظ يدل عليه . ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على مقدار ولا تنجيس ، فلا يحمل مالا يحتمله . ثم إن كل من قدر الماء المتنجس بقدر خالف ظاهر الحديث. فأصحاب الحركة خالفوه ، بأن قدروه بما لا يتحرك طرفاه ، وأصحاب الزح خصوه بما لا يمكن نزحه ، وأصحاب القلتين خصوه بمقدار القلتين . وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره ولم يخصه ولم يقيده، بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضى إلى إفساده منع من جوازها ، وإلا منع من اغتساله فى موضع بوله كالبحر ، ولم يمنع من بوله فى مكان واغتساله فى غيره . (١) بكسر الحاء وفتح الياء. -١٢٠ - = وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم - لوقوع النجاسة فيه - فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به ، وقال بشىء لا يدل عليه لفظ الحديث . لأنه إن عم النهى فى كل ماء بطل استدلاله بالحديث ، وإن خصه بقدر خالف ظاهره ، وقال مالادليل عليه ، ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك القدر وهذا لا يقوله أحد . فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير . وأما من قدره بالحركة ، فيدل على بطلان قوله : أن الحركة مختلفة اختلافاً لا ينضبط، والبول قد يكون قليلا وقد يكون كثيراً، ووصول النجاسة إلى الماء أمر حسى ، وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات ، فيالله العجب ! حركة الطهارة ميزان ومعيار على وصول النجاسة وسريانها ، مع شدة اختلافها؟! ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول ، ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة، وما كان هكذا لم يجز أن يجعل حداً فاصلا بين الحلال والحرام . والذين قدروه بالنزح أيضاً قولهم باطل ، فإن العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحه. وأما حديث (ولوغ الكلب)) فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا، فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قيده أو خصصه خالف ظاهره ، فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب ، كان احتجاجه باطلا . فإن الحديث إن كان حجة له فى التنجيس بالملاقاة ، فهو حجة عليه فى العدد والتراب . فأما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه، ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا . ثم هم يخصونه بالماء الذى لا تبلغ الحركة طرفيه ، وأين فى الحديث ما يدل على هذا التخصيص ؟ ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر: وهو أنه إذا كان الماء رقيقاً جداً، وهو منبسط انبساطاً لا تبلغه الحركة : أن يكون طاهراً ولا يؤثر الولوغ فيه، وإذا كان عميقاً جداً وهو متضايق، بحيث تبلغ الحركة طرفيه : أن يكون نجساً ، ولو كان أضعاف أضعاف الأول . وهذا تناقض بين لا محيد عنه . =