النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٨١ -
بالمَاءِ - قال زَ كَريَّا قال مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ
المَضْمَضَةَ)).
٥٣ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بنُ شَبِيبٍ قالا أخبرنا حَّادٌ"
- الرائحة . وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف ومن نظر
إلى المعنى أجازه بكل مزيل ( وحلق العانة ) قال النووى : المراد بالعانة الشعر
الذى فوق ذكر الرجل وحواليه وكذا الشعر الذى حوالى فرج المرأة ، ونقل عن
أبى العباس بن سريج: أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر ، فتحصل عن مجموع
هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما ، لكن قال ابن دقيق
العيد قال أهل اللغة: العانة : الشعر النابت على الفرج ، وقيل هو منبت الشعر ،
فكأن الذى ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس .
قال: والأولى فى إزالة الشعر ههنا الحلق اتباعاً ( يعنى الاستنجاء بالماء) هذا
التفسير من وكيع كما بينه قتيبة فى رواية مسلم: فسره وكيع بالاستنجاء . وقال
أبو عبيدة وغيره : انتقاص البول باستعمال الماء فى غسل المذا كير. قال النووى
انتقاص بالقاف والصاد : هو الانتضاح، وقد جاء فى رواية الانتضاح بدل
انتقاص الماء. قال الجمهور: الانتضاح: نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفى
عنه الوسواس . انتهى. وقال فى القاموس: الانتقاص بالفاء : رش الماء من
خلل الأصابع على الذكر، والانتقاص بالقاف : مثله ، واستدل به على أن فى
الماء خاصية قطع البول (أن تكون ) العاشرة ( المضمضة ) فهذا شك من
مصعب فى العاشرة ، لكن قال القاضى عياض: ولعلها الختان المذكور مع
الخمس. قال النووى : وهو أولى. قال المنذرى : وأخرجه مسلم والترمذى
والنسائى وابن ماجه ، وقال الترمذى : هذا حديث حسن .
(٦ - عون المعبود ١)

- ٨٢ -
عن عَلِّ بنِ زَيْدٍ عن سَلَّمَةَ بنِ مُمْدِ بنِ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ، قال مُوسَى عن أَبِهِ،
وقال دَاوُدُ عن عَمَّرِ بنِ يَاسِرٍ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((إِنَّ مِنَ
الْفِطْرَةِ المَصْمَضَةَ وَالإِسْتِنْشَاقَ. فَذَ كَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْ كُرْ إِعْفَاءَ اللّحْيَةِ، وَزَادَ
وَالْتَنَ، قال: وَالاِ نْتِضَحَ، وَلَمْ يَذْ كُرْ انْتِقَصَ الْمَاءِ - يَعْنِ الاِسْتِنْجَاءَ))
قَال أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ تَحْوُهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ وقال: ((َمْسٌ كُلُّهَا فِى
الرَّأْسِ)) وَذَ كَرَ فِيهِ الْفَرْقَ وَلَمْ يَذْ كُرْ إِعْفَاءَ اللَّحْيَةِ.
- (عن سلمة ) المدنى مجهول الحال ( قال موسى) بن إسماعيل (عن أبيه)
محمد بن عمار بن ياسر العنسى ذكره ابن حبان فى الثقاة . قال المنذرى فى تلخيصه
وحديث سلمة بن محمد عن أبيه مرسل لأن أباه ليست له صحبة . انتهى ( وقال
داود عن عمار بن ياسر ) قال المنذرى: وحديثه عن جده عمار. قال ابن معين :
مرسل. وقال إنه لم ير جده. انتهى. وعمار بن ياسر صحابى جليل . والحاصل
أن سلمة بن محمد بن عمار إن روى عن أبيه فالحديث مرسل لأن محمد بن عمار لم
يثبت له صحبة، وإن روى عن جده عماراً ( فذكر نحوه) أى ذكر عمار بن ياسر
ومحمد نحو حديث عائشة، وتمام حديث عمار بن ياسر على ماجاء فى رواية ابن ماجة
قال: ((من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار
ونتف الإبط والاستحداد وغسل البراجم والانتضاح والاختتان» ( ولم يذكر)
أحدهما فى حديثه ( وزاد) أحدهما ( قال) أى أحدهما، وحاصل الكلام أن
الحديث ليس فيه ذكر إعفاء اللحية وانتقاص الماء ، وزاد فيه الختان والانتضاح
وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينتقى عنه الوسواس (وروى) بالبناء
للمجهول (نحوه) أى نحو حديث سلمة بن محمد (الفرق) بفتح الفاء وسكون الراء:
هو أن يقسم رأسه نصفاً من يمينه ونصفاً من يساره (ولم يذكر) ابن عباس -

- ٨٣ -
قال أَبُو داوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثٍ حَمَّادٍ عن طَلْقِ بنِ حَبِبٍ وَيُجَاهِدٍ
وعن بَكْرٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِّ قَوْلُهُمْ ، وَلَمْ يَذْ كُرُوا إِعْفَاءَ اللّحْيَةِ.
وفى حَدِيثِ مُمٍَّ بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى مَرْيَ عن أَبِى سَلَمَةً عن أَبِى هُرَيْرَةَ
عن النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فِهِ: وَ إِعْفَاءِ اللَّحْيَةِ.
وعن إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىَّ نَحْوَهُ ، وَذَ كَرَ إِعْفَءَ اللَّحْيَةِ وَالْتَنَ.
٣٠ - باب السواك لمن قام بالليل
٥٤ - حدثنا مُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أخبرنا سُفْيَانُ عن مَنْصُورٍ وَحُصَينٍ عن
أَبِى وَائِلٍ عن حُذَيْفَةَ قال: (( إِنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ
مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَهُ بِالسِّوَاكِ » .
- وهذا الأثر وصل عبد الرزاق فى تفسيره والطبرى من طريقه بسند صحيح واللفظ
لعبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﴿ وإذ ابتلى
إبراهيم ربه بكلمات﴾ قال ابتلاه الله بالطهارة خمس فى الرأس وخمس فى الجسد،
فى الرأس : قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس ، وفى
الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول
بالماء (روى) بالبناء للمجهول ( قولهم ) مفعول ما لم يسم فاعله (روى) أى
قول طلق بن حبيب ومجاهد وبكر المزنى موقوفاً عليهم دون متصل مرفوع ( ولم
يذكروا هؤلاء فى حديثهم ( نحوه ) أى نحو حديث محمد بن عبد الله (وذكر)
أى إبراهيم فى روايته . قال المنذرى : وأخرجه ابن ما جه .
( باب السواك .. إلخ)
(إذا قام من الليل) ظاهر قوله من الليل عام فى كل حالة ويحتمل أن يخص -

- ٨٤ -
٥٥ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ حدثنا حَدٌ أخبرنا بَهْزُ بنُ حَكِيمِ
عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى عن سَعْدِ بنِ هِشَامٍ عِن عَائِشَةَ ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه
وسلم كَانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوؤُهُ وَسِوَاكُ، فَإِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ تَّى ثُمَّ اسَْكَ ».
٥٦ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أخبرنا ◌َمَمٌ عن عَلِيِّ بنِ زَيْدٍ عن أُمّ ◌ُمَّدٍ
عن عَائِشَةَ ((أَنَّ النَِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ لاَ يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَ نَهَرٍ
فَيَشَيْقِظُ إِلاَّ يَتَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ)).
٥٧ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا هُشَمٌْ أخبرنا حُصَيْنٌ عن حَبِيبِ بنِ
- بما إذا قام للصلاة ويدل عليه رواية البخارى فى الصلاة بلفظ ((إذا قام للتهجد))
ولمسلم نحوه ، وكذا فى ابن ماجه فى الطهارة ( يشوص ) بفتح الياء وضم الشين
المعجمة وبالصاد المهملة : ذلك الأسنان بالسواك عرضاً . قاله ابن الأعرابى
والخطابى وغيرهما ، وقيل: هو الغسل. قاله الهروى وغيره، وقيل غير ذلك .
قال النووى: أظهرها الأول وما فى معناه ( فاه بالسواك) لأن النوم يقتضى تغير
الفم ، فيستحب تنظيفه عند مقتضاه . قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم
والنسائى وابن ماجه .
(وضوؤه) بفتح الواو، أى ماء يتوضأ به (تخلى ) أى قضى حاجته. قال
المنذرى : وفى إسناده بهز بن حكيم بن معاوية ، وفيه مقال .
( عن علىّ بن زيد) بن جدعان فيه مقال ( عن أم محمد) واسمها أمية أو أمينة
هى زوجة زيد بن جدعان تفرد عنها ربيبها على بن زيد ، مجهولة ( لا يرقد ) بضم
القاف : أى لا ينام . قال فى المصباح: رقد : نام ليلا كان أو نهاراً ، وبعضهم
يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق. انتهى. قال المنذرى: فى إسناده على بن
زيد بن جدعان ولا يحتج به .

- ٨٥ -
أَبِى ثَابِتٍ عن مُمَّدٍ بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَسٍ عن أَبِهِ عن جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ
ابنِ عَبََّسٍ قال: (( بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، فَمَا اسْتَيْفَظَ مِنْ
مَنَمِهِ أَنَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِوَا كَهُ فَاسْتَكَ ثُمَّ تَلَاَ هَذِهِ الْآيَاتِ ﴿ إِنَّ فِى خَلْقٍ
السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِىِ الْأَلْبَبِ) حَتَّى
قَرَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلَّهُ فَصَلّى رَ كْمَتَيْنِ،
ثُمَ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَ مَشَاءَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ
إِلَى فِرَاشِهِ فَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، كلُّ ذَلِكَ يَسْتَكُ وَيُصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ )).
قال أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابنُ فُضَيْلٍ عن حُصَيْنِ قال: فَنَسَوَّكَ وَتَوَضَّأْ وَهُوَ
يَقولُ ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى خَمَ الشُّورَةَ.
( بت) متكلم من بات: أى نمت ( طهوره) بفتح الطاء : ما يتطهر به .
( ثم تلا) أى قرأ بعد الاستياك (هذه الآيات ) من سورة آل عمران: ﴿إن
فى خلق السماوات والأرض) وما فيهما من العجائب (واختلاف الليل والنهار)
بالجىء والذهاب والزيادة والنقصان ﴿الآيات) دلالات ﴿لأولى الألباب)
لذوى العقول (أو) شك من ابن عباس (مصلاه) أى فى المكان الذى اتخذه
لصلاته ( ثم استيقظ ففعل مثل ذلك ) فصار مجموع صلاته صلى الله عليه وسلم
ست ركعات (كل ذلك يستاك ويصلى ركعتين) هذا تفسير لقوله مثل ذلك
(ثم أوتر) أخرج المؤلف فى باب صلاة الليل من رواية عثمان : أوتر بثلاث
ركعات ( رواه) أى الحديث المذكور (قال) أى ابن عباس (حتى ختم السورة)
من غير شك . قال المنذرى : وأخرجه مسلم مطولا والنسائى مختصراً ، وأخرجه
أبو داود فى الصلاة من رواية كريب عن ابن عباس بنحوه أتم منه ، ومن -
١

- ٨٦ -
٥٨ - حدثنا إِبْرَاهِيمٍ بنُ مُوسَى الرَّازِىُّ قال حدثنا عِيسَى حدثنا مِسْعَرٌ
عن الْقِدَامِ بنِ شُرَّحٍ عِنْ أَبِهِ قال ((قُلْتُ لِمَائِشَةَ: بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ يَبْدَأُ
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالَتْ: بالسِّوَاكِ)).
- ذلك الوجه أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه مطولا
ومختصراً. انتهى.
( قال ) أى شريح ( بأى شىء كان يبدأ) من الأفعال (بالسواك) فيه بيان
فضيلة السواك فى جميع الأوقات وشدة الاهتمام به ، وتكراره لعدم تقييده بوقت
الصلاة والوضوء . والحديث أخرجه الجماعة إلا البخارى والترمذى . واعلم أن
هذا الحديث ليس فى عامة النسخ ، وكذا ليس فى مختصر المنذرى ولا الخطابى ،
وإنما وجد فى بعض النسخ المطبوعة ، ففى بعضها فى هذا الباب ، أى فى باب
السواك لمن قام بالليل ، وفى بعضها فى باب الرجل يستاك بسواك غيره، ولايخفى
أنه لا يطابق الحديث ترجمة البابين فراجعت إلى جامع الأصول للحافظ ابن الأثير
فلم أجد هذا الحديث فيه من رواية أبى داود بل فيه من رواية مسلم، وأما الإمام
ابن تيمية فنسبه فى المنتقى إلى الجماعة إلا البخارى والترمذى ، وكذا الشيخ كمال
الدين الدميرى فى ديباجة حاشية ابن ماجه نسبه إلى ابن ماجه وغيره، فازداد
إشكالا ، ثم منَّ الله علىّ بمطالعة تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ جمال
الدين المزى ، فرأيته أنه نسبه إلى مسلم وأبى داود والنسائى وابن ماجه، وقال
حديث أبى داود فى رواية أبى بكر بن داسة . انتهى . فعلم أن وجه عدم مطابقة
الحديث ترجمة البابين هو أن الحديث ليس فى رواية اللؤلؤى أصلا، وإنما درجه
الناسخ فيها من رواية ابن داسة خلط والله أعلم. ويمكن أن يقال فى وجه المناسبة
إنه إذا كان يستاك عند دخوله البيت بغير تقييد بوقت الصلاة والوضوء فبالأولى
أن يستاك إذا قام من الليل للصلاة .

- ٨٧ -
٣١ - باب فرض الوضوء
٥٩ - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدثنا شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ عن أبى الملِيحِ
عن أبيهِ عن النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولِ،
وَلاَ صَلَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ )) .
٦٠ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مُمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ قال حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا
مَعْمَرٌ عِن هَمَّمٍ بِنِ مُنَبٍِّ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
( باب فرض الوضوء)
أى الوضوء فرض لا تصح الصلاة بدونه .
( من غلول ) ضبطه النووى ثم ابن سيد الناس بضم الغين المعجمة . قال
أبو بكر بن العربى: الغلول : الخيانة خفية ، فالصدقة من مال حرام فى عدم
القبول واستحقاق العقاب كالصلاة بغير طهور . انتهى. وقال القرطبى فى المفهم:
الغلول : هو الخيانة مطلقاً والحرام . وقال النووى : الغلول: الخيانة ، وأصله
السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة . انتهى ( بغير طهور ) قال ابن العربى فى
عارضة الأحوذي قراءته بفتح الطاء وهو بضمها عبارة عن الفعل وبفتحها عبارة
عن الماء . وقال ابن الأثير: الطهور بالضم : التطهر وبالفتح الماء الذى يتطهر به.
قال السيوطى وقال سيبويه : الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً ، فعلى
هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها ، والمراد التطهر . انتهى .
وضبطه ابن سيد الناس بضم الطاء لاغير . وقال أبو بكر بن العربى: قبول الله
العمل هو رضاه وثوابه عليه. قال المنذرى : وأخرجه النسائى وابن ماجة ،
وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجة من حديث ابن عمر رضى الله عنهما ،
والصلاة فى حديث جميعهم مقدمة على الصدقة . انتهى .

- ٨٨ =
((لاَ يَقْبَلُ اللهُ تَعَلَى جَلَّ ذِكْرُهُ صَلَةَ أَحَدِمُ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)).
٦١ - حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ قال حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَنَ عن ابنِ
عَقِيلٍ عن مُمَّدِ بنِ الْخَنَفِيَّةِ عن عَلِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال قال رسولُ الله صلى اللهُ
عليه وسلم: ((مِفْتَحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهاَ التَّسْلِيمُ)).
( إذا أحدث) أى وجد منه الحدث الأكبر كالجنابة والحيض أو الأصغر
الناقض للوضوء ( حتى يتوضأ) أى إلى أن يتوضأ بالماء أو ما يقوم مقامه فتقبل
حينئذ . وفيه دليل على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختيارياً أو
اضطرارياً لعدم التفرقة بين حدث وحدث وحالة دون حالة . قاله القسطلانى . قال
المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى .
( عن ابن عقيل ) بفتح العين وكسر القاف: هو عبد الله بن محمد بن عقيل
ابن أبى طالب أبو محمد المدنى (عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن على بن أبى
طالب الهاشمى أبو محمد الإمام المعروف بابن الحنفية أن خولة بنت جعفر الحنفية
نسب إليها وكانت من سبى اليمامة الذين سباهم أبو بكر، وقيل : كانت أمة لبنى
حنيفة ولم تكن من أنفسهم (مفتاح الصلاة الطهور) بالضم وبفتح والمراد به -
قال الشيخ شمس الدين بن القيم فى باب فرض الوضوء :
قوله صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير ،
وتحليلها التسليم )).
اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام . الحكم الأول : أن مفتاح الصلاة الطهور
والمفتاح: ما يفتح به الشىء المغلق، فيكون فاتحاً له، ومنه: (( مفتاح الجنة لا إله
إلا الله))، وقوله: ((مفتاح الصلاة الطهور)) يفيد الحصر، وأنه لا مفتاح لها سواه
من طريقين: أحدهما حصر المبتدأ فى الخبر إذا كانا معرفين . فإن الخبر لابد وأن
يكون مساوياً للمبتدأ أو أعم منه، ولا يجوز أن يكون أخص منه . فإذا كان المبتدأ
معرفاً بما يقتضى عمومه - كاللام وكل ، ونحوهما - ثم أخبر عنه بخبر ، اقتضى =

٠- ٨٩ ٠
- المصدر، وسمى النبى صلى الله عليه وسلم الطهور مفتاحاً مجازاً لأن الحدث مانع
من الصلاة ، فالحدث كالقفل موضوع على المحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق ،
وهذه استعارة بديعة لايقدر عليها إلا النبوة وكذلك قوله مفتاح الجنة الصلاة -
= صحة الإخبار أن يكون إخباراً عن جميع أفراد المبتدأ فإنه لافرد من أفراده إلا والخبر
حاصل له . وإذا عرف هذا لزم الحصر ، وأنه لا فرد من أفراد ما يفتح به الصلاة
إلا وهو الطهور . فهذا أحد الطريقين . والثانى : أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة ،
والإضافة تعم . فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور . وإذا كان الطهور هو
جميع ما يفتح به لم يكن لها مفتاح غيره . ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله
تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) أنه على الحصر ، أى مجموع
أجلهن الذى لا أجل لهن سواه ، وضع الحمل . وجاءت السنة مفسرة لهذا الفهم
مقررة له ، بخلاف قوله : ﴿والمطلقات يتربصن) فإنه فعل لاعموم له ، بل هو مطلق
وإذا عرف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور. وهذا أدل على
الاشتراط من قوله: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) من وجهين:
أحدهما : أن نفى القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه . وقد يكون المقارنة محرم ،
يمنع من القبول ، كالإِباق وتصديق العراف وشرب الخمر وتطيب المرأة إذا خرجت
للصلاة، ونحوه . الثانى : أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضى أنه لم يحصل له الدخول
فيها ، وأنه مصدود عنها ، كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح . وأما عدم
القبول فمعناه : عدم الاعتداد بها ، وأنه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها ، بل هى
مردودة عليه . وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها ورضا الرب عنه بها ، وإن كان
لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة ، بل عقوبة ترك ثوابه وفوات الرضا لها بعد
دخوله فيها . بخلاف من لم يفتحها أصلا بمفتاحها ، فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها .
وهذا واضح .
فإن قيل : فهل فى الحديث حجة من قال : إن عادم الطهورين لا يصلى ، حتى
يقدر على أحدهما ، لأن صلاته غير مفتتحة بمفتاحها ، فلا تقبل منه ؟
قيل : قد استدل به من يرى ذلك ، ولا حجة فيه .
ولابد من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث ، وهى أن ما أوجبه الله تعالى ==

٩٠ ~ ..
- لأن أبواب الجنة مغلقة يفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة . قاله ابن العربى
قال النووى : وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ،
ولافرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة -
= ورسوله، أو جعله شرطاً للعبادة، أو ركناً فيها، أو وقف صحتها عليه: هو مقيد
بحال القدرة ، لأنها الحال التى يؤمر فيها به . وأما فى حال العجز فغير مقدور
ولا مأمور، فلا تتوقف صحة العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع
والسجود عند القدرة ، وسقوط ذلك بالعجز ، وكاشتراط ستر العورة، واستقبال
القبلة عند القدرة، ويسقط بالعجز. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة
حائض إلا بخمار )) ولو تعذر عليها الحمار صلت بدونه، وصحت صلاتها. وكذلك قوله
(( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) فإنه لو تعذر عليه الوضوء صلى
بدونه، وكانت صلاته مقبولة. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجزىء صلاة
لا يقيم الرجل فيها صلبه فى الركوع والسجود)) فإنه او كسر صلبه وتعذر عليه إقامته
أجزأته صلانه ونظائره كثيرة فيكون ((الطهور مفتاح الصلاة)) هو من هذا .
لكن هنا نظر آخر، وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذره فإنه
يسقط وجوبه ، فمن أين لكم أن الصلاة تشرع بدونه فى هذه الحال؟ وهذا حرف
المسألة ، وهلا قلتم : إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة، لما كان
الطهور غير مقدور للمرأة، فلما صار مقدوراً لها شرعت لها الصلاة وترتبت فى ذمتها
فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعاً والعاجز عنه حساً ؟ فإن كلا منهما غير متمكن
من الطهور ؟
قيل : هذا سؤال يحتاج إلى جواب . وجوابه أن يقال : زمن الحيض جعله
الشارع منافياً لشرعية العبادات ، من الصلاة ، والصوم، والاعتكاف . فليس وقتاً
لعبادة الحائض ، فلا يترتب عليها فيه شىء. وأما العاجز فالوقت فى حقه قابل لترتب
العبادة المقدورة فى ذمته ، فالوقت فى حقه غير مناف لشرعية العبادة بحسب قدرته ،
بخلاف الحائض ، فالعاجز ملحق بالمريض المعذور الذى يؤمر بما يقدر عليه، ويسقط
عنه ما يعجز عنه ، والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف ، فافترقا .
ونكتة الفرق أن زمن الحيض ليس بزمن تكليف بالنسبة إلى الصلاة ، بخلاف =

- ٩١ -.
- إلا ما حكى عن الشعبى ومحمد بن جرير الطبرى من قولهما: تجوز صلاة الجنازة
بغير طهارة ، وهذا مذهب باطل . وأجمع العلماء على خلافه ، ولو صلى محدثاً
متعمداً بلاعذر أتم ولا يكفر عندنا وعند الجماهير. وحكى عن أبى حنيفة رحمه ..
= العاجز، فإِنه مكلف بحسب الاستطاعة، وقد ثبت فى صحيح مسلم: (( أن النبى
صلى الله عليه وسلم بعث أناساً لطلب قلادة أضاعتها عائشة حضرت الصلاة ، فصلوا بغير
وضوء، بأتوا النبى صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فنزلت آية التيمم)) . فلم
ينكر النبى صلى الله عليه وسلم عليهم، ولم يأمرهم بالإعادة، وحالة عدم التراب كمالة
عدم مشروعيته ، ولا فرق ، فإنهم صلوا بغير تيمم لعدم مشروعية التيمم حينئذ .
فهكذا من على بغير تيمم لعدم ما يتيمم به ، فأى فرق بين عدمه فى نفسه وعدم
مشروعيته ؟
فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلى على حسب حاله ، فإن الله لا يكلف نفساً
إلا وسعها ويعيد، لأنه فعل ما أمر به، فلم يجب عليه الإعادة ، كمن ترك القيام
والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك ، فهذا موجب النص والقياس.
فإن قيل : القيام له بدل ، وهو القعود ، فقام بدله مقامه ، كالتراب عند عدم
الماء ، والعادم هنا صلى بغير أصل ولا بدل ؟
قيل : هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة ، والموجبين للاعادة ، ولكنه منتقض
بالعاجز عن السترة . فإنه يصلى من غير اعتبار بدل ، وكذلك العاجز عن الاستقبال،
وكذلك العاجز عن القراءة والذكر .
وأيضاً فالعجز عن البدل فى الشرع كالعجز عن المبدل منه سواء . هذه قاعدة
الشريعة . وإذا كان عجزه عن المبدل لا يمنعه من الصلاة ، فكذلك عجزه عن البدل
وستأتى المسألة مستوفاة فى باب التيمم إن شاء الله .
وفى الحديث دليل على اعتبار النية فى الطهارة بوجه بدیع . وذلك لأنه صلى الله
عليه وسلم جعل الطهور مفتاح الصلاة ، التى لا تفتتح ويدخل فيها إلا به ، وما كان
مفتاحاً للشىء كان قد وضع لأجله وأعد له . فدل على أن كونه مفتاحاً للصلاة هو جهة
كونه طهوراً ، فإنه إنما شرع للصلاة وجعل مفتاحاً لها ، ومن المعلوم أن ما شرع
للشىء ووضع لأجله لابد أن يكون الآتى به قاصداً ما جعل مفتاحاً له ومدخلا إليه =

- ٩٢ --
- الله تعالى أنه يكفر لتلاعبه. انتهى (وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) قال
ابن مالك : إضافة التحريم والتحليل إلى الصلاة لملابسة بينهما لأن التكبير
يحرم ما كان حلالا فى خارجها والتسليم يحللما كان حراماً فيها . وقال بعض -
= هذا هو المعروف حساً كما هو ثابت شرعاً . ومن المعلوم أن من سقط فى ماء
- وهو لا يريد التطهر - لم يأت بما هو مفتاح الصلاة ، فلا تفتح له الصلاة ، وصار
هذا كمن حكى عن غيره أنه قال لا إله إلا الله، وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون
مفتاحاً للجنة منه ، لأنه لم يقصدها . وهكذا هذا ، لما لم يقصد الطهور لم يحصل له
مفتاح الصلاة . ونظير ذلك الإحرام ، هو مفتاح عبادة الحج، ولا يحصل له إلا بالنية
فلو اتفق تجرده لحر أو غيره، ولم يخطر بباله الإحرام ، لم يكن محرماً بالاتفاق.
فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهراً . وهذا بحمد الله بين .
فصل
الحكم الثانى: قوله ((وتحريمها التكبير))، وفى هذا من حصر التحريم فى
التكبير نظير ما تقدم فى حصر مفتاح الصلاة فى الطهور من الوجهين ، وهو دليل
بين أنه لا تحريم لها إلا التكبير. وهذا قول الجمهور وعامة أهل العلم قديماً وحديثاً.
وقال أبو حنيفة . ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم . فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث
ثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك، وأكثر السلف: يتعين لفظ ((الله أكبر))
وحدها. وقال الشافعى: يتعين أحد اللفظين: ((الله أكبر)) و((الله الأكبر))
وقال أبو يوسف: يتعين التكبير وما تصرف منه، نحو ((الله الكبير)) ونحوه ،
وحجته: أنه يسمى تكبيراً حقيقة، فيدخل فى قوله ((تحريمها التكبير)). وحجة
الشافعى : أن المعرف فى معنى المنكر ، فاللام لم تخرجه عن موضوعه ، بل هى زيادة
فى اللفط غير مخلة بالمعنى، بخلاف (( الله الكبير)) ((وكبرت الله)) ونحوه، فإنه ليس
فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما فى لفظه ((الله أكبر)).
والصحيح قول الأكثرين، وأنه يتعين ((الله أكبر الخمس حجج)):
إحداها: قوله ((تحريمها التكبير))، واللام هنا العهد، فهى كاللام فى قوله
((مفتاح الصلاة الطهور)) وليس المراد به كل طهور بل الطهور الذى واظب عليه ==

- ٩٣ -
- العلماء: سمى الدخول فى الصلاة لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلى
ويمكن أن يقال: إن التحريم بمعنى الإحرام، أى الدخول فى حرمتها ، فالتحليل
بمعنى الخروج عن حرمتها . قال السيوطى: قال الرافعى: وقد روى محمد بن أسلم -
= رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه لأمته، وكان فعله له تعلما وبياناً لمراد الله من
كلامه . وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود ، الذى نقلته الأمة نقلا ضرورياً
خلفاً عن سلف عن نبيها صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله فى كل صلاة ، لا يقول
غيره ولا مرة واحدة. فهذا هو المراد بلاشك فى قوله (تحريمها التكبير)) وهذا
حجة على من جوز (الله الأكبر)) و ((الله الكبير)) فإنه وإن سمى تكبيراً، لكنه
ليس التكبير المعهود المراد بالحديث.
الحجة الثانية: أن النبى صلى الله عليه وسلم فال المسىء فى صلاته: ((إذا قمت إلى
الصلاة فكبر)) ولا يكون ممتثلا للأمر إلا بالتكبير . وهذا أمر مطلق يتقيد بفعله
الذى لم يخل به هو ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه .
الحجة الثالثة : ما روى أبو داود من حديث رفاعة أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: (( لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول
الله أكبر)).
الحجة الرابعة : أنه لو كانت الصلاة تنعقد بغير هذا اللفظ لتركه النبى صلى الله
عليه وسلم ولو فى عمره مرة واحدة ، لبيان الجواز . حيث لم ينقل أحد عنه قط أنه
عدل عنه حتى فارق الدنيا ، دل على أن الصلاة لا تنعقد بغيره .
الحجة الخامسة : أنه لو قام غيره مقامه لجاز أن يقوم غير كمات الأذان مقامها ،
وأن يقول المؤذن: ((كبرت الله))، أو ((الله الكبير))، أو ((الله أعظم)) ونحوه .
بل تعين لفظة ((الله أكبر)) فى الصلاة أعظم من تعينها فى الأذان، لأن كل مسلم
لابد له منها، وأما الأذان فقد يكون فى المصر مؤذن واحد أو اثنان، والأمر بالتكبير
فى الصلاة آ كد من الأمر بالتكبير فى الأذان .
وأما حجة أصحاب الشافعى على ترادف. ((الله أكبر)) و((الله الأكبر))
نجوابها . أنهما ليسا بمترادفين، فإن الألف واللام اشتملت على زيادة فى اللفظ
ونقص فى المعنى ..
=

- ٩٤ -
- فى مسنده هذا الحديث بلفظ: ((وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم)» قال
الحافظ أبو بكر بن العربى فى شرح الترمذى قوله: ((تحريمها التكبير)) يقتضى
أن تكبيرة الإحرام جزء من أجزائها كالقيام والركوع والسجود خلافاً لسعيد -
= وبيانه : أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه
عليه ما لم يتضمنه المعرف، فإذا قيل. ((الله أكبر)) كان معناه. من كل شىء. وأما
إذا قيل (( الله الأكبر)) فإنه يتقيد معناه ويتخصص، ولا يستعمل هذا إلا فى مفضل
عليه معين ، كما إذا قيل : من أفضل ، أزيد أم عمرو؟ فيقول : زيد الأفضل . هذا
هو المعروف فى اللغة والاستعمال . فإِن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع
( من)) وأما بدون ((من)) فلا يؤنى بالأداة" ، فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة
أفاد التعميم ، وهذا لا يتأبى مع اللام، وهذا المعنى مطلوب من القائل: ((الله أكبر))
بدليل ما روى الترمذى من حديث عدى بن حاتم الطويل : أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال له (( ما يضرك ، أيضرك أن يقال : الله أكبر ، فهل تعلم شيئاً أكبر
من الله؟)) وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿ قل أى شىء أكبر شهادة؟ ) وهذا
يقتضى جواباً : لا شىء أكبر شهادة من الله. فالله أكبر شهادة من كل شىء ، كما
أن قوله لعدى (( هل تعلم شيئاً أكبر من الله؟)) يقتضى جواباً : لا شىء أكبر من
الله ، فالله أكبر من كل شىء.
وفى افتتاح الصلاة بهذا اللفظ، المقصود منه: استحضار هذا المعنى، وتصوره :
سر عظيم يعرفه أهل الحضور ، المصلون بقلوبهم وأبدانهم ، فإن العبد إذا وقف بين
يدي الله عز وجل وقد علم أن لاشىء أكبر منه، وتحقق قلبه ذلك، وأشربه سره -
استحي من الله، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره، وما لم يستحضر هذا
المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه ، وقلبه يهم فى أودية الوساوس والخطرات ، وبالله
المستعان . فلو كان الله أكبر من كل شىء فى قلب هذا لما اشتغل عنه ، وصرف كلية
قلبه إلى غيره ، كما أن الواقف بين يدى الملك المخلوق لما لم يكن فى قلبه أعظم منه لم
يشغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه صارف .
فصل
الحكم الثالث: قوله ((تحليلها التسليم)) والكلام فى إفادته الحصر كالكلام فى =

- ٩٥ -
: - والزهرى فإنهما يقولان إن الإحرام يكون بالنية، وقوله (التكبير)» يقتضى
اختصاص إحرام الصلاة بالتكبير دون غيره من صفات تعظيم الله تعالى وهو
تخصيص لعموم قوله (وذكر اسم ربه فصلى) خص التكبير بالسنة من الذكر -
= الجملتين قبله . والكلام فى التسليم على قسمين: أحدهما : أنه لا ينصرف من الصلاة
إلا بالتسليم . وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعين التسليم ، بل يخرج
منها بالمنافى لها ، من حدث أو عمل مبطل ونحوه. واستدل له بحديث ابن مسعود
الذى رواه أحمد وأبو داود فى تعليمه التشهد، وبأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعلمه
المسىء فى صلاته ، ولو كان فرضاً لعلمه إياه ، وبأنه ليس من الصلاة ، فإِنه ينافيها
ويخرج به منها ، ولهذا لو أتى به فى أثنائها لأبطلها، وإذا لم يكن منها ، علم أنه شرع
منافياً لها، والمنافى لا يتعين . هذا غاية ما يحتج له به .
والجمهور أجابوا عن هذه الحجج. أما حديث ابن مسعود: فقال الدار قطنى
والخطيب والبيهقى وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله ((إذا قلت هذا فقد تضيت
صلاتك)) من كلام ابن مسعود ، فصله شبابة عن زهير ، وجعله من كلام ابن مسعود
وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه ، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود رضى الله
عنه على حذفه .
وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسىء فى صلاته، فما أكثر ما يحتج
بهذه الحجة على عدم واجبات فى الصلاة، ولا تدل ، لأن المسىء لم يسىء فى كل جزء
من الصلاة ، فلعله لم يسىء فى السلام ، بل هذا هو الظاهر ، فإنهم لم يكونوا يعرفون
الخروج منها إلا بالسلام .
وأيضاً فلو قدر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدل عليه ترك التعليم: استصحاب براءة
الذمة من الوجوب ، فكف يقدم على الأدلة الناقلة لحكم الاستصحاب ؟
وأيضاً فأنتم لم توجبوا فى الصلاة كل ما أمر به المسىء ، فكيف تحتجون بترك
أمره على عدم الوجوب؟ ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفى
الوجوب، فإنه قال (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)) ولم توجبوا التكبير، وقال (( ثم
اركع حتى تطمئن راكماً)) وقلتم: لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته وإن كان مسيئاً .
وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة ، فإنه ينافيها ويخرج منها به ، نجوابه : أن =

- ٩٦ -
- المطلق فى القرآن لا سيما وقد اتصل فى ذلك فعله بقوله ، فكان يكبر صلى الله
عليه وسلم ، ويقول : الله أكبر. وقال أبو حنيفة: يجوز بكل لفظ فيه تعظيم
الله تعالى لعموم القرآن . وقال الشافعى: ويجوز بقولك: الله الأكبر . وقال -
= السلام من تمامها وهو نهايتها ، ونهاية الشىء منه ليس خارجاً عن حقيقته، ولهذا
أضيف إليها إضافة الجزء، بخلاف مفتاحها ، فإن إضافته إضافة مغاير ، بخلاف تحليلها
فإِنه يقتضى أنه لا يتحلل منها إلا به .
وأما بطلان الصلاة إذا فعله فى أثنائها ، فلأنه قطع لها قبل إتمامها ، وإتيان
بنهايتها قبل فراغها ، فلذلك أبطلها ، فالتسليم آخرها وخاتها ، كما فى حديث أبى حميد
((يختم صلاته بالتسليم)) فنسبة التسليم إلى آخرها كنسبة تكبيرة الإحرام إلى أولها
فقول ((الله أكبر)) أول أجزائها، وقول ((السلام عليكم)) آخر أجزائها.
ثم لو سلم أنه ليس جزءاً منها فإنه تحليل لها لا يخرج منها إلا به ، وذلك لا ينفى
وجوبه، كتحللات الحج، فكونه تحليلاً لا يمنع الإيجاب . فإن قيل : ولا يقتضى،
قيل : إذا ثبت انحصار التحليل فى السلام تعين الإتيان به ، وقد تقدم بيان الحصر
من وجهين .
فصل
وقد دل هذا الحديث على أن كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه
الطهور ، فيدخل فى هذا الوتر بركعة ، خلافاً لبعضهم .
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)).
وجوابه: أن كثيراً من الحفاظ طعن فى هذه الزيادة، ورأوها غير محفوظة.
وأيضاً فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليلة التسليم، فيجب أن يكون مفتاحه الطهور.
وأيضاً فالمغرب وتر ، لا مثنى ، والطهارة شرط فيها .
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم سمى الوتر صلاة ، بقوله ((فإذا خفت الصبح
فصل ركعة توتر لك ما قد صليت )) .
وأيضاً فإجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر .
فهذا القول فى غاية الفساد .
ويدخل فى الحديث أيضاً صلاة الجنازة، لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم =

- ٩٧ -
- أبو يوسف: يجوز بقولك: الله الكبير. أما الشافعى فأشار إلى أن الألف
واللام زيادة لم تخل باللفظ ولا بالمعنى. وأما أبو يوسف فتعلق بأنه لم يخرج من
اللفظ الذى هو التكبير . قلنا لأبى يوسف إن كان لا يخرج من اللفظ الذى هو -
= وهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يعرف عنهم فيه خلاف وهو قول
الأئمة الأربعة وجمهور الأمة ، خلافاً لبعض التابعين . وقد ثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم تسميتها صلاة ، وكذلك عن الصحابة ، وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير،
وتحليلها التسليم)) هو فصل الخطاب فى هذه المسائل وغيرها ، طرداً وعكساً ، فكل
ما كان تجريمه التكبير وتحليله التسليم فلابد من افتتاحه بالطهارة .
فإن قيل: فما تقولون فى الطواف بالبيت ، فإنه يفتتح بالطهارة ، ولا تحريم
فيه ولا تحليل ؟
قيل: شرط النقض أن يكون ثابتاً بنص أو إجماع . وقد اختلف السلف والخلف
فى اشتراط الطهارة للطواف على قولين : أحدهما : أنها شرط ، كقول الشافعى ومالك
وإحدى الروايتين عن أحمد . والثانى: ليست بشرط ، نص عليه فى رواية ابنه
عبد الله وغيره ، بل نصه فى رواية عبد الله تدل على أنها ليست بواجبة ، فإنه قال :
أحب إلى أن يتوضأ ، وهذا مذهب أبى حنيفة . قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية :
وهذا قول أكثر السلف، قال: وهو الصحيح ، فإنه لم ينقل أحد عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه أمر المسلمين بالطهارة ، لا فى عمره ولا فى حجته، مع كثرة من حج
معه واعتمر ، ويمتنع أن يكون ذلك واجباً ولا يبينه للأمة ، وتأخير البيان عن
وقته ممتنع .
فإن قيل: فقد طاف النبى صلى الله عليه وسلم متوضئاً، وقال ((خذوا عنى
مناسككم))؟
قيل : الفعل لا يدل على الوجوب . والأخذ عنه : هو أن يفعل كما فعل على الوجه
الذى فعل ، فإذا كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب ، فأوجبناه ، لم نكن قد أخذنا
عنه، ولا تأسينا به ، مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل فى حجته أشياء كثيرة جداً لم
يوجبها أحد من الفقهاء .
=
(٧ - عون المعبود ١)

- ٩٨ -
- فى الحديث فقد خرج من اللفظ الذى جاء به الفعل ، ففسر المطلق فى القول ،
وذلك لا يجوز فى العبادات التى لا يتطرق إليها التعليل ، وبهذا يرد على الشافعى
أيضاً، فإن العبادات إنما تفعل على الرسم الوارد دون نظر إلى شىء من المعنى -
فإن قيل: فما تقولون فى حديث ابن عباس ((الطواف بالبيت صلاة»؟
قيل : هذا قد اختلف فى رفعه ووقفه ، فقال النسائى والدار قطنى وغيرهما :
الصواب أنه موقوف ، وعلى تقدير رفعه، فالمراد شبيه بالصلاة ، كما شبه انتظار الصلاة
بالصلاة ، وكما قال أبو الدرداء (( ما دمت تذكر الله فأنت فى صلاة، وإن كنت فى
السوق)) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ((إن أحدكم فى صلاة مادام يعمد إلى الصلاة))
فالطواف وإن سمى صلاة فهو صلاة ، بالاسم العام ، ليس بصلاة خاصة ، والوضوء
إنما يشترط للصلاة الخاصة ، ذات التحريم والتحليل .
فإن قيل : فما تقولون فى سجود التلاوة والشكر ؟
قيل : فيه قولان مشهوران ، أحدهما : يشترط له الطهارة . وهذا هو المشهور
عند الفقهاء ، ولا يعرف كثير منهم فيه خلافاً ، وربما ظنه بعضهم إجماعاً . والثانى :
لا يشترط له الطهارة ، وهذا قول كثير من السلف ، حكاه عنهم ابن بطال فى شرح
البخارى ، وهو قول عبد الله بن عمر ، ذكره البخارى عنه فى صحيحه فقال (( وكان
ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء)) وترجمه البخارى ، واستدلاله يدل على اختياره
إياه ، فإِنه قال (( باب من قال يسجد على غير وضوء)) هذا لفظه .
واحتج الموجبون للوضوء له بأنه صلاة، قالوا : فإنه له تحريم وتحليل ، كما قاله
بعض أصحاب أحمد والشافعى . وفيه وجه أنه يتشهد له، وهذا حقيقة الصلاة .
والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلم له . وقال عطاء وابن سيرين :
إذا رفع رأسه يسلم، وبه قال إسحاق بن راهويه. واحتج لهم بقوله (تحريمها
التكبير ، وتحليلها التسليم)) قالوا: ولأنه يفعل تبعاً للامام، ويعتبر أن يكون القارىء
يصلح إماماً للمستمع ، وهذا حقيقة الصلاة .
قال الآخرون : ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولاسنة ولا إجماع ولا قياس
صحيح. وأما استدلالكم بقوله ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) فهو من أقوى
ما يحتج به عليكم. فإن أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحد قط نقل عن النبى صلى الله =

- ٩٩ -
- وقوله (تحليلها التسليم)) مثله فى حصر الخروج عن الصلاة فى التسليم دون غيره
من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة خلافاً لأبى حنيفة حيث يرى الخروج -
= عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه سلم منه، وقد أنكر أحمد السلام منه ، قال
الخطابى: وكان أحمد لا يعرف التسليم فى هذا. وقال الحسن البصرى(١) ...
ويذكر نحوه عن إبراهيم النخعى، وكذلك المنصوص عن الشافعى أنه لا يسلم فيه .
والذى يدل على ذلك أن الذين قالوا : يسلم منه، إنما احتجوا بقول النبي صلى الله
عليه وسلم ( وتحليلها التسليم)) وبذلك احتج لهم إسحاق، وهذا استدلال ضعيف ،
فإن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوها، ولم ينقل عنهم سلام منها ، ولهذا أنكره
أحمد وغيره ، وتجويز كونه سلم منه - ولم ينقل - كتجويز كونه سلم من الطواف.
فالوا : والسجود هو من جنس ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء ، ولهذا شرع
فى الصلاة وخارجها، فكما لا يشترط الوضوء لهذه الأمور - وإن كانت من أجزاء
الصلاة - فكذا لا يشترط للسجود ، وكونه جزءاً من أجزائها لا يوجب أن لا يفعل
إلا بوضوء. واحتج البخارى بحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم
((سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس)). ومعلوم أن
الكافر لا وضوء له .
قالوا : وأيضاً فالمسلمون الذين سجدوا معه صلى الله عليه وسلم لم ينقل أن النبى
صلى الله عليه وسلم أمرهم بالطهارة ، ولا سألهم: هل كنتم متطهرين أم لا؟ ولو كانت
الطهارة شرطاً فيه للزم أحد الأمرين : إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة ، وإما أن
يسألهم بعد السجود، ليبين لهم الاشتراط ، ولم ينقل مسلم واحداً منهما .
فإن قيل: فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك ، وهذا جواب بعض
الموجبين .
قيل : الطهارة شرعت للصلاة من حين المبعث ، ولم يصل قط إلا بطهارة ، أناه
جبريل فعلمه الطهارة والصلاة . وفى حديث إسلام عمر أنه لم يمكن من مس القرآن
إلا بعد تطهره، فكيف نظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء؟
قالوا : وأيضاً فيبعد جداً أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء.
: (١) بالأصل بياض ، ويوحى مقتضى السياق بموافقة الحسن للامام أحمد فى إنكار السلام.

- ١٠٠ -
- منها بكل فعل وقول مضاد كالحدث وغيره حملا على السلام وقياساً عليه وهذا
يقتضى إبطال الحصر. انتهى بتلخيصه . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن -
= قالوا: وأيضاً ففى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال ((كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقرأ القرآن ، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه ، حتى ما يجد
بعضنا موضعاً لمكان جبهته )) .
قالوا : وقد كان يقرأ القرآن عليهم فى المجامع كلها ، ومن البعيد جداً أن يكون
كلهم إذ ذاك على وضوء ، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكاناً لجبهته ، ومعلوم
أن مجامع الناس تجمع المتوضىء وغيره .
قالوا : وأيضاً فقد أخبر الله تعالى فى غير موضع من القرآن أن السحرة سجدوا
لله سجدة ، فقبلها الله منهم ، ومدحهم عليها ، ولم يكونوا متطهرين قطعاً ، ومنازعونا
يقولون : مثل هذا السجود حرام ، فكيف يمدحهم ويثنى عليهم بما لا يجوز ؟
فإن قيل : شرع من قبلنا ليس بشرع لنا .
قيل: قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا ، وذلك منصوص عنهم أنفسهم
فى غير موضع .
قالوا : سلمنا ، لكن ما لم يرد شمرعنا بخلافه.
قال المجوزون : فأين ورد فى شرعنا خلافه ؟
قالوا : وأيضاً فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة، ويفعل بلا وضوء،
فالسجود أولى .
قالوا : وأيضاً فالله سبحانه وتعالى أثنى على كل من سجد عند التلاوة ، فقال
تعالى { إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً} وهذا
يدل على أنهم سجدوا عقب تلاوته بلا فضل ، سواء كانوا بوضوء أو بغيره ، لأنه أثنى
عليهم بمجرد السجود عقب التلاوة ، ولم يشترط وضوءاً. وكذلك قوله تعالى ( إذا
تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ) .
قالوا : وكذلك سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم المنتظرة. وقد تظاهرت
السنة عن النبى صلى الله عليه وسلم بفعله فى مواضع متعددة ، وكذلك أصحابه ، مع
ورود الخبر السار عليهم بغتة ، وكانوا يسجدون عقبه، ولم يؤمروا بوضوء، ولم =