النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ -
(ع) وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب ان ارفع العبارات في ذلك سمعت. ثم حدثنا وحدثنى فأنه
لا يكاد احد يقول شمعت في احاديث الأ جازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه.
وكان بعض أهل العلم يقول فيما اجيز له حدثنا. وروى عن الحسن انه كان يقول حدثنا أبو هريرة
ويتأول انه حدث اهل المدينة وكان الحسن اذ ذاك بها الا انه لم يسمع منه شيئًا.
قلت ومنهم من اثبت له سماعاً من ابي هريرة والله اعلم.
ثم يتلو ذلك قول اخبرنا وهو كثير في الأستعمال حتى ان جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون
يخبرون عما سمعوه من لفظ من حدثهم الابقولهم اخبرنا. منهم حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك
وهشيم بن بشير وعبد الله بن موسى وعبد الرزاق بن همام ويزيد بن هارون وعمرو بن عون
ويحيى بن يحيى التميمي واسحق بن راهوية وابو مسعود احمد بن الفرات ومحمد بن ايوب الرازيان
وغيرهم . وذكر الخطيب عن محمد بن رافع قال كان عبد الرزاق يقول اخبرنا حتى قدم احمد
ابن حنبل واسحق بن راهوية فقالا له قل حدثنا فكل ما سمعت مع هؤلاء قال حدثنا وما كان
قبل ذلك قال اخبرنا. وعن محمد بن ابي الفوارس الحافظ قال هشيم ويزيد بن هارون وعبد الرزاق
لا يقولون الا اخبرنا فأذا رأيت حدثنا فهو من خطأ الكاتب والله اعلم.
قلت وكان هذا كله قبل ان يشيع تخصيص اخبرنا بما قرئ على الشيخ ثم يتلو قول اخبرنا
قول انبأنا ونبأنا وهو قليل في الأستعمال .
قلت حدثنا واخبرنا ارفع من سمعت من جهة اخرى وهي انه ليس في سمعت دلالة على ان
الشيخ رواه الحديث وخاطبه به وفي حدثنا واخبرنا دلالة على انه خاطبه به ورواه له أو هو
ممن فُعل به ذلك سأل الخطيب ابو بكر الحافظ شيخه ابا بكر البرقاني الفقيه الحافظ رحمهما
الله تعالى عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد الله بن ابراهيم الجرجاني
الابندوني سمعت ولا يقول حدثنا ولا اخبرنا فذكر له ان ابا القاسم كان مع ثقته وصلاحه
عسيراً في الرواية فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه ابو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه
ما يحدث به الشخص الداخل إليه فلذلك يقول سمعت ولا يقول حدثنا ولا اخبرنا لأن قصده
كان الرواية للداخل اليه وحده .
واما قوله قال لنا فلان او ذكر لنا فلان فهو من قبيل قوله حدثنا فلان غير انه لائق بماسمعه
- ١٤٢ -
(ع) منه في المذاكرة وهو به اشبه من حدثنا .
وقد حكينا في فصل التعليق عقيب النوع الحادى عشر عن كثير من المحدثين استعمال ذلك
معبرين به عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات واوضع العبارات في ذلك ان يقول قال.
فلان أو ذكر فلان من غير ذكر قوله لي ولنا ونحو ذلك . وقد قدمنا في فصل الأسناد المعنعن.
أن ذلك وما اشبهه من الألفاظ محمول عندهم على السماع اذا عرف لقاؤه له وسماعه منه على الجملة
لا سيما اذا عرف من حاله انه لا يقول قال فلان الا فيما سمعه منه .
وقد كان حجاج بن محمد الأعور يروي عن ابن جريج كتبه ويقول فيها قال ابن جريج
فحملها الناس عنه واحتجوا برواياته وكان قد عرف من حاله انه لا يروي الا ما سمعه.
وقد خصص الخطيب ابو بكر الحافظ القول بحمل ذلك على السماع بمن عرف من عادته
مثل ذلك والمحفوظ المعروف ما قدمنا ذكره والله اعلم .
(القسم الثاني) من اقسام الأخذ والتحمل القرآءة على الشيخ واكثر المحدثين يسمونها
عرضاً من حيث ان القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يُعرض القرآن على المقرئ. وسواء
كنت انت القارئ او قرأ غيرك وانت تسمع او قرأت من كتاب او من حفظك او كان
الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه او لا يحفظ لكن يمسك اصله هو او ثقة غيره ولا خلاف انها رواية
صيحة الا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه (١) والله اعلم .
واختلفوا في انها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة او دونه أو فوقه فنقل عن الي حنيفة
وابن أبي ذئب وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه . وروى ذلك عن
- الك ايضاً. وروي عن مالك وغيره انهما سواء" وقد قيل ان التسوية بينهما مذهب معظم.
علماء الحجاز والكوفة ومذهب مالك واصحابه واشياخه من علماء المدينة ومذهب البخاري وغيرهم.
والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ والحكم بأن القراءة عليه مرتبة ثانية. وقد قيل ان
هذا مذهب جمهور أهل المشرق والله اعلم .
(١) هو أبو عاصم النبيل [رواه الرامهر مزى عنه وروي الخطيب عن وكيع قال ما اخذت حديثاً
قط عرضاً. وعن محمد بن سلام أنه أدرك مالكاً والناس يقرؤن عليه فلم يسمع منه لذلك. وكذلك
عبد الرحمن بن سلام الجمحي لم يكتف بذلك فقال مالك أخرجوه عنى أهم تدريب (ص ١٣١))
- ١٤٣ -
(ع) واما العبارة عنها عند الرواية بها فهي على مراتب أجودها واسلمها ان يقول قرأت على فلان
او قرئ على فلان وانا اسمع فأقَّر به فهذا شائع من غير اشكال ويتلو ذلك مايجوز من العبارات
في السماع من لفظ الشيخ مطلقة اذا اتى بها ههنا مقيدة بأن يقول حدثنا فلان قراءة عليه او اخبرنا
قراءة عليه ونحو ذلك وكذلك انشدنا قراءة عليه في الشعر.
واما اطلاق حدثنا واخبرنا في القرآءة على الشيخ فقد اختلفوا فيه على مذاهب فمن اهل
الحديث من منع منهما جميعاً وقيل انه قول ابن المبارك ويحيى بن يحيى التميمي واحمد بن حنبل.
والنسائي وغيرهم . ومنهم من ذهب الى تجويز ذلك وانه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز
اطلاق حدثنا واخبرنا وانبأنا. وقد قيل ان هذا مذهب معظم الحجازيين والكوفيين وقول الزهري
ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان في آخرين من الأئمة المتقدمين وهو مذهب
البخاري صاحب الصحيح في جماعة من المحدثين .
ومن هؤلاء من اجاز فيها ايضاً ان يقول سمعت فلانًا. والمذهب الثالث الفرق بينهما في ذلك
والمنع من إطلاق حدثنا وتجويز إطلاق اخبرنا وهو مذهب الشافعى واصحابه وهو منقول عن
مسلم صاحب الصحيح وجمهور أهل المشرق .
وذكر صاحب كتاب الأنصاف محمد بن الحسن التميمي الجوهرى المصرى إن هذا مذهب
الأكثر من أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم احد وانهم جعلوا أخبرنا علما يقوم مقام قول
قائله أنا قرأته عليه لا أنه لفظ به لى . قال وممن كان يقول به من أهل زماننا أبو عبد الرحمن
النسائي في جماعة مثله من محدثينا. قلت وقد قيل انه اول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين
ابن وهب بمصر وهذا يدفعه أن ذلك مروى عن ابن جريج والأوزاعي حكاه عنهما الخطيب
:ابوبكر الا أن يُعْني انه اول من فعل ذلك بمصر والله اعلم.
قلت الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على اهل الحديث والاحتجاج لذلك من حيث
اللغة عناء وتكلف .
وخير ما يقال فيه انه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين ثم خصص النوع الأول
يقول حدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافية والله اعلم .
ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب ما حكاه الحافظ أبو بكر البرقاني عن ابن أبي حاتم
- ١٤٤ -
محمد بن يعقوب الهروي أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان انه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري
صحيح البخاري وكان يقول له في كل حديث حدثكم الفربري فلما فرغ من الكتاب سمع
الشيخ يذكر انه سمع الكتاب من الغربري قراءة عليه فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله
وقال له في جميعه أخبركم الغربري (١) والله اعلم.
( تفريعات )
الاول اذا كان اصل الشيخ عند القراءة عليه بيد غيره (٢) وهو موثوق به مراع لما يُقرأ
أهل لذلك فأن كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه فهو كما لو كان أصله بد نفسه وبل أولى لتعاضد
ذهني شخصين عليه، وان كان الشيخ لا يحفظ مايقرأ عليه فهذا مما اختلفوا فيه فرأي بعض ائمة
الأصول ان هذا سماع غير صحيح والمختار ان ذلك صحيح وبه عمل معظم الشيوخ وأهل الحديث.
واذا كان الأصل يدالقاريء وهو موثوق به دينًاو معرفة(٣) فكذلك الحكم فيه وأولى بالتصحيح
وأما إذا كان أصله بيد من لا يوثق بأمساكهاله ولا يؤمن إهماله لمايقرأ فسواء كان بيد القاريء لوبيد
غيره في انه سماع غير معتد به اذا كان الشيخ غير حافظ المقروء عليه والله اعلم.
(قوله) اذا كان أصل الشيخ عند القرآءة عليه بيد غيره الى ان قال فأن كان الشيخ
لا يحفظ ما يقرأ عليه فهذا مما اختلفوا فيه فرأى بعض أئمة الأصول ان هذا سماع غير
صحيح والمختار ان ذلك صحيح انتهى. هذا الذي ابهم المصنف ذكره هو امام الحرمين
فأنه اختار ذلك . وحكى القاضى عياض ايضاً ان القاضى ابابكر ابن الباقلاني تردد فيه قال
واكثر ميله إلى المنع انتهى. ووهّن السلفي هذا الاختلاف لأتفاق العلماء على العمل بخلافه
فأنهذكرما حاصله ان الطالب اذا ارادان يقرأ على شيخ شيئاً من سماعه هل يجب ان يريه سماعه
فى ذلك الجزء ام يكفى اعلام الطالب الثقة للشيخ ان هذا الجزء سماعه على فلان فقال السافي.
هما سيان على هذا عهدنا علمائنا عن آخرم. قال والم نزل الحفاظ قديماً وحديثاً يخرجون للشيوخ
من الأصول فتصير تلك الفروع بعد المقابلة أصولاً وهل كانت الأصول اولاً الافروعاً انتهى.
(١) قال في التدريب بعدذلك قال العراقى وكأنه كان يرى اعادة السند في كل حديث وهو تشديد
والصحيح انه لايحتاج اليه اهـ.
(٢) أي غير القارئُّ ليقابل قوله الآتى واذا كان الأصل بيد القارئ.
(٣) اي والشيخ لا يحفظ كماسيأتى في كلام المؤلف.
- ١٤٥ -
الثاني إذا قرأ القاريء على الشيخ قائلا اخبرك فلان او قلت اخبرنا فلان أو نحو ذلك والشيخ
ساكت مصغ إليه فاهم لذلك غير منكرله فهذا كاف في ذلك . واشترط بعض الظاهرية وغيرهم
القرار الشيخ نظقً وبه قطع الشيخ ابو اسحق الشيرازي وابو الفتح سليم الرازي وابو نصرين الصباغ
من الفقهاء الشافعيين . قال أبو نصر ليس له ان يقول حدثنى اواخبرني وله ان يعمل بما قري
عليه واذا اراد روايته عنه قال قرأت عليه اوقري عليه وهو يسمع. وفي حكاية بعض المصنفين
الخلاف في ذلك أن بعض الظاهرية شرط اقرار الشيخ عند تمام السماع بأن يقول القاريء
للشيخ وهو كما قرأته عليك فيقول نعم. والصحيح أن ذلك غير لازم وان سكوت الشيخ على
الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القاريء اكتفاء بالقرائن الظاهرة وهذا مذهب
الجماهير من المحدثين والفقهاء وغيرهم والله اعلم.
· الثالث فيما نرويه عن الحاكم ابي عبد الله الحافظ رحمه الله قال الذي اختاره في الرواية
وعهدت عليه أكثر مشايخي وائمة عصري أن يقول في الذي بأخذه من المحدث لفظا وليس معه
احد حدثني فلان وما يأخذه من المحدث لفظًا ومعه غيره حدثنا فلان وماقراً على المحدث بنفسه
اخبرني فلان وما قري على المحدث وهو حاضر اخبرنا فلان. وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله
ابن وهب صاحب مالك رضي الله عنهما وهو حسن رائق.
فأن شك في شئء عنده انه من قبيل حدثنا او اخبرنا او من قبيل حدثني واخبرني لتردده في
إنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره فيحتمل ان نقول ليقل حدثني او اخبرني
(قوله) فأن شك فيشيء عنده انه من قبيل حدثنا او اخبرنا اومن قبيل حدثنى او اخبرني
لتردده في انه كان عند التحمل والسماع وحده اومع غيره فيحتمل ان نقول ليقل حدثني
أو اخبرني لأن عدم غيره هو الأصل انتهى. سوى المصنف رحمه الله بين الشك في انه هل
سمع من لفظ الشيخ وحده او كان معه غيره يسمع وبين مسألة ما إذا شك هل قرأهو
بنفسه على الشيخ او سمع عليه بقرآءة غيره. وما قاله ظاهر فى المسألة الأولى.
واما المسألة الثانية فأنه يتحقق فيها سماع نفسه ويشك هل قرأ بنفسهام لا والأصل انه
لم يقرأ. هذا اذا مشينا على ما ذكره المصنف تبعاً للحاكم ان القاري يقول اخبرنيسواء
سمع بقرآءته معه غيره ام لا. اما اذا قلنا بما جزم به ابن دقيق العيد فى الأقتراح من ان
- ١٤٦ -
لأن عدم غيره هو الأصل. ولكن ذكر على بن عبد الله المديني الأمام عن شيخه يحيى بن سعيد
القطان الأمام فیما اذا شك ان الشيخ قال حدثنی فلان او قال حدثنا فلان انه يقول حدثنا.
وهذا يقتضى فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك ان يقول حدثنا وهو عندي يتوجه بأن
حدثني أكمل مرتبة وحدثنا أنقص مرتبة فليقتصر إذا شك على الناقص لأن عدم الزائد هو
الأصل وهذا لطيف . ثم وجدت الحافظ أحمد البيهقي رحمه الله قد اختار بعد حكايته قول
القطان ما قدمته. ثم ان هذا التفصيل من اصله مستحب وليس بواجب حكاه الخطيب الحافظ
عن اهل العلم كافة . فائز إذا سمع وحده ان يقول حدثنا او نحوه لجواز ذلك للواحد في كلام.
العرب. وجائز إذا سمع في جماعة ان يقول حدثني لأن المحدث حدثه وحدث غيره والله اعلم.
(الرابع) روينا عن ابي عبد الله احمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال اتبع لفظ الشيخ في قوله
حدثنا وحدثني وسمعت واخبرنا ولا تعدود .
(قلت) ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات من تقدمك ان تبدل في نفس الكتاب
ما قيل فيه أخبرنا بحدثنا ونحو ذلك وان كان في اقامة احدهما مقام الآخر خلاف وتفصيل
القارئ اذا كان معه غيره يقول اخبرنا فيتجه حينئذان يقال الأصل عدم الزايد. لكن الذى
ذكره ابن الصلاح هو الذي قاله عبد الله بن وهب وابو عبد الله الحاكم وهو المشهور والله اعلم.
والأحسن فيما إذا شك هل قرأ بنفسه او سمع بقرآءة غيره ما حكاه الخطيب فى الكفاية
عن البرقانى انه ربماشك فى الحديث هل قرأه هو او قري وهو يسمع فيقول فيه قرأنا على
فلان فأنه يسوغ اتيانه بهذه الصيغة فيما قرأه بنفسه وفيما سمعه بقرآءة غيره.
وقد سئل احمد بن صالح المصرى عن الرجل يسمع بقرآءة غيره فأجاب بأنه لا بأس ان
يقول قرأنا. وقد قال النفيلي قرأنا على مالك وانما سمع بقرآءة غيره والله اعلم .
(قوله) ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات تقدمك ان تبدل في نفس
الكتاب ما قيل فيه اخبرنا بحدثنا ونحو ذلك وان كان فى اقامة احدهما مقام الآخر خلاف
وتفصيل سبق لأحمال ان يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بينها ولو وجدتَ
من ذلك استناداً عرفت من مذهب رجاله التسوية بينهما فأقامتك احدهما مقام الآخر
من باب تجويز الرواية بالمعنى. وذلك وان كان فيه خلاف معروف فالذي نراه الأمتناع
- ١٤٧-
سبق لأحتمال ان يكون من قال ذلك ممن لا يرى النسوية بينهما . ولو وجدت في ذلك اسنادً
عرفت من مذهب رجاله التسوية بينهما فأقامتك اجدهما مقام الآخر من باب تجويز الرواية
بالمعنى . وذلك وان كان فيه خلاف معروف فالذي نراه الأمتناع من اجراء مثله في ابدال
ماوضع في الكتب المصنفة والمجامع المجموعة على ما سنذكره ان شاء الله تعالى.
وما ذكره الخطيب ابو بكر في كفايته من اجراء ذلك الخلاف في هذا فمحمول عندنا على ما
يسمعه الطالب من لفظ المحدث غير موضوع في كتاب مؤلف والله اعلم .
(الخامس) اختلف أهل العلم في صحة سماع من ينسخ وقت القرآءة فورد عن الأمام إبراهيم
الحربي وابي احمد بن عدي الحافظ والأستاذ ابي اسحق الأسفرائيني الفقيه الأصولي وغيرهم
نفى ذلك . وروينا عن ابي بكر احمد بن اسحق الصبغي احد أئمة الشافعيين بخراسان انه
سئل عمن يكتب في السماع، فقال يقول حضرت ولا يقل حدثنا ولا اخبرنا . ووردعن موسى
ابن هارون الجمال تجويزذلك، وعن أبي حاتم الرازي قال كتبت عند عارم وهو يقرأ وكتبت عند
عمروبن مرزوق وهو يقرأ. وعن عبد الله بن المبارك انه قرئ عليه وهو ينسخ شيئاً آخر غير
ما يُقرأ . ولا فرق بين النسخ من السامع والنسخ من المسمع.
من اجراء مثله في ابدال ما وضع في الكتب المصنفة والمجاميع المجموعة على ما سنذكره
ان شاء الله تعالى. وما ذكره ابو بكر الخطيب في كفايته من اجراء ذلك الخلاف
في هذا محمول عندنا على ما يسمعه الطالب من لفظ المحدث غير موضوع فى كتاب
مؤلف والله اعلم. وفيه امرات. احدهما ان ما اختاره المصنف قد ضعفه ابن دقيق العيد
فى الاقتراح. فقال ومما وقع فى اصطلاح المتأخرين انه اذا رُوي كتاب مصنف بيننا وبينه
وسايط تصرفوا في اسماء الرواة وقلَّبوها على انواع الى ان يصلوا الى المصنف فأذا وصلوا
اليه تبعوا لفظه من غير تغيير. قال وهنا بحثان فذكر الأول. ثم قال البحث الثاني الذي
اصطلحوا عليه من عدم التغيير للألفاظ بعد وصولهم الى المصنف ينبغى ان ينظر فيه
هل هو على سبيل الوجوب او هو اصطلاح على سبيل الأولى قال وفى كلام بعضهم
ما يشيرالى أنه ممتنع لأنه وان كان له الرواية بالمعنى فليس له تغيير التصنيف. قال وهذا
كلام فيه ضعف. قال واقل مافيه انه يقتضى تجويز هذا فيما ننقل من المصنفات المتقدمة
٠
- ١٤٨ -
قلت وخير من هذا الأطلاق التفصيل فنقول لا يصح السماع اذا كان النسخ بحيث يمتنع
معه فهم الناسخ لما يُقرأ حتى يكون الواصل إلى سمعه كأنه صوت غُفْل ويصح اذا كان بحيث
لا يمتنع معه الفهم. كمثل ما روينا عن الحافظ العالم ابي الحسن الدارقطني انه حضر في حداثته
مجلس اسماعيل الصفار فيلس ينسخ جزءاً كان معه واسماعيل علي فقال له بعض الحاضرين
لا يصح سماعك وانت تفسخ . فقال فهمي للأملاء خلاف فهمك. ثم قال تحفظ كم الى الشيخ
من حديث الى الآن فقال لا فقال الدار قطني املى ثمانية عشر حديثً فعُدّت الأحاديث فوجدت
كما قال. ثم قال ابو الحسن الحديث الأول منها عن فلان عن فلان ومتنه كذا والحديث الثاني
عن فلان عن فلان ومنه كذا. ولم يزل يذكرا سانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الأملاء
حتى انى على آخرها فتعجب الناس منه والله أعلم .
(السادس ) ما ذكرناه في النسخ من التفصيل يجري مثله فيما اذا كان الشيخ او السامع
يتحدث او كان القارئ خفيف القرآءة يفرط في الأسراع او كان يهتم بحيث يخفى بعض
الكلام أو كان السامع بعيداً عن القارئ وما أشبه ذلك .
الى اجزائنا وتخاريجنا فأنه ليس فيه تغيير التصنيف المتقدم وليس هذا جارياً على الأصطلاح
فأن الأصطلاح على ان لا نغير الألفاظ بعد الانتهاء الى الكتب المصنفة سواء رويناها
فيها او نقلناها منها انتهى. وما ذكره من انه يقتضى تجويزه فيما ينقل من المصنفات
المتقدمة الى اجزائنا وتخاريجنا ليس بمسلم بل آخر كلام ابن الصلاح يشعر انه اذا تُقل
حديث من كتاب وعزى اليه لا يجوز فيه الأبدال سواء نقلناه في تأليف لنا اولفظً والله اعلم.
(الأمر الثاني) ان تعليل المصنف المنع باحتمال ان يكون من قال ذلك ممن لا يرى
التسوية بين اخبرنا وحدثنا ليس بجيد من حيث ان الحكم لا يختلف فى الجاز والممتنع
بأن يكون الشيخ يرى الجاز ممتما او الممتنع جائزا. وقد صرح اهل الحديث بذلك فى
مواضع منها ان يكون الشيخ من يرى جواز اطلاق حدثنا واخبرنا فى الأجازة واذن للطالب
ان يقول ذلك اذا روى عنه بالا جازة فأنه لا يجوز للطالب وان اذن له الشيخ وقد صرح به
المصنف كما سيأتي. وكذلك ايضاًلم يشترطوا في جواز الرواية بالمعني ان لا يكون في الأسناد
من يمنع ذلك كابن سيرين بل جوزوا الرواية بالمعنى بشروط ليس منها هذا والله اعلم.
٠ - ١٤٩ -
ثم الظاهر انه يعفى في كل ذلك عن القدر اليسير نحو الكلمة والكلمتين .
ويستحب الشيخ أن يجيز لجميع السامعين رواية جميع الجزء او الكتاب الذي سمعوه وان جرى على كله
اسم السماع وإذا بذل لأحد منهم خطه بذلك كتب له سمع منى هذا الكتاب وأجزت له روايته
عني أو نحوهذا كما كان بعض الشيوخ يفعل. وفيما ترويه عن الفقيه ابي محمد بن ابي عبد الله بن عتاب
الفقيه الأندلسي عن ابيه رحمها الله انه قال لا غنى في السماع عن الأجازة لأنه قد يغلط القاريء
ويغفل الشيخ او يغلط الشيخ ان كان القاريء ويغفل السامع فينجبر له ما فاته بالأجازة .
هذا الذى ذكرناه تحقيق حسن وقد روينا عن صالح بن احمد بن حنبل قال قلت لأبي الشيخ يُدغم
الحرف يُعرف انه كذا وكذا ولا يفهم عنه ترى ان يُروى ذلك عنه قال ارجو ان لا يضيق هذا.
وبلغنا عن خلف بن سالم المخرمي (١) قال سمعت ابن عيينة يقول ناعمرو بن دينار يريد حدثنا عمرو
ابن دينار لكن اقتصر من حدثنا على النون والألف فأذا قيل له قل حدثنا عمرو قال لا اقول
لأني لم اسمع من قوله حدثنا ثلاثة أحرف وهي حدث لكثرة الزحام ..
قلت قد كان كثير من اكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم جداً حتي ربما بلغ الوفًا مؤلفة
ويبلغهم عنهم المستملون فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين فأجاز غير واحد لهم رواية
(قوله) قلت قد كان كثير من اكابر المحدثين يعظم الجمع فى مجالسهم جداً حتى ربما بلغ
الوفاً مؤلفة ويبلغهم عنهم المستملون فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين. واجاز غير واحد
لهم رواية ذلك عن المعلى. ثم قال وابى آخرون ذلك ثم قال قلت والأول تساهل بعيد انتهى.
أطلق المصنف حكاية الخلاف من غير تقييد بكون المعلي يسمع لفظ المستملي الذي يعلي
ام لا. والصواب التقييد بماذكرناه فأن كان الشيخ صحيح السمع بحيث يسمع لفظ المستملي الذي
علي عليه فالسماع صحيح ويجوزله أن يرويه عن المعلي دون ذكر الواسطة كما لو سمع على الشيخ
بقرآءة غيره فأن القاري والمستعلي واحد. وان كان في سمع الشيخ تقل بحيث لا يسمع
لفظ المستملي فأنه لا يسوغ من لم يسمع لفظ الشيخ ان يرويه عنه الا بواسطة المستعلى او
المبلغ له عن الشيخ او المفهم للسامع ما لم يبلغه كما ثبت في الصحيحين من رواية عبد الملك بن عمير
(١) بضم الميم وفتح المعجمة البغدادى الحافظ وثقه النسائي مات سنة ٢٣١ اهخلاصة تذهيب
الكمال الخزرجي .
- ١٥٠-
ذلك عن المعلي روينا عن الأعمش رضي الله عنه قال كنا نجلس الى ابراهيم فتتسع الحلقة
فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه فيسأل بعضهم بعضًا عماقال ثم يروونه وما سمعوه منه.
وعن حماد بن زيد انه سأله رجل في مثل ذلك فقال يا ابا اسمعيل كيف قلت .. فقال استفهم
ممن يليك. وعن عيينة ان ابا مسلم المستعلي قال له ان الناس كثير لا يسمعون قال الأتسمع
أنت قال نعم قال فأسمعهم وابى آخرون ذلك .
روينا عن خلف بن تميم قال سمعت من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث او نحوها فكنت
استفهم جليسي فقلت الزائدة فقال لي لا تحدث منها الابما تحفظ بقلبك وسمع أذنك قال فألقيتها.
وعن أبي نعيم انه كان يرى فيما سقط عنه من الحرف والأسم مما سمعه من سفيان والأعمش
واستفهمه . من إصحابه ان يرويه عن اصحابه لا يرى غير ذلك واسعاً له.
: قلت والأول تساهل بعيد. وقد روينا عن أبي عبد الله بن مندة الحافظ الأصبهاني انه قال
عن جابر بن سمرة قال سمعت النبي عمر يقول يكون اثنا عشر اميراً فقال كلمة لم اسمعها
فقال ابى انه قال كلهم من قريش لفظ البخاري. وقال مسلم ثم تكلم بكلمة خفيت عليّ فسألت
إلى ماذا قال. قال كلهم من قريش فلم يرو جابر بن سمرة الكلمة التى خفيت عليه الابواسطة ابيه.
ويمكن ان يستدل القائلون بالجواز بما رواه مسلم في صحيحه من رواية عامر بن سعدبن
ابي وقاص قال كتبت الى جابر بن سمرة مع غلامي نافع ان اخبرلي بشيء سمعته من رسول
الله ◌َّ قال فكتب إلي سمعت رسول الله عربية يوم جمعة عشبة رجم الأسلمى قال [لا يزال الدين
قائماً حتى تقوم الساعة او يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش] فلم يفصل جابرين
سمرة الكلمة التى لم يسمعها من النبى عليه. وقد يجاب عنه بأمور احدها انه يحتمل أن بعض
الرواة ادرجه وفصلها الجمهور وهم عبد الملك بن عمير والشعبى وحصين وسماك بن حرب
ووصله عامر والثانى إنه قد اتفق الشيخان على رواية الفصل وانفرد مسلم برواية الوصل.
والثالث ان رواية الجمهور سماع لهم من جابر بن سمرة ورواية عامر بن سعد كتابة ليست
متصلة بالسماع. والرابع ان الارسال جائز خصوصاً ارسال الصحابة عن بعضهم فأن الصحابة
كلهم عدول ولهذا كانت مراسيلهم حجة خلافاً للأستاذ إلي اسحق الأسفرائينى لأن
الصحابة قد يروون عن التابعين والله اعلم .
- ١٥١-
(ع) لواحد من اصحابه يافلان يكفيك من السماع شمه. وهذا اما متأول اومتروك على قائله.
ثم وجدت عن عبدالغني بن سعيد الحافظ عن حمزة بن محمد الحافظ بأسناده عن عبد الرحمن بن مهدي
انه قال يكفيك من الحديث شمه. قال عبد الغني قال لنا حمزة يعني إذا سئل عن اول شيء عرفه
وليس يعني التسهيل في السماع والله أعلى.
(السابع) يصح السماع من هو وراء حجاب إذا سمع صوته فيما إذا حدث بلفظه أو اذا
عرف حضوره بمسمع منه فيما اذا قُرئ عليه. وينبغي أن يجوز الاعتماد في معرفة صوته وحضوره
على خبر من يوثق به. وقد كانوا يسمعون من عائشة رضي الله عنها وغيرها من ازواج رسول
الله على من وراء حجاب ويروونه عنهن اعتماداً على الصوت. واحتج عبد الغني بن سعيد
الحافظ في ذلك بقوله {} (ان بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)
وروي بأسناده عن شعبة انه قال اذا حدثك المحدث فلم تر وجهه فلا ترو عنه فلعله شيطان
قد نصور في صورته يقول حدثنا واخبرنا والله اعلم .
(الثامن) من سمع من شيخ حديثً ثم قال له لا تروه عني اولا آذن لك في روايته عني او .
:قال لست اخبرك به او رجعت عن إخبارى اياك به فلا تروه عني غير مسند ذلك الى انه اخطأ
فيه او شك فيه ونحو ذلك بل منعه من روايته عنه مع جزمه بأنه حديثه وروايته فذلك غیر
مبطل لسماعهولا مانع له من روايته عنه. وسأل الحافظ أبو سعيد بن غلبك النيسابوري الأستاذابا إسحق
الأسفرائيني رحمهما الله عن محدث خص بالسماع قوماً جاء غيرهم وسمع منه من غير علم المحدث
به هل يجوز له رواية ذلك عنه، فأجاب بأنه يجوز ولو قال المحدث اني اخبركم ولا اخبر فلاناً
لم يضره والله اعلم.
( القسم الثالث من اقسام طرق نقل الحديث وتحمله الأجازة . وفي متنوعة انواعاً )
أولها أن يجيز لمعين في معين مثل ان يقول اجزت لك الكتاب الفلاني او ما اشتملت عليه
فهر ستي هذه فهذا اعلى انواع الأجازة المجردة عن المناولة. وزعم بعضهم إنه لا خلاف في جوازها
ولا خالف فيها اهل الظاهر . وانما خلافهم في غير هذا النوع. وزاد القاضي أبو الوليد الباجي
المالكى فأطلق نفى الخلاف وقال لا خلاف في جواز الرواية بالأجازة من سلف هذه الأمة
وخلفها وادعى الأجماع من غير تفصيل وحكى الخلاف في العمل بها .
- ١٥٢-
(ع) قلت هذا باطل فقد خالف في جواز الرواية بالأجازة جماعات من أهل الحديث والفقهاء
والأصوليين وذلك احدى الروايتين غن الشافعي رضي الله عنه رُوِي عن صاحبه الربيع بن
سليمان قال كان الشافعي لا يرى الأجازة في الحديث. قال الربيع انا الخالف الشافعي في هذا.
وقد قال بأبطالها جماعة من الشافعيين منهم القاضيان حسين بن محمد المروروذي وأبو الحسن الماوردي
وبه قطع الماوردي في كتابه الحاوي وعزاه إلى مذهب الشافعي وقالا جميعً لوجازت الأجازة
لبطلت الرحلة . وروى ايضاًهذا الكلام عن شعبة وغيره.
ومن ابطلها من أهل الحديث الأمام ابراهيم بن اسحق الحربي وأبو محمد عبد الله بن محمد
الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ والحافظ ابن نصر الوايلى السجزي، وحكي ابو نصر فسادها عن بعض
(من لقيه. قال ابو نصر وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون قول المحدث قد اجزت لك ان تروي
عنى تقديره قد أجزت لك ما لا يجوز في الشرع لأن الشرع لا يبيح رواية من لم يسمع.
قلت ويشبه هذا ما حكاه أبوبكر محمد بن ثابت التُجندي أحد من ابطل الأجازة من الشافعية
عن ابي طاهر الدباس احد أئمة الحنفية قال من قال لغيره اجزت لك ان تروي عني ما لم تسمع
فكأنه يقول أجزت لك ان تكذب علىَّ ثم ان الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير اهل
العلم من اهل الحديث وغيرهم القول بتجويز الأجازة واباحة الرواية بها وفي الأحتجاج لذلك
غموض ويتجه ان نقول إذا اجاز له ان يروي عنه مروياته وقد اخبره بها جملة فهو كما لواخبره
تفصيلا واخبار بها غير متوقف على التصريح نطقً كما في القراءة على الشيخ كما سبق وانما الغرض
حصول الأفهام والفهم وذلك يحصل بالأجازة المفهمة (١) والله اعلم .
ثم انه كما تجوز الرواية بالأجازة يجب العمل بالمروى بها خلافا لمن قال من أهل الظاهر ومن
تابعهم انه لا يجب العمل بهوانه جار مجرى المرسل. وهذا باطل لأنه ليس في الأجازة ما يقدح
في ايصال المنقول بها وفي الثقة به والله اعلم .
(النوع الثاني ) من انواع الأجازة ان يجيز لمعين في غير معين مثل أن يقول اجزت لك
(١) قال الخطيب فى الكفاية احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم
كتب سورة براءة في صحيفة ودفعها لأبى بكر ثم بعث على بن أبى طالب فأخذها منه ولم يقرأ ها عليه
ولا هو ايضاً حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس . وقد اسندالرا مهزي عن الشافعي ان الكرايسي.
أراد أن يقرأعليه كتبه فأبي وقال خذكتب الزعفرانى فأنسخها فقداجزت لك فأخذها اجازة اهتدريب.
- ١٥٣ -
او لكم جميع مسموعاتي أو جميع مروياتي وما أشبه ذلك فالخلاف في هذا النوع اقوي واكثر.
والجمهور من العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويز الرواية بها أيضاً وعلى ايجاب العمل
بما روي بها بشرطه والله أعلم .
(النوع الثالث ) من انواع الأجازة أن يجيز لغير معين بوصف العموم مثل ان يقول اجزت
للمسلمين او اجزت لكل احد اوأجزت لمن أُدرك زماني وما أشبه ذلك فهذا نوع تكلم فيه
فيه المتأخرون من جوز أصل الأجازة واختلفوا في جوازه.
فأن كان ذلك مقيدا بوصف حاصر او نحوه فهو الى الجواز اقرب، وممن جوز ذلك كله
الخطيب ابو بكر الحافظ ورُوينا عن ابي عبد الله بن مندة الحافظ انه قال اجزت لمن قال لا اله الاالله.
وجوز القاضي أبو الطيب الطبري احد الفقهاء المحققين فيما حكاه عنه الخطيب الأجازة لجميع
المسلمين من كان منهم موجوداً عند الاجازة .
وأجاز أبو محمد بن سعيد احد الجلَّة من شيوخ الأندلس لكل من دخل قرطبة من طلبة العلم.
ووافقه على جواز ذلك جماعة منهم ابو عبد الله بن عتاب رضى الله عنهم .
وانبأني من سأل الحازمي ابا بكر عن الأجازة العامة هذه فكان من جوابه أن من ادركه
من الحفاظ نحو أبي العلاء الحافظ وغيره كانوا يميلون الى الجواز والله اعلم .
﴿ النوع الثالث من انواع الأجازة ان يجيز لغير معين بوصف العموم)
(قوله) فأن كان ذلك مقيداً بوصف حاصر او نحوه فهو الى الجواز اقرب انتهى.
تقدم ان المصنف اختار عدم صحة الأجازة العامة وقال في هذه الصورة منها انها اقرب
الى الجواز فلم يظهر من كلامه في هذه الصورة المنع او الصحة .
والصحيح فى هذه الصورة الصحة فقد قال القاضي عياض في كتاب الألماع ما احسبهم
اختلفوا فى جوازه من تصح عنده الأجازة ولارأيت معه لأحد لأنه محصور موصوف
كقوله لأ ولاد فلان أو اخوة فلان .
- ١٥٤ -
قلت ولم تر ولم نسمع عن احد ممن يقتدي به انه استعمل هذه الأجازة فروي بها ولا عن
الشرذمة المستآخرة الذين سوغوها والأجازة في اصلها ضعف وتزدادبهذا التوسع والاسترسال
ضعفاً كثيراً لا ينبغى احتماله والله اعلم.
(النوع الرابع) من انواع الأجازة للمجهول او بالمجهول. ويتشبث بذيلها الأجازة المعلقة
بالشرط وذلك مثل ان يقول اجزت لمحمد بن خالد الدمشقي وفي وقته ذلك جماعة مشتر كون في
هذا الأسم والنسب . ثم لا يعين المجاز له منهم او يقول اجزت لفلان ان يروي عني كتاب
السنن وهو يروي جماعة من كتب السفن المعروفة بذلك ثم لا يعين. فهذه اجازة فاسدة لا فائدة لها.
وليس من هذا القبيل ما اذا اجاز لجماعة مسعين معينين بأنسابهم والمجيز جاهل بأعيانهم غير عارف
بهم فهذا غير قادح كما لا يقدح عدم معرفته به إذا حضر شخصه في السماع منه والله اعلم.
وان اجاز للمسمين المنتسبين في الأستجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم ولم يعرف عددهم
ولم يتصفح اسمائهم واحداً فواحداً فينبغي أن يصح ذلك ايضاً كما يصح سماع من حضر مجلسه
للسماع منه وان لم يعرفهم اصلا ولم يعرف عددهم ولا تصفح اشخاصهم واحداً واحداً ..
واذا قال اجزت لمن يشاء فلان اونحو ذلك فهذافيه جهالة وتعليق بشرط فالظاهر انه لا يصح
وبذلك افتى القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي اذ سأله الخطيب الحافظ عن ذلك وعلل بأنه أجازة
المجهول فهو كقوله اجزت لبعض الناس من غير تعيين. وقد يعلل ذلك ايضاًبما فيها من التعليق
بالشرط فأن ما يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق على ماعرف عند قوم .
(قوله) قلت ولم تر ولم نسمع عن احد ثمن يقتدي به انه استعمل هذه الأجازة فروى
بها ولا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوغوها والأجازة في اصلها ضعف وتزداد بهذا
التوسع والاسترسال ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتماله والله اعلم انتهى.
وفيه امور احدها انه اعترض على المصنف بأن الظاهر من كلام مصححها جواز الرواية
بها وهذا مقتضى صحتها. واى فائدة لهاغير الرواية بها انتهى. ولا يحسن هذا الاعتراض
على المصنف فأنه انما انكران يكون رأي او سمع عن احدانه استعملها فروى بها.
ولا يلزم من ترك استعمالهم للرواية بها عدم صحتها اما لأستغنائهم عنها بالسماع او احتياطاً
- ١٥٥-
وحكى الخطيب عن ابي يعلي بن الفراء الحنبلي وابي الفضل بن عمروس المالكى انهما اجازا
ذلك وهؤلاء الثلاثة كانوا مشايخ مذاهبهم بغداد إذ ذاك. وهذه الجهالة ترتفع في ثاني الحال
عند وجود المشيئة بخلاف الجهالة الواقعة فيما اذا اجاز لبعض الناس . واذا قال اجزت لمنشاء
فهو كمالو قال اجزت لمن شاء فلان بل هذه اكثر جهالة وانتشاراً من حيث انها معلقة بمشيئة من
لا يحصر عددهم بخلاف تلك. ثم هذا فيما اذا اجاز لمن شاء الأجازة منه له ..
للخروج من خلاف من منع الرواية بها .
(الأمر الثاني) ان مارجحه المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور المتأخرين وصححه
النووى فى الروضة من زياداته فقال الأصح جوازها انتهى.
وتمن اجازها ابو الفضل احمد بن الحسين بن خيرون البغدادي وابو الوليد بن رشد
من ائمة المالكية وابوطاهر السلفي وخلائق كثيرون جمعهم الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين
ابن ابي البدر الكاتب البغدادي فى جزء كبير رتب اسماءهم فيه على حروف المعجم اكثرتهم.
ورجحه ايضًاً ابو عمرو بن الحاجب من ائمة المالكية الأصوليين.
(الأمر الثالث) ان المصنف ذكر انه لم ير ولم يسمع ان احداً من يقتدي به روى بها
وقد أحسن من وقف عندما انتهى إليه .
ومع هذا فقد روى بها بعض الأئمة المتقدمين على ابن الصلاح كالحافظ الى بكر محمد بن خير
ے
ابن عمر الأموي بفتح الهمزة الأشبيلى خال أبى القاسم السهيلي فروى فى برنامجه المشهور
بالأجازة العامة.
وحدث بها من الحفاظ المتأخرين الحافظ ابو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي
بأجازته العامة من المؤيد الطوسى.
وسمع بها الحفاظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي وابو عبد الله محمد بن احمد بن عثمان
الذهبي وابو محمد القاسم بن محمد البرزالي على الركن الطاووسي بأجازته العامة من الى جعفر
الصيدلاني وغيره. وقرأ بها شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي على أبي العباس احمد بن نعمة
بأجازته العامة من داودبن معمر بن الفاخر وبالجملة ففى النفس من الرواية بها شيء والاحتياط
" ترك الرواية بها والله أعلم.
- ١٥٦-
فأن اجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا أولى بالجواز من حيث ان مقتضى كل اجازة تفويض.
الرواية بها إلى مشيئة المجازله فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحاً بما يقتضيه الأطلاق
وحكاية للجال لا تعليقً في الحقيقة. ولهذا اجاز بعض أئمة الشافعيين في البيع أن يقول بعتك
هذا بكذا ان شئت فيقول قبلت ..
ووجد بخط أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي الحافظ اجزت رواية ذلك لجميع
من أحبَّ ان يروي ذلك عني .
اما اذا قال اجزت لفلان كذا وكذا ان شاء روايته عني او لك ان شئت اواحببت او اردت
فالأظهر الأقوى ان ذلك جائز اذ قد انتفت فيه الجهالة وحقيقة التعليق ولم يبق سوى صيغته
والعلم عند الله تعالى .
(النوع الخامس) من انواع الأجازة الاجازة للمعدوم ولنذكر معه الأجازة للطفل الصغير.
هذا نوع خاض فيه قوم من المتأخرين واختلفوا في جوازه ومثاله ان يقول اجزت لمن يولد
لفلان فأن عطف المعدوم في ذلك على الموجود بأن قال اجزت لفلان ومن يولد له أو اجزت
لك ولولدك وعقبك ما تناسلوا كان ذلك اقرب الى الجواز من الأول .
ولمثل ذلك اجازأصحاب الشافعى رضي الله عنه في الوقف القسم الثاني دون الأول.
(قوله) فأن اجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا اولى بالجواز من حيث ان مقتضى كل اجازة
تفويض الرواية بها الى مشيئة المجاز له فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحاً بما يقتضيه
الأطلاق وحكاية الحال لا تعليقاً فى الحقيقة. ولهذا اجاز بعض ائمة الشافعيين في البيع بعتك
هذا بكذا ان شئت فيقول قبلت انتهى. ولم يبين المصنف ايضاً تصحيحاً في هذه الصورة
بل جعلها أولى بالجواز. والصحيح فيها عدم الصحة. وقياس المصنف لهذه الصورة على
تجويز بعض الأئمة قول القائل بعتك هذا بكذا ان شئت ليس بحيد والفرق بين المسألتين
ان المبتاع معين في مسألة البيع والشخص المجاز مبهم في مسألة الأجازة وانما وزان مسألة
البيع ان يقول اجزت لك ان تروى عنى ان شئت الرواية عنى فأن الأظهر الأقوى فى هذه
الصورة الجواز كما ذكره المصنف بعد ذلك. وفى مسألة البيع التى قاس عليها المصنف مسألة
الأجازة وجهان حكاهما الرافعى وقال اظهرهما انه ينعقد .
٠
- ١٥٧-
(ع) وقد اجاز اصحاب مالك وابي حنيفة رضي الله عنهما او من قال ذلك منهم في الوقف القسمين
كليهما. وفعل هذا الثاني في الأجازة من المحدثين المتقدمين ابو بكر بن أبي داود السجستاني فأنا
رويناعنه أنه سئل الأجازة فقال قد اجزت لك ولأولادك ولحَيَل الحيلة يعني الذين لم يولد وابعد.
واما الأجازة للمعدوم ابتداءً من غير عطف على موجود فقد إجازها الخطيب ابو بكر
الحافظ وذكر انه سمع ابا يعلي بن الغراء الحنبلي وابا الفضل بن عمروس المالكى يميزان ذلك.
وحكى جواز ذلك ايضاً ابو نصرين الصباغ الفقيه. فقال ذهب قوم الى انه يجوز ان يجيز لمن
لم يخلق. قال وهذا انما ذهب اليه من يعتقد أن الأجازة اذن في الرواية لا محادثة. ثم بين بطلان
هذه الأجازة وهو الذى استقر عليه رأي شيخه القاضي أبي الطيب الطبرى الأمام وذلك هو
الصحيح الذي لا ينبغي غيره لأن الأجازة في حكم الأخبار جملة بالمجاز على ما قدمناه في بيان
صحة اصل الأجازة فكما لا يصح الأخبار المعدوم لا تصح الأجازة المعدوم، ولوقدرنا ان
الأجازة اذن فلا يصح ايضاً ذلك للمعدوم كما لا يصح الأذن في باب الوكالة للمعدوم وقوعه
في حالة لا يصح فيها المأذون فيه من المأذون له .
وهذا ايضاً يوجب بطلان الأجازة للطفل الصغير الذي لا يصح سماعه (١) . .
قال الخطيب سألت القاضى ابا الطيب الطبرى عن الأجازة للطفل الصغير هل يعتبر في صحتها
سنه أو تمييزه كما يعتبر ذلك في صحة سماعه فقال لا يعتبر ذلك. قال فقلت له ان بعض أصحابنا
قال لا تصح الأجازة لمن لا يصح سماعه، فقال قد يصح أن يجيز للغائب عنه ولا يصح السماع له.
واحتج الخطيب لصحتها للطفل بأن الأجازة انما هي اباحة المجيز للمجاز له ان يروي عنه والأباحة
تصح للعاقل وغير العاقل .
قال وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا يجيزون للأطفال الغيب عنهم من غير ان يسألوا عن مبلغ
(١) الأشارة الى التعليل وهو قوله لأن الاجازة الخ. قال شيخنا بالأجازة الشيخ طاهر الجزائرى رحمه
في كتابه توجيه النظر ص (٢٠٦) النوع السابع الأجازة لمن ليس بأهل حين الاجازة للأداء والاخذ
عنه وذلك يشمل صوراً لم يذكر ابن الصلاح منها الاالصي ولم يفرده بنوع خاص بل ذكره فى آخر
الكلام على الأجازة المعدوم، والاجازة للصبي ان كان مميزاًفهي صحيحة كسماعه وقد نقل خلاف ضعيف في
صحة سماعه غيرانه لا يعتد به . وان كان غير مميز فقد اختلف فيه فقال بعضهم لا تصح الأجازة له كما لا يصح
السماع له. وقال بعضهم تصح الأجازة له. وقال بذلك الخطيب واحتج له بأن الاجازة الخ ماذكره المؤلف هنا.
- ١٥٨ -
(ع) أسنانهم وحال تمييزهم ولم نرم اجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال .
قلت كأنهم رأوا الطفل اهلا لتحمل هذا النوع من انواع تحمل الحديث ليؤدى به بعد
حصول اهليته حرصً على توسيع السبيل الى بقاء الأسناد الذى اختصت به هذه الأمة وتقريبه
من رسول الله رغ .
(النوع السادس) من انواع الأجازة اجازة ما لم يسمعه الجيز ولم يتحمله اصلا بعدُ ليرويه
المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك . اخبرني من أخبر عن القاضي عياض بن موسى من فضلاء وقته
بالمغرب. قال هذا لم ار من تكلم عليه من المشايخ ورأيت بعض المتأخرين والعصر يين يصنعونه
ثم حكي عن ابي الوليد يونس بن مغيث قاضي قرطبة انه سئل الأجازة بجميع ما رواه الى
· تاريخها وما يرويه بعد فامتنع من ذلك فغضب السائل فقال له بعض اصمابه، يا هذا يعطيك
مالم يأخذه هذا محال ، قال عياض وهذا هو الصحيح .
قلت ينبغى ان يبني هذا على ان الأجازة في حكم الأخبار بالمجاز جملة أو هي اذن فأن جعلت
في حكم الأخبار لم تصح هذه الأجازة إذ كيف يخبر بما لا خبر عنده منه وان جعلت اذناً
البنى هذا على الخلاف في تصحيح الأذن في باب الوكالة فيمالميملكه الآذنُ الموكل بعدُ مثل أن يوكل
في بيع العبد الذي يريد ان يشتريه. وقد اجاز ذلك بعض أصحاب الشافعي والصحيح بطلان
هذه الأجازة. وعلى هذا يتعين على من يريد ان يروي بالأجازة عن شيخ اجاز له جميع مسموعاته.
مثلا ان يبحث حتى يعلم ان ذاك الذي يريد روايته عنه ما سمعه قبل تاريخ هذه الأجازة .
واما إذا قال اجزت لك ما صح ويصح عندك من مسموعاتي فهذا ليس من هذا القبيل . .
وقد فعله الدارقطنى وغيره وجائز ان يروي بذلك عنه ماصح عنده بعد الأجازة انه سمعه قبل
الأجازة ويجوز ذلك وان اقتصر على قوله ماصح عندك ولم يقل وما يصح لأن المراد اجزت
لك ان تروي عني ماصح عندك. فالمعتبر إذاً فيه صحة ذلك عنده حالة الرواية والله أعلم.
(النوع السابع) من انواع الأجازة اجازة المجاز مثل ان يقول الشيخ اجزت لك مجازاتى
أو اجزت اك رواية ما اجيز لي روايته منه من ذلك بعض من لا يعتد به من المتأخرين (١)
(١) هو الحافظ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأتماطي شيخ ابن الجوزى وصنف في ذلك
٦
جزءً لأن الاجازة ضعيفة فيقوى الضعف باجتماع اجازتين والصحيح الذى عليه العمل جوازه وبه قطع -.
-١٥٩-
(ع) والصحيح والذي عليه العمل ان ذلك جائز ولا يشبه ذلك (١) ما امتنع من توكيل الوكيل
بغير اذن الموكل. ووجدت عن ابي عمرو السفاقسي الحافظ المغربي قال سمعت ابا نعيم الحافظ
الأصبهاني يقول الأجازة على الأجازة قوية جائزة .
وحكي الخطيب الحافظ تجويز ذلك عن الحافظ الأمام ابي الحسن الدار قطنى والحافظ الي
العباس المعروف بأبن مُقدة الكوفي وغيرهما. وقد كان الفقيه الزاهد نصر بن ابراهيم المقدسي
يروي بالأ جازة عز الأ جازة حتى ربما والى في روايته بين اجازات ثلاث . وينبغي لمن يروي
بالأجازة عن الأجازة ان يتأمل كيفية اجازة شيخ شيخه ومقتضاها حتى لا يروي بها مالم
يندرج تحتها (٢) فأذا كان مثلا صورة إِجازة شيخ شيخه اجزت له ما صح عنده من سماعاتي
فرأى شيئًا من مسموعات شيخ شيخه فليس له ان يروي ذلك عن شيخه عنه حتى يستبين
انه مما كان قد صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه الذي تلك اجازته ولا يكتفى بمجرد
صحة ذلك عنده الآن عملاً بلفظه وتقييده ومن لا يتفطن لهذا وامثاله يكثر عثاره (٣) والله اعلم
هذه أنواع الأجازة التي تمس الحاجة الى بيانها ويتر كب منها انواع أخر سيتعرف المتأمل
حكمها مما امليناه ان شاء الله تعالى.
ثم انا ننبه على امور. احدها روينا عن أبي الحسن احمد بن فارس الأديب المصنف رحمه الله
قال معنى الأجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذى يسقاه المال من الماشية والحرث
يقال منه استجزت فلاناً فأجاز لي إذا أسقاك ماء لأرضك او ماشيتك. كذلك طالب العلم
يسأل العالم ان يجيزه علمه فيجيزه اياه .
قلت فلمجيز على هذا ان يقول اجزت فلانًا مسموعاتي او مروياتي فيعديه بغير حرف
جر من غير حاجة الى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك . ويحتاج الى ذلك من يجعل الأجازة بمعنى
- الحفاظ ابو الحسن الدار قطني وابو العباس بن عقدة وابو نعيم الأصبهاني وابو الفتح نصر المقدسي وفعله
الحاكم وادعى ابن طاهر الاتفاق عليه اهـ [ تدريب وتقريب ].
[١] قوله ولا يشبه ذلك ما امتنع من توكيل الوكيل بغير اذن المؤكل اى ما جعل ممنوعاً وهو
توكيل الوكيل بغير اذن المؤكل اى وهنا على قول الحافظ أبي البركات ليس للمجاز ان يجيز.
[٢] فربما قيدها بعضهم بما صح عند المجاز له أو بما سمعه المجيز ونحو ذلك اهـ تدريب.
[٣] قال العراقي وكان ابن دقيق العيد لا يجيز رواية سماعه كله بل يقيده بما حدثه به من مسموعاته
• هكذا رأيته بخطه ولم ار اجازة تشمل مسموعه ام تدريب وتمامه فيه .
- ١٦٠ -
(ع) التسويغ والأذن والأ باحة وذلك هو المعروف فيقول أجزت لفلان رواية مسموعاتى مثلا
ومن يقول منهم أجزت له مسموعاتي فعلى سبيل الخلاف الذي لا يخفى نظيره والله اعلم.
(الثاني) انما تستحسن الأجازة اذا كان المجيز عالما بما يجيزوالمجازله من اهل العلم لأنها توسع
وترخيص يتأهل له اهل العلم لمسيس حاجتهم اليها وبالغ بعضهم في ذلك جعله شرطًا فيها ..
وحكاه أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك رضي الله عنه .
وقال الحافظ أبو عمر الصحيح انها لا تجوز الالماهر بالصناعة وفي شيء معين لا يشكل
إسناده والله أعلم.
·· (الثالث) ينبغي للمجيزاذا كتب اجازته ان يتلفظ بها فأن اقتصر على الكتابة كان ذلك اجازة
جائزة إذا اقترن يقصد الأ جازة غير انها انقص مرتبة من الأجازة الملفوظ بها . وغير مستبعد
تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة في باب الرواية التي جعلت فيه القرآءة على الشيخ مع انه لم يلفظ.
بما قري عليه إخباراً منه بما قرى عليه على ما تقدم بيانه واللهاعلم.
· ( القسم الرابع ) من اقسام طرق تحمل الحديث وتلقيه المناولة وهي على نوعين :
احدهما المناولة المقرونة بالأجازة وهي اعلى انواع الأجازة على الأطلاق ولها صور ..
منها ان يدفع الشيخ الى الطالب اصل سماعه او فرعاً مقابلاً به ويقول هذا سماعى او روايتي.
عن فلان فاروه عني او اجزت لك روايته عني .ثم يملكه اياه. او يقول خذه وانسخه وقابل
به ثم رده اليّ أو نحو هذا.
ومنها ان يجيئء الطالب الى الشيخ بكتاب او جزء من حديثه فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ
وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له وقفت على مافيه وهو حديثي عن فلان او روايتى
عن شيوخي فيه فأروه عني اواجزث لك روايته عني وهذا قد سماه غير واحد من أئمة الحديث.
عرضًاً. وقد سبقت حكايتنا في القرآءة على الشيخ انها تسمي عرضاً فلنسم ذلك عرض القرآءة.
وهذا عرض المناولة والله اعلم .
وهذه المناولة المقترنة بالأجازة حالة محل السماع عند مالك وجماعة من أئمة اصحاب الحديث.
وحكي الحاكم ابو عبد الله الحافظ النيسابوري في عرض المناولة المذكور عن كثير من المتقدمين
انه سماع. وهذا مطرد في سائر مايماثله من صور المناولة المقرونة بالأجازة فممن حكى الحاكم ذلك ..