النص المفهرس

صفحات 61-80

مقدمة الطبعة الأولى
٢٨ - تقرير إشكال حول اشتراط الصحة في أحاديث الترغيب
((فإن قيل : هذا كله ردّ على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التي لم
تبلغ درجة الصحة ، فإنهم كما نصّوا على اشتراط صحة الإسناد ، كذلك نصُّوا
أيضاً على أنَّ أحاديث الترغيب والترهيب لا يُشْتَرط في نقلها للاعتماد صحةُ
الإسناد ، بل إن كان ذلك ، فبها ونعمت ، وإلا فلا حرج على من نقلها واستند
إليها، فقد فعله الأئمة، كمالك في ((الموطأ))، وابن المبارك في (( رقائقه))، وابن
حنبل في ((رقائقه))، وسفيان في ((جامع الخير)) وغيرهم.
فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى (( الترغيب والترهيب))، وإذا
جاز اعتماد مثله جاز فيما كان نحوه مما يُرجَع إليه ، كصلاة الرغائب والمعراج ،
وليلة النصف من شعبان ، وليلة أول جمعة من رجب ... وصيام رجب ، والسابع
والعشرين منه ، وما أشبه ذلك ، فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل
الصالح ، فالصلاة على الجملة ثابت أصلها ، وكذلك الصيام ، وقيام الليل ، كل
ذلك راجع إلى خير نُقِلت فضيلته على الخصوص .
وإذا ثبت هذا فكل ما نُقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب
فلا يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد ؛ بخلاف الأحكام .
فإذاً هذا الوجه من الاستدلال من طريق الراسخين ، لا من طريق الذين في
قلوبهم زيغ ؛ حيث فرّقوا بين أحاديث الأحكام ، فاشترطوا فيها الصحة ، وبين
أحاديث الترغيب والترهيب ، فلم يشترطوا فيها ذلك !
٦١

مقدمة الطبعة الأولى
٢٩ - رد الإشكال بتفصيل علمي دقيق
فالجواب : أن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب
والترهيب لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة . وبيانه :
أن العمل المتكلّم فيه :
١ - إما أن يكون، منصوصاً على أصله جملة وتفصيلاً.
٢ - أو لا يكون منصوصاً عليه لا جملة ولا تفصيلاً.
٣ - أو يكون منصوصاً عليه جملة لا تفصيلاً.
فالأول : لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات ، والنوافل المرتّبة
الأسباب وغيرها ، وكالصيام المفروض ، أو المندوب على الوجه المعروف ، إذا فُعلت
على الوجه الذي نص عليه من غير زيادة ولا نقصان : كصيام يوم عرفة ، والوتر ،
وصلاة الكسوف ، فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحاً على ما شرطوا ، فثبتت
أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب . فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغّب
فيها ، أو تحذّر من ترك الفرض منها ، وليست بالغة مبلغ الصحة ، ولا هي أيضاً من
الضعف بحيث لا يقبلها أحد ، أو كانت موضوعة لا يقبلها أحد ، فلا بأس
بذكرها والتحذير بها والترغيب ، بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح .
والثاني : ظاهر أنه غير صحيح ، وهو عين البدعة ؛ لأنه لا يرجع إلا لمجرد
الرأي المبنيّ على الهوى ، وهو أبدع البدع وأفحشها كالرهبانية المنفيّة عن
الإسلام ، والخِصاء لمن خشي العنت ، والتعبُّد بالقيام في الشمس، أو بالصمت
٦٢

مقدمة الطبعة الأولى
من غير كلام أحد ، فالترغيب في مثل هذا لا يصحّ؛ إذ لا يوجد في الشرع ، ولا
أصل له يرغّب في مثله ، أو يحذّر من مخالفته .
والثالث : ربما يُتَوَهَّم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة
فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة ، فمطلق التنفّل بالصلاة
مشروع ، فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان ، فقد عضده أصل
الترغيب في صلاة النافلة ، وكذلك إذا ثبت أصل صيام ، ثبت صيام السابع
والعشرين من رجب ، وما أشبه ذلك !
وليس كما توهّموا؛ لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في
التفصيل . فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو
غيرها حتى ينص عليها على الخصوص ، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام لا يلزم
منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك ، حتى يثبت بالتفصيل
بدليل صحيح . ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب ، بالنسبة إلى
ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح .
والدليل على ذلك : أن تفضيل يوم من الأيام ، أو زمان من الأزمنة بعبادة ما
يتضمّن حكماً شرعياً فيه على الخصوص كما ثبت لعاشوراء مثلاً، أو لعرفة ، أو
لشعبان - مزية على مطلق التنفل بالصيام - فإنه ثبتت له مزيّة على الصيام في
مطلق الأيام ، فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها بحيث لا
تُفهم من مطلق مشروعية الصلاة النافلة(١)، لأن مطلق المشروعية يقتضي أن
الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمئة ضعف في الجملة ، وصيام يوم عاشوراء
(١) كذا في الأصل ، والسياق يقتضي أن يقال : صيام النفل . فتأمل .
٦٣

مقدمة الطبعة الأولى
يقتضي أنه يكفِّر السنة التي قبلها ، فهو أمر زائد على مطلق المشروعية ، ومساقه
يفيد له مزية في الرتبة ، وذلك راجع إلى الحكم .
فإذاً ، هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع من المندوب خاصة ، فلا
بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم: ((إن
الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح ))، والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا
بدّ فيها من الزيادة على المشروعات ، كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما ، فيلزم أن
تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح ، وهو أمر ناقض لما أسسه
العلماء .
ولا يقال : إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط . لأننا نقول : هذا تحكّم
من غير دليل ، بل الأحكام خمسة ، فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح ،
[ فكذلك لا يثبت غيره من الأحكام الخمسة كالمستحب إلا بالصحيح ](١) . فإذا
ثبت الحكم فاستُسْهِلَ أنْ يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب ، ولا عليك .
٣٠ - خلاصة كلام الإمام الشاطبي
فعلى كل تقدير: ((كل ما رُغِّبَ فيه إنْ ثبت حكمه أو مرتبته في المشروعات
من طريق صحيح ، فالترغيب [ فيه ] بغير الصحيح مغتَفَر . وإن لم يثبت إلا من
حديث الترغيب فاشترط الصحة أبداً ، وإلا خرجت عن طريق القوم المعدودين في
أهل الرسوخ . فلقد غلط في هذا المكان جماعة من يُنسَب إلى الفقه ، ويتخصص
عن العوام بدعوى رتبة الخواص . وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدِّثين في
الموضعين ، وبالله التوفيق )).
(١) سقط من الأصل ، والسياق يقتضيه .
٦٤

مقدمة الطبعة الأولى
قلت : هذا كله من كلام الإمام الشاطبي ، وهو يلتقي تمام الالتقاء مع كلام
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى ، ومن الطرائف أن هذا مشرقي وذاك
مغربي ، جمع بينهما - على بعد الدار - المنهج العلمي الصحيح .
٣١ - صعوبة تمييز الضعيف الذي يجوز العمل به حديثياً وفقهياً
وبعدما عرفت أيها القارىء هذا الشرط الفقهي في جواز العمل بالحديث
الضعيف ، وذاك الشرط الحديثي المتقدم : أن لا يكون شديد الضعف يتبين لك
أنه كان من الواجب على الحافظ المنذري أن يميز الحديث الضعيف ، والضعيف
جداً ، والموضوع ، ويعطي كل حديث من أحاديث كتابه الضعيفة مرتبته من هذه
المراتب الثلاث ، وأن لا يجمل القول فيها بتصديرها كلها بصيغة ( رُوي )،
خشية أن يبادر أحد من القراء إلى العمل ببعض الواهي والموضوع منها ، فيقع في
المحظور السابق بيانه ولو كان من الفقهاء .
هذا من الناحية الحديثية .
وأما من الناحية الفقهية ، فليس يخفى أنه من غير الميسور تمييز الحديث
الضعيف الذي يجوز العمل به ، من الذي لا يجوز العمل به ، إلا على المحدِّثين
الفقهاء بالكتاب والسنة الصحيحة ، وما أقلّهم ! ولذلك فإني أرى أن القول بالجواز
بالشرطين السابقين نظري غير عملي بالنسبة إلى جماهير الناس ، لأنه من أين
لهم تمييز الحديث الضعيف من الضعيف جداً؟ ومن أين لهم تمييز ما يجوز العمل
به منه فقهياً مما لا يجوز؟ فيرجع الأمر عملياً إلى قول ابن العربي المتقدم : أنه لا
يُعمَل بالحديث الضعيف مطلقاً. وهو ظاهر قول ابن حبان: ((لأن ما روى
٦٥

مقدمة الطبعة الأولى
الضعيفُ وما لم يرو في الحكم سيَّان))(١).
وهذا هو الذي أنصح به عامة الناس ، وهو الذي كنت نصحت به في مقدمة
كتابي: ((صحيح الجامع الصغير وزيادته)) و ((ضعيف الجامع .. )) (ص ٥١)
فليراجعه من شاء .
٣٢ - مثال من واقع بعض الفقهاء
ولا بأس من أنْ أسوق للقراء مثالاً لصعوبة الأمر ، على بعض من ينتمي
للفقه فضلاً عن غيرهم ، فهناك حديث أنس الصحيح : (( لم يكن شخص أحب
إليهم من رسول اللّه ◌َ 18، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهيته
لذلك)). رواه الترمذي وغيره. فاستدل به الشيخ علي القاري في ((شرح
الشمائل)) (١٦٩/٢) على أن القيام المتعارف اليوم ليس من السّنة . ونقل عن ابن
حجر - يعني الهيتمي - ما ينافي ذلك ، واستغربه ، ثم قال :
( وأما قول ابن حجر: (( ويؤيد مذهبنا من ندب القيام لكل قادم به فضيلة ،
نحو نسب أو علم أو صلاح أو صداقة (!) حديث أنه ﴿ قام لعكرمة بن أبي
جهل لما قدم عليه ، ولعدي بن حاتم كلما دخل عليه . وضعفهما لا يمنع
الاستدلال بهما هنا؛ خلافاً لمن وهم فيه ، لأن الحديث الضعيف يعمل به في
فضائل الأعمال اتفاقاً ، بل إجماعاً كما قال النووي))، فمدفوع ، لأن الضعيف
يُعمَل به في فضائل الأعمال المعروفة في الكتاب والسّنة ، لكنْ لا يُستدَّل به
على إثبات الخَصْلة المستحبَّة) .
(١) انظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) وتعليقي عليه (ج٢ - ص٣ - تحت الحديث ٥٠٤).
٦٦

مقدمة الطبعة الأولى
فتأمّل كيف خطّأ الشيخُ القاري الهيتميَّ، وهو من كبار فقهاء الشافعية
المتأخرين في تطبيق القاعدة المذكورة ، فما عسى أن يكون حال عامّة الناس في
ذلك؟ ومن شاء المزيد من الأمثلة فليراجع كتابي: (( سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة وأثرها السيّىء في الأمة)) يجد العجب العُجاب منها، فانظر مثلاً
الأحادیث (٣٧٢ و ٦٠٩ و ٨٧٢ و ٩٢٢ و ٩٢٨ و٩٤٤) .
٣٣ - البدء بتمييز صحيح ((الترغيب)) من ضعيفه
من أجل كل ما تقدم ، توجهت الهمة منذ زمن بعيد إلى أن أوفر قسماً كبيراً
من وقتي ، وجهداً لا بأس به من طاقتي، لخدمة كتاب (( الترغيب والترهيب))
للحافظ المنذري ، موجهاً جل ذلك إلى تمييز صحيحه من ضعيفه ، تمييزاً دقيقاً
واضحاً لا غموض فيه .
ويعود تاريخ البدء في هذا المشروع الهام ، إلى ما قبل خمس وعشرين سنة
تقريباً ، حين قررت في مرحلة من مراحل الدعوة إلى الكتاب والسنّة تدريس
كتاب (( الترغيب)) على إخواننا السلفيين في سوريا ، لتعريفهم بنوع خاص من
أحاديث نبيهم ◌َ﴿ ، طالما قستْ قلوب جماهير المسلمين اليوم بسبب جهلهم
بسنة نبيهم بصورة عامة ، وبهذا النوع منها بصورة خاصة ، راجياً أن ترقَّ قلوبهم
بهذه المعرفة ، ويزدادوا بها طاعة الله ، ورغبة فيما عنده ، وابتعاداً عن معاصيه ،
ورهبة مما أعدَّه للعصاة المخالفين .
٣٤ - منهجي في التمييز والتدريس
ولما كان قد استقرّ في نفسي منذ نعومة أظفاري - فضلاً من الله ونعمة - أنه
لا يجوز إشاعة الأحاديث الضعيفة والمُنكرّة، ولو في ((الترغيب والترهيب )) بين
٦٧

مقدمة الطبعة الأولى
أفراد الأمة ، ولا التساهل بروايتها على الطلاب وغيرهم ، كما يفعل ذلك عامّة
الخطباء والمدرسين والمرشدين والوعّاظ ، متأثراً في ذلك بأقوال الأئمة الذين
أسلفت لك فيما تَقدّم بعض أقوالهم في هذا المجال ؛ فقد رأيت لزاماً عليَّ أن لا
ألقي درساً منه إلا بعد تحضيره ، والتحقّق من كل حديث من أحاديثه ، في كل
باب من أبوابه ، وفصل من فصوله ، معتمداً في ذلك على مصطلح الحديث ،
والجرح والتعديل ، ومراجعاً لما قاله العلماء المحقّقون في كل حديث منها ، مما
يساعدني على اختيار الحكم الأقرب إلى الصواب فيها ، فما تبيَّن لي منها أنه
ثابت قدَّمته إليهم متشبّئاً به ، راغباً فيه ، وإلاّ أعرضت راغباً عنه غير مصطفيه .
وهكذا مضيت قُدُماً بكل رغبة ونشاط في تحضير الدروس منه ، وإلقائها على
الإخوان والطلاب ، ملتزماً ذلك المنهج العلمي الدقيق ، طيلة تلك السنين ، حتى
انتهيت منه بتاريخ ٢٦ رجب سنة ١٣٩٦ ، مثابراً على إلقائها إلاّ في بعض
الظروف الحالكة ، والفتن المظلمة ، أعاذنا الله منها ؛ ما ظهر منها وما بطن ، وقد
أوشكتُ على الفراغ منه أيضاً على التمام .
وبهذه الدراسة المنهجية الدقيقة تكشّف لي ما كان خافياً عليَّ قبلها وعلى
غيري ، ألا وهو غموض المنذري في اصطلاحه الذي وضعه في أول كتابه ،
وتساهلُه الذي أوضحته في مطلع مقدّمتي هذه ، وكثرة الأحاديث الضعيفة
والواهية بل الموضوعة فيه ، وبعضها مما حسَّنه بل وصحَّحه بالتصريح فضلاً عن
أوهام له أخرى كثيرة ، من الصعب حصرها ، إلا أننا سنتعرّض للإشارة الى
بعضها بخطوط عريضة ، مع بعض الأمثلة إن شاء الله تعالى .
وكنت في أثناء ذلك وتخريجي لأحاديث الكتاب ، أجد أن بعضها يتطلب
٦٨

مقدمة الطبعة الأولى
دراسة واسعة ، وكتابة مفصّلة حتى أتمكن من معرفة مرتبة الحديث في الصحة
والضعف ، وأجد بعضاً آخر منها لا يحتاج إلى ذلك لوضوح أمره ، وتيسّر الوصول
إلى مرتبته بأقرب طريق ، فما كان من النوع الأول ولم يكن مخرَّجاً في شيء من
تصانيفي المطبوعة منها والمخطوطة - وهي كثيرة والحمد لله - خرَّجته وحققت القول
فيه في إحدى السلسلتين: ((الصحيحة)) و ((الضعيفة))، ثم آخذ مرتبة الحديث
منها فأضعها بجانب حديث (( الترغيب)) من نسختي المطبوعة في القاهرة،
الطبعة المنيرية ، وقد كان مما سهّل لي الرجوع إلى تصانيفي المشار إليها كتاباي :
((صحيح الجامع الصغير)) و((ضعيف الجامع الصغير))، والحمد لله الذي بنعمته
تتم الصالحات . وأما إذا كان الحديث من النوع الآخر فكنت أخرِّجه تعليقاً على
حاشية نسختي من (( الترغيب))، كما كنت أكتب عليها ما لا بد منه من شرح
لفظة من غريب الحديث ، أو توضيح جملة منه ، وغير ذلك من الفوائد العلمية
التي تتحمّلها ساحة الحاشية ، فكان من ذلك ما سميته بـ (( التعليق الرغيب على
الترغيب والترهيب )).
٣٥ - الاعتماد على المنذري في التصحيح والتضعيف وشرطنا فيه
وبقيت بعض الأحاديث دون أنْ أرمز لها بشيء لعدم وقوفي على المصدر
الذي نسب المنذري الحديث إليه ، كبعض كتب ابن أبي الدنيا وأبي الشيخ ابن
حيان والبيهقي وغيرهم ، فلم أتمكّن من دراسته وإعطائه الحكم اللائق به . ولكنّي
مع مرور الأيام استطعت أنْ أتدارك قسماً كبيراً منه ، بالوقوف على بعضها ؛ مثل
(( المعجم الأوسط)) مصوّراً من مكتبة الجامعة الإسلامية ، وبعض المجلدات من
(( المعجم الكبير)) التي طبعت في العراق بتحقيق أخينا الشيخ حمدي عبد المجيد
٦٩

مقدمة الطبعة الأولى
السلفي ، وباطّلاعنا قبل ذلك على قسم آخر منه في مصادر أخرى من كتب
السنّة الكثيرة ، من المسانيد والفوائد والأجزاء المخطوطة في ظاهرية دمشق ،
والمصوّرة في غيرها ، حتى لم يبق منه إلا شيء قليل جداً . ففي هذا لا يسعني
إلا أن أتبع المنذري فيما صحَّح أو ضعَّف ، حينما لا أجد من خالفه ممن هو عندي
أوثق منه في هذا العلم. أما ما صدَّره منه بـ ( رُوِي ) فكله ضعيف ، تبعاً له،
بخلاف ما صدَّره بـ ( عن ) فإنما أعتمده إذا كان الحديث من رواية من يلتزم
الصحة كابن خزيمة مثلاً ، أو قوَّه أحد الحفّاظ صراحة ومنهم المنذري ، وذلك لما
سبق بيانه أنه قد يُصدَّر به لما هو قريب من الحسن ، ويعني أنه ليس بحسن ، وهو
الضعيف الذي لم يشتد ضعفه عندنا ، ثم إن العهدة في ذلك كله عليه .
٣٦ - تحقيق أنّ قولهم: (( رجاله رجال الصحيح)) ونحوه ليس تصحيحاً
واعلم أنه ليس من التصحيح ، بل ولا من التحسين في شيء ، قول المنذري
وغيره من المحدِّثين: (( ... رجاله ثقات))، أو (( ... رجاله رجال الصحيح))،
ونحو ذلك ؛ خلافاً لما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، وقد يكون من الأعلام (١) ،
وذلك للأسباب الآتية :
أولاً: أن ذلك لا يعني عند قائله أكثر من أنّ شرطاً من شروط صحة
الحديث قد توفر في إسناده لدى القائل ، وهو العدالة والضبط ، وأما الشروط
(١) كالمناوي مثلاً، فإنه كثيراً ما يستلزم من ذلك الصحة ، كقوله في حديث: ((قال
الهيثمي: رجاله ثقات)). وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه تقصير، وحقه الرمز للصحة !! انظر ((فيض
القدير)) الأحاديث (٦٧ و٧٦ و٥٣١ و٥٣٢) وغيرها، وهي كثيرة جداً وراجع لهذا ((سلسلة
الأحاديث الصحيحة)) (٨٥٤)، ففيها حديث صححه المناوي بناء على القولِ المذكور، وأزيد الآن في
هذه الطبعة ، فأقول : وقد سار على هذا المنوال المعلقون الثلاثة في تعليقهم على الكتاب ، فصححوا
أحاديث كثيرة وحسنوها بناء على هذا القول ، ومنها الحديث الذي صححه المناوي ، فإنهم حسنوه
كذلك! (٣٢٣/٣). وانظر مقدمة هذه الطبعة .
٧٠

مقدمة الطبعة الأولى
الأخرى من الاتصال ، والسلامة من الانقطاع والتدليس ، والإرسال والشذوذ ،
وغيرها من العلل التي تُشتَرط السلامة منها في صحة السند ؛ فأمْر مسكوت عنه
لديه ، لم يقصد توفرها فيه ، وإلا لصرَّح بصحة الإسناد كما فعل في أسانيد
أخرى ، وهذا ظاهر لا يخفى بإذن الله ، وانظر على سبيل المثال الحديث (٥٦٣ -
ضعيف) كيف أعلَّه المنذري بالإرسال مع كون رجاله إلى مرسله رجال الصحيح !
ونحو الحديث (٦٠٩ - ضعيف)، أعلَّه بالانقطاع ، مع كون رجاله كلهم رجال
الصحيح ، ولذلك قال الحافظ في (( التلخيص)» (ص ٢٣٩) في حديث آخر:
(( ولا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً ، لأنّ الأعمش مُدلِّس ولم يذكر
سماعه)) .
ثانياً : قد تبين لي بالتتبع والاستقراء أنه كثيراً ما يكون في السند الذي قيل
فيه: (( رجاله ثقات)) من هو مجهول العين أو العدالة ، ليس بثقة إلا عند بعض
المتساهلين في التوثيق كابن حبان والحاكم وغيرهما، ومن قيل فيه: (( رجاله
رجال الصحيح))، أنه ممن لم يَحتجَّ به صاحب ((الصحيح)) ، وإنما روى له مقروناً
بغيره ، أو متابعة ، أو تعليقاً ، وذلك يعني أنه لا يُحتجِّ به عند التفرّد .
وإذا عرفت هذا، فمن الواضح أن هذا القول وذاك لا يعني دائماً أنّ الرجال
ثقات، أو أنهم محتج بهم في (( الصحيح))، وبالتالي فلا يستلزم في الحالة
المذكورة تحقّق الشرط الأول ، بله الشروط الأخرى. فكم من حديث صحّحه
الحاكم مثلاً تصحيحاً مطلقاً تارة ، ومقيَّداً بشرط الشيخين أو أحدهما تارة أخرى ،
وهو في كثير من الأحيان مُتعقّب من المنذري وغيره كما ستراه في ((ضعيف
الترغيب))، فانظر فيه على سبيل المثال الأحاديث (٢١ و١٧٧ و٤٠٩ و٤١٦
و٤١٨ و٤٨٠ و٦٦١ و٦٧١)، وفي ((الصحيح)) الأحاديث (٢٠٣ و٣١٩ و٤١٠
٧١

مقدمة الطبعة الأولى
و٤١٣ و٧٢٤)(١) . بل كم من حديث من هذا النوع تُعقّب فيه المنذري نفسه ،
كحديث (٦٣٠) في ((الضعيف))، وفي ((الصحيح)) الحديث (٤٦١) وغيره .
ثالثاً: قد يكون رجال الإسناد كلهم ممن احتَجّ بهم صاحب ((الصحيح))،
ولكن يكون فيهم أحياناً من طعن فيه غيره من الأئمة ، لسوء حفظ أو غيره مما
يسقط حديثه عن مرتبة الاحتجاج به ، ويكون هو الراجح عند المحققين ، مثل
يحيى بن سُليم الطائفي عند الشيخين ، وعبدالله بن صالح كاتب الليث ، وهشام
ابن عمار من رجال البخاري ، ويحيى بن يمان العجلي عند مسلم ، فإن هؤلاء مع
صدقهم موصوفون بسوء الحفظ ، وهو علة تمنع الاحتجاج بمثله كما هو معلوم ،
وبمثل ذلك انتقدنا المنذري في بعض الأسانيد كما تراه في التعليق على الحديث
(٢٤٩ - الصحيح ) .
رابعاً: إن قولهم: ((رجاله رجال الصحيح)) لا بد من فهمه أحياناً على إرادة
معنى التغليب لا العموم ، أي أكثر رجاله رجال ( الصحيح ) ، وليس كلهم ، وهذا
حينما يكون من نسب الحديث إليهم من المصنفين دون البخاري ومسلم صاحبي
((الصحيحين)) في الطبقة ، بحيث لا يمكنه أن يشاركهما في الرواية عن أحد من
شيوخها مباشرة ، وإنما يروي عنه بواسطة راو أو أكثر، كالحاكم والطبراني
وأمثالهما . خذ مثلاً حديثاً أخرجه الحاكم (٢٢/١) بالسند التالي : حدثنا أبو بكر
ابن إسحاق الفقيه : أنا محمد بن غالب : أنا موسى بن إسماعيل .. إلخ السند ،
ثم قال: ((صحيح على شرطهما )) . ووافقه الذهبي .
قلت : فموسى هذا من شيوخ الشيخين ، ومن فوقه على شرطِهما ، بخلاف
اللذين دونه ، وهكذا كل حديث عند الحاكم مصحح على شرطهما ، أو شرط
(١) يرجى الانتباه أن الأرقام المذكورة، وكذلك الأرقام الآتية في هذه المقدمة إنما تشير إلى
الأحاديث في هذه الطبعة خاصة .
٧٢

مقدمة الطبعة الأولى
أحدهما ، فإنما يعني شيخهما ومن فوقه ، وأما من دونه فلا ، وقد يكون راوياً
واحداً أو أكثر. وعلى هذا البيان ينبغي أن يفهم طالب هذا العلم قول المنذري في
حديث (( الصحيح)) الآتي برقم (٩٠٧): ((رواه الحاكم، ورواته محتج بهم في
(الصحيح ))).
وأما الحاكم فقال: ((صحيح على شرط الشيخين))، وإنما لم ينقله المنذري
لأنه خطأ فإنما هو على شرط مسلم فقط كما كنت بينته في (( سلسلة الأحاديث
الصحيحة)) برقم (٨٥)، فقول المنذري المذكور إنما هو على التغليب ، وإنما يعني
بدءاً من شيخ الشيخين فيه ، وهو هنا أبو بكر بن أبي شيبة فمن فوقه ، وأما من
دونه فلا . ثم إن هؤلاء قد يكونون ثقاتٍ ، وقد يكونون غير ذلك ، وكل ذلك قد
بلوناه في بعض أحاديثه، فانظر مثلاً في ((الضعيف)) الحديث رقم (٤٠٩)،
فإنه ، وإن كان صححه الحاكم مطلقاً فإن شيخ شيخه فيه كذبه الدارقطني ، كما
حكاه المنذري هناك ، وأما النوع الذي قبله - أعني ما كان من رواية الثقات عن
شيوخ الشيخين - فكثير جداً والحمد لله .
وكذلك يقال في كل حديث سيمر بك في الكتابين: (( الصحيح))
و ((الضعيف)) يقول فيه المنذري: (( رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح))، أو
(( ورواته ثقات)): أنه يعني غالب رواته ، أي كلهم ما عدا شيخ الطبراني قطعاً،
وربما شیخ شیخه معه أحياناً ، وهذا حین یکون قوله صواباً لا وهم فیه ، خذ
مثلاً الحديث الآتي في ((الضعيف)) برقم (١٤٧): (( لزمتُ السواك حتى خشيتُ
أنْ يدرد فِيَّ))، قال فيه: (( رواه الطبراني في (الأوسط)، ورواته رواة الصحيح)).
فإنّ إسناده في ((الأوسط)) (رقم - ٦٨٧٠ - مصورتي) هكذا : حدثنا محمد بن
٧٣

مقدمة الطبعة الأولى
رزيق بن جامع : ثنا أبو الطاهر : حدثنا ابن وهب : ثنا يحيى بن عبدالله بن سالم
عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطّلب عن عائشة به . وقال: لا يُروى عن عائشة
إلا بهذا الإسناد ، تفرّد به ابن وهب )).
قلت : فأبو الطاهر ومن فوقه كلهم من رواة الصحيح ، بخلاف ابن رزيق
- مصغراً بتقديم الراء على الزاي - فليس منهم ، بل لا نعرف شيئاً من حاله ،
سوى قول الحافظ في ((التبصير)) فيه (٢ / ٦٠٠):
((حدث بمصر عن أبي مُصعب وسعيد بن منصور)).
وهذا كما ترى لا يروي ولا يشفي في معرفة حاله ، مع العلم بأن الأحاديث
التي ساقها له الطبراني في ((الأوسط )) تدل على أن له شيوخاً آخرين كإبراهيم
ابن المنذر الجِزامي وعمرو بن سواد السرحي وغيرهم . وقد بحثت عنه في وَفَيَات
سنة (٢٩٩ - ٣٦٠) سنة وفاة الطبراني من كتاب ((النجوم الزاهرة في ملوك مصر
والقاهرة)) ، فلم أعثر عليه . وقد يكون شيخ الطبراني في بعض الأحاديث التي
قال فيها ما ذكرنا ضعيفاً، كما في حديث يأتي في (٢٣ - الأدب / ٣٩) وقد
تكلمت عليه وبيّنت ضعفه في (( الصحيحة)) (٥٠٣). من أجل ذلك فقد
ينشط المنذري أحياناً فيستثني من مثل قوله المتقدّم شيخ الطبراني ، كما فعل في
الحدیث الآتي هنا برقم ( ٨٥١ ) حیث قال فيه :
(( رواه الطبراني، ورجاله رجال ( الصحيح ) ، إلا شيخه يحيى بن عثمان
ابن صالح وهو ثقة ، وفيه كلام )) .
وقد لا ينشط لذلك أحياناً ، بل هذا هو الغالب عليه ، أو يسهو فلا يستثني
٧٤

مقدمة الطبعة الأولى
في حديث يكون الاستثناء فيه أولى ، لأنه يكون في سنده شيخ الشيخ الطبراني
ليس من رواة (( الصحيح)) أيضاً، كما وقع له في الحديث الصحيح رقم ( ١٥١)
فتعقّبته بكلام الهيثمي الذي نقلته هناك ، ومراده أنه ليس في إسناده من هو من
شیوخ ( الصحیح )) فضلاً عمن دونه!
وإذا عرفت أيها القارىء الكريم هذه الحقائق حول قولهم: (( رجاله ثقات))،
أو (( رجاله رجال (الصحيح )))، يتبيّن لك بوضوح لا ريب فيه أن ذلك لا يعني
عندهم أن الحديث صحيح ، وإنما : أن شرطاً من شروط الصحة قد تحقّق فيه ،
وهذا إذا لم يقترن به شيء من الوهم أو التساهل الذي سبق بيانه ، فمن أجل
ذلك لم أعتبر القول المذكور نصاً في التصحيح ، يمكن الاعتماد عليه حين لا
يتيسّر لنا الوقوف على إسناد الحديث مباشرة .
فينبغي التنبّه لهذا ، فإنه من الأمور الهامة التي يضر الجهل بها ضرراً بالغاً ،
أهمّه نسبة التصحیح إلی قائله ، وهو لا يقصده ، وهذا ما سمعته من كثير من
الطلاب وغيرهم في مختلف البلاد .
٣٧ - لماذا يقولون: ((رجاله ثقات))، ولا يصرّحون بتصحيح الإسناد؟
فإن قيل : لماذا يلجأ الحافظ المنذري وأمثاله من الحفّاظ إلى القول المذكور ما
دام أنه لا يعني عندهم أن الحديث صحيح ، ولا يُفصحون بصحته كما نراهم
يفعلون ذلك أحياناً ؟
وجواباً عليه أقول :
إنما يلجأون إليه لتيسّر ذلك عليهم ، بخلاف الإفصاح عن الصحّة ، فإنه
٧٥

مقدمة الطبعة الأولى
يتطلّب بحثاً موضوعياً خاصاً حول كل إسناد من أسانيد أحاديث الكتاب - وما
أكثرها - حتى يغلب على ظن مؤلفه أنه ثابت عن النبي # * - ولو بمرتبة الحسن -
ولا يحصل ذلك في النفس إلا إذا ثبت لديه سلامته من أي علة قادحة فيه .
وليس يخفى على كل من مارس عملياً فن التخريج ، مقروناً بالتصحيح
والتضعيف ، وقضى في ذلك شطراً طويلاً من عمره - وليس في مجرد العزو
وتسويد الصفحات به - أن ذلك يتطلّب جهداً كبيراً، ووقتاً كثيراً ، الأمر الذي قد
لا يتوفر لمن أراد مثل هذا التحقيق ، وقد يتوفر ذلك للبعض ، ولكن يعوزه الهمة
والنشاط ، والدأب على البحث في الأمّات والأصول المطبوعة والمخطوطة والصبر
عليه ، وقد يجد بعضهم كل ذلك ، ولكن ليس لديه تلك المصادر الكثيرة التي لا
بد منها لكل من تحققت تلك المواصفات التي ذكرنا ، مع المعرفة التامة بطرق
التصحيح والتضعيف ، القائمة على العلم بمصطلح الحديث والجرح والتعديل ،
وأقوال الأئمة فيهما ، ومعرفة ما اتفقوا عليه ، وما اختلفوا فيه ، مع القدرة على
تمييز الراجح من المرجوح فيه ، حتى لا يكون إمّعة فتأخذ به الأهواء يميناً ويساراً .
وهذا شيء عزيز قلّما يجتمع ذلك كله في شخص ، لا سيّما في هذه العصور
المتأخرة .
وقد رأيت الحافظ المنذري رحمه الله ، قد أشار إلى شيء مما ذكرته من
المواصفات ، بحيث يمكن اعتبار كلامه في ذلك جواباً صالحاً عن السؤال السابق ،
فقال في آخر كتابه: ((الترغيب)) قُبيل ((باب ذكر الرواة المختلَف فيهم)) ؛ قال ما
نصّه :
(( ونستغفر الله سبحانه مما زلّ به اللسان ، أو داخله ذهول ، أو غلب عليه
نسيان ، فإن كل مصنف مع التَّؤدة والتأنّي ، وإمعان النظر وطول الفكر قلّ أن
٧٦

مقدمة الطبعة الأولى
ينفكّ عن شيء من ذلك ، فكيف بـ ( المملي ) مع ضيق وقته ، وترادف همومه ،
واشتغال باله ، وغربة وطنه ، وغيبة كتبه؟ ...
وكذلك تقدّم في هذا الإملاء أحاديث كثيرة جداً صحاح ، وعلى شرط
الشيخين أو أحدهما ، وحسان ، لم ننبّه على كثير من ذلك ، بل قلت غالباً :
إسناد جيد، أو: رواته ثقات، أو: رواة (( الصحيح))، أو نحو ذلك، وإنما منع من
النص على ذلك تجويز وجود علة لم تحضرْني مع الإملاء)).
قلت : فهذا نص منه رحمه الله يطابق ما ذكرته في أول جوابي عن السؤال ،
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
٣٨ - قلة الأحاديث التي صرح الهيثمي بتقوية أسانيدها
وأعود لتأكيد وتوضيح أن الجواب المذكور ليس خاصاً بصنيع المنذري رحم
الله ، بل هو عامّ شامل لكل من جرى على ذلك من المصنّفين . وإن من أقربهم
إلى منهجه منهج الحافظ نور الدين الهيثمي ، فإنه يكثر جداً من استعمال ذلك
القول في كتابه (( مَجْمع الزوائد ومنبع الفوائد )) الجامع لزوائد كتبٍ ستة ، على
الكتب الستة ، كما هو معلوم ، ومع ضخامة كتابه ، وغزارة مادته ، فإننا قلّما نراه
يصحّح أو يحسِّن . وقد بدأت بترقيم أحاديثه استعداداً لترتيبها فيما بعد على
الحروف - إن شاء الله -، بمساعدة صهرنا العزيز الشاب المهذب النشيط الأستاذ
نبيل الكيالي جزاه الله خيراً ، وقد انتهينا من ترقيم المجلد الأول منه من أصل
عشرة مجلدات، فبلغ عدد أحاديثه نحو (١٨٠٠) حديثاً ، وأحصينا الأحاديث
التي صرّح بتصحيحها أو تحسينها فبلغ عددها (٩٠) حديثاً فقط ! من أصل ألف
٧٧

مقدمة الطبعة الأولى
حديث تقريباً ، أقدّر أنها ثابتة الأسانيد من بين الرقم المذكور ( ١٨٠٠ )، وقد
تكلّم عليها بكلام لا يفيد الصحة ولا الحسْن ، وإنما الثقة للرواة فقط ؛ كما سبق
بيانه ، وما ذلك إلا لسبب أو أكثر من الأسباب التي سبق أن ذكرتها ، وأشار
الحافظ المنذري إلى بعضها في كلامه المنقول عنه آنفاً .
٣٩ - سبب كثرة أوهام المنذري في ((الترغيب))
هذا ، وإن في مطلع كلامه ما يمكن أن يعتبر عذراً له في وقوع تلك الأوهام
منه ، والتي تضجّر من كثرتها الحافظ الناجي؛ كما يأتي عنه ، ذلك هو قوله رحمه
الله تعالى :
(( ضيق وقته ، وترادف همومه، واشتغال باله ، وغيبة كتبه)).
وأهم ما فيه: (( غيبة كتبه ))، فإنه يعني : أنه اعتمد في تأليفه للكتاب على
ذاكرته ، وذلك صريح في مقدّمته ، وفي كلمته السابقة ، وغيرها ، حيث أفاد أنه
أملاه إملاء من حفظه ، ومن المعلوم أن الذاكرة مهما كانت نيّرة ؛ فقد تخبو،
والجواد مهما كان أصيلاً؛ فقد يكبو ، ولذلك فلا بدّ لمن أملى كتاباً من حفظه أن
يراجع أصوله قبله وبعده ، ليتثبّت من صحة حفظه ، وصواب إملائه ، فإذا لم
يتيسّر له ذلك ، لغيبة كتبه كان أمراً طبيعياً أن تكثر أخطاؤه ، لا سيّما إذا انضم
إلى ذلك ((ترادف همومه، واشتغال باله))، وإلا فمطلق الخطأ أمر لا يكاد ينجو
منه إنسان وبخاصة إذا كان مؤلفاً، وهذا ما صرّح به المنذري فيما سبق: ((فإن
كل مصنّف مع التؤدة والتأني وإمعان النظر ، وطول الفكر ، قل أن ينفكّ عن شيء
من ذلك ، فكيف بالمملي مع ضيق وقته ... )) إلخ .
٧٨

مقدمة الطبعة الأولى
ولقد صدق - رحمه الله تعالى -، ولذلك قال مالك رحمه الله: (( ما منّا من
أحد إلاَرَدَّ ورُدَّ عليه، إلا صاحب هذا القبر)). يعني قبر النبي ﴿ ، فإني أعرف
هذا الذي ذكره المنذري في نفسي ، مع أنه ليس من عادتي الارتجال في التصحيح
والتضعيف ، فإنه قد يبدولي أنني أخطأت في بعض ذلك ، فأبادر إلى التنبيه
على ذلك في أول فرصة تسنح لي ، كما يعرف ذلك من له عناية بمطالعة
مؤلفاتي ، حتى لقد وقع لي شيء من ذلك في هذا الكتاب الذي أنا في صدد
التقديم له ، والذي تم تأليفه في نحو ربع قرن من الزمان كما تقدّم ، فقد تغير رأيي
في كثير من أحاديثه ، بعضها وهو تحت الطبع ، كما سيرى القارىء التنبيه على
ذلك في الاستدراك في آخر الكتاب. فسبحان من تنزّه عن كل صفات
النقص ، وتفرَّد بكل صفات الكمال ، ذو الجلال والإكرام .
٤٠ - أنواع أوهام المنذري الهامة في خطوط عريضة مع الأمثلة
أما بعد ؛ فقد آن لنا أن نجمل الكلام على أنواع من أخطاء المنذري وأوهامه
المتكرّرة الهامّة ، حاصراً إياها في خطوط عريضة كما يقولون اليوم ، مع الإشارة إلى
بعض الأمثلة المتيسِّرة عند الحاجة .
أ - تصديره الأحاديث الضعيفة بـ ( عن )!
تساهله في تصديره الأحاديث الضعيفة بصيغة ( عن ) (١) ، المُشْعِرة عنده
أنّها ليست من قسم الأحاديث الضعيفة ، التي يصدرها بـ ( رُوي )، وإنما هي من
قسم الصحيح أو الحسن أو القريب من الحسن! كما صرّح بذلك في مقدّمة كتابه
(١) تنبيه : سنستعيض عن هذه العبارة بقولنا (عنعن) اختصاراً، فليكن هذا منك على بال .
٧٩

مقدمة الطبعة الأولى
كما أسلفناه ( ص ٤١) ، وبناء على ذلك ساق مئات الأحاديث لجماعة من الرواة
الضعفاء المعروفين بالضعف عند العلماء ، مثل شَهْر بن حَوْشب ، وكثيِّر بن
عبدالله ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعلي بن زيد الألهاني ، وعبيدالله
بن زحر ، وابن لهيعة ، وغيرهم كثير وكثير ، وبعضهم ممن يصرِّح هو فيه أنه واه ،
أي : ضعيف جداً، مثل كثيِّر هذا ، ومع ذلك عنعن لأحاديثهم ، وكذلك فعل
بالأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة ، إعمالاً منه لاصطلاحه المشار إليه آنفاً .
وكذلك صنع بما أعلّه بقوله: ((في سنده لين))، أو قوله: ((غريب))، وتارة يقول :
((غريب جداً))، كل ذلك يعنعن له، والأمثلة تراها مبثوثة في الفهارس ، بل
رأيته قوَّى حديثاً فيه مَن ضعّفه هو جداً، وهو الحديث (١٦١ - الضعيف)،
وليس هذا فحسب ، بل عنعن لحديث فيه كذاب ومتروك، وقال فيه: (( رفْعه
غريب جداً)) (رقم ٤٧)، ولآخر حُكم عليه بالوضع (رقم ٥٩٦ )، فكيف
يلتقي هذا مع العنعنة المذكورة ؟!
ولعل أغرب من ذلك كلّه حديث ابن مسعود في صلاة الحاجة ( رقم
٤١٨) ، فإنه عنعنه مع اعترافه بأن فيه متَّهماً بالكذب ، وتعلق في تبرير ذلك بمثل
خيوط القمر ، فقال عقبه :
(( والاعتماد في مثل هذا على التجربة ، لا على الإسناد)) !
وفاته أن السنّة لا تثبت بالتجربة ، لا سيّما وهو مخالف في بعض ما فيه
للسنّة الصحيحة الناهية عن قراءة القرآن في السجود ، مما يقطع به أنه موضوع ،
كما بيّناه في التعليق عليه هناك. وفي آخره قوله: (( ولا تعلِّموها السفهاء فإنهم
يدعون بها فيستجابون))! مما يؤكد لك وضعه، فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلب
٨٠