النص المفهرس

صفحات 401-420

الغُلُوَّ في دينِكُمْ كَما فَعَلَ أَهْلُ الكِتاب، ولا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ
الحَقَّ، واطْلُبُوا بِأَعْمالِكُمُ السَّدادَ والاسْتِقَامَةَ، وهُوَ القَصْدُ في
الأَمْرِ، والعَدْلُ فيه، يُقالُ: سَدَّدَ فُلانُ السَّهْمَ إذا أصابَ بهِ
القَصْدَ، ولا تَلْقَوُا النَّاسَ بِالغِلْظَةِ والشِّذَّةِ، فَيَنْفِرونَ مِنَ الإِسْلام
والدِّينِ، واعْلَمُوا أَنَّ المَقْصودَ بالعَمَلِ الخُضوعُ والامْتِثالُ
وإظهارُ العُبودِيَّةِ للهِ - تَعالَى -، وهو - تَعالَى - إِنْ شاءَ أَثَابَ عليهِ،
وإِنْ شاءَ لم يُئِبْ، فَأَيُّ فائِدَةٍ في التَّشْديدِ واخْتراع ما لَيْسَ منَ
الشَّرِعْ؟ ولِهِذا قالَ: فإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يُنَجِّيَهُ عَمَلُهُ، أَيْ: منْ
عذابِ اللهِ، فاتِّبَاعُ ما قالَ الرَّسولُ أَوْلَى.
٥٦٧ - ((زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّاً).
الشرح: رَوَاهُ في ((مُسْنَدِهِ) بِسَنَدِهِ إلى عَطاءِ بْنِ أَبِي رَباحِ قالَ:
قالَ لِي رَسولُ اللهِ وَّهِ: ((أينَ كُنْتَ يا أبا هُرِيرَةَ أَمس؟)) فَقُلْتُ لَهُ:
زُرْتُ ناساً مِنْ أَهْلِي، فقالَ لي: ((يا أبا هريرةَ! زُرْغِبّاً تَزْدَدْ حُبَّا)»
وأَوْرَدَهُ الصَّغانِيُّ في («المَوْضوعاتِ))، ونازَعَ فِي ذَلِكَ الحافِظُ
٥٦٧- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٢٩)، والطبراني في ((المعجم الأوسط))
(٥٦٤١)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣٢٢/٣)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٨٣٧١) عن أبي هريرة. ورواه البزار في ((مسنده)) (٣٩٦٣) عن
أبي ذر. ورواه أيضاً الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٥٣٥) عن حبيب بن
مسلمة، وانظر: (الدر الملتقط)) للصغاني (ص: ٢٦). وانظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٣٥٦٨)، و((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٥٨٣)، و(٢٥٨٥)،
و ((الروض النضير)) (٢٧٨).
٤٠١

المُنْذِرِيُّ فَقالَ: رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كثيرةٍ، ولم أَقِفْ لهُ عَلَىُ طَريقِ
صَحيح، بَلْ لهُ أَسانيدُ حِسَانٌ، وقَدْ أَكْثَرَ الشُّيوطِيُّ في ((الجامِعِ
الكَبيرِ)) مِنْ عَدِّ مُخْرِجيهِ، ومالَ إلى أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَمْثَلُ مَنَ
رَوَاهُ الطَّبَرانِيُّ في ((الكَبيرِ)) و((الأَوْسَطِ))، وأَبو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في
(الشُّعَبِ))، والبَزّارُ، وغَيْرُهُمْ.
والغِبُّ في أَوْرادِ الإِبِلِ: أَنْ تَرِدَ الماءَ يَوْماً يَوْماً، ثُمَّ نُقِلَ إلى
الزِّيارَةِ، يُقالُ: غَبَّ: إذا جاءَ زائراً بَعْدَ أَيَّام، وقالَ الحَسَنُ
البَصْرِيُّ: في كُلِّ أُسبوع، والمعنى: أَنَّ النُّفُوسَ مِنْ شَأْنِها
المَلَلُ، وإِنَّ المَرْءَ لا يَخْلُو مِنْ أَشْغَالٍ مُهِمَّةٍ، فإذا أَلَتَّ الصَّديقُ
عَلَى صَدِيقِهِ بالزِّيارَةِ، مَلَّ مِنْهُ، ورُبَّما أَدَّاهُ المَلَلُ إلى بُغْضِهِ، وإذا
زارَهُ حَسْبَ اللُّزوم، وتَأْكيداً للصُّحْبَةِ، أَقْبَلَ عليهِ، وَتَمَكَّنَتْ
مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِهِ، وَمِنْها أَلاَّ يُوقِفَهُ عَنْ أَشْغَالِهِ، ولا يوقِفَهُ أيضاً
حَيْثُ هُوَ سائِرٌ إلى مَطالِبِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَفْرُطُ سِلْكَ الأُلْفَةِ
المَأْمُور بِها شَرْعاً .
٥٦٨ - ((قَيِّدْهَا وتَوَكَّلْ)).
الشرح: رَوَاهُ في ((مُسْنَدِهِ) عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَّةَ الضَّمُرِيِّ قالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُقَيِّدُ راحِلَتِي وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُرْسِلُها وأَتَوَكَّلُ؟
فَقالَ: ((قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ))، ورَواهُ عَنْهُ الطَّبَرانِيُّ في ((الكَبيرِ))،
٥٦٨- حسن.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٣٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٩١/١٠
- مجمع الزوائد)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٢٠٩)، وابن عساكر في =
٤٠٢

والبَيْهَقِيُّ في ((الشُّعَبِ))، وابنُ عَساكِرَ، وفي إِسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بنِ ريسانَ، قَالَ الخَطيبُ: هُوَ مَتْروكٌ، وقال
السُّيوطِيُّ: هَوَ حَديثٌ صَحِيحٌ، ورَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسِ بْنِ
مالِكٍ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولُ اللهِ! أَعْقِلُها وأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطَلِقُهَا
وأَتَوَكَّلُ؟ قالَ: ((اعْقِلْهَا وتَوَكَّلْ))، قالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ يَحْيِىُ بْنُ
القَطَّانِ: وهَذا عِنْدي حَديثٌ مُنْكَرٌ ا. هـ، وقَدْ أَنْكَرَهُ مِنْ رِوايَةِ
أَنَسٍ، ولم يُنْكِرْ أَصْلَ المَتْنِ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا حَديثٌ
غَرِيبٌ مِنْ حَديثِ أَنَسٍ ، لا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ هَذا الوَجْهِ ا. هـ
وهذا المقامُ يَحْتَاجُ إلى إيضاح، وهُوَ أَنَّ العَبْدَ مَأْمُورٌ بالسَّعْي
في مَصالِحِهِ اتِباعاً للأَسْبابِ، ومَأْمُورٌ بِالتَّوَكُّلِ، وهَاذانِ لا يَدَّعي
المُنافاةَ بَيْنَهُمَا إِلَّ مَنْ حُرِمَ حَظّاً مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، قال - تعالى -:
خُذُ واْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، ﴿ وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
[الأنفال: ٦٠]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]
إلىْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأَحاديث، فَحَقيقَةُ الحالِ أَنْ يَأْخُذَ
(«تاريخ دمشقُ)) (٢٧٩/٨) عن عمرو بن أمية الضمري. وروه (الترمذي))
(٢٥١٧) عن أنس بن مالك. قال الترمذي: قال يحيى: وهذا عندي حديث
منكر، قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب من حديث أنس لا نعرفه إلا من هذا
الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية الضمري عن النبي ◌َّ نحو هذا. وانظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٤٤٣٢)، و(٤٤٣٣)، و(١٠٦٨)، و(«مشكاة
المصابيح)) (٢٢)، و((تخريج مشكلة الفقر)) (٢٢).
* وانظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (٤٤١/١) وعنه نقل الشارح
ما أورده من آثار هنا .
٤٠٣

الإنسانُ بالأَسْباب مُعْتَقداً بقَلْبهِ أَنَّها لا تُوصِلُ إلى المَقْصودِ
بِنَفْسِها، بل المُوصِلُ هُوَ اللهُ - تَعالَى -، وقَدْ عَلَّمَنا اللهُ ذَلِكَ فيما
حَكَاهُ لَنا مِنْ قِصَّةٍ أَوْلادِ يَعْقوبَ - عليهِ السَّلامُ - حَيْثُ أَمَرَهُمْ
ظاهِراً بالتَّمَسُّكِ بالسَّبَبِ فَقالَ: ﴿يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ﴾
[يوسف: ٦٧] أي: فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمُ الفِتْنَةَ، وتَنَّهَ القُلوبِ إليكمْ
بالحَسَدِ ﴿ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبُوَبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، وهذا حَثٌّ عَلَى
مُلاحَظَةِ الأَسْبابِ، ثم قالَ لَهُمْ: إِنَّها وإنْ كانَتْ مَأْموراً باتِّباعِها،
فهيَ صورةٌ ظاهِرِيَّةٌ، فقالَ: ﴿ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾
[يوسف: ٦٧]، فَهِيَ بِمثابَةِ الدَّواءِ لِلْعِلَّةِ، فَاسْتِعْمَالُهُ لازِمٌ، والشِّفاءُ
بِيَدِ اللهِ - تَعالى - ﴿إِنِ الْحُكُمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
اُلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]، ثُمَّ إِنَّ اللهَ مَدَحَهُ عَلَى ذَلِكَ فقالَ:
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ [يوسف: ٦٨] أي: من اتَّبَاعِ الأَسْبابِ مَعَ
التَّوَكُّل ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: ٦٨] حِكْمَةَ
ما جاءَتْ بهِ الشَّرائِعُ.
وقد تاهُ في هذهِ البَيْداءِ فَريقانِ: فَرِيقٌ تَمَسَّكوا بِالأَسْبابِ،
وظَنُّوا أَنَّها هيَ الفاعِلَةُ، وقِسْمٌ طَرَحوا الأَسْبابَ، وجَنَحوا إلى
التَّوَكُلِ فَقَطْ، وكِلا الفَريقَيْنِ لا فِقْهَ عِنْدَهُ، والفِقْهُ الحَقيقِيُّ
ما يُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
وقالَ سَهْلٌ الْتُّسْتَرِيُّ: مَنْ طَعَنَ في الحَرَكَةِ - يَعْني: في
السَّعْي والكَسْبِ - فَقَدْ طَعَنَ في السُّنَّةِ، ومَنْ طَعَنَ في التَّوَكَّلِ،
٤٠٤

فَقَدْ طَعَنَ في الإِيمانِ، وقال المَرْوَزِيُّ: سَأَلْتَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَل
عَنْ رَجُلٍ جَلَس في بَيْتِهِ وَيَقولُ: أَجْلِسُ وَأَصْبِرُ ولا أُطْلِعُ عَلَى
ذَلِكَ أَحَداً، وهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَحْتَرِفَ، فقالَ: لَوْ خَرَجَ واحْتَرَفَ،
كانَ أَحبَّ إِليَّ، وإذا جَلَسَ خِفْتُ أَنْ يُخْرِجَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ يَتَوَقَّعُ،
أَو يُرْسَلُ إليهِ بِشَيْءٍ، قُلْتُ: فإذا كانَ يُبْعَثُ إليهِ بِشيءٍ فَلا يَأْخُذُ؟
قال: هذا جَيِّدٌ، وقال بِشْرٌ الحافِي: لَوْ كانَ لي عِيالٌ، لَعَمِلْتُ
واكْتَسَبْتُ.
والحاصِلُ أَنَّ الإِنْيَانَ بِالأَسْبابِ لا يُنافي التَّوَكُّلَ، بَلٍ
المَطْلوبُ جَمْعُهُما، وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: لَقِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ
ناساً مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فقالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قالوا: نَحْنُ المُتَوَكِّلونَ،
قالَ: بَلْ أَنْتُمُ المُتَأَكِّلونَ، إِنَّما المُتَوَكِّلُ الَّذِي يُلْقِي حَبَّهُ في
الأَرْضِ، ويَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، قالَ الحافِظُ عَبْدُ
الرَّحْمنِ بْنُ رَجَبِ الْبَغْدادِيُّ فِي كِتَابِهِ «جامِعِ العُلومِ والحِكَمِ)» :
المُتَوَكِّلُ حَقيقَةً مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ قَدْ ضَمِنَ لِعَبْدِهِ رِزْقَهُ وكِفَايَتَهُ،
فَيُصَدِّقُ اللهَ فيما ضَمِنَهُ، وَيَثِقُ بِقَلْبِهِ، ويُحَقِّقُ الاعْتِمادَ عليهِ فيما
ضَمِنَهُ منَ الرِّزْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَ الثَّوَكُلَ مُخْرَجَ الأَسْبابِ في
اسْتِجْلابِ الرِّزْقِ بهِ ا. هـ، يَعْني أَنَّ لاسْتِجْلابِ الرِّزْقِ أَسْباباً لَيْسَ
مِنْها التَّوَكُّلُ، فهذا حاصِلُ مَعْنى التَّوَكُّلِ، وهذا ما إذا تَأَمَّلْتَهُ
وَجَدْتَهُ طِبْقَ الحِكْمَةِ، وعَيْنَ ما أَمَرَ اللهُ بهِ في كِتابِهِ وعَلَى لِسانِ
نبِّيهِ ێ.
٤٠٥

٥٦٩ - ((ابْدَأُ بمَنْ تَعُولُ)).
الشرح: رَوَاهُ الطَّبَرانِيُّ في ((مُعْجَمِهِ الكَبيرِ)) عن حَكيمٍ بْنِ
حِزامٍ، قالَ السُّيوطِيُّ: حَديثٌ صَحِيحٌ، ومَعْناهُ: إذا كُنْتَ مُنْفِقاً،
فابْدَأْ بِنَفَقَتِكَ أَوّلاً عَلَى مَنْ تَمونُهُ مِنْ زَوْجَتِكَ وأَوْلادِكَ الصِّغارِ،
ثُمَّ عَلَى أَفْرِبائِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الواجِبُ عَليكَ، ثُمَّ أَنْفِقِ الفَضْلَ
بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ تُريدُ، ولا تَعْكِسْ فَتَقَعَ في المُحَرَّمِ .
٥٧٠ - ((أُخْبُرْ تَقْلُهْ، وثِقْ بِالنَّاسِ رُوَيْدَاً) .
الشرح: رَوَاهُ في ((مُسْنَدِهِ)) عَنْ أَبِي الوَرْقَاءِ، ورَواهُ أَبو يَعْلَى،
والطَّبَرانِيُّ في ((الكَبيرِ))، وابْنُ عَدِيٍّ، وأَبو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ،
وعَدَّةُ الصَّغانِيُّ مِنَ المَوْضوعاتِ، وقالَ السُّيوطِيُّ: هُوَ حَديثٌ
٥٦٩- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٣٤)، و((البخاري)) (١٣٦٠)، و((مسلم))
(١٠٤٢) عن أبي هريرة، ورواه ((البخاري)) (١٣٦١)، و((مسلم)) (١٠٣٤)،
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣١٢٩) عن حكيم بن حزام.
٥٧٠- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٣٦)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩٠/٨ -
مجمع الزوائد)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٣٨/٢)، وأبو نعيم في
((حلية الأولياء)) (١٥٤/٥) عن أبي الدرداء، وانظر: ((الدر الملتقط)) للصغاني
(ص: ٢٦). وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (٢١١٠)،
و((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٢٢). وانظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن
الأثير (١٠٥/٤ - ١٠٦).
قلت: قول الشارح: ((عن أبي الورقاء)) لعله تصحيف، والصواب
((أبو الدرداء)).
٤٠٦

ضَعِيفٌ، وفي رواية: ((رَأَيْتُ النَّاسَ)) والقِلَى: البُغْضُ،
والمَعْنى: جَرِّبِ الناسَ؛ فإنَّكَ إذا جَرَّبْتَهُمْ، وعَرَفْتَ مَا انْطَوَوْا
عليهِ، فَلَيْتَهُمْ وتَرَكْتَهُمْ لِما يَظْهَرُ لكَ مِنْ بَواطِنِ سَرائِرِهِمْ، وهذا
لَفْظُهُ لَفْظُ الأَمْرِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، أَيْ: مَنْ جَرَّبَهُمْ وخَبَرَهُمْ،
أَبْغَضَهُمْ وتَرَكَهُمْ، والهاءُ في (تَقْلُهْ) للسَّكْتِ، ومَعْنَى نَظْمِ
الحَديثِ: وَجَدْتُ الناسُ مَقولاً فيهِمْ هَذا القَوْلُ؛ كما في
((النِّهَايَةِ))، وقَوْلُهُ: وَثِقْ بِالنَّاسِ، أَيْ: مِلْ إليهِمْ واتْتَمِنْهُمْ رُوَيْداً،
أَيْ: عَلَى مَهَلٍ وتَأَنٌّ واخْتبارٍ، مَعَ التَّقُّظِ وأَخْذِ الحَذَرِ مِنْهُمْ.
٥٧١ - ((قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ)).
الشرح: رَواهُ الحكيمُ في ((نَوادِرِ الأُصولِ»، والمُصَنِّفُ في
(المُسْنَدِ)) عَنْ أَنَسٍ، والطََّرانِيُّ في ((الكَبيرِ)) والحاكِمُ والدَّارَ قُطْنِيُّ
في ((الأَفْرادِ))، وغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ بِإِسْنادٍ
صَحِيحِ، والمَعْنَى: أَنَّ الكِتابَةَ تَجْعَلُ العِلْمَ مُقَتَّداً، فَيَجِدُهُ طالِبُهُ،
أَيْ: وَقْتَ أَرادَهُ؛ كَمَا أَنَّ القَيْدَ يَجْعَلُ الفَرَسَ مَمْنُوعَةً عَنِ
الاِنْطِلاقِ، فَهُو تَمْثيلٌ وتَشْبِيهُ، وذَلِكَ أَنَّ الإنسانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ
٥٧١- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٣٧)، والحكيم الترمذي في («نوادر الأصول في
أحاديث الرسول)) (١٦٩/١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٠٠)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٣٦١) عن أنس. ورواه الحاكم في ((المستدرك))
(٣٦٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وانظر: ((سلسلة الأحاديث
الصحيحة)) (٢٠٢٦)، و((صحيح الجامع الصغير)) (٤٤٣٤).
٤٠٧

الحِفْظِ، ويَعْرِضُ لَهُ النِّسْيانُ، والكِتابَةُ لا تُنْسى، وهذا تَحْرِيضٌ
عَلَى الاعْتِناءِ بِشَأْنِ العِلْمِ.
٥٧٢ - ((أَقْلِلْ مِنَ الدَّيْنِ تَعِشْ حُراً، وأَقْلِلْ مِنَ الذُّنُوبِ يَهُنْ عَلَيْكَ
المَوْتُ، وانْظُرْ فِي أَيِّ نِصَابٍ تَضَعُ وَلَدَكَ؛ فَإِنَّ الِعِرْقَ دَسَاسٌ)).
الشرح: رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمانِ)) والمُصَنِّفُ عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقولُ، وهوَ يُوصِي رَجُلاً، فَذَكَرَهُ،
وقالَ السُّيوطِيُّ: إِسْنادُهُ ضَعيفٌ، والمَعْنى: أَقْلِلْ مِنَ الاسْتِدائَةِ
٥٧٢- ضعيف جداً.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٣٨)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (١٧٧٤)
عن ابن عمر. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (٢٠٢٣)،
و(٥٣٣٧).
قلت: في المطبوع من ((مسند الشهاب)) ((أقل من الدين .. وأقل من
الذنوب ... )).
* حديث: ((استجيدوا الخال ... )): ذكره ابن الأثير في ((النهاية في غريب
الحديث)) (١١٧/٢).
* حديث: ((تنكح المرأة لأربع ... )): صحيح. رواه (البخاري)) (٤٨٠٢)،
و((مسلم)) (١٤٦٦)، و((أبو داود)) (٢٠٤٧)، و((النسائي)) (٣٢٣٠)، و((ابن
ماجه)) (١٨٥٨) عن أبي هريرة.
* حديث: ((أي النساء خير ... )): حسن. رواه ((النسائي)) (٣٢٣١) عن
أبي هريرة. وانظر: ((إرواء الغليل)) (١٧٨٦)، و((سلسلة الأحاديث الصحيحة))
(١٨٣٨)، و((صحيح الجامع الصغير)) (٣٢٩٨).
* حديث: ((أنظرت إليها ... )): صحيح. رواه ((النسائي)) (٣٢٣٥) عن
المغيرة بن شعبة. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (٩٦)، و((صحيح
الجامع الصغير)) (٨٥٩).
٤٠٨

منْ أَمْوالِ الناس؛ فإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ حُراً، أَيْ: شَريفاً،
فالحُرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ زالَ عَنْهُ الرَّقُّ، وعَلَى صاحِبِ الهِمَّةِ
العالِيَةِ المُشْتَغِلِ باكْتِسابِ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ، وهذا المَعْنَى هُوَ
المُرادُ هُنا، وإنَّما قالَ: أَقْلِلْ إِشارةً إلى أَنَّ التَّرْكَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ
عنهُ في الغالِبٍ ، وأَقْلِلْ منَ الذُّنوبِ، أَيْ: مِنْ فِعْلِها يَهُنْ عليكَ
الموتُ؛ لأنَّ الطائِعَ للهِ - تَعالَى - يَعْلَمُ أَنَّ في الموتِ لِقَاءَ رَبِّهِ،
فَيَشْتاقُ إليهِ، فإذا جاءَهُ كانَ مجيئُهُ هَيِّناً عليهِ؛ لِما يَعْلَمُ ما أُعِدَّ لَهُ
من النَّعيمِ المُقيمِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ المُعْنَى: أَنّ اللهَ - تَعالَى -
يُفِيضُ نُورَ الطَّاعَةِ عَلَى قَلبِ العَبْدِ المُطيع، ويَرْضَىُ عليهِ،
فَيُخَفِّفُ عَنْهُ أَلَمَ المَوْتِ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ، والنِّصابُ في
الأَصْلِ هُوَ أَصْلُ الشَّيْءِ، والمَعْنى: انْظُرْ فِي أَيِّ أَصْلِ وفي أيِّ
نَسَبٍ تَضَعُ وَلَدَكَ، وفي رِوايَةٍ: ((استَجِيدُوا الخَالَ؛ فَإِنَّ الِعِرْقَ
دَسَّاسٌ)) أيْ: دَخَالٌ؛ لأنه يَنْزِعُ في خَفاءٍ ولُطْفٍ، ويُقالُ: دَسَّه
دَسَّأَ إِذا أَدْخَلَهُ في الشَّيْءٍ بِقَهْرٍ وقُوَّةٍ، فللخوض تأثيرٌ في الأخْلاقِ
والطَّاعِ، ولذلِكَ لا يَنْبَغِي للرِّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امرأةً إلَّ مِنْ بَيْتٍ
أَهْلُهُ أَهَلُ اسْتِقامَةٍ وفَلاح وَتَنَبُّهِ وحُسْنِ أَخْلاقٍ وذَكاءٍ إذا أَحَبَّ أَنْ
يَأْتِيَ وَلَدُهُ نَجيباً.
وخَرَّجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأَبو داودَ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ قالَ: ((تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعِ: لِمَالِهَا،
وِلِحَسَبِهَا، ولِجَمَالِهَا، ولِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَات الدِّينِ تَرِبَت
يَدَاكَ)).
٤٠٩

وخَرَّجَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسولِ اللهِ وَلاَ أَيُّ:
النِّساءِ خَيْرٌ؟ قال: ((الَّتِي تَسُرُّهُ إِذا نَظَرَ، وتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ،
ولا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا ولا مَالِهَا بِما يَكْرَهُ»، وأَخْرَجَ النَّسائِيُّ أَيْضاً
عَنِ المُغيرةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ وَّة
فقالَ: ((أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟)) قُلْتُ: لا، قالَ: ((فَانْظُرْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ
يُؤْدَمَ بِينَكُمَا)) أي: يَكونَ بَيْنَكُمَا المَحَبَّةُ والاتِّفاق.
٥٧٣ - « كُنْ وَرِعاً تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وكُنْ قَنِعاً تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ،
وأَحْبِبْ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ
جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِماً)) .
الشرح: خَرَّجَهُ المُصَنِّفُ مِنْ كِتَابِ ((المَواعِظ)) لأَّبِي عُبَيْدٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ بِزِيادَةٍ: «وأَقِلَّ مِنَ الضَّحِكِ؛ فَإِنَّ
كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ))، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ بِإِسْنادٍ فیهِ
ضَعْفٌ، وفي بَعْضِ أَلْفاظِهِ: ((وأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ))،
والوَرَعُ: الكَفْتُّ عَنِ المَحارِمِ، والتَّحَرُّجُ، أَيِ: التَّاعُدُ عَنْها، ثُمَّ
أَرادوا بهِ الكَفَّ عَنِ المُباحِ، والقَنِعُ: هُوَ الَّذِي كُلَّمَا تَعَسَّرَ عليهِ
شَيْءٌ مِنْ أُمورِ الدُّنيا، رَضِيَ بِما دُونَهُ، وهَذهِ الخِصالُ الأَرْبَعَةُ
٥٧٣- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٣٩، ٦٤٠)، و((الترمذي)) (٢٣٠٥)، و ((ابن
ماجة)) (٤٢١٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٣٠)، و((صحيح الجامع
الصغير)) (٥٧٥٠) عن أبي هريرة. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))
(٩٣٠)، و((صحيح الجامع الصغير)) (٤٥٨٠)، و(٧٨٣٣).
٤١٠

إذا تَأَمَّلْتَها، وَجَدْتَ مَدارَ الإسْلامِ عليها، وفَرَّقَ ابْنُ القَيِّمِ بَيْنَ
الزُّهْدِ والوَرَعِ فَقالَ: الزُّهْدُ تَرْكُ ما لا يَنْفَعُ في الْآخِرَةِ، والوَرَعُ:
تَرْكُ ما يُخْشَى ضَرَرُهُ في الآخِرَةِ.
٥٧٤ - ((اتَّقِ اللهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأَتْبَعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ
بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
الشرح: خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ، ولم يَصِلْ عندَ الحُفَّاظِ
إلى دَرَجَةِ الصَّحيح، لكِنْ رَواهُ عَنْ أَبِي ذَرِّ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ
والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ((الشُّعَبِ))، وعَنْ مُعاذٍ أَحْمُدُ
والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ، فَيَكونُ مِنْ جِهَةٍ إِسْنادٌ صَحِيحٌ، ومِنْ جِهَةِ
أُخرى] حسن، وأَحْسَنُ ما فُسِّرَتْ بهِ التَّقْوىُ قَوْلُ اللهِ- تَعالَى-؛
فإِنَّهُ فَسَّرَ المُتَّقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ
٠٠٠
وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٢- ٤] فَأَهْلُ هذِهِ الصِّفاتِ هُمُ المُتَّقُونَ،
وتِلْكَ الخِصالُ هِيَ الثَّقْوى، المُتَّصِفُونَ بِها هُمُ الأَوْلِياءُ، قالَ -
تَعالَى -: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ، إِلَّا الْمُنَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] أَيْ: ما أَوْلِياؤه إلاَّ
٥٧٤- حسن.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٥٢)، و((الترمذي)) (١٩٨٧)، والإمام أحمد في
((المسند)) (١٥٣/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٧٨)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٨٠٢٦) عن أبي ذر. ورواه أيضاً: ((الترمذي)) (١٩٨٦)، والإمام
أحمد في ((المسند)) (١٢٨/٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٠٢٣) عن
معاذ. وانظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٧)، و((صحيح الترغيب والترهيب))
(٢٦٥٥)، و(٣١٦٠)، و((الروض النضير)) (٨٥٥).
٤١١

الَّذِينَ اتَّصَفوا بالتَّقْوىُ، وقالَ: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، ثَمَّ بَيَّنَ صِفَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣]، وَهُمُ المُكْرَمونَ، قالَ تَعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ الَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فَتَقْوىُ العَبْدِ رَبَّهُ أَنْ
يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَخْشَاهُ مِنْ رَبِّهِ مِنْ غَضَبِهِ وسَخَطِهِ وعِقَابِهِ وقايَةً
تَقِيهِ مِنْ ذَلِكَ، وهُوَ فِعْلُ طاعِتِهِ، واجْتِنابُ مَعاصيه، ومَعْنى
الحَديثِ: اتَّقِ اللهَ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، حَيْثُ يَراكَ الناسُ، وحَيْثُ
لا يَرَوْنَكَ، وإذا بَدَرَتْ مِنْكَ سَيَّةٌ، فَاعْمَلْ حَسَنَةً بَعْدَها تَمْحُها
عَنْكَ، والمُرادُ بالحَسَنَةِ: ما يَعُمُّ أَنْواعَ الحَسَناتِ؛ كالتَّوْبَةِ وَرِدَ
المَظالِمِ والاسْتِحْلالِ مِنْها، وعَلَيْهِ فَالمَقْصُودُ بِالسَّيِّئَاتِ والحَسَناتِ
هُنَا المَعْنَى العام لِجَميعِ أَنْواعِهِمَا، وَخَالِقِ النَّاسِ، أَيْ: تَكَلَّفْ
مُعاشَرَتَهُمْ بِالخُلُقِ الحَسَنِ بِالمَعْروفِ مِنْ طَلَاقَةِ الوَجْهِ، والتواضُعِ
والإْناسِ والتَّلَطُّفِ وتَحَمُّلِ الأَذَىْ؛ فإنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ رِضَاءَ اللهِ
- تَعالَى -، والتَّعاوُنَ والتَّعاضُدَ وتأليفَ القُلُوبِ المأمورَ بهِ شَرْعاً،
وهذهِ الخِصالُ وإنْ كانَتْ مِنَ التَّقْوَى إِلاَّ أَنَّهَا أُفْرِدَتْ بالذِّكْرِ
لْلحاجَةِ إلى بَيَانِها، ولِئَلاَّ يُظَنَّ أَنَّ التَّقْوَىُ هِيَ القِيامُ بِحقوقِ اللهِ دُونَ
حُقوقِ عِبَادِهِ، وليسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فإنَّها شامِلَةٌ لِجَميعِ الحُقوقِ،
وقَدْ قالَ - تَعالَى - في حَقِّ الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٣]، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضاً منْ صِفاتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السَّرَّآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللّهُ يُحِبُّ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
٤١٢

٥٧٥ _ (ثُوا أَزْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلامِ» .
الشرح: رَواهُ في ((مُسْنَدِهِ)) مِنْ طَريقَيْنِ، أَحَدُهُما عَنْ رَجُلٍ
مِنَ الأَنْصَارِ لَمْ يُسَمِّهِ، والآخَرُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عامِرِ الأَنْصارِيِّ
الصَّحَابِيِّ، ورَواهُ الطَّيَبرانِيُّ في ((الكَبيرِ)) عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ،
والبَيْهَقِيُّ في ((الشُّعَبِ)) عَنْ أَنَسٍ، والبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
والمَعْنى: صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وإنْ لَمْ تَسْتطيعوا إِلاَّ بِالسَّلامِ
فافْعَلوا، فَشَبَّهَ الرَّحِمَ المَقْطوعَةَ صِلَتُها بأرْضٍ قَدِ انْقَطَعَ عَنْها
الغَيْثُ، بِجامِعِ انْقِبَاضِ النَّفْسِ في كُلِّ، وعَدَمِ النَّفْعِ، ثُمَّ ذَكَرَ
البَلَلَ تَخْييلاً.
٥٧٦ - ((تَهادَوا تَزْدَادُوا حُبّاً، وهَاجِرُوا تُورِئُوا أَبِنَاءَكُمْ مَجْداً، وأَقِيلُوا
الكِرَامَ عَثَرَاتِهِم)» .
الشرح: رَواهُ المُصَنِّفُ في ((مُسْنِدِهِ))، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ
٥٧٥- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٥٣، ٦٥٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٧٩٧٣) عن أنس. ورواه أيضاً الطبراني في (المعجم الكبير)) (١٥٢/٨ - مجمع
الزوائد) عن أبي الطفيل. ورواه أيضاً البزار في ((مسنده)) (١٥٢/٨ - مجمع
الزوائد) عن ابن عباس. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (١٧٧٧)،
و(٢٨٣٨).
٥٧٦- ضعيف جداً.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٥٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨٠/٣٨)
عن عائشة. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (٣٤٢١)،
و(ضعيف الجامع الصغير)) (٢٤٩١).
٤١٣

عائِشَةَ، والمَعْنى: تَهادَوْا؛ فإنَّ الهَدِيَّةَ تَزْرَعُ الحُبَّ في القُلوبِ،
وتُؤَكِّدُ الأُلْفَةَ بِينَ المُتَصَاحِبَيْنِ، وأَمّا قَوْلُهُ: وهاجِروا، فَهُوَ
بِالنِّسْبَةِ إِلَى ما كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، ويُحْمَلُ الآنَ عَلَى مَنْ كانَ في
بلادٍ لم يَقْدِرْ عَلَى إِظْهارِ دِينِهِ [فيها]، والمَجْدُ: الشَّرَفُ،
والعَثَرَاتُ: الزَّلاَتُ، والمَعْنى: أَنَّ الكَريمَ إِذا حَصَلَتْ منْهُ زَلَّةٌ،
فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَتَجاوَزُوا عَنْها، وتَتْرُكُوها لَهُ ما لَمْ تَكونوا حُكّاماً؛
فإنَّ الحاكِمَ لَيْسَ لَهُ الإِقالَةُ ولا التَّجاوُزُ.
٥٧٧ - (تَهَادَوْا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصُّدُورِ)).
الشرح: رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنادٍ ضَعيفٍ، والوَحَر :
الحِقْدُ، قالَ في ((النِّهايَةِ)): وَحَرُ الصَّدْرِ غِتُّهُ ودَسائِسُهُ، وقِيلَ:
الحِقْدُ والْغَيْظُ، وقيلَ: العَداوَةُ، وقيلَ: أَشَدُّ الغَضَبِ ا.هـ،
وكُلُّ المَعاني هُنا صَحيحَةٌ.
٥٧٨ - ((تَهَادَوْا بَيْنَكُم؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تَذْهَبُ بِالسَّخِيمَةِ)).
الشرح: رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإيمانِ)) عَنْ أَنَسِ،
٥٧٧- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٥٦)، و((الترمذي)) (٢١٣٠)، والإمام أحمد في
((المسند)) (٤٠٥/٢) عن أبي هريرة. وانظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٢٤٨٩)، و((مشكاة المصابيح)) (٣٠٢٨). وانظر: ((النهاية في غريب الحديث))
لابن الأثير (١٥٩/٥) وفيه: ( .. ووساوسه .. ).
٥٧٨- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٥٨) عن مكحول الدمشقي. ورواه أيضاً البيهقي
في ((شعب الإيمان)) (٨٩٧٧) عن أنس. وانظر: ((إرواء الغليل)) (١٦٠١)، =
٤١٤

والسَّخِيْمَةُ - بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ والخاءِ المُعَجَمَةِ -: الحِقْدُ في
لنَّفْسِ.
٥٧٩ - ((تَهَادَوْا تَحَابُّوا».
الشرح: رَوَاهُ أبو يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنادٍ جَيِّدٍ، وقَوْلُهُ:
تَحَابُوا يُرْوَى بِتَشْدِيدِ الباءِ مِنَ المَحَبَّةِ، وبِتَخْفيفِها، فَيَكُونُ مِنَ
المُحاباةِ، وهِيَ المُسامَحَةُ، وكِلا المَعْنَيْنِ صَحِيحٌ، أَمَّا الأَوُّلُ
فَلِحَديثِ: ((تَهادَوْا تَزْدَادُوا حُبّاً))، وأَمَّا الثَّانِي فَلِمَا وَرَدَ في
أَحَادِيثِ التَّناصُرِ والتَّعاضُدِ .
٥٨٠ ـ (تَهَادَوْا؛ فَإِنَّهَا تُضَعِّفُ الحُبَّ، وتَذْهَبُ بِغَوَائِلِ الصُّدُورِ)).
الشرح: رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في ((الكَبيرِ)) عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ، وإِسنادُهُ
غَرِيبٌ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، ورَواهُ أَبو يَعْلَى وَبو نُعَيْمٍ، والمَعْنَى: أَنَّ
=
و((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٤٩٢).
٥٧٩- حسن.
رواه القضاعي في («مسنده)) (٦٥٧) عن عبد الله بن عمرو. ورواه - أيضاً -
أبو يعْلَى الموصلي في («مسنده)) (٦١٤٨)، والبخاري في ((الأدب المفرد)»
(٥٩٤) عن أبي هريرة. وانظر: ((إرواء الغليل)) (١٦٠١)، و((صحيح الجامع
الصغير)) (٣٠٠٤).
٥٨٠- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٥٩)، والطبراني في ((المعجم الكبير))
(١٦٢/٢٥ - رقم ٣٩٣) عن أم حكيم. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة)) (٣٤٢٢)، و((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٤٩٣).
* قلت: في المطبوع من ((مسند الشهاب)): ((تهادوا؛ فإنه يضعِّف الحب،
ويذهب بغوائل الصدر)).
٤١٥

بِالهَدِيَّةِ يَكونُ تَضْعيفُ الحُبِّ وازْدِيادُهُ أَضْعافاً مُضاعَفَةً، وَتَذْهَبُ
بِغَوائِلِ - يَعْني: أَحْقَادَ - الصُّدورِ.
٥٨١ - ((تَهَادَوْا بَيْنَكُم؛ فَإِنَّ الهَدِيَّة تَذْهَبُ بالضَّغَائِنِ)).
الشرح: رَواهُ الخَطيبُ في ((التّاريخِ))، والمُصَنِّفُ في
(المُسْنَدِ)) عَنْ عائِشَةَ، والضَّغائِنُ: الأَحْقادُ، والمَقْصودُ منْ هَذِهِ
الأَحاديثِ حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلَى السَّعْي فيما يَزْرَعُ الأُلْفَةَ والمَحَبَةَ
والمَوَدَّةَ فيما بَيْنَهُمْ، ويُوصِلُهُمْ إلى الانْتِلافِ والتّناصُرِ والتَّعاضُدِ
فِي أَمْرِ مَدَنِيَتِهِمْ ومَعِيشَتِهِمْ.
٥٨٢ - ((اطْلُبُوا الخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ».
الشرح: أَوْرَدَهُ الصّاغانِيُّ في ((مَوْضوعاتِ الشِّهابِ))، ولَمْ
يُصِبْ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ الصَّحيحَ أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ رَواهُ
٥٨١ - ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٦٠)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد))
(٨٨/٤) عن عائشة. وانظر: ((مشكاة المصابيح)) (٣٠٢٧).
٥٨٢- موضوع.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٦١)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء))
(١٨٩/٦)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٩٥/١١) عن ابن عمر.
ورواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٠٦)، وابن أبي الدنيا في ((قضاء
الحوائج)) (٥١)، وأبو يعْلَى الموصلي في ((مسنده)) (٤٧٥٩) عن عائشة. ورواه
- أيضاً - الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١١١٠)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٣٥٤٤)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١١/٧) عن ابن
عباس. ورواه - أيضاً - ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨/٥٧) عن أنس. ورواه
- أيضاً - الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦١١٧) عن جابر، وانظر: ((الدر =
٤١٦

البُخاريُّ في ((التّاريخ))، وابْنُ أَبِي الدُّنْيا في ((قَضاءِ الحَوائِج)) وأَبو
يَعْلَى، والطَّبَرانِيُّ في ((الكَبيرِ)) عَنْ عَائِشَةَ، ورَواهُ الطََّرانِيُّ أَيْضاً،
والبَيْهَقِيُّ في ((الشُّعَبِ)) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ، وابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أَنَسٍ، والطَّبَرانِيُّ في ((الْأَوْسَطِ)) عَنْ جابِرٍ، ورَواهُ
غَيْرُهُمْ؛ كَتَمّامٍ، والخَطيبِ في ((التّاريخِ)). والوَجْهُ: مُسْتَقْبَلُ كُلِّ
شَيْءٍ، ويُطْلَقُ عَلَى الجاهِ والعِزِّ كَما في ((النِّهايَةِ))، والمَعْنى:
اطْلُبُوا الخَيْرَ عِنْدَ الطَّلْقَةِ وُجوهُهُمْ المُسْتَبْشِرَةِ حينَ الطَّلَبِ، ذَوي
العِزِّ والجاهِ؛ لِما يُرْوَى أَنَّهُ قِيلَ لابْنِ عَبّاسٍ: كَمْ رَجُلٍ قَبِيحِ الوَجْهُ
فَضّاءٌ لِلحاجَةِ! فَقالَ: إنَّما يَعْنِي حُسْنَ الوَجْهِ عِنْدَ طَلَبِ الحاجَةِ
ا. هـ. ومَنْ فَسَّرَهُ بِالوَجْهِ الجَميلِ أَخْطَأَ؛ لأَنَّ الجَميلَ ما هُوَ
الخَيْرُ الَّذي عِنْدَهُ حَتَّى نُؤْمَرَ عَلَىْ لِسانِ الشَّرْعِ بِطَلَبِهِ؟
وما المَقْصودُ هُنا إِلَّ مَنْ عَناهُ الشاعِرُ بِقَوْلِهِ [من الطويل]:
تَرَاهُ إذَا ما جِئْتُهُ مُتَهَلِّلاً كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ
٥٨٣ - ((بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً، وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولا حَرَجَ)).
الملتقط)) للصغاني (ص: ٢٧). وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة)) (٢٨٥٥)، و((ضعيف الجامع الصغير)) (٩٠٣). وانظر: ((النهاية
في غريب الحديث)) لابن الأثير (١٥٨/٥).
* وانظر قول زهير بن أبي سلمى: تراه إذا ما جئته متهللاً ... ((ديوانه)) (ص:
٢٩٨)
٥٨٣- صحیح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٦٢)، و((البخاري)) (٣٢٧٤)، و((الترمذي))
(٢٦٦٩) لكن عن عبد الله بن عمرو.
٤١٧

الشرح: رَوَاهُ أَحْمَدُ في ((مُسْنَدِهِ)) والبُخَارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، وزادَ فيه: ((ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ))، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هذا حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والمَعْنَى:
بَلِّغُوا عَنِّي ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ والإِرْشَادِ والهُدَى والبَيِّناتِ؛
لِيَصِلَ لِمَا بَعْدَكُمْ، فَنْتُفِعَ بِهِ الأُمَّةُ، ولَوْ كانَ المبلَّغُ شَيْئاً قَليلاً
تَحْصُلُ بهِ الفائِدَةُ، ولِهَذا قالَ: وَلَوْ أَيَةً، أَيْ: مِنَ الْقُرْآنِ
الكَريمِ، وإِنَّما لَمْ يَقُلْ: وَلَوْ حَديثاً؛ لأَنَّ حاجَةَ القُرْآنِ يَوْمَئِذٍ إلى
التَّبْلِيغِ أَشَدُّ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْلوماً بِالذَّاتِ إِلى سَائِرِ الأُمَّةِ، ولأَنَّهُ
المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ إلى يَوْمِ القِيامِةِ، ولأَنَّ الحَديثَ إِنَّما كانَ تَفْسيراً
لَهُ، بياناً لِمُجْمَلاتِهِ، فَتَبْلِيغُ آيَاتِهِ مِنَ السَّامِعِينَ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ◌َِ﴾
يَقْتَضِي تَبْلِيغَ كَلامِهِ نَّهِ لِمَا وَرَدَ في الأَحاديثِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ -
رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - لَمْ يَكونوا يَتَعلَّمونَ آيَةً حَتّى يَتَعَلَّموا مَعَها
تَفْسيرَها، وحُكْمَهُ - تَعالَى - فيما تَضَمَّنَتَّهُ مِنَ الأَحْكام. والتَّقْليلُ
بِقَوْلِهِ: وَلَوْ آيَةً تَقْلِيلٌ لِلْكَمِّيَّةِ، أَيْ: بِحَسَبٍ ما اشْتَمَلَ عليهِ القُرْآنُ
مِنْ كَثْرَةِ الآياتِ، ولَيْسَ التَّقْلِيلَ باعْتِبارِ القَدْرِ، وأَمّا الأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ
إلىْ زَمانِنا، فيُحْمَلُ عَلَى تَبْلِيغِ النَّفْسيِرِ الحَقِيقِيِّ للقُرْآنِ الكَريمِ،
وتَعْليمِهِ، وإلاَّ فَالقُرآنُ قَدِ انْتُشَرَ في جَميعِ الأَقْطَارِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَّمّا
كانَ النَّهْيُ وارِداً في صَدْرِ الإسْلامِ عَنِ النَّظَرِ فِي كُتُبٍ أَهْلِ
الكِتابِ، وعَنْ تَصَفُّحِ الكُتُبِ القَديمَةِ، وكانَ ذَلكَ قَبْلَ اسْتِقْرارِ
الأَحْكامِ، وقَبْلَ رُسُوخِ الإيمانِ في القُلوبِ، وكانَ في مَبْدَإٍ
الأَمْرِ، وكانَتْ هذِهِ العِلَّهُ قَدِ انْتُفَتْ بِشْراقِ شُعاعِ الشَّريعَةِ
٤١٨

المُحَمَّدِيَّةِ، ورُسوخ أَحْكَامِها وحِكْمَتِها، رَخَّصَ وَّهِ بِمُطالَعَةِ
الكُتُب القَديمَةِ لأُمَّتِهِ فَقالَ: وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا حَرَجَ،
أَيْ: لا ضِيْقَ عَلَيْكُمْ الآنَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الذي كُنْتُ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
منه قَدْ زَالَ وَأَنْتُمُ الآنَ تَسْتَفِيدونَ مِنْهُ أَشياءَ مِنْهَا: أَنَّكُمْ تَرَوْنَ
الشِّدَّةَ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ، وَتَروْنَ الشُّهولَةَ في هذا الشَّرْعِ، فَتَكْثُرُ
مَحَبَّكُمْ لَهُ، مِنْها: أَنَّكُمْ تَرَوْنَ البِشَارَةَ بي فيها، وشَهادَتَهَا عَلَى
صِدْقِ نُبُوَّتي، ومِنْها: أَنَّكُمْ تَسْتَفيدونَ مِنْها أَخْباراً تاريخِيَّةً،
وتَسْتَفيدونَ مِنْ كُتُبِ القُدَماءِ عُلوماً صِناعِيَّةً ورِياضِيَّةً، إلى غَيْرِ
ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلومٌ، والحاصِلُ: أَنَّ النَّظَرَ في كُتُبِ الأَوائِلِ مُفيدٌ
جدَّاً حَيْثُ تَمَكَّنَ الإيمانُ في القَلْبِ.
٥٨٤ - (اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ)) .
الشرح: أَوْرَدَهُ الصَّغانِيُّ في ((مَوْضوعاتِ الشِّهابِ)) ولَمْ
يُصِبْ، قالَ الحافِظُ الهَيْئَمِيُّ في ((مَجْمَع الزَّوائِدِ)): رَواهُ
٥٨٤- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٦٣)، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول في
أحاديث الرسول)) (٨٦/٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٤٩٧)، وابن
عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٢٠٧/٤) عن أبي أمامة. ورواه - أيضاً -
البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٥٢٩) عن أبي سعيد الخدري. وانظر: ((سلسلة
الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (١٨٢١)، و((ضعيف الجامع الصغير))
(١٢٧). وانظر: ((موضوعات الصغاني)) (ص: ٥١)، و((مجمع الزوائد))
للھیثمي (٢٦٨/١٠)
* حديث: ((إن لله عباداً يعرفون .. )): حسن. رواه البزار في ((مسنده))
(٢٦٨/١٠ - مجمع الزوائد)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٩٣٥) عن =
٤١٩

الطَّبَرانِيُّ، وإسْنادُهُ حَسَنٌ عَنْ أَبي أُمَامَةَ مَرْفوعاً ا. هـ، ورَواهُ
البُخَارِيُّ في ((ولتّارِيخِ)) عَنْ أَبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ، والحَكيمُ
التِّرْمِذِيُّ وسَقُويَهْ في (فَوائِدِهِ)، وابنُ عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبي
أُمَامَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومالَ السُّيوطِيُّ في ((جامِعِهِ
الكَبيرِ)) إلى أَنَّهُ حَديثٌ حَسَنٌ، وفي مَعْناه ما أَخْرَجَهُ البَزَّارُ
والطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ قَالَ: ((إِنَّ للهِ عِبَاداً
يَعرِفُونَ النَّاسَ بالثَّوَسُّمِ)) قالَ ابْنُ الأَثيرِ في ((النِّهايَةِ)): هذا يُقالُ
بِمَعْنَيْنِ، أَحَدُهُما: ما دَلَّ ظاهِرُ هذا الحَديثِ عَليهِ، وهُوَ
ما يُوقِعُهُ اللهُ في قُلوبِ أَوْلِيائِهِ، فَيَعْلَمُونَ أَحْوالَ بَعْضِ النَّاسِ بِنَوْعِ
مِنَ الكَراماتِ وإِصابَةِ الظَّنِّ والحَدْسِ، والثّاني: نَوْعُ تَعَلّمِ
و
بِالدَّلائِلِ والتَّجارِبِ والخَلْقِ والأَخْلاقِ، فَتْعَرَفُ بهِ أَحْوالُ
الناسِ، وللنّاسِ فيهِ تَصانيفُ قَدِيمَةٌ وحَديثَةٌ أ. هـ
وأنْتَ إذا تَأَقَّلْتَ مَشارِقَ القُلوبِ تَجِدُ لَها أَحْوالاً عَجِيبَةً؛
بحَيْثُ يَأْخُذُكَ الانْبهارُ مِنْها، وكثيراً ما تَرَى قَلْبَكَ مُنْقَبِضاً مِنْ
جِهَةِ، ولَدَىُ الثَّحْقِيقِ تَرَى سَبَباً خَفِيّاً مُوجِباً لِذَلِكَ الانْقِباضِ،
وأَحْياناً يَخْطُر في بالِكَ أَنَّ صَديقَكَ فُلاناً مَرِيضٌ، وبَيْنَكَ وبَيْنَهُ
مَراحِلُ، فُتُلاحِظُ تِلْكَ السّاعَةَ، ثُمَّ تَسْتَطْلِعُ أَخْبَارَهُ، فَتَرَىُ الأَمْرَ
عَلَى مَا ظَنَنْتَ .
=
أنس. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (١٦٩٣) و((صحيح الجامع
الصغير)) (٢١٦٨). وانظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير
(٤٢٨/٣).
٤٢٠