النص المفهرس

صفحات 381-400

و(ما) في الحَديثِ شَرْطِيَّةٌ، و(يَكُنْ) جَوابُ الشَّرْطِ، و(يَكُنْ)
تامَّةٌ بِمَعْنَى يُوجَدُ، المَعْنَى: أَنَّ ما هُوَ مُقَدَّرٌ لَكَ لا بُدَّ مِنْ
وُجودِهِ، فلا تُكْثِرْ هَمَّكَ وَتَلَهُّفَكَ فِي طَلَبِهِ، ولا تَشْغَلْ فِكْرَتَكَ في
أُمُورِ الرِّزْقِ، بَلْ عَلَيْكَ باتِباعِ الأَسْبابِ حَسْبَما أَمَرَكَ مَوْلاكَ، مَعَ
تَقْوَى اللهِ، والإجْمالِ في الطَّلَبِ، ولا تُضَبِّعْ مُرُوءَتَكَ فِي ذَلِكَ،
فَضْلاً عَنْ دِينِكَ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هذا المقامَ هُنا رَحْبُ المَجالِ، واسِعُ المَدْرَكِ،
صَعْبُ المَسْلَكِ، كَمْ زَلَّتْ فِي بَوادِيهِ أَقْدَامُ عُلَماءَ راسِخِينَ،
وضَلَّتْ في بَيْدائِهِ عُقولُ جَهابِذَةٍ مُتَفَكِّرينَ، وغَرِقَتْ في بِحاره
عُقولُ حُكماءَ مُتَبَخِّرينَ، حَتَّى انْبَعَثَ مِنْ طَرَفِيهِ مَذْهَبَانِ أَتْعَبا
العُلَماءَ رَدّاً وَنْقضاً، وحَيَّرا الحُكَمَاءَ تَصْويراً ونَقْداً، وهُما مَذْهَبا
الجَبْرِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ.
فَأَمّا الجَبْرِيَّةُ، فإِنَّهُمْ لا يُثْبتونَ للعَبْدِ فِعْلاً ولا قُدْرَةً عَلَى
الفِعْلِ أَصْلاً، وهَؤُلاءِ الجَبْرِيَّةُ الخالِصَةُ.
ومِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّطَ فَأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ.
والقَدَريَّةُ عَلَى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَبْرِيَّةُ.
ولَسْنا الآنَ بِصَدَدِ بَيَانِ المَذاهِبِ؛ إِذْ مَحَلُّها كُتُبُ عِلْمِ الكَلامِ
والمِلَلِ والنِّحَلَ، وإنَّما القَصْدُ بَيَانُ أَنَّهُ يَتَراءَى مِنْ خِلالِ ظَواهِرِ
الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأَحاديثِ النَّبَوِيَّةِ مَسْلَكانِ، وهُمَا إِفْراطٌ في
تَفْويضِ الأُمورِ إلى اللهِ - تَعالى -، بِحَيْثُ يَصيرُ العَبْدُ بِمَنْزِلَةِ جَمادٍ
٣٨١

لا إِرادَةَ لَهُ ولا اخْتِيارَ، وتَفْرِيطٌ في ذَلِكَ بِحَيْثُ يَصيرُ العَبْدُ خالقاً
لِأَفْعالِ نَفْسِهِ، مُسْتَقِلاً في إِيجادِهِ الشُّرورَ والقَبَائِحَ، ولَمْ يَحُمْ
حَوْلَ هَذَينِ المَذْهَبَيْنِ إِلَّ مَنْ مُنِعَ حَظّاً مِنْ فَهْمِ الكِتَابِ العَزيزِ،
وحُرِمَ نَصيباً مِنَ الأحاديثِ المُحَمَّدِيَّةِ والعَقلِ الصَّحيحِ.
وَلْنَتَكَلَّمْ هُنا عَلَى مَا هُوَ الحَقُّ بِلسانَيِ الشَّرْعِ والعَقْلِ مَعَ
الاخْتِصارِ فَنَقولُ:
إنّا إِذَا تَأَّلْنَا الْقُرْآنَ الكَريمَ تارِكينَ الاصْطِلاحاتِ الَّتي
أُحْدِثَتْ بَعْدَ نُزُولِهِ، راجِعينَ إِلَى لُغَتِهِ الأَصْلِيَّةِ الَّتي هيَ لُغَةُ
العَرَبِ، وَجَدْنا أَنَّ قَضَىُ وقَدَّرَ بمعنى: حَكَمَ وَرَتَّبَ عَلَى صِفَةِ
كَذَا، وإِلَى وَقْتِ كَذا فَقَطْ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾
[القمر: ٤٩] مَعْناهُ: بِرُتْبَةٍ واحِدَةٍ، ومَعْنىُ قَضَيْنا: حَكَمْنا، أو أَمَرْنا،
و﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]: أَمَر، ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾
[الحجر: ٦٦]: أَخْبُرْناهُ، ومَعْنى القَدَرِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: التَّرْتيبُ
والحَدُّ الَّذي يَنْتَهي إليهِ الشَّيْءُ، تَقولُ: قَدَّرْتُ البناءَ تَقْديراً إِذا
رَتَّبْتَهُ وحَدَّدْتَهُ، قالَ - تَعالى -: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَهَا﴾ [فصلت: ١٠]
أَيْ: رَتَّبَها، وليسَ في هذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ العَبْدَ مُجْبَرٌ ومُكْرَهُ عَلَى
فِعْلِهِ، وكَيْفَ يَكونُ ذَلِكَ وقَدْ قالَ - تَعالى - في مَواضِعَ مِنَ
﴿﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
القُرْآنِ: ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]،
تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، فَنَصَّ
عَلَى أَنَّنَا نَفْعَلُ ونَعْمَل ونَصْنَعُ.
٣٨٢

وفي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ -
عَنِ النَّبِّ وَّهِ أَنَّه قال: ((ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وقَدْ كَتَبَ اللهُ
مَكَانَها مِنَ الجَنَّةِ والنَّار، وإِلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً))، فقالَ
رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ! أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟ فَقَالَ:
((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُون لِعَمَلٍ
أَهلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ،
ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى﴾ [الليل: ٥] الآيَتَيْن))، وفي (الصَّحِيحَيْنِ))
عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ قالَ: قَالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ! أيَعْرِفُ أَهْلُ
الجَنَّةِ أَهْلَ النّارِ؟ قال: (نَعَمْ)) قال: فَلِمَ يَعْمَلُ العامِلُونَ؟ قال:
(كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لهُ، أَوْ لِمَا يُبَسَّرُ لهُ)).
وهَذاو أَمْثالُهُ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ للعَبْدِ طاقَةً عَلَى الأَفْعالِ، وتِلْكَ
الطَّاقَةُ هَيَ الَّتي جاءَ التَّكْلِيفُ لِأَجْلِها، قالَ - تَعالَى - مُخْبراً عَنْ
قَوْلِ عِبادِهِ: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِّ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَأَثْبَتَ
أَنَّ لَهُمْ طَاقةً، وما هِيَ إِلَّ الاخْتِيارُ الَّذِي أَضافَهُ اللهُ - تَعالى - إِلَى
خَلْقِهِ، فَهُوَ المَيْلِ الَّذِي خَلَقَهُ فيهِمْ إِلَى مُطْلَقِ شَيْءٍ، وتَقْدِيمُ ذَلِكَ
الشَّيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ، فَلَيْسَ لِلِعَبْدِ إِلَّ ذَلِكَ المَيْلُ، وجَميعُ
ما عَداهُ هُوَ للهِ - تعالى -.
ثُمَّ إِنَّهُ - تَعالَى - أَمَرَ بِمَا هُوَ مَرْضِيٌّ لَدَيْهِ، ونَهَى عَمَّا يَكْرَهُهُ،
فإذا أَقْبَلَ مَيلُ الإِنْسانِ عَلَى المَأْمُورِ بهِ، وتَرَكَ المَنْهِيَّ عَنْهُ، كانَ
سَعيداً، وإنْ أَقْبَلَ عَلَى المَنْهِيِّ عَنْهُ دُونَ المَأْمُورِ بهِ، كانَ شَقِيّاً،
٣٨٣

واللهُ - تَعالَى - خالِقٌ للعَبْدِ قُدْرَةً عَلَى فِعْلِ هَذا وفِعْل هَذا،
وإيضاحُ هَذا أَنْ يُقالَ: إِنَّ اللهَ - تَعالَى - اخْتَرَعِ الفِعْلَ الواقِعَ،
وجَعَلَهُ جِسْماً أَوْ عَرَضاً، أَوْ حَرَكَةً أَوْ سُكوناً، أَوْ مَعْرِفَةً أَوْ إرادَةً
أو كَرَاهِيَةً، وفَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ فينا مِنْ غَيْرِ مُعاناةٍ مِنْهُ ولا كُلْفَةٍ، ومِنْ
غَيْرِ عِلَّةٍ، ونَحْنُ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَنا؛ لأَنَّهُ - تَعالَى - خَلَقَهُ فينا،
وَخَلَقَ اخْتِيارَنا لَهُ، وَأَظْهَرَهُ فينا مَحْمُولاً لاکْتِسابِ مَنافِعِنا، أَوْ
لِدَفْعِ المَضَارِّ عَنَّا، فَلَمْ نَكُنْ مُخْتَرِعِينَ لَهُ، فَالمَذْهَبُ الحَقُّ وَسَطٌ
بَيْنَ الإِفْرَاطِ والتَّغْرِيطِ، والمَنْفِيُّ عَنِ العَبْدِ قُدْرَةُ الإِنْجادِ
والتَّكْوينِ، فلا خالِقَ ولا مُكَوَّنَ إِلَّ اللهُ، ولكِنَّ للعَبْدِ قُدْرَةً
ما عَلَى وَجْهٍ لا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجودُ أَمْرٍ حَقيقِيٍّ لم يَكُنْ، بَلْ إِنَّما
تَخْتَلِفُ بِقُدْرَتِهِ النِّسَبُ والإضافاتُ فَقَطْ؛ كتعيين أَحَدِ المُتَسَاوِیَيْنِ
في الوُجودِ والعَدَمِ وتَرْجیحِهِ .
وقَدْ قَسَمَ عُلماءُ الأُصولِ والكَلامِ مَقْدُورَاتِ اللهِ - تَعَالَى -
قِسْمَیْنِ :
الأول: ما يَقَعُ المَقْدُورُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ انْفِرادُ القادِرِ بهِ مَعَ
تَحَقُّقِ الانْفِرادِ كَما في المَوْجوداتِ الَّتي لا صُنْعَ للعَبْد فيها.
والثاني: ما يَصِحُّ انْفِرادُ القادِرِ بهِ، لكِنْ لا يَكونُ مُنْفَرِداً، بَلْ
يَكونُ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَدْخَلٌ ما في ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ كالأَفْعَالِ
الاخْتِيارِيَّةِ للعِبادِ، وقَدْ قيلَ: ما وَقَع لا في مَحَلِّ قُدْرَتِهِ فَهُوَ
خَلْقٌ، وما وَقَعَ في مَحَلِّ قُدْرَتِهِ - أي: العَبْدِ - فَهُوَ كَسْبٌ، فإِذا
٣٨٤

حَرَّكَ زَيْدٌ مَثَلاَ يَدَهُ، فَتِلْكَ الحَرَكَةُ وَقَعَتْ بِخَلْقِ اللهِ - تَعالَى - بِغَيْرِ
مَنْ قامَتْ بِهِ القُدْرَةُ، وهُوَ زَيْدٌ، ووَقَعَتْ بِكَسْبٍ زَيْدٍ فِي المَحَلِّ
الَّذِي قامَتْ بِهِ قُدْرَةُ زَیْدٍ، وهُوَ نَفْسُ زَيْدٍ .
وإِنْضاحُ هَذَا أَنَّ اللهَ خَلَقَ زَيْداً، وخَلَقَ لَهُ يَداً بِها قُدْرَةٌ عَلَىُ
التَّحَرُّكِ بِإِعْطاءِ الصَّدَقَاتِ والضَّرْبِ المَمْنوع مِنْهُ شَرْعاً، وخَلَقَ لَهُ
تَمْيِيزاً مُطْلَقاً، فَتَحْرِيكُهُ يَدَهُ بِإِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ أَوْ بِالضَّرْبِ إِنَّمَا هَوَ
مِنْ كَسْبهِ، فَلِذَلِكَ يُتابُ عَلَى الأَوَّلِ، ويُعاقَبُّ عَى الثَّاني، وهذا
نَجِدُهُ فِي وِجْدانِنا، فإِنَّ حَرَكَةَ المُرْتَعِشِ لَيْسَ باخْتِارِهِ، وحَرَكَةً
المَغْلوبِ عَلَى عَقْلِهِ كَذَلِكَ، وحَرَكَةَ العاقِلِ تَصْدُرُ باخْتِيارِهِ
وكَسْبهِ، وهُوَ إِنْ شاءَ تَحَرَّكَ، وإنْ شاءَ سَكَنَ، وإذا حَضَرَ وَقْتُ
الصَّلاةِ وَجَدَ العاقِلُ نَفْسَهُ قادِراً عَلَى الفِعْلِ والتَّرْكِ، واللهُ - تَعالَى
- خالِقٌ فيهِ قُوَّةَ الشَّيْثَيْنِ، فَفِعْلُ الصَّلاةِ أَوْ تَرْكُها كِلاهُما بِكَسْبهِ،
وقَدْ نَسَبَ اللهُ - تَعالَى - ذَلِكَ السَّعْيَ والكَسْبَ إِلَيْنَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ
فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
٧
٦
◌َ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى (٥َ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
سَعْيَكُمْ لَشَقَّ ◌ِ
فَسَنُيَسِرُوُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٤-١٠]،
٩
(٢) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى
وَأَمَّا مَنْ ◌َخِلَ وَاُسْتَغْنَى
فَسَبَ فِعْلَ الإِعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ وضِدِّ هذهِ الأشياءِ
للعَبْدِ، ونَسَبَ التَّيْسيرَ الَّذي هُوَ القُدْرَةُ عَلَى فِعْلِ الأَشْياءِ لِعَظَمَتِهِ
- تَعالَى -، وخَلْقِهِ، فَمَنْ فَهِمَ مَعْنَى هَذهِ الْآيَةِ فَهْماً حَقيقِيّاً، تَرَقَّى
في مَعاريجِ المَعْرِفَةِ، وانْفَتَحَ لَهُ مَا أُقْفِلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَبُوابِ
العُلُومِ، واللهُ الهادي.
٣٨٥
٠

٥٥٥ - «تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَينِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ
وهَؤُلاءِ بوَجْهٍ)).
الشرح: رَواهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ، وأَحْمَدُ في ((مُسْنَدِه)) مِنْ
حَديثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، وذُو الوَجْهَيْنِ: صاحِبُهُما، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ:
الَّذِي يَأْتِي، إلخ، وهُوَ جَلِيٍّ، وبَيَانُهُ أَنَّ هَاذا الصَّنِيعَ مِنَ البُّهْتانِ
والسَّعْىِ في الأَرْضِ بِالفَسادِ، فَتَراهُ يَأْتِي إِلَى طَائِفَةٍ، فَيُظْهِرُ لَها أَنَّهُ
مِنْها، وَيَلْتَبِسُ بِما يُرْضِيها، وأَنَّهُ مُخالِفٌ لِضِدِّها، ثُمَّ يَأْتِي
الطَّائِفَةَ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الأُولَى، فَيُظْهِرُ لَها أَنَّهُ مِنْها، ويَفْعَلُ مَعَها
ما فَعَلَ بِالأُولَى، فَيَكونُ عِنْدَ ناس بِكَلام، وعِنْدَ أَعْدائِهِمْ بِضِدِهِ،
يَتَمَلَّقُ بِالْبَاطِلِ والكَذِبِ، ويَتَخَّلُ للاطلاعِ عَلَى الأَسْرارِ.
وَقَدْ ذَّ النَّبِيُّ ◌َ هَذِهِ الحالَةَ، وأَخْبَرَ - تَعالَى - عَنْ أَصْحابِها
بقَوْلِهِ: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُذُّهُمْ فِ ◌ُغْيَنِهِمْ
١٤
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، والعَمَهُ: التَّحَيُّرُ والتَّرَدُّدُ، لَكِنْ قالَ
العُلَماءُ: إِنَّ مِنْ هَذا الفِعْلِ نَوْعاً مَحْمُوداً، وهُوَ أَنْ يَأْتِيَ كُلَّ
طائِفَةٍ بما فيهِ صَلاحُ الأُخْرَى، ويَعْتَذِرُ لِكُلِّ واحِدَةٍ عَنِ الأُخْرَى،
ويَنْقُلُ إِليها ما أَمْكَنَهُ مِنَ الجَميلِ، ويَسْتُرُ القَبِيحَ ا. هـ
٥٥٥- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٠٥)، و((البخاري)) (٦٧٥٧)، و((مسلم))
(٢٥٢٦)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٢٤٥/٢) عن أبي هريرة.
٣٨٦

والقاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ ما فِيهِ ضَمُّ سِلْكِ هَذا النِّظامِ الإِنْسانِيِّ فَهُوَ
مَمْدُوحٌ، وكُلَّ ما فيه سَعْيٌّ في تَشْتيتِ هذا المُجْتَمَعِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ
مَذْمُومٌ.
٥٥٦ - ((يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسلافاً الأَوَّلَ فَالأَوَلَ حَتَّى لا يَبْقَى إِلاَّ حُثَالَةٌ
كَحُثَالَةِ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، لا يُبَالِي اللهُ بِهِمْ)).
الشرح: رَواهُ البُخَارِيُّ، وأَحْمَدُ في ((المُسْنَدِ)) عَنْ مِرْداسٍ
السُّلَمِيِّ، والأَسْلَافُ: جَمْعُ سَلَفٍ، وهُوَ مَنْ يَقْدُمُ الإِنسانَ
بالمَوْتِ مِنْ آبَائِهِ وَذَوِي قَرَابَتِهِ، والأَوَّلَ بَدَلٌ مِنَ الأَسْلَافِ بَدَلُ
بَعْضٍ مِنْ كُلِّ، والخُثالَةُ - بِضَمِّ الحاءِ والتَّاءِ المُثَلَّثَةِ -: الرَّدِيءُ منْ
كُلِّ شَيْءٍ، ومَنْهُ حُثالَةُ الشَّعيرِ والأَرُزِّ والتَّمْرِ وكُلِّ ذي قِشْرٍ،
والمَعْنى: أَنَّ الصّالِحِينَ يَذْهَبُونَ مُتَعاقِبِينَ شَيْئاً فَشَيْئاً حَتَّى
لا يَبْقَى إِلَّ الرَّدِيْءُ والرَّذْلُ، وهُوَ الدُّونُ والخَسيسُ المُشَبَّهُ
بِرَديءِ الثَّمْرِ والشَّعِيرِ، وهَؤُلاءِ لا يُبَالِي اللهُ بِهِم، أَيْ: لا يَرْفَعُ
لَهُمْ قَدْراً، ولا يُقيمُ لَهُمْ وَزْناً، ولا يَعْتَنِي بِهِمُ اعْتِناءً. وفي
٥٥٦ - صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٠٧)، و((البخاري)) (٦٠٧٠)، والإمام أحمد في
((المسند)) (٤/ ١٩٣) عن مرداس الأسلمي.
* حديث: ((لا يزال الله يغرس في هذا الدين .... )) حسن. رواه ((ابن ماجه))
(٨)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٢٠٠)، وابن حبان في ((صحيحه))
(٣٢٦) عن أبي عنبة الخولاني. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))
(٢٤٤٢)، و((صحيح الجامع الصغير)) (٧٦٩٢).
* حديث: ((لا يزال طائفة من أمتي ... )) صحيح. رواه ((مسلم)) (١٩٢٠).
٣٨٧

روايةٍ: حُفَالَةٌ - بالفاء -، وهُوَ بِمَعْنَى حُثالَةٍ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلَى
الأَغْلَبِ والأَكْثَرِ، وإِلاَّ فَقَدْ يَبْقَى أُناسٌ مِمَّنْ قَضَهُمْ لِحِفْظِ شَرْعِهِ
ودِينِهِ؛ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْنَةَ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَمِعْتُ
رَسولَ اللهِ وَّهِ يَقولُ: ((لا يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ في هذا الدِّينِ غَرْساً
يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ)، وعَنْ ثَوْبانَ مَرْفوعاً: ((لا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ
أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورِينَ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأْتِيَ
أَمْرُ اللهِ-عَزَّ وجَلَّ-)».
٥٥٧ - «يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ القَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، ويَدَعُ الجِذْعَ فِي عَيْنِهِ)).
الشرح: رَواهُ ابْنُ المُبارَكِ، والمُصَنِّفُ في ((مُسْنَدِهِ)) عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ، والقَذَى: ما يَقَعُ في العَيْنِ والماءِ مِنْ تُرابٍ أَوْ تِيْنٍ أَوْ
وَسَخِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والجِذْعُ: أَصْلُ النَّخْلَةِ وساقُها، وفي رِوايَةٍ :
وَيَدَعُ الجِذْلَ - بِكَسْرِ الجيمِ وفَتْحِها: وهُوَ مَا عَظُمَ مِنَ الحَطَبِ
ويَبْسَ، والمَعْنَى: أَنَّ أَحَدَكُمْ يُبْصِرُ التِبْنَةَ وَغَيْرَها فِي عَيْنِ أَخِيهِ،
ويَعْمَى عَنِ الخَشَبَةِ العَظيمَةِ تَكونُ فِي عَيْنِهِ، وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ
لِمَنْ يَرَى الصَّغِيرَ مِنْ عُيُوبِ النَّاسِ ويُعَيِّرِهُمْ بِهِ، وفيهِ مِنَ العُيُوبِ
ما نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ الخَشَبَةِ العَظِيمَةِ إلى التِّبْنَةِ، وهذا يَكُونُ مِنْ
عَدَمِ تَهْذيبِ الأَخْلاقِ، وعَدَم مَعْرِفَةِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، ومِنَ
٥٥٧- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١٠)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٢١٢)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٩٢) عن أبي هريرة. وانظر: ((سلسلة
الأحاديث الصحيحة)) (٣٣)، و((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٣٣١).
٣٨٨

التَّدْلِيسِ الفاحِشِ؛ لأَنَّهُ بِذَلِكَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَشْغَلُ النَّاسَ بِعُيوبٍ غَيْرِهِ
عَنْ عُيُبِ نَفْسِهِ .
٥٥٨ - ((كَبِّرَتْ خِيانَةً أَن تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ مُصَدِّقٌ، وَأَنْتَ لَهُ
گَاذِبٌ)).
الشرح: رَواهُ البُخارِيُّ في ((الأَدَبِ المُفْرَدِ)) وأبو داودَ وابنُ
سَعْدٍ، والمُصَنَّفُ في ((مُسْنَدِهِ))، والبَغَوِيُّ، وابْنُ قَانِعِ، والبَيْهَقِيُّ
في ((شُعَبِ الإِيمانِ)) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أسيدِ الحَضْرَمِيِّ، وليسَ لهُ
غيرُ هذا الحَديثِ، ورَواهُ أَحْمَدُ في ((المُسْنَدِ))، والطَّبَرانِيُّ في
(الكَبيرِ))، وأَبو نُعَيْمٍ في ((الِحِلْيَة))، والبَيْهَقِيُّ في ((الشُّعَبِ)) عنِ
النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعانَ، وفي أَسانيدِهِ ضَعْفٌ، وكَبُرَتْ: عَظُمَتْ،
والتأنيثُ باعْتِبار تَأْنيثِ (خِيانة)؛ لأنَّهُ فاعِلٌ في المَعْنَى، ومَعْناهُ:
٥٥٨- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١١، ٦١٢، ٦١٣)، و((أبو داود)) (٤٩٧١)،
وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٤٢٣/٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(٣٩٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٨٢٠) عن سفيان بن أسيد
الحضرمي .
ورواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١٨٣/٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)
(٩٨/٨ - مجمع الزوائد)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٩٩/٦) عن
النواس بن سمعان.
وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (١٢٥١)، و((ضعيف الجامع
الصغير)) (٤١٦٢).
* حديث: ((الدين النصحية)) صحيح. رواه ((مسلم)) (٥٥) عن تميم الداري.
و((البخاري)) (٣٠/١) معلقاً.
٣٨٩

أَنَّ مِمَّا يُعَدُّ مِنَ الخِيانَةِ العَظِيمَةِ أَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ كَلاماً، وتُنْشِىءَ لَهُ
حَديثاً، فَيَسْتَمِعُهُ لَكَ مُعْتَقِداً صِدْقَ قَوْلِكَ، وأَنْتَ تَكونُ كاذِباً
عليهِ فيهِ، وإنَّما كانَ خِيانَةً؛ لأَنَّ المُسْتَمِعَ لَكَ قَدِ اثْتَمَّنَكَ، وظَنَّ
أَنَّكَ تَأْتيهِ بِالنَّصيحَةِ المَطْلُوبَةِ، فإذا حَدَّثْتَهُ بِما هُو كَذِبٌ، كُنْتَ
خائِناً أَمانَةَ النَّصِيحَةِ الَّتِي أَوْجَبَها اللهُ عَلَى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضِهِمْ
بَعْضاً حَتَّى قَالَ بَّهِ فِي شَأْنِها: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)).
٥٥٩ - ((كأَنَّ الحقَّ فيها عَلَى غَيْرِنا وَجَبَ، وكأَنَّ المَوْتَ فيها عَلَى غَيْرِنا
كُتِبَ، وكَأَنَّ الَّذِي نُشَيِّعُ مِنَ الأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلِ إِلَيْنَا عَائِدُونَ،
نُبَوِّتُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ، ونَأْكُلُ ثُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُون بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِينًا
كُلَّ وَاعِظَةٍ، وَأَمِنَّا كُلَّ جَائِحَةٍ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبٍ
النَّاسِ، وأَنْفَقَ مِن مَالِ اكْتَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَخَالَطَ أَهْلَ الفِقْهِ
والحِكْمَةِ، وجَانَبَ أَهْلَ الذُّلِّ والمَعْصِيَةِ، طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ في
نَفْسِهِ، وحَسُنَتْ خَلِقَتُهُ، وأَنْفَقَ الفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الفَضْلَ
مِنْ قَوْلِهِ، ووَسِعَتْهُ السُّنَّهُ، ولَمْ يَعْدُهُا إِلَى بِذْعَةٍ)).
الشرح: رَواهُ المُصَنِّفُ في ((مُسْنَدِهِ) عَنِ الحَسَنِ بْنِ مالِكِ
٥٥٩- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١٤)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٩٢٩)
عن أنس بن مالك. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة))
(٣٨٣٥). وانظر: ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٧٨/٣)، و((اللآلىء
المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)) للسيوطي (٣٥٨/٢).
قلت: قول الشارح: ((عن الحسن بن مالك)) غريب، ولعله أراد: أنس بن
مالك، والله أعلم.
٣٩٠

قالَ: خَطَبَنا رَسولُ اللهِ وَ عَلَى نَاقَتِهِ الجَدْعاءِ، فَقالَ في خُطْبَتِهِ:
أَيُّها النَّاسُ، وذَكَرَهُ، ورَوَىْ قِطْعَةً منهُ الدَّيْلَمِيُّ في ((مُسْنَدِ
الفِرْدَوْسِ)» عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ مَرْفوعاً: ((طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ
عَنْ عُيُوبِ النَّاس))، وَأَثْبَتَ تِلْكَ القِطْعَةَ السُّيُوطِيُّ في ((جامِعِهِ
الكَبِيرِ)) للكِنَّهُ قَالَ في أَوَلِهِ: كُلُّ ما عَزَوْتُهُ للعُقَيْلِيِّ في
(الضُّعَفَاءِ»، وابْنِ عَدِيٍّ في ((الكامِلِ))، وللخَطيبِ، ولائْنِ
عَساكِرَ، وللحَكيمِ التِّرْمِذِيِّ في ((نَوادِرِ الأَصولِ))، وللحاكِمِ في
((تاريخِهِ))، أو لابْنِ الجارودِ في ((تاريخِهِ))، أو للدَّيْلَمِيِّ في «مُسْنَدِ
الفِرْدَوْسِ»، فَهُوَ ضَعِيفٌ. وقالَ الحافِظُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في
((المَوْضُوعاتِ)): رَواهُ الأَزْدِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: خَطَبَنا
رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ عَلَى العَضْبَاءِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفي طريقِهِ أَبَانٌ،
وهُوَ مَتْرُوٌ، وتابَعَهُ النَّضْرُ بْنُ مُحْرِزٍ، ولا يُحْتَجُّ بهِ ا. هـ، قالَ
السُّيوطِيُّ في ((الَّلآّلِىءِ)): وخَرَّجَهُ ابْنُ لالِ ا.هـ، وحَكَاهُ الصَّغانِيُّ
في ((المُوْضوعاتٍ)).
والحاصِلُ: أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي شَأْنِهِ، والَّذي مالَ إليهِ الحافِظُ
الشُّيُوطِيُّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وليسَ بِمَوْضوعٍ، وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ :
قُلْتُ: والمَتْنُ مَوْضوعٌ، وهُوَ مِنْ كَلامِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ا. هـ،
وهـذا هُوَ الصَّحِيحُ، وأَيّاً ما كانَ، فَهُوَ مِنَ المَوَاعِظِ، وإِثْبَاتُهُ عَلَى
كَوْنِهِ ضَعِيفاً أَوْ مَوْضُوعاً لا يَضُرُّ؛ لأَنَّهُ لا يَتَخَرَّجُ منهُ أَحْكامٌّ
شَرْعِيَّةٌ، لَكِنْ لَا نَنْسُبُهُ إِلَى النَّبِّ ◌َّهِ عَلَى سَبيلِ القَطْعِ.
ونُشَيِّعُ، أَيْ: نُوصِلُهُمْ إِلى المَقَابِرِ، وسَفْرٌ - كَصَحْبٍ -:
٣٩١

جَمْعُ سافِرٍ، وهُوَ الَّذي يَخْرُجُ إلى السَّفَرِ، ونُبُوِّنُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ،
أَيْ: نُهَمِىءُ لَهُمْ قُبُورَهُمْ، تَقُولُ: بَؤَأْتُ فُلاناً مَنْزِلاً: هَيَأْتَهُ
ومَكَّنْتَ لَهُ فِيهِ، والجَدَثُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: القَبْرُ، تُراثُهُمْ: التُراثُ:
ما يُخَلِّفُهُ الرَّجُلُ لِوَرَثَتِهِ، والتَّاءُ فيهِ بَدَلٌ مِنَ الواو، والجائِحَةُ:
الشِّدَّةُ التي تَجْتَاحُ المالَ، أيْ: تُتْلِفُهُ، مِنْ سَنَةٍ، أَيْ: أَمْرٍ
سَماوِيٍّ، أو فِتْنَةٍ، فالجائِحَةُ كُلُّ مُهْلِكِ للمالِ، الفَضْلُ: الزائِدُ
عنِ الحاجَةِ في المالِ وفي الكَلام، وقولُهُ: وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، أَيْ:
رَآهَا مَتَكَفِّلَةً بِكُلِّ ما يَحْتاجُهُ مِنْ أَمْرِ دينِهِ، ولَمْ يَعْدُها، أَيْ:
يَتَجاوَزْها إِلَى بِدْعَةٍ؛ لأَنَّ المُتَّبعينَ البدَعَ يَقولونَ بِلِسانِ حالِهِمْ:
إِنِ السُّنَّةَ ناقِصَةٌ لا تَفِي بِالمَطْلوبِ، فَيَنْبَغِي إِتْمامُها، وهذا قَوْلُ
مُنْطَمِسِ البَصيرةِ، قالَ - تَعالى -: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾ [المائدة
٣]، فَكَيْه تَعالى يَشْهَدُ لِشَيْءٍ بِالكَمالِ، ونَحْنُ نَرْميهِ بالنُّقْصانِ؟!
فَلْيَحْذَرْ ذَلِكَ المُؤْمِنونَ .
٥٦٠ - ((طُوبَى لِمَنْ طَابَ كَسْبُهُ، وصَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ، وكَرُّمَتْ عَلانِيَتُهُ،
وعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَهُ، طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ».
الشرح: رَواهُ المُصَنِّفُ في ((مُسْنَدِهِ)) عَنْ ركبِ المِصْرِيِّ
٥٦٠ - ضعيف .
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤٦١٥)
عن ركب المصري. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة والموضوعة))
(٣٨٣٥)، و((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٦٤٢). وانظر: ((الاستيعاب في معرفة
الأصحاب)) لابن عبد البر (٥٠٨/٢)، و((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٢٢٩/١٠).
٣٩٢

بِزِيادَةٍ، وهيَ: ((طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ في غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وذَلَّ فِي نَفْسِهِ
في غَيْرِ مَسْكَنَةٍ، وَأَنْفَقَ مِنْ مالٍ جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وخَالَطَ
أَهْلَ الفِقْهِ والحِكْمَةِ، ورَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ والمَسْكَنَةِ))، ثُمَّ أَوْرَدَ
ما في المَتْنِ، وَرَكْبٌ المِصْرِيُّ ليسَ لهُ إلَّ هَذا الحَدِيثُ،
ويُقالُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورِ في الصَّحَابَةِ، وأَثْبَتَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فيهِمْ،
وقالَ الحافِظُ الهَيْثَمِيُّ: رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ مِنْ طَريقِ نصبحِ العَبْسِيِّ
عَنْ رَكْبٍ، ولَمْ أَعْرِفْهُ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ رِجالُ الصَّحيحِ ا. هـ
وطُوبَى: أَصْلُها فُعَلَى، مِنَ الطِّيبِ، فَلَمَّا ضُمَّتِ الطَّاءُ،
انْقَلَبَتِ الياءُ واواً، وَقِيلَ: مَعْناها الجَنَّةُ، فَيَكُونُ المَعْنَى: الجَنَّةُ
لِمَنْ طابَ كَسْبُهُ، أَوْ هِيَ مُفْتَتَحُ المَدْحِ، كَما يُقالُ: طُوبَى لَكَ،
وطُوباكَ، ومَعْنَى طابَ كَسْبُهُ: كانَ حَلالاً طاهِراً مِنَ المُفْسِدَاتِ
كُلِّها، قالَ - تَعالى -: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّطَيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ
مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وصَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ، أَيْ: حَسُنَ
قَلْبُهُ؛ لأنَّ السَّريرَةَ هِيَ كُلُّ ما يُكْتَمُ، ومَحَلُّ ذَلِكَ القَلْبُ، فَهُوَ
مَجازٌ، وكَرُمَتْ عَلانِيَتُهُ، أَيْ: حَسُنَ ظاهِرُهُ، فَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ
الظَّاهِرِ والباطِنِ، لا يَتَلَّسُ بِرِياءٍ ولا بِسُمْعَةٍ، ولا بِعُجْبٍ
ولا بِغِشِّ، وهَذا شَأْنُ مُتَّبِعِ السُّنَّةِ، وعَزَلَ، أَيْ: نَخَّى عَنِ النّاسِ
شَرَّهُ، وأَنْعَدَهُ عَنْهُمْ، وَعَمِلَّ بِعِلْمِهِ فَلَمْ يَتَعَلَّمِ العِلْمَ لِيَجْعَلَّهُ شَبَكَةً
لِأَكْل أَمْوالِ النَّاسِ بِالباطِلِ وغُرُورِهِمْ وغِشْهِمْ والتَّحَيُّلِ إلَى
اقْتِناصِ ما بِأَيْدِيهِمْ.
٣٩٣

٥٦١ - ((ابْنَ آدَمَ! عِندَكَ ما يَكْفِيكَ، وأَنتَ تَطْلُبُ ما يُطْغِيكَ! ابْنَ آدَمَ! لاَ
بِقَلِيلٍ تَقْنَعُ، ولا مِنْ كَثِيرٍ تَشْبَعُ!».
الشرح: رَوَاهُ المُصَنِّفُ في ((المُسْنَدِ))، وابْنُ عَدِيٍّ في
(الكامِلِ))، وأَبو نُعَيْمٍ في ((الحِلْيَةِ)) والبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبٍ
الإِيمانِ))، والخَطِيبُ في ((التّاريخِ))، وابْنُ النَّجَّارِ، وابْنُ عَساكِرَ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وكُلُّهُمْ بِزِيادَةٍ: ((ابْنَ آدَمَ! مُعافى في جَسَدِكَ، آمِنَاً
في سِرْبِكَ، عِنْدَكَ قُوتُ يُومِكَ، فَعَلَى الدُّنْيَا العَفَاءُ)).
وقَوْلُهُ: يُطْغِيكَ، أَيْ: يَجْعَلُكَ مُتَجَاوِزَ الحَدِّ الشَّرْعِيِّ إِلَى
الحَرَامِ فِي طَبِهِ وجَمْعِهِ؛ لأَنَّ المالَ لا يَكْثُرُ غالباً إلاَّ منَ الرِّبا
وارْتِكابِ المُحَرَّمَاتِ في جَمْعِهِ، كَالقِمارِ وَنَحْوِهِ، ومَعْنَى
ما بَقِيَ: أَنَّ النَّفْسَ تُحِبُّ الاسْتِرْسَالَ في الشَّهَواتِ والمَلاَذِّ، فلا
يَنْبَغِي للإنْسَانِ أَنْ يُطْلِقَ لَها العِنَانَ فِي ذَلِكَ، فَأَتَى بِتَصْوِيرِ هَهذا
المَعْنَى عَلَى طَرِيقَةِ الخُطَباءِ، والسِّرْبُ - بِكَسْرِ السِّينِ -: النَّفْسُ،
يُقالُ: فُلانٌ آمِنٌ في سِرْبِهِ، أَيْ: فِي نَفْسِهِ، العَفَاءُ: الانْدِراسُ
٥٦١ - موضوع.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١٨)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء))
(٤ / ١٤٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٩٤/٧)، والخطيب البغدادي في
((تاريخ بغداد)) (١٢/ ٧١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١٢/١٦) عن ابن
عمر. ورواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٩٨/٦) عن عمر بن الخطاب.
وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة الموضوعة)) (٦٧٧)، و((ضعيف الجامع
الصغير)) (٥٠).
٣٩٤

وذَهابُ الأَثَرِ، والمَعْنَى: لا أُبالِ إِنْ بَقِيَتِ الدُّنْيا أَوْ ذَهَبَتْ، ومِنْهُ
حَديثُ صَفْوانَ بْنِ مُحْرِزٍ: إِذا دَخَلْتُ بَيْتِي، فَأَكَلْتُ رَغيفاً،
وشَرِبْتُ عَليهِ منَ الماءِ، فَعَلَى الدُّنْيَا العَفاءُ.
٥٦٢ - ((طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى الإِسْلامِ، وكانَ عَيْشُهُ كَفَافاً، وقَنِعَ بِهِ)).
الشرح: خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في ((جامِعِهِ)) عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ،
وقالَ: هَذا حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ورَواهُ في ((مُسْنَدِهِ))،
والتِّرْمِذِيَّ أَيْضاً بِلَفْظِ: قَدْ أَفْلَحَ، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ والحاکِمُ وابْنُ
حِبَّنَ في ((صَحِيحِهِ))، ورَوَىُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّ
قالَ: ((الزَّهَادَةُ في الدُّنيا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ، ولا إِضَاعَةِ
المالِ، وَلكِنَّ الزَّهَادَةَ في الدُّنْا أَلَّ تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِمَّا
فِي يَدَيِ اللهِ، وأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ المُصِيبَةِ إِذا أَنْتَ أُصِبْتَ بِها
أَرْغَبَ فيها لو أَنَّهَا أُبِقِيَتْ لَكَ))، فَتَأَمَّلْ هَذا الحَدِيثَ، واعْرِفْ
مِنْهُ ما هُوَ الزُّهْدُ، واطْرَحْ فِيهِ أَقْوالَ المُتَلَصِّصِينَ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ
أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ نَاطِقٍ، وَأَعْلَمُ مِنْهُ.
٥٦٢- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١٦، ٦١٧)، و((الترمذي)) (٢٣٤٩)، وابن حبان
في (صحيحه)) (٧٠٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٠٢/١٨ رقم ٧٨٦)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٩٨) عن فضالة بن عبيد. وانظر: ((سلسلة الأحاديث
الصحيحة)) (١٥٠٦)، و((صحيح الجامع الصغير)) (١١٣٨)، و(٣٩٣١).
* حديث: ((الزهادة في الدنيا ... )) ضعيف جداً. رواه ((الترمذي)) (٢٣٤٠) عن
أبي ذر. وانظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣١٩٤)، و((مشكاة المصابيح))
(٥٣٠١).
قلت: في المطبوع من ((مسند الشهاب)): (( ... لمن هدي للإسلام .. )).
٣٩٥

باب
٥٦٣ - «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا».
الشرح: رَواهُ الخَرائِطِيُّ في ((مَكارِمِ الأَخْلاقِ))، وابْنُ عَساكِرَ
عَنْ مُعاوِيَةَ، ورُوِيَ بِلَفْظِ آخَرَ: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويَقْضِي اللهُ
عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ ما يَشاءُ)) رَواهُ السِّنَّةُ إلَّ ابْنَ مَاجَهْ، ورَواهُ أَحْمَدُ
في (المُسْنَدِ)) عنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِذا أَتَاهُ
طالِبُ حاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَى جُلَسائِهِ وقالَ: اشْفَعوا، الحَديث،
وهَذا إِرْشَادٌ منهُ بِّهِ إِلَى أَصْلٍ عَظِيمٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وإِشَارَةٌ
إِلَى أَنَّ اللهَ - تَعالَى - اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ بِعُمْرانِ هذا الكَوْنِ،
ولا يَكُونُ إِعْمَارُهُ إِلَّ بِجَعْلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ أَرْقَى مِنْ بَعْضٍ في
الجاهِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ، وإلَّ بِجَعْلِ بَعْضِهِم مُحْتاجاً إِلَى الْبَعْضِ
الآخَرِ، أَيّاً مَنْ كانَ، ومِنْ جُمْلَةِ الاحْتِياجاتِ طَلَبُ الحاجاتِ مِنَ
الأَعَلَى، ورُبَّما يَكُونُ الطَّالِبُ لا خِبْرَةَ لهُ بِأَحْوالِ المَطْلوبِ مِنْهُ،
وَكَذَا المَطْلوبُ لا خِبْرَةَ لَهُ بِأَحْوالِ الطَّالِبِ، فَلِذَلِكَ سَنَّ الشَّفَاعَةَ
لِتَأْتَلِفَ القُلوبُ، ويَتَعَوَّدَ النَّاسُ التَّنَاصُرَ والتَّعاضُدَ، ولَيْسَ عَلَى
٥٦٣- صحیح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦١٩، ٦٢٠، ٦٢١)، و((البخاري)) (١٣٦٥)،
و((مسلم)) (٢٦٢٧)، و((أبو داود)) (١٥٣١)، و((النسائي)) (٢٥٥٦)،
و ((الترمذي)) (٢٦٧٢)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٤٠٠) عن أبي موسى
الأشعري. ورواه ((أبو داود)) (٥١٣٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(٥٦/٥٩) عن معاوية بن أبي سفيان.
٣٩٦

الشَّفيعِ أَنْ يَضْمَنَ قَضاءَ الحَاجَةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ مَكارِمَ
الأَخْلاقِ، وأَنْ يَتَمَسَّكَ بِذَلِكَ الأَصْلِ، فَلا يَغْضَبُ إذا رُدَّتْ
شَفَاعَتُهُ مَا دَامَ مَطْلُوبُهُ اتَّبَاعَ السُّنَّةِ وطَلَبَ الثَّوابِ، ومَتَى رُدَّتْ
شَفَاعَتُهُ فَغَضِبَ، كانَ جاهِلاً بِذَلِكَ الأَصْلِ، بَعيداً عَنْ مَكارِمِ
الأَخْلاقِ، مُنْحَرِفاً عَنِ الحِكْمَةِ، ومَحَلُّ ذَلِكَ إذا كانَتِ الشَّفَاعَةُ
في أَمْرِ جائِزِ شَرْعاً، وأَمّا ما لا يُجَوِّزُ الشَّرْعُ فيهِ الشَّفَاعَةَ فيهِ؛
كَالحُدُودِ والمُحَرَّماتِ، فَذَلِكَ مِمَّا تَحْرُمُ فيهِ الشَّفَاعَةُ.
٥٦٤ - ((سَافِرُوا تَصِخُوا تَغْنَمُوا)).
الشرح: رَواهُ الشِّيرازِيُّ في ((الألْقَابِ))، والطَّبَرانِيُّ في
(الأَوْسَطِ))، وأَبو نُعَيْمٍ في ((الطِّبِّ))، والمُصَنَّفُ في ((مُسْنَدِهِ) عَنِ
ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنادٍ واهٍ شَديدِ الضَّعْفِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في ((السُّنَنَ))
بِإِسْنادٍ ضَعيفٍ، ورَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ، ولَفَظُهُ: (سَافِرُوا تَصِخُوا، واغْزُوا تَسْتَغْنُوا))، وخَرَّجَ عَبْدُ
الرَّزَّاقِ في ((جامِعِهِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلاً: ((سَافِرُوا
تَصِكُوا وتُرْزَقُوا)).
٥٦٤- ضعيف.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٢٢)، والطبراني في ((المعجم الأوسط))
(٧٤٠٠)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠٢/٧) عن ابن عمر. ورواه الإمام
أحمد في «المسند» (٢/ ٣٨٠) عن أبي هريرة. ورواه عبد الرزاق في
(المصنف)) (٩٢٦٩) لكن عن طاوس عن عمر موقوفاً عليه. وانظر: ((سلسلة
الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (٢٥٤)، و(٢٥٥)، و((ضعيف الجامع
الصغير)) (٣٢١٠)، و(٣٢١١)، و(٣٢١٢).
٣٩٧

وقَدْ قَسَمَ العُلَماءُ السَّفَرَ إلى قِسْمَيْنِ: ظاهِرِيٍّ وباطِنِيٍّ،
ولَسْتُ الآنَ بِصَدَدِ نَقْلِ كَلامِهِمْ؛ لاشْتِهارِهِ فِي كُتُبِهِمْ، بَلْ أَقولُ:
إِنّ المُشارَ إِليهِ بـ (أنا) إذا حَقَّقْتَهُ تَجِدُهُ النَّفْسَ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنٍ
الرُّوحِ، وما الجَسَدُ إلَّ قالَبٌ لِهَذهِ اللَّطِيفَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَزُجاجَةٌ
لَها، وَلَكِنْ لِلْجَسَدِ مَدْخَلٌ كَبِيرٌ في تَصْفِيَةِ الرُّوح، فإذَا كانَ
صَحِيحاً، أَصْبَحَتْ في ارْتِياحِ ونَشاطٍ، وإِنِ اعْتَلَّتْ، تَكَذَّرَ صَفاءُ
الرُّوحِ، ثُمَّ إِنَّ لِكُلِّ مِنْهُما غِذَاءٌ، فَغِذاءُ الرُّوحِ المَعارِفُ، وغِذاءُ
الجَسَدِ الأَكْلُ والشُّرْبُ والهَواءُ المُطْلَقُ، ولَمّا كانَ كُلُّ ماکِثٍ في
مَكانٍ يَعْتَرِيهِ تَغْيِيرٌ؛ كَمَا أَنَّ الماءَ بِمُكْثِهِ يَصِيرُ آسِناً مُتَغَيِّراً،
لا جَرَمَ أَرْشَدَنا - تَعالَى - في كتابِهِ وعَلَى لِسانِ نَبِّهِ إلى التَّنَقُّلِ
جِسْماً وفِكْراً؛ لِيَحْصُلَ لَنَا تَرَقِّ النَّوْعَيْنِ، فقالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ
فِ الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٤٢]، وقالَ نَبِيُّهُ وَلَهِ: ((سافِرِوا تَصِخُوا)) فالجَسَدُ
في السَّفَرِ يَكْتَسِبُ الصِّحَّةَ مِنَ الهَواءِ المُطْلَقِ، ويَسْتَنْشِقُهُ صافِياً،
وتَحْصُل للمسافِرِ الرِّياضَةُ البَدَنِيَّهُ، والحَرَكَةُ الَّتِي تَعودُ عَلَى البَدَنِ
بالنَّفْعِ، وَكَمْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ صِخَّةِ شَخْصٍ عَديمِ الحَرَكَةِ ماکِثٍ في
حانوتِهِ أو بَيْتِهِ، وبَيْنَ مَنْ يَسْتَعْمِلُ الحَرَكَةَ فِي أَشْغَالِهِ وَأَعْمالِهِ،
وهَذا مِمَّا لا يَخْتَلِفُ في شَأْنِهِ الأَطِبَّاءُ.
وَأَمَّا الرُّوحُ فَإِنَّ الإنْسانَ مَهْما حَصَّلَ في المدارِسِ منَ العُلُومِ
والفُنونِ، فَإِنَّ تَحْصيلَهُ يَكونُ عَقِيماً ناقِصاً، ولَوْ دَخَلَ أَعْظَمَ
مَدْرَسَةٍ في العالَمِ، فإذا أَرَادَ أَنْ يُتَمِّمَ مَعْلُومَاتِهِ يَجِبُ عليهِ أَنْ
يَدْخُلَ المَدْرَسَةَ الْكُلِّيَّةَ العُظْمَى، وما هِيَ إلاَّ مَدْرَسَةُ الكَوْنِ،
٣٩٨

فَهُنالِكَ يَجِدُ ما تَحارُ فيهِ العُقولُ، وهيَ تُطْلِعُ تِلْمِيذَها عَلَىُ
أَخْلاقِ البَشَرِ، وعَلَى كَيْفِيَّةِ سُلُوكِهِمْ في اقْتِنَاصِ مَعاشِهِمْ، وعَلَى
تَخَيُّلِهِمْ في الوُصولِ إلىْ رَغَائِهِمْ، فالتّاجِرُ يَتَرَقَّى بِها كُلَّ يَوْمٍ، بَلْ
فِي كُلِّ نَظْرَةٍ، والزّارِعُ كَذَلِكَ، والعالِمُ يَرَى أَنَّ ما حَصَّلَّهُ في
مَدْرَسَتِهِ أَنْمُوذَجُ ما يَحْتَاجُهُ في مَدْرَسَةِ الكَوْنِ، فهي تُتَمِّمُ لهُ
مَعْلوماتِهِ، وتَسوقُهُ بالطَّبْعِ إلى الاخْتِراعِ وإلى اكْتِسابِ فُنونٍ
المَدَنِيَّةِ، وهُناك يَأْتِي لِلرِّيَاضِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ، وللطَّبِيبِ أَنْ
يُرَقِّيَ صَنْعَتَهُ.
والحاصِلُ: أَن المعَارِفَ لا تَتِّمُّ ولا تَنْمو إلاَّ فِي مَدْرَسَةِ
الكَوْنِ، وهِيَ لا تَكُونُ إلَّ بالتََّقُلِ الباطِنِيِّ والظَّاهِرِيِّ، وهوَ
لا يَكونُ إلا بالسَّفَرِ، الباطِنِيِّ والظَّاهِرِيِّ أيضاً، وضيقُ المقَام هُنا
أَلْجَأَنا إِلَى الاخْتِصارِ، وهُوَ مُحتاجٌ إلى بَسْطٍ وتَطويلٍ،
وسَنوضِحُهُ - إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى - في غَيْرِ هَذا الكِتابِ، وقَدْ
وضَعْنا هُنا أُنْموذَجاً يُغْنِي اللَّيبَ عنِ التَّطْوِيلِ.
٥٦٥ - ((يَسِّرُوا ولا تُعَشِّرُوا، وسَكِّنُوا ولا تُنَفِّرُوا)).
الشرح: رَوَاهُ في ((مُسْنَدِهِ)) عَنْ أَنَسٍ، ورَواهُ البُخَارِيُّ
ومُسْلِمُ، وأَحْمَدُ في ((مُسْنَدِهِ)) والنَّسائِيُّ عَنْ أَنَسِ أَيْضاً بِلَفْظِ:
((يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا)) وها خِطابٌ للَّذينَ
٥٦٥- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٢٤)، و((البخاري)) (٥٧٧٤)، و((مسلم))
(١٧٣٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١٣١/٣) عن أنس.
٣٩٩
٠

يُبَلِّغونَ شَرْعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ للنّاسِ قالَ - تَعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
اُلَّيْنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، والمعنَىُ: يَسِّرُوا عَلَى الناس في
التَّعليمِ والإِرْشادِ والوَعْظِ، والأَمْرِ بالمَعْروفِ والنَّهْيِ عَنِ
المُنْكَرِ، وأَلَّفوا قُلوبَ النَّاسِ عَلَى قَبُولِ المَوْعِظَةِ والتَّعليمِ،
ولا تَسْتَنْبطوا مِنَ الأَحْكام ما فِيهِ مَشَقَّةٌ؛ فإنَّ هذا ليسَ مِن
الشَّرْع، وحَبُِّوا الْعِبادَ رَبَّهُمْ بِذِكْرِ إِنْعَامِهِ وسُهولَةِ دينِهِ، ولا تُنَفِّروا
قُلوبَهُمْ عنهُ باخْتِراعِ الوَعيدِ وشِدَّةِ الأَحْكام.
٥٦٦ - «قَارِبُوا وسَدِّدُوا».
الشرح: رَوَاهُ في ((مُسْنَدِهِ) عَنْ أبي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: ((قَارِبُوا
وسَدِّدُوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يُنَجِّيَهُ العَمَلُ))، قالوا: ولا أَنْتَ
يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: ((ولا أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَني اللهُ منهُ بِرَحْمَةٍ))،
وفي رواية: ((وفَضْلٍ))، ورَواهُ مُسْلِمٌ، وأَحْمَدُ في ((المُسْنَدِ))،
والدَّارِمِيُّ، وابْنُ حِبّانَ في ((صَحِيحِهِ))، وأَبو عَوانَةَ عَنْ جابِرٍ،
وأَحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ومُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ،
والمَعْنى: اقْصِدوا أَقْرَبَ الأُمور فيما تَعَبَّدَكُمُ اللهُ بِهِ، ولا تَقْصِدوا
٥٦٦- صحيح.
رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦٢٦)، و((البخاري)) (٥٣٤٩)، و((مسلم))
(٢٨١٦)، و((ابن ماجه)) (٢٨١٦)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٢٥٦/٢) عن
أبي هريرة. ورواه ((مسلم)) (٢٨١٧)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٤٩٥/٢)،
والدارمي في ((سننه)) (٢٧٣٣)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٥٠) عن جابر.
ورواه ((مسلم)) (٢٨١٨) عن عائشة.
٤٠٠