النص المفهرس
صفحات 21-40
حَديثِهِمُ المَوْضُوعُ وَالكَذِبُ خَمْسَةُ أَقْسامٍ: ■ الأَوَّلُ: قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدُ وَالتَّقَشُّفُ، فَغَفَلُوا عَنِ الحِفْظِ وَالتَّمْيِيِزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضاعَتْ كُتُبُّهُ أَوِ احْتَرَقَتْ، أَوْ دَفَنَها، فَحَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، فَغَلِطَ، فَهَؤُلاءِ تَارَةً يَرْفَعونَ المُرْسَلَ، وَيُسْنِدُونَ المَوْقوفَ، وَتَارَةً يَقْلِبونَ الإِسْنادَ، وَتَارَةً يُدْخِلونَ حَديثاً في حَديثٍ . Q الثَّاني: قَوْمٌ لَمْ يُعاينوا عِلْمَ النَّقْلِ، فَكَثُرَ خَطَؤُهُمْ، وَفَعُشَ، وَشَارَكوا القِسْمَ الأَوَّلَ. ٦ الثَّالِثُ: قَوْمٌ ثِقاتٌ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَطَتْ عُقولُهُمْ في أَواخِرِ أَعْمَارِهِمْ، فَخَلَطُوا في الرِّوايَةِ. الرَّابِعُ: قَوْمٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وَهَؤُلاءِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى أقسام: قسمٌ مِنْهُمْ كانَ يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ، وَيُقالُ لَهُ: قُلْ فَيَقولُ، وَهَؤُلاءِ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الغِشُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَقَدْ كانَ كاتِبُهُمْ إِذا أَرادَ غِشَّهُمْ يَضَعُ لَهُمُ الحَديثَ، فَيَرْوِيهِ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كانَ يُحَدِّثُ بِأَميِّ کِتابِ وَجَدَهُ مُعْتَمِداً صِدْقَهُ، سَواءٌ كانَ في الواقِعِ مَوْضوعاً أَمْ لا، وَيَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِمُؤَلِّفِهِ وَجامِعِهِ. [ الخامِسُ: قَوْمٌ تَعَمَّدُوا الكَذِبَ، وَهُمْ أَقْسامٌ: * الأول: قَوْمٌ رَوَوُا الخَطَأَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ خَطَأْ، فَلَمَّا عَلِمُوا الصَّوَابَ، وَاسْتَيْقَنَتَّهُ أَنْفُسُهُمْ، أَصَرُوا عَلَى خَطَئِهِمْ؛ أَنَفَةً مِنْ أَنْ يُنْسَبَ الكَذِبُ إِلَيْهِمْ أَوِ الخَطَأُ. الثَّاني: قَوْمٌ رَوَوْا عَنْ كَذَّابينَ وَضُعَفاءَ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ، فَدَلَّسوا ٢١ أَسْمَاءَهُمْ، فَالكَذِبُ مِنْ أُولِكَ المَجْروحِينَ، وَالخَطَأُ مِنْ أُولِكَ المُدَلِّسِينَ، وَالتَّدْليسُ: أَنْ يَتَّفِقَ اثنانِ في اسْمِ، وَيَكونَ أَحَدُهُما ثِقَةً، وَالآخَرُ كَذَّاباً، فَيَرْوي عَنِ الكَذَّابِ مُوهِماً أَنَّهُ هُوَ ذُلِكَ الثُّقَةُ. * الثالثُ: قَوْمٌ تَعَمَّدُوا الكَذِبَ، لا لِأَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا، وَلا لِأَنَّهُمْ رَوَوْا عَنْ كَذَّابٍ، بَلْ وَضَعُوا المَكْذُوبَ عَمْداً، وَهَؤُلاءِ أَقْسامٌ: - الأَوَّلُ: الزَّنادِقَةُ، وَقَصْدُهُمْ إِفْسادُ الشَّريَعِةِ، وَإِنْقَاعُ الشَّكِّ فيها، وَفي قُلُوبِ العِبادِ، وَالتَّلاعُبُ بِالدِّينِ. قالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ : وَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسولِ اللهِ وَّهِ أَرْبَعَةَ آلافِ حَديثٍ، وَقيلَ: خَمْسَةَ آلافٍ(١). - الثَّاني: قَوْمٌ كانوا يَقْصِدونَ وَضْعَ الحَديثِ نُصْرَةً لِمَذَاهِبِهِمْ؛ كالخَوارِجِ وَالمُرْجِئَةِ وَأَشْباهِهِمْ. - الثَّالِثُ: قَوْمٌ وَضَعُوا الأَحاديثَ في التَّرْغيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ لِيَحُثُّوا النَّاسَ - بِزَعْمِهِمْ - عَلَىُ الخَيْرِ، وَيَزْجُرُوهُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَهَذَا غَلَطْ عَلَى الشَّريعَةِ، وَكَأَنَّهُمْ - بِفِعْلِهِمْ هذَا - يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّريعَةَ ناقِصَةٌ، وَتَحْتَاجُ إِلَى تَتِمَّةٍ، وَقَدْ تَمَّمْناها. - الرَّابِعُ: قَوْمٌ اسْتَجازوا وَضْعَ الأَسانيدِ لِكُلِّ كَلامٍ حَسَنٍ؛ كَما حُكِيَ (١) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (١٤/١)، والخطيب البغدادي في ((الكفاية في علم الرواية)) (ص: ٤٣١)، لكن بلفظ: ((وضعت الزنادقة على رسول الله وَ ل اثني عشر ألف حدیث)). ٢٢ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعيدٍ أَنَّهُ قالَ: لا بَأْسَ إِذا كانَ كَلامَ حَسَنٌ أَنْ نَضَعَ لَهُ إِسْناداً، وَهُوَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ. - الخامِسُ: قَوْمٌ كَانَ يَعْرِضُ لَهُمْ غَرَضٌ، فَيَضَعونَ الحَديثَ تَرْويجاً لِأَغْرَاضِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ بِذِلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى الْأُمَراءِ بِنُصْرَةِ غَرَضٍ كانَ لَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَضَعُهُ فِي ذَمِّ مَنْ يُرِيدُ أَوْ فِي مَدْحِهِ. - السَّادِسُ: قَوْمٌ وَضَعوا الأَّحاديثَ قَصْدَاً لِلإِغْرابِ؛ ليُطْلَبُوا وَيُسْمَعَ مِنْهُمْ. - السَّابِعُ: قَوْمٌ شَقَّ عَلَيْهِمُ الحِفْظُ، وَرَأَوْا وَقْتَهُ طَوِيلاً، وَرُبَّما رَأَوْا أَنَّ المَحْفوظَ مَعْروفٌ، فَأَتَوْا بِما لا يُعْرَفُ؛ لِيَحْصُلَ لَهُمْ مَقْصودُهُمْ، وَهُؤُلاءِ أَقْسامٌ: مِنْهُمُ القُصَّاصُ، وَمُعْظَمُ البَلاءِ مِنْهُمْ يَجْرِي وَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُمْ يُريدونَ أَحاديثَ تَنْفُقُ وتُرَقِّقُ، والصِّحاحُ يَقِلُّ فِيها هذَا، وَمِنْهُمُ الشَّخَاذونَ، وَمِنْهُمْ قُصَّاصٌ وَغَيْرُ قُصَّاصٍ، وَمِنْ هُؤُلاءِ مَنْ يَضَعُ، وَأَكْثَرُهُمْ يَحْفَظُ المَوْضوعَ. وَقَدْ فَصَّل نَحْواً مِنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الحافِظُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الجَوْزِيِّ في كِتابِ ((المَوْضوعاتِ))(١) له. ثُمَّ قالَ: وَالأحاديثُ سِنَّةُ أَقْسام: الأَوَّلُ: مَا اتَّفَقَ عَلَى صِخَّتِهِ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَذِلِكَ الغايَةُ. ٠ الثَّاني: ما تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُما. (١) انظر: (٩/١)، وما بعدها من كتابة هذا. ٢٣ الثَّالِثُ: مَا صَحَّ سَنَدُهُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ واحِدٌ مِنْهُما. الرَّابِعُ: ما فيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ، وَهَذا هُوَ الحَديثُ الحَسَنُ. الخامِسُ: الشَّديدُ الضَّعْفِ الكَثيرُ التَّزَلْزُلِ، وَهذا تَتَفَاوَتُ مَراتِبُهُ عِنْدَ العُلَماءِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُدْنِيهِ مِنَ الحِسانِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوِيٌّ التَّزَلْزُلِ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى شِدَّةَ تَزَلْزُلِهِ، فَيُلْحِقُهُ بِالمَوْضوعاتِ، وَقَدْ أَلَّفَ في هذا النَّوْعِ كتابَ «العِللِ المُتَنَاهِيَّةِ في الأحاديثِ الواهِيَةِ». وَأَقُولُ: إِذا رَأَيْتَ في هذَا الكِتابِ حَديثاً قيلَ فيه: إِنَّهُ مَوْضوعٌ، فَهُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَلَيْسَ مُتَّفَقاً عَلَى وَضْعِهِ، ومِثْلُهُ ما يُوجَدُ في الجامِعَيْنِ الكَبيرِ وَالصَّغيرِ للسُّيوطِيِّ. السَّادِسُ: المَوْضوعاتُ المَقْطوعُ بِأَنَّهَا كَذِبٌ، وَهِيَ تارَةً تَكونُ مَوْضوعَةً فِي نَفْسِها، وَتَارَةً تُنْسَبُ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ، وَهِيَ مِنْ كَلامِ غَيْرِهِ، وَقَدْ جَمَعَ هذَا الْقِسْمَ الحافِظُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في ((المَوْضوعاتِ))، وَتَلَاه غَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ. فَتَأَمَّلْ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَقَدْ فَتَحَتْ باباً أَفْيَحَ في ◌ِعِلْمِ الحَديثِ وَفُنونِهِ. هَذَا وَقَدْ سَمِعْتَ - فيما سَبَقَ - أَنَّ العُلَماءَ أَلَّفوا كُتُّباً في أنواع الحَديثِ وَفُنُونِهِ، وَكَلامُنا الآنَ فِي فَنَّ مِنْ بَحْرِهِ الزَّاخِرِ، وَهُوَ نَوْعُ الِحِكَمِ وجَوامِعِ الكَلِمِ، وَقَدْ جَمَعَ العُلَماءُ جُموعاً في هذا النَّوْعِ. فَصَنَّفَ الحافِظُ أَبو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيِّ كِتَاباً سَمّاهُ «الإِيجازَ وَجَوامِعَ الكَلِمِ مِنَ السُِّنِ المَأْثُورَةِ». ٢٤ وَجَمَعَ القُضاعِيُّ كِتَابَهَ هذَا. وَصَنَّفَ عَلَى مِنْوالِهِ قَوْمٌ آخَرونَ، فَزَادوا عَلَى مَا ذَكَرَهُ زياداتٍ كَثيرةً . وَأَشَارَ الخَطَّابِيُّ فِي أَوَّلِ كِتابِهِ ((غَرِيبِ الحَديثِ)) إلى يَسيرٍ مِنَ الأَحاديثِ الجامِعَةِ. وَأَمْلَى الإِمامُ الحافِظُ أَبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاحِ مَجْلِساً سَمَّاهُ بـ(الأَحاديثِ الكُلَّةِ))، جَمَعَ فيهِ الأَحاديثَ الجَوامِعَ الَّتِي يُقالُ: إِنَّ مَدارَ الدِّينِ عَلَيْها، فَكَانَ ما جَمَعَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ حَديثاً. ثُمَّ جاءَ الفَقيهُ الزَّاهِدُ أَبو زَكَریًا یَحْيَى النَّوَوِيُّ، فَزَادَ عَلَى مَا أَمْلاه ابْنُ الصَّلاحِ تَمامَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ حَديثاً، وَسَمَّى كِتَابَهِ بِـ((الأَرْبَعِينَ)). ثُمَّ تَلَاهُ الحافِظُ عبدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبِ التَّغْدَادِيُّ فَأَوْصَلَها إِلَى الَخَمْسِينَ، وَشَرَحَها شَرْحاً مُطَوَّلاً عَلَى طَرِيقَةِ المُحَدِّثينَ، وَسَمّاهُ ((جامِعَ العُلومِ وَالِحِكَمِ فِي شَرْحٍ خَمْسينَ حَديثاً مِنْ جَوامِعِ الكَلِمِ)). وَكَلامُنا الآنَ في تَخْرِيجِ أَحاديثِ الشِّهابِ، وَحَلِّ أَلْفاظِهِ، وَإِلَيْكَ بيانَ ما قَصَدْناهُ، وَزُبْدَةَ ما رَغِبْنا في تَنْقِيحِهِ، وَاللهُ الهادي. ٢٥ . شرح مقدمة المؤلف حَدَّثَنَا القاضي الأجَلُّ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَاَمَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ القُضاعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - قالَ: الحَمْدُ للهِ(١)، القادِرِ (٢)، الفَرْدِ (٣)، القَديمِ (٤)، الفاطِرِ(٥)، (١) هذهِ اللفظةُ مهما فُسِرَتْ كانَ معناها المتبادَرُ إلى الذِّهْنِ أَظْهَرَ من جَميعِ تَفاسيرِها، والأَوْلِى أَنْ يُقالَ: الحَمْدُ والشُّكْرُ مُتقاربانٍ، والحمدَّ أَعَمُّ؛ لأنكَ تَخَمَدُ الإنسانَ عَلىْ صِفاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَعَلى عَطَائِهِ، وَتَشْكُرُهُ على عَطائِهِ فَقَطْ، ومنهُ الحديثُ: ((الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، وما شَكَرَ اللهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ))(*) . (٢) المتمكنُ من الفعلِ بلا معالجةٍ ولا واسطة. (٣) الذي لا شَفْعَ لهُ مَنْ صاحبٍ أو ولدٍ. (٤) الذي لا ابتداءً لوجودِه. (٥) المتبدىءُ والمخترعُ، وفي ((النهاية)) لأبي السعادات مُبارَكِ المعروفِ بابنِ الأثير [٤٥٧/٣] عنِ ابنِ عباسٍ قال: ما كنتُ أدري ما فاطرُ السمواتِ والأرضِ حتى اسْتَعَرَتِ الحربُ، أو اضطرمَتْ، لم تجدها مؤدية من المعنى ما يؤديه حَمِيَ = (*) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٥٧٤)، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (٢٠٤/٢)، والخطابي في ((غريب الحديث)) (٣٤٦/١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٣٩٥)، والديلمي في (مسند الفردوس)) (٢٧٨٤)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - ٢٧ الصَّمَدِ(١)، الكَريمِ (٢)، باعِثِ (٣) نَبِّهِ مُحَمَّدٍ لَ ◌ّهُ بِجَوامِعِ الكَلِمِ (٤) تَحَاكمَ إليَّ أعرابيان في بئرٍ، فقال أحدهما: أنا فَطَرْتُها، أي: أنا ابتدأتُ = حَفْرَها(*). (١) هو السيدُ الذي انتهى إليه السُّؤْدَدُ، وقيل: هو الدائمُ الباقي، وقيل: الذي لا جَوْفَ له، وقيل: الذي يُصْمَدُ في الحوائج إليه، أي: يُقْصَدُ، وقيل: الباقي الذي لا یزول. (٢) المتفضلُ الذي يعطي من غيرِ مسألةٍ ولا وسيلةٍ، وقيل: المتجاوز الذي لا يستقصي في العقابِ، وفي ((النهاية)) [١٦٦/٤]: الكريمُ: هو الجوادُ المعطي الذي لا يَنْفَدُ عَطاؤه، وهو الكريم المُطْلَقُ، والكريمُ: الجامعُ لأنواعِ الخيرِ والشرفِ والفضائلِ . (٣) مُرْسِل. (٤) في ((النهاية)) [١/ ٢٩٥] ((أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ))( ** ) يعني: القرآنَ، جمعَ اللهُ بلطفه في الألفاظِ اليسيرةِ منهُ معانيَ كثيرةً، واحدتها: جامِعَةٌ، أي: كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، ومنه الحديثُ في صفته: أَنَّهُ كانَ يتكلمُ بجوامعِ الكَلِمِ، أي: إنه كان كثيرَ المعاني، قليلَ الألفاظ. ا. هـ والمرادُ بذلك: أنه وَّ أوتي الكَلِمَ الجوامعَ للمعاني، وهو قسمان: الأولُ: أن لنا ألفاظاً تتضمن من المعنى ما لاتتضمنهُ أخواتُها مما يجوز أن يستعمل في مكانها، وهذا النوعُ، منه ما يأتي على حُكْم المَجَاز، ومنه ما يأتي على حُكمِ الحقيقةِ، فمن المَجَازِ قولهُ نَّه يوم حنين: «الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ))( *** )، فَالوطيسُ: هو التُّورُ، وهو موطِنُ الوَقودِ، ومجتمَعُ النّارِ، وهذا الكلامُ يخيلُ للسامع أن هناك صورةً شبيهة بصورة التنور في حميها ـت (*) رواه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٣٧٣/٤)، والطبري في تفسيره)) (١٥٨/٥)، وابن عبد البر في «التمهيد)» (٧٨/١٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٨/٢). ( ** ) رواه البخاري (٦٦١١)، كتاب: التعبير، باب: المفاتيح في اليد، ومسلم (٥٢٣)، في أول كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. ( *** ) رواه مسلم (١٧٧٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين، عن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - ٢٨ وَنَوابِغِ الحِكَمِ(١)، وجاعِلِهِ للنّاسِ بَشيراً وتوقدها، فلو قلتَ مكانَ هذهِ الجملةِ: الوطيسُ، ومن أمثلة الحقيقة قولُ ابن = الروميِّ(*) [من الطويل]: بْلَهْنِيَةً أَقْضِي بِها الحَوْلَ أَجْمَعَا لَيَالِيَ تُنْسيها اللَّيالي حِسابُها وَأَعْمَلُ فِيهِ اللَّهْوَ مَرْأَى وَمَسْمَعَا سدى غِزَّةٍ لا أَعْرِفُ الْيَوْمَ بِاسْمِهِ فقوله: لا أعرفُ اليومَ باسمهِ، من الكلمات الجامعة، أي: إني قد شُغِلْتُ باللذّات عنْ معرفةِ الليالي والأيام، ولو وصفَ اشتغالَهُ باللذاتِ مَهْمَا وصفَ، لم يأتِ بمثل قوله: لا أعرفُ الیومَ باسمهِ . والثاني من جوامع الكلم: الإيجازُ، وهو الذي يُدَلُّ به بالألفاظِ القليلةِ على المعاني الكثيرةِ، بمعنى: أن ألفاظَه ◌َّر جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، ومعظمُ كلامه جارٍ هذا المجرى، فلا يحتاج إلى ضربِ الأمثلة به، والفرقُ بين القسمين: أن الإيجازَ أن يؤتى بألفاظِ دالةٍ على معنى من غير أن يُزاد على ذلك المعنى، ولا يُشترطُ في تلك الألفاظِ أن تكونَ لا نظيرَ لها؛ لأنها تكونُ متصفةً بوصف آخرَ خارج عن وصف الإيجاز، فهي إيجازٌ وزيادةٌ، بخلافِ القسم الثاني؛ فإن المقصودَ به أن يؤتى بألفاظ مفردة لا نظير لها في حُسْنها، ومن أمثلته قولُ أبي تمام( ** ) [من الكامل]: منهمْ لأعبادِ الوَنَى حَمَّالِ كَمْ صارمٍ عَضْبٍ أَنَافَ عَلَىْ قَفا وَطَنَ النُّهَىْ مِنْ مَفْرِقٍ وَقَذالٍ سَبَقَ المَشْيبُ إليهِ حَتَّى ابْتَزَّهُ فإنك إذا أطْلَعْتَ عَلِيهِ خُذَّاقَ البلغاء، وصيارفةَ الكلام، علموا أن المرادَ بموطنِ النُّهى: الرأسُ، ولفظ الرأسِ أوجزُ، لكن وطن النهى لكونه أشار إلى أنه محل للعقل أحسنُ في التعبير من الرأس، وهي لا نظيرَ لها في حسنها. (١) النوابغ: جمع نابغة، والمرادُ الحِكَمُ النوابغُ أي: الظاهرةُ العظيمةُ الشأنِ، ففي ((الصحاح)) [١٣٢٦/٤]: نبغ الشيءُ: ظهرَ، ونبغ الرجلُ: إذا لم يكن له الشِّعْر (*) انظر: ((ديوانه)) (القصيدة ٣/١١٣٣-٤) (١٤٧٣/٤). ( ** ) انظر: ((ديوانه)) (القصيدة: ٥٨/١٣٨-٥٩) (٦٧/٢). ٢٩ وَنَذِيراً(١) وَداعِياً إلى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً(٢)، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهيراً. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ فِي الأَلْفَاظِ النََّوِتَّةِ وَالآدابِ الشَّرْعِيَّةِ (٣) جِلاءً لِقُلُوبٍ العارفينَ (٤)، وَشِفاءً لِأَدْواءِ الخائِفِينَ(٥)؛ لِصُدُورِهَا (٦) عَنِ المُؤَيَّدِ إرثاً، ثم قاله وأجاد فيه ا.هـ بالمعنى، فالكلم النوابغ: هي الجيدةُ المخترَعَةُ = المعاني التي لم يُسبق قائلُها إلى اختراعها وبداعها . (١) البشارة المطلقة لا تكون إلا بخير، وهي المراد هنا، والنذيرُ والمنذرُ المعلِمُ والمخوِّف والمحذر، فهو ◌َِّ مبشرٌ لأمته برضاء الله - تعالى -، ومخوِّفُهم من سخطه وعقابه، ومعلمهم ما أُنْزِلَ عليه من ربه، ومحذرُهم مما يكون به سوءُ العقبى في الدنيا وفي الآخرة. (٢) أي: كما أن السراج يهتدي به السائرُ في طريقه المظلم، كذلك النبي أطلّ يهتدي به متبعُ دين الحقّ إلى ما فيه الفوزُ والهدى، فالتشبيهُ في الاهتداء لا في كمية النور، إن جُعِلَ السراجُ هو المعلومَ، وإن جُعل السراجُ هو الشمسَ؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا﴾ [النبأ: ١٣] كان التشبيه في كمية النور، وفي انكشاف الحقائق وتجليها وظهورها، وهذا المعنى هو المقصود من الآية الكريمة؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً. (٣) الأدب: استعمال ما يُحْمَدُ قولاً وفعلاً، وهو الأخذ بمكارم الأخلاق. (٤) هم الواقفون على أسرار الشريعة المحمدية، المُبَرِّئونَ إيمانَهم عن التقليد لغير الكتاب والسنة، والطالبون لمعرفة الحقائق، المفسرونَ كتابَ الله بما يليق بإعجازه للبشر، المُبَرِّتُونَ له عن لَهْوِ الحديث وَلِغْوِه، وهؤلاء هم الذين قال - تعالى - فيهم: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْنِيَ خَيْراً كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. (٥) جمع داء، والمراد به الجهالة التي تعتري الخائفين من سلوك غير السبيل المَرْضِيِّ لله - تعالى -. (٦) تعليل لقوله: فإن في الألفاظ النبوية. ٣٠ . بِالعِصْمَة(١)، وَالمَخْصُوصِ بِالبَیَانِ (١) تقولُ: أيده تأييداً: قَوّاهُ، والمؤيَّد: اسمُ مفعولٍ منه، وأصلُ العِصْمَةِ في اللغة: البياضُ، يكون في يَدَىِ الفَرَسِ وَالظَّبِي والوَعلِ، وأُطلق هنا على كلِّ ما يَنْفي كلَّ ما يَشينُ الحضرةَ المصطفَوية من العيوب الظاهرة والباطِنةِ في أفعاله وأقواله، كما شهدَ له - تعالى - بقوله: ﴿ وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى جَ مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْهَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١-٤] فأقسم - سبحانه وتعالى - بقسم موافق لهذا المعنى، ومعناه: كما أن نورَ النجم مطلقاً الشامل للشمس والقمر لا يحصل له تغيير، ولا تناله الأغيار بالتكدير، ولا يضلُّ عن طريق سيره الذي قدره الله - تعالى - له، ونورُه يضيء الأكوان، كذلك النبي وَسير لا يناله في طريق الهدى تغييرٌ، ولا تناله الأغيارُ بصدِّه عن طريقة الدعوة إلى الله - تعالى-، بشاهد قوله - تعالى -: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكما أن النجوم جعلت رجوماً للشياطين، فلا يقدرون على مماثلتها ولا على تغييرها، فكذلك النبي وَل لَمْ يكن لشياطين الجنِّ والإنس عليه مِنْ سبيلٍ، وكذلك النجومُ لما كان كلٌّ منها عالَمَاً مستقلاً بذاته، منفصلاً عن غيره، وهو في غاية العلوِّ بالنسبة إلينا، كذلك كَان شرعه وَل﴿ شرعاً مستقلاً غيرَ محتاج في تكميله إلى شرعٍ من الشرائع، ولا إلى فلسفةٍ من فلسفة المتقدمين، وهو العالي عن جميع الشرائع التي كانت في الكرة الأرضية، ومن اتضح له هذا المعنى، عَلِمَ بلاغةَ الأقسام التي يُقسم بها - تعالى -، وفَهم شيئاً من أسرارها، ثم أوضح - تعالى - هذا المعنى بقوله: ﴿مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ﴾ [النجم: ٢] محمدٌ رَّ في طريق التبليغ ولا في سبيل سيره لنفسه ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] أي: ما حصلت له خيبةٌ في نفسه، ولا في دعوته الخلق إلى الله - تعالى -، ولا حامَ حولَه جنونُ الطيش والرُّعونة، ولا سلكَ سبيلَ الضلالِ يوماً من الأيام؛ كما يستفاد من عموم (ما)، وهذا برهان على عصمته وَل من الخطأ في الأعمال والأفعال، ثم بين - تعالى - عصمة نبيه في الأقوال فقال: ﴿ وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوٌَ﴾ [النجم: ٣] أي: إن كلامه لم يكن صادراً عن هوى نفسه، ولا كان مُتَّبعاً لمُشْتَهياته وأغراضه حتى يصورَ الحقَّ بِصُورَةِ الباطل، أو يبرزَ الباطلَ في معرِض الحقّ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَتَّىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] أي: ما كان نطقه و ﴿ إلا صادراً عن وحي يوحى إليه من الله - تعالى -، وقال -= ٣١ وَالحِكْمَةِ (١)، الَّذِي يَدْعُو إِلَى الهُدَىُ، وَيُبَصِّرُ مِنَ العَمَى(٢)، وَلا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، صلى الله عليه وسلم أَفْضَلَ ما صَلَّى عَلَى أَحدٍ مِنْ عِبادِهِ الَّذِينْ اصْطَفَى(٣). وَقَدْ جَمَعْتُ في كِتابِي هذَا مِمَّا سَمِعْتُهُ مِنْ حَديثِ رَسُولِ اللهِ مَّ ألفَ كَلِمَةٍ مِنَ الحِكَمِ في الوصايا وَالآدابِ وَالمواعِظِ وَالأَمْثالِ، قَدْ سَلِمَتْ مِنَ التَّكَلَّفِ مَبانيها(٤)، وَبَعُدَتْ عَنِ الثَّعَشُّفِ مَعانيها(٥)، وَبَانَتْ ◌َ فَتَ تَذْهَبُونَ ﴿جَ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: تعالى -: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ (٥ = ٢٥ -٢٧] وأنت إذا تأملتَ القرآنَ الكريمَ بنور الحقِّ وضياءِ التحقيق، وجدتَهُ ناطقاً بعصمته وَّل﴿ في الأقوال والأفعال، وعلمتَ أن ما ظاهرُه يخالف شيئاً من ذلك، إذا حققته، علمتَ أنه صدرَ لحكمةِ التشريع وكيفية التدرج في الإرشاد، وفي سبيل دعوة الخلق إلى الهُدى ودينِ الحقّ، وَقد فتحنا أبواباً مثلَ هذا الباب في كتابنا («مشارع الحكماء في شرح ما رواه النسائي من كلام سيد الأنبياء)) وهو (شرح سنن النسائي))، أسأل الله العونَ على إتمامه على النمط الذي اخترته، فالعارفُ مَنْ فهم بعضَ أسرار القرآن، والمحجوبُ من وقف في حيرةٍ، ووقف قائلاً: انْظُرونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، والله أعلم. (١) البَيَانُ: المَنْطِقُ الفَصيحِ المُعْرِبُ عَمّا في الضمير، والحِكْمَة: علمُ الشرائع، وكلُّ كلام وافق الحقَّ، أو النبوةُ والخشيةُ والإصابةُ في القول. (٢) معناه: يجعل الأعمى بالجهالة بصيراً بالهدى والصِّراط المستقيم، فقوله: يُبَصِّر بتشديد الصاد، ولما طلعت شمسُ الرسالةِ على أكوانِ الجهالةِ انكشفَ لمن فيه الاستعدادُ للإبصار طريقُ الحقِّ، فأبصره واتبعهُ، وبقي غيرُ المتسعدِّ يَصِفُهُ - تعالى - بقوله: ﴿حُ بُكْمّ عُتْىٌّ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. (٣) أي: اصطفاهُم واختارهُم من جميع عباده، فاختصَّهم بالنبوةِ والرسالة. (٤) أي: ألفاظُها الدالّة على المعاني، والكُلْفَةُ: ما يتكلَّفه الإنسانُ من الكلام، فلا يكونُ واضحَ المعنىُ، ولا ظاهرَ الدّلالةِ. (٥) التَّعَسُّف والاعْتِسافُ: الأَخذُ على غير الطريق. ٣٢ بالتَّأْبيدِ عَنْ فَصاحِةِ الفُصَحاءِ(١)، وَتَمَيَّزَتْ بِهَدْي النُُّوَّةِ عَنْ بلاغةِ البُلَغَاءِ، وَجَعَلْتُها مَسْرودَةً يَتْلُو بَعْضُها بَعْضاً (٢)، مَحْذُوفَةَ الأَسانيدِ، مُبَوَّبَةً أَبْواباً عَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الأَلْفاظِ؛ لِيَقْرُبَ تَنَاؤُلُهَا، وَيَسْهُلَ حِفْظُها، ثُمَّ زِدْتُ مِتَتَيْ كَلِمَةٍ، فَصارَتْ أَلْفَ كَلِمَةٍ وَمِنْتَيْ كَلِمَةٍ، وَأَفْرَدْتُ لِلأَسانيدِ جَميعِها كِتابً(٣) يُرْجَعُ في مَعْرِفَتِهَا إِلَيْهِ، وَخَتَمْتُهُ (١) أي: انْفَصَلَتْ عن فَصاحة الفُصحاءِ، وعَلَتْ عليها؛ بسبب كونها مُؤَيَّدَةً مُقَوَّاةً بِأَنَها صدرتْ عن مِشْكاةِ النبوةِ، وَمَحَلِّ تَنَزُّلاتِ الوَحْي الإلهي. (٢) أي: متتابعةً، يأتي بعضُها في أثر بَعْض، لا يفصلُ إسنادٌ بينَ جملة وجملة، وهذا معنى قوله: محذوفةَ الأسانید. (٣) هو: كتابه الذي سماه ((مُسْنَدَ الشِّهاب)) فإنه أتى فيه على كل حديث من أحاديث هذا الكتاب، فرواه بسنده المتَّصِل منه إلى النبي ◌ِِّ، وقد ظفرتُ بنسخة منه في المكتبة العُمومية في دمشق بخط مَغْرِبِي قديم، كُتِبَتْ في مَدينة مُرْسِيَةً، مجهولة التاريخ، وناقصة بعض الأوراق، وفي آخرها سماعات على طريقة المتقدمين، مكتوبٌ بعضُها في سنة (٥٩٣هـ)، وبعضها في سنة (٥٩٤هـ)، وبعضها فيما بعد الست مئة، وهذا يدل على أنها كتبت قبل هذه المدة(*)، فجعلت عمدتي في تصحيح هذا الكتاب عليها؛ لعدم وجود النسخ المتعددة منه، وهذا التخريج يُغني عن ذلك الكِتاب؛ لكونه لا يزيد إلا تَعْدادَ الرجالِ، وتكرارَ الأسانيد، وأنتَ خبيرٌ بأن رجالَ أسانيدِ ما بعد الثلاثِ مئة لا يمكن تمييزهم بالصحة والضعف غالباً؛ لعدم وجود الكتب الموثوقِ بها المترجِمَةِ لهم، وأما رجالُ الثلاثِ مئة فما قبلها، فقد ترجمهم المحدِّثون حَقَّ الترجمة، وبينوا المجروحَ من غيره؛ كما ترى ذلك في كتب هذا الشأن، فلذلك قلنا: إن هذا التخريجَ يُغْني عن الأصل، ويزيد عليه في البيان. (#) ذكر هذه النسخة العلامة الألباني - رحمه الله تعالى - في ((المنتخب من مخطوطات الحديث في دار الكتب الظاهرية بدمشق)) (ص: ٣٧٨)، فقال: ((مسند الشهاب: نسخة جيدة مخدومة، بخط مغربي جميل، وعليها سماعات كثيرة، وفيها أحاديث ليست في النسخة الأخرى، وكان الكراس الأول منه= ٣٣ بِأَدْعَيَةٍ مَرْوِيَّةٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ - تَعالىُ - أَنْ يَجْعَلَ مَا اعْتَمَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ خالصاً لِوَجْهِهِ الكَريمِ، وَمُقَرِّباً مِنْ رَحْمَتِهِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. ٠٠٠ مفقوداً، ثم استخرجته من ((الدست))، فكملت النسخة به، والحمد لله. حديث ٥٣٨ (ق١-١٢١)»، ثم ذكر النسخة الأخرى، فقال: ((نسخة ثانية: الجزء الأول والثالث إلى السابع، وهي أهم من الأولى؛ لأن كاتبها يقول في آخرها: بلغت بقراءتي هذا الجزء من أوله إلى آخره ثم القاضي الأجلّ. حدیث ٣٥٩ (ق١٣٦-٢١٩))). قلت: وانظر نسخه الأخرى في: ((المعجم الشامل للتراث العربي والإسلامي المخطوط - قسم الحديث)) ]. ٣٤ [الشَّرح] قالَ النَِّيُّ - صَلَّى اللهُعَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ١- («الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ)». الشرح: أَصْلُ هذا الحَديثِ رَواهُ أَصْحَابُ الكُتُبِ السَِّّةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ بِهِذَا اللَّفْظِ بِدُونِ ((إِنَّمَا)) فَهُوَ مَوْجودٌ فِي بَعْضٍ نُسَخ البُخَارِيِّ، وَرَواهُ ابْنُ حِبَّانَ في (صَحِيحِهِ))، وقَالَ العَيْنِيُّ في ((شَرْحِ البُخَارِيِّ)): وَأَوْرَدَهُ القُضاعِيُّ في ((الشِّهابِ)) بِحَذْفِ ((إِنَّمَا»، وَجَمَعَ ((الأَعْمالَ)) ا. هـ، وَرُويَ بِأَرْبَعَةِ أَلْفَاظِ أُخَرَ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَِّاتِ))، ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ))، ((العَمَلُ بِالنَّةِ))، ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيّةِ». ١- صحيح. رواه القضاعي في ((مسنده)) (١، ٢)، و((البخاري)) (١)، و((مسلم)) (١٩٠٧)، و ((أبو داود)) (٢٢٠١)، و((الترمذي)) (١٦٤٧)، و((النسائي)) (٧٥)، و((ابن ماجه)) (٤٢٢٧)، و((ابن حبان)) (٣٨٨). وانظر: ((عمدة القاري)) للعيني (٦/١). ٣٥ ٢- ((المَجَالِسُ بالأَمَانَةِ)). الشرح: خَرَّجَهُ الخَطيبُ الْبَغْدادِيُّ في («تاريخِ بَغْدَاد)) عَنْ عَلَيٍّ، وَهُذا نَذْبٌ إِلَى تَرْكِ إِعادَةِ ما يَجْري في المَجالِسِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَكَأَنَّ ذُلِكَ أَمَانَةٌ عِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ. ٣- ((المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَرٌ)). الشرح: رَواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَواتِرٌ، وَمَعْناهُ: أَنَّ المُسْتَشارَ أَمينٌ فيما يُسْأَلُ مِنَ الأُمورِ، فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ المُسْتَشِيرَ بِكِتْمانِ مَصْلََتِهِ. ٤ - (العِدَةُ عَطِيَّةٌ)). ٢- حسن. رواه القضاعي في ((مسنده)) (٣)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١٦٩/١١) و(٢٣/١٤)، وله شاهد من حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس عند أبي الشيخ في ((التوبيخ)) بلفظ: ((إنما المجالس بالأمانة)). انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٣٣٠) و(٦٦٧٨). ٣- صحيح. رواه القضاعي في ((مسنده)) (٤) عن سمرة بن جندب، و(٥) عن عبد الله بن عباس، ورواه ((أبو داود)) (٥١٢٨)، و((الترمذي)) (٢٨٢٢)، و((ابن ماجه)) (٣٧٤٥) عن أبي هريرة. ورواه ((الترمذي)) (٢٨٢٣) عن أم سلمة، و((ابن ماجه)) (٣٧٤٦) عن أبي مسعود. وانظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٧٠٠). قلت: وعزو المؤلف له إلى ((سنن النسائي)) وهم تبع فيه السيوطي في ((الجامع الصغير)) ولم أجده في النسائي، والحديث مروي بألفاظ أخرى وزيادات معظمها ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٩٣٠) و(٥٩٣١). ٤- ضعيف . ٣٦ = الشرح: رَوَاهُ أَبَو نُعَيْمٍ في ((الْحِلْيَةِ) عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ، يُقالُ في الخَيْرِ: الوَعْدُ وَالعِدَةُ، وَفِي الشَّرِّ: الإِنْعادُ وَالوَعيدُ، وَالمَعْنَى: أَنَّ العِدَةِ بِمَنْزِلَةِ العَطِيَّةِ، فَلاَ يَنْبَغِيِ الخُلْفُ فيها؛ كَما لا يَنْبَغِي الرُّجوعُ في العَطِيَّةِ، أي: العَطاءِ . ٥- ((العِدَةُ دَیْنٌ)) . الشرح: رَوَاهُ أَبو نُعَيْمٍ، وَالطَّبَرانِيُّ في ((الأَوْسَطِ)) عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعودٍ، وَفِي إِسْنادِهِ جَهالَةٌ، وَالمَعْنىُ: أَنَّ الِعِدَةَ كَالدَّيْنِ في تَأَكُّدِ الوَفاءِ بِها، وَفِي رِوايَةِ ابْنِ عَساكِر: ((العِدَةُ دَيْنٌ، وَيْلٌ لِمَنْ وَعَدَ، ثُمَّ أَخْلَفَ، وَيْلٌ ثم وَيْلٌ لَهُ)). ٦ - ((الحَرْبُ خُدْعَةٌ)). الشرح: رَواهُ أَبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ ماجَهْ، وَأَحْمُدُ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ صَحِيحٌ، يُروَى: ((الحَرْبُ خَدْعَةٍ))، وَمَعْناهُ: أَنَّ رواه القضاعي في ((مسنده)) (٦)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢٥٩/٨). = وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (١٥٥٤)، و((ضعيف الجامع الصغیر» (٣٨٥٥). ٥- ضعيف . رواه القضاعي في ((مسنده)) (٧)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٣٥١٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩٣/٥٢). وانظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٨٥٣) و(٣٨٥٤). ٦- صحيح. رواه القضاعي في ((مسنده)) (٨)، و((أبو داود)) (٢٦٣٧)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٣٨٧/٦) عن كعب، ورواه القضاعي في ((مسنده)) (٩، ١٠، ١١، = ٣٧ ١ الحَرْبَ يَنْقَضِي أَمْرُها بِخَدْعَةٍ واحِدَةٍ، أَيْ: إِنَّ المُقاتِلَ إِذا خُدِعَ مَرَّةً واحِدَةً، غُلِبَ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ إِقَالٌ، ويروَى: ((خُدْعَةٌ))، ومَعْناها: أَنَّ مِنْ قاعِدَةِ الحَرْبِ الخِداعَ، وَهُوَ إِظْهارُ أَمْرِ وَإِضْمارُ خِلافِهِ، وَيُرْوَى: ((خُدَعَةٌ))، وَالمَعْنَى: أَنَّ الحَرْبَ تَخْدَعُ الرِّجالَ، وَتُمِيتُهُمْ، وَلا تَفِي لَهُمْ بِوَعْدِها؛ كمَا يُقالُ لِلَّذِي يُكْثِرُ الضَّحِكَ: ضُحَكَةٌ. ٧- ((النَّدَمُ التَّوْبَةُ)) . الشرح: رَواهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ في ((المُسْنَدِ)) بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ، وَمَعْناهُ: أَنَّ النَّدَمَ مُعْظَمُ أَرْكانِ الثَّوْبَةِ؛ لأنهُ مُتَعَلَّقٌ بِالقَلْبِ، وهو تَبَعٌ لَهُ، فَإِذا نَدِمَ القَلْبُ انْقَطَعَ عنَ ١٢)، و((أبو داود)) (٢٦٣٦)، و((الترمذي)) (١٦٧٥)، والإمام أحمد في = («المسند)) (٢٩٧/٣) عن جابر بن عبد الله، ورواه ((ابن ماجه)) (٢٨٣٣) عن عائشة، ورواه أيضاً (٢٨٣٤) عن عبد الله عباس. والحديث رواه ((البخاري)) (٢٨٦٦)، و((مسلم)) (١٧٣٩) عن جابر بن عبد الله - أيضاً -. وانظر: ((صحيح الجامع الصغير» (٣١٧٦). قلت: وفي الباب من حديث جماعة من الصحابة منهم: علي، وأبو هريرة، وأسماء، وأنس - رضي الله عنهم -. ٧- صحيح. رواه القضاعي في ((مسنده)) (١٣، ١٤)، و((ابن ماجه)) (٤٢٥٢)، والإمام أحمد في («المسند» (٣٧٦/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٧٦١٢). وانظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٨٠٢) و(٦٨٠٣). قلت: الحديث عند الجميع بلفظ: ((الندم توبة)). ٣٨ الذنب، فَرَجَعَتْ بِرُجوعِهِ الجوارِحُ، وَقَلَّ مَنْ يَأْتي الذنبَ ولا يَنْدَمُ. ٨- ((الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةُ عَذَابٌ)). الشرح: رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشيرٍ بِإِسْنادٍ ضَعيفٍ، أَيْ: إنَّ الاجْتِماعَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ، وَالانْفِرادَ سَبَبٌ للعذاب. ٩- ((الأَمَانَةُ غِنَّى» . الشرح: رَوَاهُ القُضاعِيُّ في ((مُسْنَدِهِ»، المَعْنَى: مَنِ اتَّصَفَ بِالأَمانَةِ، رَغِبَ النَّاسُ في مُعامَلَتِهِ، فَيَحْسُنُ حالُهُ، وَيَكْثُرُ مالُهُ. ١٠ - (الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ)). ٨- حسن. رواه القضاعي في ((مسنده)) (١٥)، وعبد الله بن الإمام أحمد في ((زوائد المسند)) (٢٧٨/٤)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٩٣). وانظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٩٧٦). ٩ - ضعيف. رواه القضاعي في ((مسنده)) (١٦) عن أنس بن مالك، ورواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٢٨٠) عن مسلم البطين. وانظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (١٥٥٥)، و((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٢٩٤). ١٠- صحیح. رواه القضاعي في («مسنده)) (١٧، ١٨)، و((مسلم)) (٥٥)، والبخاري في ((التاريخ الأوسط)) (١٦٩٣) عن تميم الداري. ورواه القضاعي في ((مسنده)) (١٩)، والبزار في ((مسنده)) - كما نسبه إليه الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨٧/١) وقال : - أعني: الهيثمي - رجاله رجال الصحيح -. ورواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) = ٣٩ الشرح: رَواهُ البُخارِيُّ في ((التّاريخ))، وَالبَزَّارُ بِإِسْنادٍ صَحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالمَعْنَى: أَنَّ مُعْظَمَ الدِّينِ بَذْلُ الجَهْدِ فيما يُوافِقُ الحَقَّ . ١١ - ((الحَسَبُ المالُ)). الشرح: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ ماجَهْ، وَأَحْمَدُ، وَالحاكِمُ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْناهُ: مَنْ أَرادَ تَعْظِيمَ النَّاسِ لَهُ، وَمَيْلَ قُلُوبِهِمْ إِلَيْهِ، فَلْيُحَصِّلِ المالَ، وَلْيُنْفِقْهُ فِي وُجوهِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ حَسَبُهُ المُعَظِّمُ لَهُ عِنْدَهُمْ دُونَ الافْتِخَارِ بِالآباءِ بِدُونِ مالٍ. ١٢ - ((والكَرَمُ التَّقْوَى)». الشرح: أَيْ: مَنْ أَرَادَ الكَرَمَ فَلْيَتَّقِ اللهَ، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ ج أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَدَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ١٣ - ((الخَيْرُ عَادَةٌ، والشَّرُ لَجَاجَةٌ)). (١٥٢٢) عن ثوبان. وانظر: ((إرواء الغليل)) (٢٦)، و((صحيح الجامع الصغير)) (٣٤١٧) . ١١- صحيح. رواه القضاعي في ((مسنده)) (٢١)، و((الترمذي)) (٣٢٧١)، و((ابن ماجه)) (٤٢١٩)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١٠/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٩٠) عن سمرة بن جندب. ورواه القضاعي في ((مسنده)) (٢٠) عن بريدة. وانظر: ((إرواء الغليل)) (١٨٧٠). ١٢- صحیح. وهو جزء من الحديث المتقدم آنفاً . ١٣ - حسن. ٤٠ =