النص المفهرس
صفحات 501-520
٤٣٤ شرح علل الترمذي ومن الزياداتِ الغريبةِ في المتونِ : زيادةُ من زادَ في حديثٍ صفوانَ بن عَسَّال، في المَسْحِ على الخُفَّينِ (١)، ((ثم يُحدِثُ بعدَ ذلكَ وُضوءاً))(٢). وزيادةُ من زادَ في حديثِ : (( إذا أقيمت الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ))(٣)، ((قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا ركعتي الفَجْرِ ؟ قال : ولا ركعتي الفَجْر )» وقد ذكرنا الحديثينِ في موضِعِهما من الكتابِ ، وهما زيادتانِ ضعيفتانِ . وقد ذكرَ مسلمٌ في كتابِ ((التمييزِ)) حديثَ أيمن بن نابلٍ (٤) عن (١) حديثُ صفوانَ بن عَسَّال قال: ((كانَ رسولُ اللهِ لهِ يأمرُنا إذا كنا سَفْراً ألا ننزعَ خفافنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليَهنَّ إلا من جَنَابةٍ ، ولكنْ من غائطٍ ، وبولٍ ، ونومٍ )). أخرجه الترمذيُّ وصحَّحه ج١ ص١٥٩ - ١٦٠ والنسائيُّ ج١ ص٨٣ - ٨٤ ، والحديثُ طويلٌ فيه قصةُ رِحلة زِرِّ بن حُبَيْش إلى صفوانَ لسماع الحديثِ منه . أخرجه بتمامهِ أحمدُ ج٤ ص٢٤٠ والحميديُّ في (( مسندِه )) برقم ٨٨١ . وبيَّنا صحَّتَه بتحقيقٍ ضافٍ في تعليقنا على كتابِ ((الرحلةِ في طلبِ الحديثِ )) ص٨٣ - ٨٥ وناقشنا ما طُعِنَ به على الحديثِ ، فانظره هناك . (٢) (( وصورا)) ب ، وهو تصحيف. (٣) أخرجه مسلمٌ ج٢ ص١٥٣ - ١٥٤، وغيره . والزيادةُ أخرَجَها الحاكم في ((المعرفة)) ص١٢٣ وقال: ((هذا حديثٌ مُخرَجٌ في الصَّحيحِ من حديثٍ عمروٍ بن دينار بإسنادِه ، إلا الزيادةَ فيه ، فإنه يتفرَّدُ بها نصرُ بنَ حاجب عن مسلمٍ بن خالد )) . (٤) في ب ((نايل)). وهو تصحيفٌ، وقد تكرر فيها . وضبط في ظ بكتب كلمة ((لام )) صغيرة في آخر الكلمةِ . ٤٣٥ زيادات الثقات وتحقيق حكمها أبي الزبيرِ عن جابرٍ أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ يقولُ في التشهدِ: ((باسمِ اللهِ وباللهِ، والتحياتُ الله ... )) الحديث(١) ، وذكرَ أن زيادةَ التسميةِ في التشهدِ تفرَّدَ بها أيمنُ بن نابل ، وزادَ في آخرِ التشهدِ : (( وأسألُ الله الجنةَ وأعوذُ به من النارِ ». وذكرَ أن الحفاظَ رووه عن أبي الزبيرِ عن طاوسٍ عن ابنِ عباس بدون هاتينِ الزيادتينِ . قال : (( والزيادةُ في الأخبارِ لا تلزمُ إلا عن الحفاظِ الذين لم يكثر عليهم الوَهَمُ في حِفْظِهم ». وذكرَ مسلمٌ أيضاً في هذا الكتابِ روايةَ من روئ من الكوفيينَ ممَّن روى حديثَ ابنِ عمرَ في سؤالٍ جبريلَ للنبيِّ وَّرَ عن شرائعِ الإسلامِ ، فأسقطوا من الإسنادِ [ظ - ١٦٨] عُمَرَ ، وزادوا في المتنِ ذكرَ الشرائع(٢) . قال مسلمٌ في هذه الزيادةِ : (( هي غيرُ مقبولةٍ لمخالفةٍ مَنْ هو أحفظُ منهم من الكوفيين كسفيانَ ، ولمخالفةِ أهلِ البصرةِ لهم قاطبةً ، فلم يذكروا هذه الزيادةَ ، وإنما ذكَّرَها طائفةٌ من المرجِئَةِ ليُشيِّدوا بها مذهَبَهم)). (١) أخرجه النسائيُّ ج٢ ص٣٩ وابنُ ماجه ٢٩٢، و((المستدركُ)) ج١ ص٢٦٦ - ٢٦٧ صحَّحهُ على شَرْطِ البخاريِّ . (٢) الحديثُ متفقٌ عليه عن ابنِ عُمرَ عن أبيهِ عمرَ بن الخطاب : البخاري ج١ ص١٥ ومسلم ج١ ص٢٨ - ٢٩ . والروايةُ التي أشارَ إليها أخرجها مسلمٌ في كتابِ (( التمييز )) عن ابن عمر ، وعزاها الحافظُ في ((الفتح)) ج١ ص ٨٥ إلى أحمد والطبرانيِّ. لكنْ لم نجدْ فيهما لفظ ((شرائع الإسلام)). انظر ((المسند)) رقم ٥٨٥٦ و((مجمع الزوائد)) عن الطبراني ج١ ص٤٠ - ٤١. والطبراني ج١٢ ص ٣٣٠ وفيه: ((يعلمكم مناسكَ دينكم)). ٤٣٦ شرح علل الترمذي وأما زيادةُ عمرَ في الإسنادِ فقال: ((أهلُ البصرةِ أثبتُ ، وهُمْ له أحفظُ من أهلِ الكوفةِ إذ هم الزائدونَ في الإسنادِ عمرَ ، ولم يحفَظْهُ الكوفيونَ ، والحديثُ [آ - ٩٣] للزائدِ الحافظِ (١)، لأنه في معنى الشَّاهِدِ الذي حَفِظَ في شهادَتِهِ ما لم يحفَظْهُ صاحِبُه)» . وهذا القياسُ الذي ذكَرَهُ ليسَ بجيدٍ ، لأنه لو كانَ كذلكَ لقُبلتْ زيادةُ كلِّ ثقةٍ زادَ في روايتِهِ ، كما يُقبَلُ ذلكَ في الشهادةِ ، وليسَ ذلكَ قول مسلمٍ ولا قولَ أئمةِ الحفّاظِ ، واللهُ أعلمُ . وإنما قَبِلَ زيادةَ أهلِ البصرةِ في الإسنادِ لعمرَ لأنهم أحفظُ وأوثقُ ممن تركَه من الكوفيين ، وفي كلامهِ ما يدُلُّ على أن صاحبَ الهوى إذا روى ما يَعضُدُ هواه فإنه لا يُقْبَلُ منه، لا سيَّما إذا تَفَرَّدَ بذلكَ (٢). (١) في الأصل ((للزائد والحافظ)) وفي ب ((الزائد للحافظ)). والمثبت من ظ أولى . (٢) زيادَةُ الثقةِ علمٌ خطيرٌ، احتلَّ لدى المحدِّثينَ مكانةً كبيرةً ، وتعبوا في تحصيله كثيراً، حتى صارَ البارعُ فيه يُخَصُّ بالذكرِ والثناءِ ، وقد اختلفوا في حكمٍ روايةٍ الزيادةِ التي يرويها الثقةُ اختلافاً كثيراً متشعِّباً ، حتى أخلَّ ببحثِهِ بعضُ الباحثينَ في القديمِ والحديثِ ، خُصوصاً الزيادةَ في المتنِ ، مما يجعلُ المسألةَ بحاجَّةٍ إلى تحريرٍ يتبيَّن به الأمرُ للمستفيدِ ، وطريقُ ذلكَ ما سلكَه الإمامُ أبو عمرو بن الصَّلاحِ في كتابهِ « علوم الحديث )) ص ٧٧ - ٧٩ حيث قسمَ ما يرويهِ الراوي الثقةُ منَ زيادةٍ في متنِ الحديثِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ ، نذكرها ونُبِيِّنُ أحكامَها بإيجازٍ فيما يلي : القسمُ الأولُ : أن تخالفَ الزيادةُ ما رواهُ الثقاتُ ، فهذه حُكْمُها الرَّدُ ، لانطباقٍ قانونِ الحديثِ الشاذّ عليها . القسمُ الثاني : أن لا يكونَ في الزيادةِ منافاةٌ أو مخالفةٌ لما رواهُ غيرُه ، = ٤٣٧ زيادات الثقات وتحقيق حكمها فهذه تُقْبَلُ مطلقاً لأنها بمثابةٍ خبرٍ منفصل تفرَّدَ به الراوي ، فيقبلُ منه ، مثلُ = زيادة: (( والملك لا شريك لك)) في حديث عائشةَ السابق في ص٤٢١ . القسمُ الثالثُ : ما يقعُ بين هاتين المرتبتينِ كزيادةٍ لفظةٍ معنويّةٍ ، لم يذكرها سائرُ رواةِ الحديثِ ، فيخالِفُ اللفظُ الزائدُ إطلاقَ الحديثِ ، أو شيئاً من وَصْفِه . مثاله : زيادةُ ((من المسلمين)) في حديثٍ صدقة الفطرِ السابقِ في ص٤١٨ - ٤٢٠ . وجه تركُّدِ هذا القسمِ بين القسمينِ أنه يشبهُ الأوَّلَ من حيثُ إن ما رواه الجماعةُ عام لشمولِهِ جَميعَ الأفرادِ ، وما رواهُ المنفردُ بالزيادةِ مخصوصٌ بالمسلمين ، وفي ذلكَ مغايرةٌ في الصِّفَةِ ، ونوعُ مخالفةٍ يختلِفُ به الحُكْمُ . ويشبه القسمَ الثاني من حيثُ إنه لا منافاةَ بينهما . ولم يصرِّخ ابنُ الصَّلاحِ بحكمِ هذا القسمِ المتوسِّطِ بين المرتبتينِ ، وقد اختلفَ فيه العلماءُ ، فقَبلهُ مالكٌ وَالشافعيُّ لما عرفتَ من عدمِ المنافاةِ ، ولم يقبَلْهُ أبو حنيفةَ ومن وافَقَه ، لأنَّ الزيادةَ لمَّا كانتْ تقتضي تغييراً للحُكمِ فقد أصبَحَتْ من قبيلِ الزيادةِ المعارِضَةِ، فلا تكونُ مقبولةً. وانظر (( التقرير والتحبير شرح التحرير)) ج٢ ص٢٩٤ - ٢٩٥ و(( العضد على مختصر ابن الحاجب ، ج٢ ص٧٢ . وقد خَلَطَ بعضُ من كَتَبَ في هذا الفنِّ من العصريينَ ، وَزَعَمَ قبولَ زيادة الثقةِ مطلقاً تبعاً لميله مع ابن حزم الظاهريِّ. انظر: ((لمحات في أصولِ الحديثِ)) للدكتور محمد أديب صالح ص٢٩٧ ، وفي ذلكَ لمحةٌ إلى قبولِ زيادةٍ الثقةِ ولو كانتْ مخالفة ، وهو غَلَطُ فاحشٌ في أصولِ هذا الفنِّ، أزلنا عنه اللبسَ في كتابنا (( منهج النقد في علوم الحديث )) رقم عام ٧٦ ص٤٠٤ فارجع إليه لزاماً، وانظر (( شرح النخبة)) ٣١٨ -٣٢١ بشرحه للقاري . ٤٣٨ شرح علل الترمذي O الغريبُ إسناداً لا مَتْناً عند التّرمذيِّ : ° قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ : ( ورُبَّ حديثٍ يُرْوَى من أوجهٍ كثيرةٍ ، وإنما يُستغربُ لحالِ الإسنادِ : حَدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشام الرفاعيُّ وأبو السائبِ والحسينُ الأسود ، قالوا : نا أبو أسامةً عن بُرَيْد(١) بن عبدِ الله بن أبي بُرْدَةً عن جَدِّه أبي بُرْدَة عن أبي موسى عن النبيِّ وَّهَ قال: ((الكافرُ يأكلُ في سبعةِ أمعاءَ ، والمؤمنُ يأكلُ في مِعِی واحدٍ )) . هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجهِ من قِبَلِ إسنادِه ، وقد رُوي(٢) من غيرِ وجهٍ عن النبيِّ ◌َّل، وإنما يُستغرَبُ من حديثٍ أبي موسى . وسألتُ محمودَ بن غَيْلاَن عن هذا الحديثِ فقال: (( هذا حديثُ أبي كريبٍ عن أبي أسامةً )). (١) في ب ((يزيد))، وهو تصحيف ، وقد تكرر فيما يلي. (٢) ((وروي)) ظ. ليس فيها ((قد)). ٤٣٩ زیادات الثقات و تحقیق حکمھا وسألتُ محمدَ بن إسماعيلَ عن هذا الحديثِ (١) فقال: (( هذا حديثُ أبي كريبٍ عن أبي أسامةً )» لم يعْرِفْه إلا من حديثٍ أبي كريبٍ عن أبي أسامةً . فقلتُ: (( حَدَّثْنا غيرُ واحدٍ عن أبي أسامةَ بهذا)) . فجعلَ يتعجَّبُ ويقول: (( ما علمتُ أنّ أحداً حَدَّث بهذا غيرَ أبي كريب)). قال محمد(٢): ((وكنا نُرى أن أبا كريب أخذَ هذا الحديثَ عن أبي أسامةَ في المذاكرةِ ». حَدَّثنا عبدُ الله بن أبي زياد وغيرُ واحد، قالوا: نا شَبَابةٌ بن سَوَّار نا شعبةُ عن بكيرِ (٣) بن عطاءٍ عن عبد الرحمن بن يَعْمَرَ : ((أنَّ النبيَّ وَّهِ نهى عن الدَُّّاءِ والمزَقَّت)). هذا حديثٌ غريبٌ من قِبَلِ إسنادِهِ ، لا نعلمُ أحداً حدَّثَ به عن شعبةَ غيرَ شَبابة ، [ب - ٧٥] وقد رُويَ عن النبيِّ وَّلِ من أوجهٍ كثيرةٍ أنه نهى أن ينتَبَذَ في الدُّتَّاءِ والمزقَّتِ . وحديثُ شبابةَ إنما يُسْتَغْرَبُ لأنه تَفَرَّدَ به عن شعبةً ، وقدْ روى (١) قوله ((فقال ... )) إلى هنا سقط من ب. (٢) ((محمود ) ب وهو غلط. (٣) ((بكر)) ظ وب وكذا في الموضع التالي في ظ وهو تصحيف . ٤٤٠ شرح علل الترمذي شعبةُ وسفيانُ الثوريُّ بهذا الإسنادِ عن بُكيرِ بن عطاءٍ عن عبد الرحمنِ بن يَعْمَرَ عن النبيِّ وَّرِ أنه قال: ((الحجُّ عَرَفَة )) . فهذا الحديثُ المعروفُ عندَ أهلِ الحديثِ بهذا الإسنادٍ ) . هذا نَوْعٌ آخرُ من الغَرِيبِ(١): وهو أن يكونَ الحديثُ يُروى عن النبيِّي ◌ََّ من طرقٍ معروفةٍ ، ويُروى عن بعضِ الصَّحابةِ من وجهٍ يُستَغْرَبُ عنه، بحيثُ لا يُعرَفُ حديثُه إلا من ذلكَ الوجهِ . وقد ذكرَ الترمذيُّ لهذا النوع مثالينٍ : أحدهما : حديثُ أبي كُريبٍ عن أبي أسامةَ عن بُرَيْدِ بن عبدِ الله بن أبي بُرْدَةً عن جَدِّه عن أبيهِ أبي موسى عن النبيِّ وَّ: ((المؤمنُ يأكلُ في مِعَّى واحدٍ ، والكافرُ يأكلُ في سبعةٍ أمعاء)). فهذا المتنُ معروفٌ عن النبيِّ وََّ من وجوهِ متعدِّدةٍ ، وقد خَرَّجاه في الصَّحيحينِ من حديث أبي هريرةً، ومن حديثِ ابن عُمرَ (١) هو الحديثُ الغريبُ إسناداً لا متناً . وهو الحديثُ الذي اشتَهَرَ بورودِه من عدَّةِ طُرُقٍ عن راوٍ أو صحابيٍّ ، أو عن عِدَّةِ رواةٍ ، ثم تفرَّدَ به راو فرواهُ من وجهٍ آخرَ غيرِ ما اشتَهَرَ به الحديثُ . وقد ذكرَ الترمذيُّ لهذا النوعِ من الغريبِ ضربينٍ ، يتكلمُ الحافظ ابنُ رجبٍ هاهنا على الأوَّلِ منهما . ٤٤١ زیادات الثقات و تحقیق حكمها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم(١) . وأما حديثُ أبي موسى هذا فخرَّجَهُ مسلمٌ عن أبي كُريب ، وقد استغرَبَهُ غيرُ واحدٍ من هذا الوجه ، وذكروا أن أبا كريبٍ تفرَّدَ به ، منهم البخاريُّ ، وأبو زُرْعَةَ . وذُكِرَ لأبي زُرْعَةَ من رَواهُ عن أبي أسامةَ غير أبي كريب ؟ فكأنَّه أشارَ إلى أنهم أخَذُوه(٢) مِنْه. وحسينُ بن الأسود كان يُثَّهم بسَرِقَةِ الحديثِ ، وأبو هشام فيه ضَعْفٌ أيضاً ، وقد ذكرنا كلامَ أبي زُرْعَةَ في هذا في كتابِ الأطعمةِ وإنكارَه على أبي السَّائبِ [آ - ٩٤] وأبي هشام روايته . وظاهرُ كلامٍ أحمدَ يدُلُّ على استنكارِ هذا الحديثِ أيضاً . قال أبو داود : « سمعتُ أحمد - وذُکِرَ له حدیثُ بُرَیْدِ هذا - فقال أحمدُ : يطلبونَ حديثاً من ثلاثينَ وجهاً : أحاديث ضعيفة . وجَعَلَ يُتْكِرُ طلبَ الطُّرُقِ نحوَ هذا، قال: شيءٍ(٣) لا ينتفِعُونَ به . أو نحو هذا الكلامِ)) . وإنما كَرِهَ أحمدُ تطلُّبَ الطُرقِ الغريبةِ الشاذَّةِ المنكرة ، وأما الطُّرُقُ الصَّحيحةُ المحفوظَةُ فإنه كان يحثُ على طلبها كما ذكرناهُ عنه في أوَّلِ الكتابِ . (١) البخاري في الأطعمة ج٧ ص٧١ - ٧٢ ومسلم ج٦ ص١٣٢ - ١٣٣. وفيه حديثُ أبي كريب الآتي . وقد بيَّنا سببَ تخريجِ الشيخينِ لمثلٍ هذه الروايةِ في فصلِ الفوائدِ الإسناديةِ من أطروحتنا ، فارجع إليها . (٢) ((أنه أخذه )) ب، وهو لا يوافق المراد من الكلام. (٣) ((قال: هذا شيء .. ) ب . ٤٤٢ شرح علل الترمذي وما حكاهُ الترمذيُّ عن البخاريِّ ههنا أنه قال: (( كنا نُرئ أن أبا كريب أخذَ هذا عن أبي أسامةَ في المذاكرةِ )) فهو تَعليلٌ للحديثِ ، فإنَّ أبا أسامةَ لم يروِ هذا الحديثَ عنه أحدٌ من الثقاتِ غيرُ أبي كريبٍ ، والمذاكرةُ يحصلُ فيها تسامحٌ ، بخلافِ حالِ السَّماعِ أو الإملاءِ ، وكذلكَ (١) لم يروه عن بُرَيْدٍ أحد غيرُ أبي أسامة . المثالُ الثاني : حديثُ شَبَابة عن شعبةً عن بُكَير بن عطاءِ عن عبدِ الرحمنِ بن يَعْمَرَ عن النبيِّ نَّهِ (( أنه نهى عن الدُّبَّاءِ والمزفَّتِ))، فإنَّ نَهْيَ النبيِّ رَّةِ عن الانتباذِ في الدُّبَّاءِ والمزفَّتِ [ظ -٦٩] صَحيحٌ ثابتٌ عنه ، رواه عنهُ جماعةٌ كثيرونَ من أصحابِهِ (٢) وأما روايةُ عبدِ الرحمنِ بن يعمر عنه فغريبةٌ جداً ، ولا يُعرَفُ إلا بهذا الإسنادِ ، تفرَّدَ بها شبابةٌ عن شعبةَ عن بكيرٍ بن عطاءٍ عنه . وعندَ شعبةَ بهذا الإسنادِ عن عبد الرحمنِ بن يَعْمَرَ عن النبيِّ وَه أنه قال: ((الحجُّ عَرَفة)» في حديثٍ ذَكَرَهُ ، فهذا المتنُ هو الذي يُعْرَفُ بهذا الإسنادِ . وأما حديثُ النهي عن الدُّبَّاءِ والمزَفَّتِ فهو بهذا الإسنادِ غريبٌ جداً، وقد أنكَرَهُ على شبابةَ طوائفُ من الأئمةِ ، منهم الإمامُ أحمدُ ، (١) ((ولذلك)) في ظ وب. ثم وقع في ب ((عن يزيد)). تصحيف. (٢) منه في الصَّحيحين حديثُ وفد عبد القَيْس ، البخاري ج١ ص١٦ ومسلم ج١ ص٣٥ ، أما حديثُ عبدِ الرحمن بن يعمر فقد أشارَ إليه الترمذيُّ في قوله (( وفي الباب عن فلان ... )) ج٤ ص٢٩٥ . ٤٤٣ زیادات الثقات و تحقیق حکمھا والبخاريُّ، وأبو حَاتِم، وابنُ عَدِيٍّ(١). وأما ابنُ المدينيِّ فإنه سُئِلَ عنه فقال: ((لا يُكَرُ لمنْ سَمِعَ من شعبةَ - يعني حديثاً كثيراً - أن ينفردَ بحديثٍ غَرِيبٍ)). وقال أحمدُ: ((إنما روى شعبةُ بهذا الإسنادِ حديثَ الحَجِّ (٢))). يشيرُ إلى أنه لا يُعْرَفُ بهذا الإسنادِ غيرُ حديثِ الحِجِّ(٣) . وقد سبَقَ ذِكرُ هذا الحديثِ مع الكلامِ عليهِ في كتابِ الأشربةِ ، (٤) واللهُ أعلم (٤). (١) ((العلل الكبير)) للترمذي ج٢ ص ٧٨٧-٧٨٨، و(( علل الرازي )) ج٢ ص٢٧ ، و (( الكامل)) ج٤ ص ١٣٦٦. (٢) قوله (( الحج )) ليس في ب . (٣) هو قوله وَّرُ: ((الحجُّ عرفة .. )) أخرجَهُ أصحابُ السنن والحاكمُ وغيرُه ، وصحَّحهُ الحاكمُ ووافقه الذهبيُّ . انظر تخريجَهُ والاستنباطَ منه في كتابنا (( الحج والعمرة في الفقه الإسلامي)) فقرة ٤٢ و١٠٢ . (٤) قوله ((والله أعلم)) ليس في ظ وب. ٤٤٤ شرح علل الترمذي قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ تعالى : ( حدَّثنا محمدُ بن بشار، ثنا معاذُ بن هشامٍ حدَّثني أبي عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال : حدَّثني أبو مزاحم أنه سمعَ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللهِ وَلِِّ: ((من تَبَعَ جِنازةٌ فصلَّى عليها فلَهُ قيراطٌ ، ومن تَبِعَها حتى يُقْضَىْ قضاؤُها فله قيراطانٍ)). قالوا: (( يا رسولَ اللهِ، وما القيراطانِ؟)) قال: ((أصغرُهُما مثلُ أَحُدٍ! )). [ب - ٧٦]. حذَّثناعبدُ اللهِ بنُ عبد الرحمن أنا مروانُ بنُ محمدٍ عن معاويةً بن سلاَم قال : حدَّثني يحيى(١) بنُ أبي كثيرٍ عن أبي مزاحم سمعَ أبا هريرةً يقولُ: عن النبيِّ بَّلَ قال: ((من تَبَعَ جنازةً فله قيراطٌ )) فذَكَرَ(٢) بمعناهُ . قال عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ : وأنا مروانُ عن معاويةً بن سلام قال : قال يحيى: وحدَّثني أبو سعيدٍ مولىُ المَهْري(٣) عن (١) قوله (( يحيى)) ليس في ظ وب . (٢) (( فذكره )) ب . (٣) ((المهدي)) ب وهو تصحيفٌ، وقد تكرر بعد . ٤٤٥ زيادات الثقات و تحقیق حكمها حمزةَ بن سفينةَ عن السَّائب سمعَ عائشةَ عن النبيِّ وَل نحوه . قلتُ لأبي محمدٍ عبد الله بنِ عبد الرحمنِ: (( ما الَّذي استغرَبُوا من حديثِكَ بالعِرَاقِ؟)) فقال: (( حديثَ السَّائِبِ عن عائشةَ عن النبيِّ وَِّ)) فذكرَ الحديثَ. وسمعتُ محمد بن إسماعيلَ يحدِّثُ بهذا الحديثِ عن عبد الله بن عبد الرحمن . قال(١): وهذا حديثٌ قد رُوِيَ من غيرِ وجهٍ عن عائشةَ عن النبيِّ بَّهِ، وإنما يُستَغْرَبُ هذا الحديثُ لحالِ إسنادهِ ، لروايةٍ السائبِ عن عائشةَ عن النبيِّ وَلِّ ). هذا نوعٌ آخرُ من الغَرِيبِ (٢): وهو أن يكونَ الحديثُ عن النبيِّ وَّهِ مِعْرُوفاً من روايةٍ صحابيٍّ عنه من طريقٍ أو من طرقٍ ، ثم يُرْوَى عن ذلك الصحابيِّ من وجهٍ آخرَ يُسْتَغْرَبُ من ذلكَ الوجهِ خاصَّةً عنه . (١) القائل هو أبو عيسى الترمذي ، كما صرح به في طبعة بولاق وطبعة الشرح الهندية . (٢) أي من الحديث الغريب إسناداً لا متناً. وقد سبق لنا تعريفه في ص ٤٤٠. وهذا هو الضرب الثاني منه . ٤٤٦ شرح علل الترمذي مثلُ ما ذكرَهُ الترمذيُّ ههنا [آ - ٩٥] من حدیث یحیی بنِ أبي كثيرٍ عن أبي سعيدٍ مولى المَهْري عن حمزةَ بن سفينةَ عن السَّائبِ عن عائشةَ عن النبيِّ وَّل. وهذا الحديثُ إنما يُعرَفُ من روايةِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمنِ الدارِميِّ الحافظِ الذي خرَّجَهُ الترمذيُّ هنا عنه، وذكرَ أنَّ البخاريّ كانَ يحدِّث به عنه. وقد ذكرَهُ البخاريُّ(١) في ((تاريخِهِ)) عنه فقال : (( قالَ عبدُ اللهِ: أنا مروانُ عن(٢) معاوية)) فذكرَهُ. وخرَّجَهُ بَقِيُّ بن مَخْلد في (( مُسنَدِهِ)) عن عبدِ اللهِ الدَّارميِّ أيضاً ، وذكرَ الترمذيُّ عن الدارميِّ أنَّ أهلَ العراقِ كانوا يستغرِبونَ من حديثِهِ هذا الحديثَ . وحمزةٌ بن سفينةَ الذي يرويِهِ عن السائبِ بن يزيدَ شيخٌ بصريٌّ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في (( ثقاتِهِ )) . وهذا الحديثُ مَزْويٌّ من وجوهٍ متعدِّدةٍ عن عائشةَ أنها صَدَّقَتْ أبا هريرةَ بما حدَّثَ به عن النبيِّ وََّ من هذا الحديثِ(٣)، وأما من حديثِ السائبِ بن يزيدَ عنها فلا يُعْرَفُ إلا من هذا الوجهِ (٤). (١) في ظ ((وذكره البخاري)). وفي ب ((وذكر البخاري)). (٢) الأصل ((بن)) سهو قائم. ومروان هو ابن محمد عن معاوية بن سلام. اللذين سبق ذكرهما . (٣) في ب ((من هذا الوجه)). وفي ظ ((من غير هذا الوجه)). (٤) البخاري ( فضل اتباع الجنائز) ج٢ ص ٨٧ ومسلم ج٣ ص ٥١ - ٥٢ ، والترمذي ج٣ ص٣٥٨، وقد خرَّجَ الترمذيُّ هنا الإسنادَ الغريبَ . وعندهم كما ذكر الشارعُ: ((أن ابنَ عمر أرسلَ إلى عائشةَ فسألها عن ذلكَ فقالت : صَدَقَ أبو هريرة )) . ٤٤٧ زیادات الثقات و تحقیق حكمها ومما كان يستغربُ من حديثِ الدَّارميِّ أيضاً بالعراقِ حديثُه عن يحيى بن حسانَ عن سليمانَ بن بلال عن هشامٍ عن أبيه عن عائشةَ عن النبيِّ وَّةِ: ((نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ)) . وقد خرَّجَهُ الترمذيُّ في كتابٍ الأطعمةِ من كتابهِ هذا ، ومسلمٌ في ((صَحيحِهِ )) كلاهما عن الدارميِّ به . و[قد] سبقَ الكلامُ عليه في موضعهِ، وذكرنا أنَّ كثيراً من الحفاظِ استنكَرُوه على سليمانَ بن بلال ، منهم أحمدُ ، وأبو حَاتِم ، وأحمدُ بن صالح ، وغيرُهم(١) . وكذلكَ قال جماعةٌ منهم في حديثِ : (( بيتٌ لا تمرَ فيهِ جِيَاعٌ أهلُه )) بهذا الإسنادِ ، ولكنْ هذا من نوعِ الغريبِ المذكورِ قبل هذا ، فإنَّه غريبٌ من حديث عائشةَ عن النبيِّ نَّهِ، على أنه قد رُوِيَ من وجهٍ آخَرَ عنها وهو ضعيفٌ . والحديثُ معروفٌ من حديثٍ جابٍ عن النبيِّ وَلِيَ(٢). (١) الحديثُ عند مسلم ج٦ ص١٢٥ - ١٢٦ من حديث عائشةً وجابرٍ ، والترمذيُّ كذلك ج٤ ص٢٧٨ - ٢٧٩، وذكرَ غرابةَ حديثٍ عائشةَ فقال فيه: (( حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ من هذا الوجهِ لا نعرِفُه من حديثٍ هشام بن عروةً إلا من حديثٍ سليمانَ بن بلال )) انتهى . وأما ما ذكرهُ الحافظُ ابنُ رجب من استنكارِ الحديثِ فلا يضُرُّ ، لما سَتَعْرِفُ أنَّ كثيراً من المتقدِّمينَ يطلقونَ ((المنكرَ)) على ما تفرَّدَ به الراوي ولو كانَ ثِقةً. (٢) مسلم ج٦ ص١٢٣ وأبو داود ج٣ ص٣٦٢ ، والترمذي ج٤ ص ٢٦٤ - ٢٦٥ وابن ماجه ص ١١٠٤ كلهم بالسندِ المذكورِ عن عائشة . ٤٤٨ شرح علل الترمذي ° الحديثُ المنكَرُ وموازنَتُه بِالشَّاذِّ : ° قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ : ( حَدَّثنا أبو حفص عَمرو بن علي ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطّانُ ثنا المغيرةُ بن أبي قُرَّةَ السدوسيُّ قال : سمعتُ أنسَ بن مالكٍ يقولُ : قال رجلٌ : يا رسولَ اللهِ، أعقلُها وأتوّل، أو أُطْلِقُها وأتوكلُ ؟ قال : (( اعقِلْها وتوَّلْ )) . قال عَمرو بنُ علي : قال يحيى بنُ سعيد: (( وهذا عندي حديثٌ منكَرٌ)). قال أبو عيسى: هذا غريبٌ(١) من هذا الوجهِ لا نعرِفُهُ(٢) من حديثٍ أنسٍ بن مالكٍ إلا من هذا الوجهِ ، وقد رُوِيَ عن عمرو بن أميةَ الضَّمْريِّ عن النبي ◌ِّ نحوُ هذا). (١) في ظ ((وهذا غريب)). وفي ب ((هذا حديث غريب)). (٢) ((إلا من)) ظ ، وهو سهو قلم. ٤٤٩ الحديث المنكر وموازنته بالشاذ قال أبو عيسى رحمهُ الله : ( وقد وَضَعْنَا هذا الكتابَ على الاختصارِ ، لما رَجَونا فیهِ من المنفعةِ ، ونسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ النفعَ بما فيهِ ، وأن لا يجعلَهُ وبَالاً عَلينَا [ب - ٧٧] بر حمَتِهِ (١) ). آخرُ الكتابِ والحمدُ للهِ وَحْدَهُ حديثُ أنسِ هذا قد خرّجهُ الترمذيُّ فيما تقدَّمَ في أواخرٍ كتابِ الزهدِ ، وسبقَ هناكَ ذكرُه ، وذكرُ حديثِ عمرو بن أميّة الضَّمْريِّ أيضاً ، وحديثُ أنسٍ قد رواهُ غيرُ واحدٍ عنِ المغيرةِ بن أبي قُرَّةَ عن أنسٍ ، وقد تفرَّدَ به المغيرةُ عنهُ، ولهذا غرَّبَهُ الترمذيُّ (٢) [ظ - ١٧٠ ] . (١) (( ترجمة )) ب ، وهو تصحيف. (٢) انظر آخرَ كتابِ الزهد في (( سنن الترمذي)» ج٤ ص٦٦٨، وفيه قولُ الترمذيِّ : (( وهذا حديثٌ غريبٌ من حديث أنسٍ ... )) إلى آخره بنحوِ كلامه هنا في ((العلل)). وأخرجَهُ أيضاً ابنُ حِبَّانَ في «صحيحهٍ)) ٢/ ٥١٠ عن عمرو بن أميةَ الضمْريِّ، وإسنادُهُ صحيحٌ . وقال الزينُ العراقيُّ: ((رواهُ ابنُ خزيمةَ والطبرانيُّ من حديثٍ عمرو بن أمية الضمريِّ بإسنادٍ جيدٍ، بلفظ: (( قيِّدها وتوكّل )) ، وبه يتقوى حديثُ الترمذيِّ كما قال المُنَاوي في (( فيض القدير ) ج٦ ص٨ . لكنْ جعلَ هذا اللفظَ في ((المقاصدِ الحسنةِ)) ص٦٦ و(( كشف الخفاء )) ص ١٤٤ وانظر ((المجمع)) ٣٠٣/١٠ و٢٩١، من حديث أبي هريرةً عند الطبرانيِّ . قلت: ولفظ ((قَيِّدْها)) في ((المستدرك)) ٦٢٣/٣. قال الذهبي: ((سنده جيد)). ٤٥٠ شرح علل الترمذي وقد قال يحيى القطانُ(١): ((هو عندي مُنْكَرٌ))، فهذا الحديثُ من الغرائبِ المنكّرَةِ . ولم أقفْ لأحدٍ من المتقدمينَ علىْ حَدِّ المنكر من الحديثِ وتعريفهِ (٢) إلا على ما ذكرَهُ أبو بكر البرديجيُّ الحافظُ ، وكان من أعيانِ الحفاظِ المبرزينَ في العللِ : (( أن المنكرَ هو الذي يحدِّثُ به الرجلُ عن الصَّحابةِ أو عن التابعينَ عن الصحابةِ لا يُعْرَفُ ذلكَ الحديثُ ، وهو مَتْنُ الحديثِ إلا من طريقِ الذي رواهُ ، فيكونُ منكراً)). ذكرَ هذا الكلامَ في سياقٍ ما إذا انفردَ شعبةٌ ، أو سعيدُ بن أبي عَروبة ، أو هشامُ الدَّسْتوائيُّ بحديثٍ عن قتادةَ عن أنسٍ عن (١) ((وقال القطان)) ظـ . (٢) بلى، قد وقع في مقدمةِ ((صحيحِ مسلم)) ص ٥ ما يبيِّن تعريفَ الحديثِ المنكَرِ حيثُ قالَ : (( وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثِهِ المنكرُ أو الغلطُ أمسكنا أيضاً عن حديثهم . وعلامةُ المنكرِ في حديثِ المحدِّثِ إذا ما عُرِضَتْ روايتُه للحديثِ على روايةٍ غيرِهِ من أهلِ الحفظِ والرضا خالفتْ روايتُه روايتَهم أو لم تكدْ توافقُها ، فإذا كانَّ الأغلَبُ من حديثِهِ كذلك كان مهجورَ الحديثِ غيرَ مقبوله ولا مستعملِه » . انتهى. فقد دلَّ على أنَّ الحديثَ المنكَرَ هو ما تفرَّدَ به الراوي الذي لم تثبتْ ثقته . قال النوويُّ في ((شرح مسلم)) ص٥٧ : (( هذا الذي ذكرَ رحمهُ الله هو معنى المنكرِ عند المحدِّثين ، يعني به المنكرَ المردودَ ، فإنهم قد يطلقونَ المنكرَ على انفرادِ الثقةِ بحديثٍ ، وهذا ليس بمنكرٍ مردودٍ إذا كان الثقةُ ضابطاً متقِناً )). ٤٥١ الحدیث المنکر وموازنته بالشاذ النبيِّ وَّهِ، وهذا كالتصريح بأنه (١) كلُّ ما ينفردُ به ثقةٌ عن ثقةٍ، ولا يُعرفُ المتنُ من غيرِ ذلَكَ الطريقِ فهو منكَرٌ، كما قالهُ الإمامُ أحمدُ في حديثِ عبدِ اللهِ بن دينار عن ابن [آ-٩٦] عمرَ عن النبيِّ وَله في ((النهي عن بيعِ الولاءِ و[عن ] هِبَتِهِ))(٢). وكذا قال أحمدُ في حديثِ مالكِ عن الزهري عن عروةً عن عائشةَ ((أن الذين جَمَعوا الحجّ والعمرةَ طافوا حين قَدِمُوا العُمْرَتهم، وطافوا لحَجِّهم حينَ رَجَعُوا من مِنّى (٣)))، قال: (( لم يقل(٤) هذا أحدٌ إلا مالكٌ، وقال : ما أظنُّ مالكاً إلا غلطَ فيه ، ولم يجيء به أحدٌ غيرُه ))، وقال مرَّة: (( لم يروه إلا مالكٌ، ومالكٌ ثقةٌ )). ولعلَّ أحمدَ إنما استنكَرَهُ لمخالفتِهِ الأحاديثَ في أنَّ القارنَ يطوفُ طَوافاً واحداً . ( ثم )(٥) قال البرديجيُّ بعدَ ذلكَ: (( فأما أحاديثُ قتادةَ الذي يرويها(٦) الشيوخُ مثلُ حَمَّادٍ بن سَلَمَةَ، وهمَّامٍ، وأبان، والأوزاعيِّ ، (١) ((كالصريح بأن )) ظ وب . (٢) متفق عليه سبق تخريجه في ص٤١٥ . (٣) الذي في ((موطأ مالك)) ج١ ص٢٨٦: ((فطافَ الذين أهلُّوا بالعمرةِ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروة ، ثم حَلُّوا منها ، ثم طافوا طوافاً آخرَ بعدَ أن رَجعوا من مِنِىّ لحجِّهم . وأما الذين جَمعوا الحجّ والعمرةَ فإنما طافوا طوافاً واحداً » ونحوه في الصحيحين البخاري ج٢ ص١٤٢ ومسلم ج٤ ص٢٧ . (٥) ((ثم قال)) في الأصل، وعلى ((ثم)) ما يشبه الضرب. (٤) (( لم يفعل )) ب . (٦) كذا في الأصل وظ. وفي ب ((الذي يرويه)). ٤٥٢ شرح علل الترمذي يُظَرُ في الحديثِ ، فإن كانَ الحديثُ يُخْفَظُ من غيرِ طريقِهم عن النبيِّ بَّله، أو عن أنس بن مالكِ من وجهٍ آخرَ لم يُدْفَعْ، وإن كانَ لا يُعرَفُ عن أحدٍ عن النبيِّ بَلَه ولا من طريقٍ عن أنسٍ إلا من روايةٍ هذا الذي ذكرتُ لك، كان منكراً )). وقال أيضاً : ((إذا روى الثقةُ من طريقٍ صحيحٍ عن رَجُلٍ من أصحابِ النبيِّ وَّهِ حديثاً لا يُصاب إلا عندَ الرجلِ الواحدِ لم يضرَّه أن لا يرويَه غيرُه إذا كانَ متنُ الحديثِ معروفاً ، ولا يكونُ منكراً ولا معلُولاً )). وقال في حديثٍ رواه عمرو بن عاصم عن هَمَّام عن إسحاقَ بن أبي طلحةَ عن أنسٍ أن رجلاً قال للنبيِّ وَِّ: ((إني أصبتُ حداً فأقمهُ عليَّ .. )) الحديث: ((هذا عندي حديثٌ منكرٌ، وهو عندي وَهَمٌ من عَمرِو بن عاصم)). ونقلَ ابنُ أبي حَاتِم (١) عن أبيه أنه قال: «هذا حديثٌ باطلٌ بهذا الإسنادٍ)). وهذا الحديثُ مخرٌَّ في الصَّحيحين من هذا الوجهِ ، وخَرَّجَ مسلمٌ معناهُ أيضاً من حديث أبي أمامةَ عن النبيِّ وََّ، فهذا شاهدٌ لحديثِ أنسٍ (٢). (١) في كتابه ((علل الحديث)) بعد أن ساقَ الحديثَ بسنده من طريق عمرو بن عاصم ج١ ص٤٥٤ - ٤٥٥. (٢) البخاري في المحاربين ج٨ ص١٦٧ ومسلم في التوبة ج٨ ص١٠٢ - ١٠٣ = ٤٥٣ الحدیث المنکر وموازنته بالشاذ ولعلَّ أبا حَاتِم والبرديجيّ إنما أنكرا الحديثَ لأنَّ عمرو بن عاصم ليسَ هو عندهما في محلٌّ من يُحتَمَلُ تفرُّده بمثلٍ هذا الإسنادِ ، واللهُ أعلم . وقال إسحاقُ بن هانئٍ: قال لي أبو عبد الله [يعني أحمدَ]: ((قال لي يحيى بنُ سعيدٍ: لا أعلمُ عبيدَ اللهِ يعني ابنَ عُمرَ أخطأَ إلا(١) في ولفظه: عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ◌َِّ فقال : يا رسول الله أصَبْتُ = حداً فأقمه عليَّ !. قال: وحضَرَتِ الصَّلاةُ، فصلى مع رسول الله وَِّ . فلما قضى الصَّلاةَ قال : يا رسول الله إني أصَبْتُ حداً فأقِمْ فيَّ كتاب الله . قال : (( هل حضرتَ الصلاةَ معنا؟)) قال: نعم. قال: ((قد غُفِرَ لك)). وفي مسلم هنا حديث أبي أمامة الذي أشار إليه الشارح ، بمعناه ، وفيه طول . ولا يخفى أن ثبوت حديث أبي أمامة يدفع الوهم عن عمرو بن عاصم كما هو ظاهر . قال النووي في ((شرحه)) ج١٥ ص٨١: ((هذا الحدُّ معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير ، وهي هنا من الصَّغائر ، لأنها كفرتها الصلاة ، ولو كانت كبيرةً موجبة لحدٍّ أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاةِ فقد أجمع العلماء على أن المعاصيَ الموجبةَ للحدودِ لا تسقُطُ حدودُها بالصلاة . هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث . وحكى القاضي عياض عن بعضِهم أن المرادَ بالحد المعروفُ . قال : وإنما لم يَخُدَّه لأنه لم يفسر موجب الحد ، ولم يستفسره النبي ◌َّ إيثاراً للسَّتر ، بل استحبَّ تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحدِّ صريحاً ». (١) قوله ((إلا)) سقط من ب .