النص المفهرس

صفحات 441-460

٣٧٤
شرح علل الترمذي
قيلَ : من ههنا عَظُمَ ذلكَ على مسلمٍ [رحمه الله]. والصوابُ أن
ما لم يَرِدْ فيه السَّماعُ من الأسانيدِ لا يُحكَم باتصاله ، ويحتجُّ به مع
إمكانِ اللَّقي كما يحتَجُّ بمرسلِ أكابرِ التابعينَ كما نصّ عليه الإمامُ
أحمدُ . وقد سبقَ ذكرُ ذلكَ في المرسَلِ(١).
ويَرِدُ على ما ذكرهُ مسلمٌ أنه يلزَمُه أن يحكمَ باتصالِ كلِّ حديثٍ
رواه من ثبتَتْ له رؤيةٌ من النبيِّ وَلَ. بل هذا أولى، لأنَّ هؤلاءِ ثبتَ
لهم اللقيُّ، وهو يكتفي بمجردِ إمكانِ السَّماع [ب - ٦٣]. ويلزمه
أيضاً الحكمُ باتِّصالِ كلِّ من عاصرَ النبيَّ وَّهِ وَأَمكنَ لقيهُ له إذا روئ
عنهُ شيئاً وإن لم يثبُتْ سماعُه منه، ولا يكونُ حديثُه عن النبيِّ وَل
مُرسلاً، وهذا خلافُ إجماع أئمةِ الحديثِ ، والله تعالى أعلم .
[ثم إنَّ بعضَ ما مَثَّل به مسلمٌ ليسَ كما ذكره، فقوله: ((إنَّ
عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم رَوَيا عن أبي مسعود(٢)، وأنَّ
النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد ، ولم يَرد التصريحُ
بسماعِهم منهما)) ، ليسَ كما قال، فإن مسلماً - رحمهُ اللهُ - خَرَّجَ في
صحيحه التصريحَ بسماع النعمانِ [بن أبي عياش] من أبي سعيد في
حديثين: في صفةِ الجنّةَ(٣)، وفي حديثِ: (( أنا فَرَطُكم على(٤)
الحَوْضِ)).
(١) ((وقد سبق ذلكَ في ذكر المرسل)). ظ وب. وانظر ص ٣١٠.
(٢)
في ب (( ابن مسعود))، وهو تصحيف .
(٣) ((صحيح مسلم)) أوائل كتاب الجنة ج٨ ص ١٤٤ - ١٤٥.
(٤) مسلم في الفضائل ج٧ ص٦٦. وقد تصحّف الحديث في ب هكذا: (( إمام
ظلم علي )) . فما أشنعه تصحيفاً .

٣٧٥
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وأما سماعُ عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي (حازم من أبي] مسعود
فقد وَقَعَ مُصَرَّحاً به في صحيح البخاريِّ والله أعلم](١).
ولهذا المعنى تجدُ في كلام شعبةَ ، ويحيىُ ، وأحمدَ ، وعليٍّ ،
ومَنْ بعدَهم ، التعليلَ بعدمِ السَّماعِ ، فيقولون : ((لم يسمع فلان من
فلان))، أو ((لم يصحّ له سماعٌ منه))، ولا يقولُ أحدٌ [من] ـهم قط:
(لم يعاصِرْه))، وإذا قال بعضُهم: ((لم يدركُه))، فمرادُهم الاستدلالُ
على عدمِ السَّماعِ منه بعدمِ الإدراكِ .
فإن قيلَ : فقد قال أحمدُ في رواية ابن مشيش - وسُئِلَ عن أبي
ريحانة سمعَ من سفينة؟ - قال: (( ينبغي، هو قديمٌ : قد سمعَ من
ابن عمر ))؟ قيل: لم يقلْ: إنَّ حديثه عن سفينةَ صحيحٌ(٢) متَّصل ،
إنما قال : ((هو قديمٌ ينبغي أن يكونَ سمِعَ منه )) . وهذا تقريبٌ
لإمكانِ سماعه ، وليسَ في كلامهِ أكثر من هذا .
o قولُ الرَّاوي : قال فلان ٥
واعلمْ أنَّ الرَّاوي في روايتِه تارةً يصرِّحُ بالسَّماع [ظ - ١٥٩] أو
التحديثِ أو الإخبارِ، وتارةً يقول: ((عن))، ولا يصرِّحُ بشيءٍ من
ذلكَ، وقد ذكرنا حكم هذا كلُّه آنفاً ، وتارةً يقولُ : قال فلان كذا ،
(١) قوله ((ثم إن بعض)) إلى هنا بين المعقوفين زيادة من ظ وب. ليس في نسخة
الأصل .
(٢) قوله (( صحيح)) ليس في ظ .

٣٧٦
شرح علل الترمذي
فهذا له ثلاثةُ أحوالٍ :
أحدُها : أن يكونَ القائلُ لذلكَ ممن يُعلم منه عدمُ التدليسِ :
فتكون روايتُه مقبولةً مُحتجّاً بها ، كهمَّام ، وحمَّادِ بن زيدٍ ،
وشعبةَ ، وحجَّاج بن محمد ، وغيرهم .
قال هَمَّام: ((ما قلتُ : قال قتادةُ، فأنا سمعتُه من قتادةَ)).
وقال حَمَّاد بن زيد : (( إني أكرهُ إذا كنتُ لم أسمع من أيوبَ
حديثاً أن أقول : قال أيوبُ كذا وكذا ، فيُظن أني قد سمعتُه)).
وقال شعبةُ: ((لأنْ أزنيَ أحبُّ إليَّ من أن أقولَ : قال فلان ، ولم
أسمعْه منه )) .
وكذلكَ حجَّاجُ بن محمد كان إذا قال: (( قالَ ابنُ جُرَيج )) فقد
سمعَه منه(١) .
والحالُ الثاني : أن يكونَ القائلُ لذلكَ معروفاً بالتدليسِ : فحُكْم
قوله: ((قال فلان))، حُكْم قوله: ((عن فلان))، كما سبقَ . وبعضُهم
كانت هذه عادتُه كابنِ جُرَيج. قال أحمدُ: (( كلُّ شيءٍ قال ابنُ
جريج : قال عطاء أو عن عطاء ، فإنه لم يسمعْه من عطاءٍ)). وقال
أيضاً: ((إذا قال ابنُ إسحاقَ: وذكرَ فلانٌ [آ - ٨٢] فلم يسمعْه منه)) .
الحالُ الثالثُ : أن يكونَ حالُه مجهولاً . فهل يحمَلُ على
الاتصالِ أم لا ؟ قد ذكرَ الفقهاءُ من أصحابِنا (٢) وأصحابِ الشافعيِّ
(١) من قوله ((وكذلك .. )) إلى هنا سقط من ب.
(٢) في ب ((القدماء من أصحابنا)) وفي ظ ((الفقهاء من أصحابنا والشافعية)).

٣٧٧
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
خلافاً في الصحابيِّ إذا قالَ: ((قالَ رسولُ اللهِِّ)): هلْ يُخْمَلُ على
السَّماع أم لا ، وأن الأصحَّ حملُه على السَّماعِ .
وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ عن الجمهورِ من العلماءِ أنَّ من رَوی عمَّن
صحَّ له ◌ُقيه والسَّماعُ منه ، وقال : ((قال فلان)) حُمِلَ على الاتصالِ .
بل كلامُه يدُلُّ على أنه إجماع منهم(١) . وذكرَ الإجماعَ على أن قول
الصحابيِّ: ((عن رسولِ اللهِ وَّله، وقالَ رسولُ اللهِوَ له، وأنَّ
رسولَ اللهِ ◌ّهِ قال، وسمعتُ رسولَ اللهِ وَِّ)) كلَّه سواءٌ. ولكن هذا
قد ينبني على أن مرسلَ الصحابيِّ حُجَّة (٢).
° الحديثُ المؤنَّن °
فأما قولُ الراوي: (( أن فلاناً قال)) فهل يُحمَلُ على الاتصالِ أم
لا ؟ فهذا على قسمينِ :
أحدهما : أن يكونَ ذلكَ القولُ المَحْكِيُّ عن فلان أو الفعلُ
المحكيُّ عنه بالقولِ مما يمكن أن يكونَ الراوي قد شَهِدَه وسَمِعَه
منه ، فهذا حكمهُ حكمُ قولِ الرَّاوي: (( قال فلان : كذا ، أو فعل
فلان كذا )) ، على ما سبقَ ذكرُه .
(١) من قوله ((وقال قال فلان)) إلى هنا سقط من ب.
(٢) مقصودُ ابنِ عبدِ البَرِّ أنهم جعلوها سواء من حيثُ الاتصالُ والله أعلم ، ولو سلم
الاحتمالُ الذي ذكرَه الحافظُ ، فدلالةُ الاتصالِ موجودةٌ من وجهٍ آخر ، هو أن
الراويّ لم يوصفْ بالتدليسِ ، فالظاهرُ سلامته من التدليسِ ، فلا يقولُ: ((قال
فلان كذا )) إلا إذا سمعَهُ منه .

٣٧٨
شرح علل الترمذي
والقِسْمُ الثاني : أن يكونَ ذلكَ القولُ المحكيُّ عن المرويِّ عنه أو
الفعلُ مما لا يمكنُ أن يكونَ قد شَهِدَهُ الراوي ، مثل أن لا يكونَ قد
أدركَ زمانَه، كقولٍ (١) عروةَ: ((إن عائشةَ قالتْ للنبيِّ وَّ: كذا
وكذا )) . فهل هو مرسلٌ ، لعدم الإتيانِ بما يبيِّن أنه رواهُ عن عائشةَ ؟
أم هو متَّصلٌ ، لأن عروةَ قد عُرِّفَ بالروايةِ عن عائشةَ ، فالظاهرُ أنه
سمعَ ذلكَ منها ؟ .
هذا فيه خلافٌ :
قال أبو داود : سمعتُ أبا عبد الله - يعني أحمدَ - قال: ((كانَ(٢)
مالكٌ زعموا أنه يرى ((عن فلان))، و((أن فلاناً)) [ب - ٦٤] سواءً)).
وذكرَ أحمدُ مثلَ حديثٍ جابٍ أن سُلَيْكاً جاءَ (٣) والنبيُّ وَهِ يَخْطُّبُ.
(١) (( مثل قول)) ظ وب .
(٢) (( كان)) ليس في ب .
(٣) الحديثُ مشهورٌ من روايةِ التابعيِّ الجليل عمرو بن دينار عن جابرٍ ، أخرجه
البخاريُّ في الجمعة ( باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين ) ج٢
ص١٢، وفي التطوع ( باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى) ج٢ ص٥٦ ،
ومسلمٌ في الجمعة ج٣ ص١٤ - ١٥ . ليس فيه ذكر سُلیكٍ .
وأما ذكرُ سليكِ فقد أخرجهُ مسلمٌ من وجهٍ آخرَ من طريقِ عيسى بن يونسَ
عن الأعمشِ عن أبي سفيانَ عن جابر بن عبد الله قال: (( دخلَ سُلَيْكُ الغَطَفَاني
يوم الجمعة، ورسولُ اللهِ وَلَهِ يخطبُ، فجلسَ ، فقال له : يا سُلَيْكُ قمْ فاركغْ
ركعتينٍ وتجوَّز فيهما)). ثم قال: (( إذا جاءَ أحدُكم يومَ الجمعةِ والإمامُ
يخطبُ فليركع ركعتينٍ وَلْيَتَجَوَّزْ فيهما )).
وأما رواية جابرٍ عن سليك فأخرجها الإمامُ أحمدُ في (« المسند » ج٣
ص٣٨٩ عن سفيانَ عن الأعمشِ عن أبي سفيانَ عن جابرٍ عن السليكِ قال :
=

٣٧٩
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وعن جابرٍ عن سليكِ أنه جاءَ والنبيُّ بَهِ يخطُبُ.
قال: وسمعتُ أحمدَ قيلَ له: إن رجلاً قال: ((عن عروةَ قالت
عائشةُ: يا رسولَ اللهِ. وعن عروةً عن عائشةَ سواءٌ)). قال:
((كيف هذا سواءٌ؟ ليس هذا بسواءٍ )) فذكرَ أحمدُ القِسمينِ اللذينِ
أشرنا إليهما .
فأما روايةُ جابرٍ أن سُليكاً جاءَ والنبيُّ ◌َلِّ يخطُبُ، وروايته عن
سليكٍ أنه جاءَ والنبيُّ نَ له يخطُبُ(١). فهذا من القِسمِ الأولِ، لأنه
يمكنُ(٢) أن يكونَ جابرٌ شهِدَ ذلكَ وحَضَرَه . ويمكن أن يكون رواه
عن سُلَيك(٣).
قال رسولُ اللهِ لهِ: ((إذا جاءَ أحدُكم إلى الجمعةِ والإمامُ يخطُبُ فليصلِّ
ركعتينٍ خفيفتين )) .
وقد توسعنا في دراسةِ سياقٍ أسانيدِ الحديثِ في الصَّحيحين وبيانِ فقِهِ
الحديثِ ومواقفِ العلماءِ من مسألةِ تحية المسجدِ والإمامُ يخطُبُ في كتابنا
((هديُ النبيِّ ◌َّهِ في الصلواتِ الخاصَّةِ )) ص٤١ -٤٩.
(١) قوله ((وروايته عن سليك)) إلى هنا ليس في ظ وب.
(٢) (( لأنه لا يمكن )) ب . وهو خطأ.
(٣) انظر التفصيلَ ومزيداً من الأمثلة في (( الكفاية)) ص٤٠٦ - ٤٠٨، وفيه قول
الخطيبِ: ((وتأثيرُ الخلافِ بين اللفظينِ يتبيَّن في روايةٍ غيرِ الصحابي ، مثل
ما ذكره أحمدُ من رواية عروة عن عائشةً وأن عائشة )) انتهى . وهو تنبيهٌ هام .
وننبه أيضاً إلى ملاحظةٍ ما إذا كانَ الإدراكُ للحادثةِ مشتركاً بين شخصينٍ
كعمرَ وابنه عبد الله، حيث تصلحُ الروايةُ ((بأن)» للإسناد إليهما . وقد أوضحنا
ذلك في كتابنا ((منهج النقد)) ص٣٢٩ - ٣٣٠ فانظره.

٣٨٠
شرح علل الترمذي
ومثلُ هذا كثيرٌ في الحديثِ: مثل رواية ابن عمرَ أن النبيَّ ◌َّه قال
لعمرَ كذا وكذا ، في أحاديثَ متعدِّدة . ورُوي بعضُها عن ابنِ عمرَ عِن
عمرَ عن النبيِّ وََّ، فمن رواهُ عن ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ وَّ قال لعمرَ جعلَهُ
من مسندِ ابنِ عُمر ، ومن رواه عن ابن عمرَ عن عمرَ جعله من مسندٍ عُمر .
ولكنْ كان القدماءُ كثيراً ما يقولونَ: ((عن فلان))؛ ويريدونَ
الحكايةَ عن قصَّته(١) ، والتحديثَ عن شأنِهِ ، لا يقصدونَ الروايةَ
عنه. وقد حكى الدَّار قُطنيُّ عن موسى بن هارونَ الحافظ (٢) أن
المتقدمينَ كانوا يفعلونَ ذلكَ ، وقد ذكرنا كلامَه في كتابِ الحجِّ في
بابِ الصيدِ للمُخرِمِ .
وأما إذا روى الزهريُّ مثلاً عن سعيد بن المسيّب ثم قال مرَّة : إن
سعيد بن المسيّب قال ، فهذا محمولٌ على الروايةِ عنه دونَ الانقطاع ،
ولعلَّ هذا هو مرادُ مالكِ الذي حكاهُ أحمدُ عنه(٣) ولم يخالِفْه.
وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ هذا القولَ عن جمهورِ العلماءِ ، وحكى
عن البَرْدِيجِيِّ خلافَ ذلكَ، وأنه قال: ((هو محمولٌ على
الانقطاع، إلا أن يُعلمَ اتصالُه من وجهٍ آخر))، وقال: (( لا وجهَ
لذلكَ )). ولم يذكر لفظَ البرديجيِّ، فلعله قال ذلكَ في القسم الثاني
کما سنذگره .
وأما روايةُ عروةَ عن عائشةَ عن النبيِّ بَّهِ، وعروةَ أن عائشةَ قالت
للنبيِّ وَ [ظ - ١٦٠] فهذا هو :
(١) ((ويريدون به الحكاية عن قضيته)) ظ وب.
(٢) قوله ((الحافظ)) ليس في ظ وب.
(٣) (( حكاه عنه أحمد)» ظ وب .

٣٨١
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
القسم الثاني : وهو الذي أنكرَ أحمدُ التسويةَ بينهما .
والحفاظُ كثيراً ما يذكرونَ مثل هذا ويعدُّونه اختلافاً في إرسالٍ
الحديثِ واتصاله ، وهو موجودٌ كثيراً في كلام أحمدَ ، وأبي زُرْعَةَ ،
وأبي حَاتِم ، والدَّار قُطنيِّ ، وغيرِهم من الأئمةِ.
ومن الناس من يقولُ: هما سواءٌ ، كما ذُكِرَ ذلكَ لأحمدَ . وهذا
إنما يكونُ فيمن اشتَهَرَ بالروايةِ عن المحكيِّ قصَّتُه، كعروةً مع
عائشةَ . أما من لم يُعرفْ له سماعٌ منه فلا ينبغي أن يُحملَ على
الاتّصالِ، ولا [آ- ٨٣] عندَ من يكتفي بإمكانِ اللُّقيّ(١).
والبخاريُّ قد يخرِّجُ من هذا القسمِ في صحيحهِ ، كحديثٍ عكرمةً
أن عائشةَ قالتْ للنبيِّ وَّهِ في قصَّةِ امرأةٍ رِفَاعَةَ. وقد ذكرنا(٢) في
كتابِ النكاحِ هذا على تقديرٍ أن يكونَ عكرمةُ سَمِعَ من عائشةَ .
وقد ذكرَ الإسماعيليُّ في ((صحيحِهِ)) أن المتقدِّمين كانوا
لا يفرِّقونَ بين هاتينِ (٣) العبارتينِ.
وكذلكَ ذكرَ أحمدُ أيضاً أنهم كانوا يتساهلونَ في ذلكَ مع قوله :
(١) لأنه لما ترددت الروايةُ بين أن تكونَ بواسطةٍ أو مباشرةٍ لم تسلمْ الدلالةُ على
الاتِّصالِ، فكن على ذُكْرٍ مما مهَّدناه سابقاً في ص ٣٦٠ - ٣٦٢ وانظر
ص٣٧١ .
(٢) ((في قضية امرأة رفاعة، وقد ذكرناه .. )) ظ وب، وعليه تكونُ جملة: ((هذا
على تقدير ... )) مستأنفةٌ . لكنْ لم نجد ما ذكره الحافظُ هنا من حديث عكرمة
عن عائشة في مظانه .
(٣) ((هاتين)) ليس في ظ.

٣٨٢
شرح علل الترمذي
إنهما ليسا سواء ، وإنَّ حكمَهما مختلفٌ ، لكنْ كان يقعُ ذلكَ منهم
أحياناً على وجهِ التسامحِ وعدمِ التحريرِ .
قال أحمدُ في روايةِ الأثرمِ في حديثٍ سفيانَ عن أبي النَّضْر عن
سليمانَ بنِ يسارٍ عن عبدِ الله بن حُذافة في النهي عن صيامٍ أيامٍ
التشريقِ ، ومالكٌ قال فيه: عن سليمانَ بن يسار أن النبيَّ وَّهُ بعثَ
عبدَ اللهِ بن حُذافةٍ(١) .
قال أحمدُ: ((هو مرسَلٌ، سليمانُ بن يسار(٢) لم يدرك
عبدَ الله بن حذافة قال : وهم كانوا يتساهلونَ بين ((عن(٣) عبدِ الله بن
حذافة (٤))) وبين ((أنَّ النبيَّ ◌َّ بعثَ عبدَ الله بن حذافة)).
قيل له : وحديثُ أبي رافع أن النبيَّ وََّ بعثَه يخطبُ
ميمونةَ، وقال مطرٌ: عن أبي رافع؟ قال: (( نعم ، وذاك
أيضاً(٥) )).
(١) أخرجه مالكٌ في ((الموطأ)) ج١ ص٦٩، عن سليمانَ بن يسار مرسلاً، وعن
ابن شهابٍ أن رسول الله وَّل بعثَ عبدَ الله بن حُذافة أيام منّى يطوف يقول :
((إنما هي أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله)). وأخرجه أحمد في (( المسند » ج٣
ص ٤٥٠ - ٤٥١ عن عبد الله بن حذافة، والدارقطني ج٢ ص٢١٢ من طريق
مسعود بن الحكم الزرقي حدَّثني عبدُ الله بن حُذافة .
(٢)
قوله (( بن يسار )) زيادة من ظ .
(٤) قوله (( قال: وهم)) إلى هنا سقط من ب.
(٣)
(( عن )) زيادة من ظ .
(٥) الحديثُ أخرجه مالكٌ في ((الموطأ)) ج١ ص٢٥٣ ( نكاح المحرم ) عن ربيعةً
عن سليمانَ بن يسار أن رسول الله وَّهِ بعثَ أبا رافعٍ ورجلاً من الأنصارِ فزوَّجاه
ميمونةَ .
=

٣٨٣
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
=
وأخرجه الترمذيُّ في الحج ج٣ ص ٢٠٠ عن مطرٍ عن ربيعةً عن سليمانَ بن
يسار عن أبي رافعٍ قال: ((تزوَّجَ رسولُ اللهِ له ميمونةَ وهو حلالٌ ... )).
قال أبو عيسى: (( هذا حديثٌ حَسَنٌ ولا نعلمُ أحداً أسنَدَه غیرَ حماد بن زيد
عن مطرٍ الورَّاق عن ربيعةً. ورواه مالكٌ عن ربيعةً عن سليمانَ عن النبيِّ وَّلـ
مرسلاً)). فقد لحظَ الترمذيُّ الفرقَ بين الإسنادينِ ، ونَّه عليه كما ينبغي .
وأخرجه أحمدُ في ((المسند)) ج٦ ص٣٩١، لكنْ من غيرِ طريقٍ ربيعةً
ولا سليمان بن يسار ، مما جعلَه لا يدخلُ في مقصودِ الشارحِ هنا .

٣٨٤
شرح علل الترمذي
· فَصْلٌ فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ وما يتفرَّعُ على شُروطِه ٥
وأما الحديثُ الحَسَنُ :
فقد بَيَّنَ الترمذيُّ مرادَه بالحَسَن ، وهو : ما كانَ حَسَنَ الإسنادِ ،
وفسَّرَ حُسْنَ الإسنادِ بأن لا يكونَ في إسنادِهِ متَّهم بالكَذِبِ ،
ولا یکونَ شاذاً ، ویروئ من غيرِ وجهٍ نحوه .
فكلُّ حديثٍ كانَ كذلكَ فهو عندَه حديثٌ حَسَنٌ .
وقد تقدَّمَ أنَّ الرواةَ منهم من يَتَّهم بالكَذِبِ ، [ب - ٦٥] ومنهم من
يغلِبُ على حديثِهِ الوَهم والغَلَطُ، ومنهم الثقةُ الذي يَقِلُّ (١) غَلَطُه،
ومنهم الثقةُ الذي يكثُر غَلَطُه .
فعلى ما ذكرهُ الترمذيُّ : كلُّ ما كانَ في إسناده متَّهمٌ فليسَ
بحَسَنٍ ، وما عداه فهو حَسَنٌ بشرطِ أن لا يكونَ شاذاً - والظاهرُ أنه
أرادَ بالشاذِّ ما قالهُ الشافعيُّ، وهو أن يرويَ الثقاتُ عن النبيِّ وَّه
خلافَهُ - وبشرط أن يُرْوى نحوُه من غيرِ وجهٍ ، يعني أن يُرْوَى معنى
ذلكَ الحديثِ من وجوه أُخرَ عن النبيِّ نَ ◌ّهِ بِغيرِ ذلكَ الإسنادِ .
فعلى هذا : الحديثُ الذي يرويهِ الثقةُ العدلُ ، ومن كَثُرَ غلطُه ،
ومن يغلِبُ على حديثِهِ الوَهَمُ ، إذا لم يكن أحدٌ منهم متَّهماً كلُّه
حَسَنٌ(٢) بشرطِ أن لا يكونَ شاذاً مخالفاً للأحاديثِ الصحيحةِ ،
(١) (( نقل )) ب ، تصحيف.
(٢) كذلك المستورُ الذي لم يُبْقَلْ فيه جرحٌ ولا تعديلٌ، ومن اختُلفَ في جرحِه
وتعديلِه ولم يرجح فيه شيءٌ، والمدلِّسُ إذا روئ بعن، والمختلطُ إذا روى بعدَ =

٣٨٥
فصل في الحديث الحسن وما يتفرع على شروطه
وبشرطِ أن يكونَ معناهُ قد رُوي من وجوهٍ متعدِّدةٍ (١).
O الاصطلاحاتُ المرَ گّبةُ عند الترمذيّ ٥
فإن كانَ مع ذلكَ من روايةِ الثقاتِ العدولِ الحفاظِ فالحديثُ
حينئذٍ حَسَنٌ صحيحٌ ، وإن كانَ معَ ذلكَ من روايةٍ غيرِهم من أهلِ
الصِّدقِ الذين في حديثِهِم وَهَمٌ وغلط - إما كثيرٌ أو غالبٌ عليهم(٢) -
الاختلاطِ ، كلُّ هؤلاءِ يدخلونَ في الحديثِ الحسنِ بشرطينِ ؛ هما :
=
أن لا يكونَ الحديثُ شاذاً . وأن يُروى من غيرِ وجهٍ بلفظهِ أو معناه .
وقد اعتُرضَ على هذا باعتراضين :
الأول : أنه أدخلَ فيه حديثَ الثقةِ، وهو من الصحيحِ لا من الحسنِ ، (( علوم
الحديث)) ص٢٦ و((شرح الألفية ) ج ١ ص٣٦ و (( فتح المغيّث)) ص٢٥ .
والجوابُ أن عبارةَ الترمذيِّ تشيرُ إلى عدمِ دخولِ حديثِ الثقةِ في الحسنِ ، لأن
قوله : ((غيرَ متهم بالكَذِب )) يشعرُ بأنه قاصرٌ عَن درجةِ الصحيحِ وعن درجةِ الحسنِ
لذاتِهِ ، لأنه يُشْعِرُ أنه تُكُلُّم فيه ، لكن لم يبلغ حدَّ من يتَّهم بالكذبَ.
وقد قلنا في ((منهج النقد)) ص ٢٥٠ : ((إنه لا يصلحُ أن يقصدَ الثقةَ بهذا
التعبيرِ ، لأنه يخفضُ منزلَته ، كما لا يصلحُ أن يقالَ عن السيفِ الصَّارمِ : إنه
خيرٌ من العَصا)).
الاعتراضُ الثاني: أنه شملَ حديثَ من غلبَ عليه الوهمُ والغلطُ ، وهذا
يُركُ حديثُه ولا يتقوَّى بوروده من طريقٍ آخر .
والجوابُ أنه يؤخذُ خروجُ هذا النوعِ من الحسنِ من كلامِ الترمذيِّ السابقِ ، فقد
ذكرَ: ((أن من كانَ مثَّهماً في الحديثِ بالكذبِ، أو كان مغفّلاً يخطىءُ الكثيرَ فالذي
اختارَه أكثرُ أهلِ الحديثِ من الأئمةِ أن لا يُشتَغَل بالروايةِ عنه » ص٧٨ .
(١) في ظ ((روئ متعدد)) وهو سقط ظاهر.
(٢) في هذا نظرٌ، لأن الرواةَ الذين يغلبُ على حديثِهم الغلطُ لا يدخلونَ في الحسنِ
لغيرِه ، لأن حديثَهم لا يتقوى ، بل يُتركُ حديثُهم ولا يشتَغَلُ به ، كما بينا في
التعليقة قبل السابقة ، وكما بينه الترمذي نفسه فيما سبق ص٧٨ .

٣٨٦
شرح علل الترمذي
فهو حَسَن ، ولو لَم يُرْوَ لفظُه إلا من ذلكَ الوجهِ ، لأنَّ المعتبَرَ أن
يُرْوَى معناه من غيرِ وجهٍ ، لا نفس لفظه .
وعلى هذا: فلا يشكلُ قوله: (( حديثٌ(١) حسنٌ غريبٌ))،
ولا قوله : (( صحيحٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرِفه إلا من هذا الوجهِ))، لأنَّ
مرادَه أن هذا اللفظَ لا يُعرف إلا من هذا الوجهِ.، لكن لمعناه شواهدُ
من غيرِ هذا الوجهِ ، وإن كانت شواهدُه بغيرِ لفظِه .
وهذا كما في حديثِ ((الأعمالُ بالنِيَّات))(٢)، فإن شواهدَه
كثيرةٌ جداً في السُّنة، مما (٣) يدُلُّ على أن المقاصدَ والنّيَّات
هي(٤) المؤثرةُ في الأعمالِ ، وأن الجزاءَ يقعُ على العملِ
بحسبٍ ما نُوِيَ به ، وإن لم يكنْ لفظُ حديثِ عمر مروياً من غیرِ
حديثه من وجهٍ يصِحّ(٥).
(١) قوله (( حديث )) ليس في ظ.
(٢) حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) أخرجه البخاريُّ في مطلع صحيحه ، وفي
مواضع أخر ، ومسلم ج٦ ص٤٨، والترمذي ج٤ ص١٧٩ ( فيمن يقاتل
رياء ) والنسائي ج١ ص٥٨ - ٦٠ وابن ماجه ص ١٣ - ١٤ . وسيأتي له ذكر قبيل
بحث زيادة الثقة .
(٣)
في ب (( كما )) وهو تصحيف .
(٤) قوله (( هي )) ليس في ظ .
(٥) ((صحيح)) ظ. قلت: وهذا الذي ذكرهُ الحافظُ ابنُ رجب، يلقي الضوءَ على
تصرُّف الترمذيِّ حيث قال في حديث ((إنما الأعمال بالنية)) ج٤ ص ١٨٠ :
(( هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ، وقد روى مالك بن أنسٍ وسفيانُ الثوريُّ وغيرُ
واحدٍ من الأئمة هذا عن يحيى بن سعيد ، ولا نعرفه إلا من حديثٍ يحيى بن
سعيد الأنصاريِّ » .

٣٨٧
فصل في الحديث الحسن وما يتفرع على شروطه
وبمعنى هذا الذي ذكرناهُ فسَّرَ ابنُ الصَّلاحِ(١) كلامَ الترمذيِّ في
معنى الحَسَن، غير أنه زادَ : (( أن لا يكونَ من روايةِ مغفَّلٍ كثيرٍ
الخطأٍ )).
وهذا لا(٢) يدُلُّ عليه كلامُ الترمذيِّ، لأنَّه إنما اعتبرَ أن لا يكون
راويه متهماً فقط. لكن قد (٣) يؤخذُ مما ذكرهُ الترمذيُّ قبلَ هذا : أنَّ
من كانَ مغفَّلاً كثيرَ الخطأ(٤) لا يُخْتَجُ بحديثِهِ ، ولا يُشْتَغَلُ بالروايةِ
عنه عند الأكثرينَ .
وقولُ الترمذيِّ: رحمهُ اللهُ: ((يُرْوَى من غيرِ وجهٍ نحوُ ذلكَ)) ،
[و] لم يقلْ: عن النبيِّ وَّهِ. فيحتَمِلُ أن يكون مرادُه عن النبيِّ وَّل ،
ويحتَمِل أن يُحمَلَ كلامُه على ظاهرِهِ ، وهو أن يكونَ معناه یروئ من
غيرِ وجهٍ ولو موقوفاً ، ليستَدَلَّ بذلكَ على أن هذا المرفوعَ له أصلٌ
يعتضِدُ به .
فقد وصفه الترمذيُّ بالحسن مع الصحة - مع أنه بيَّن غرابَتَه ، والحُسْنُ يقتضي
=
تعددَ السندٍ ، كما سيأتيكَ في تعليقنا على الحسنِ الصحيحِ - لما ذكره الحافظ
ابنُ رجب من كثرةٍ شواهده .
(١) في ((علوم الحديث)) ص٢٧ .
(٢) قوله (( لا )) سقط من ب .
(٣)
قوله (( قد )) ليس فى ظ .
(٤) التعبيرُ الدقيقُ هو قولُ الترمذيِّ: ((من كان مغفَّلاً يخطىءُ الكثيرَ)) . أي أنه
فاحشُ الغَلطِ ، الغالبُ عليه الوهم ، فلا يُشتَغَلُ بالروايةِ عنه .
وتمام هذا أن نقولَ : فابنُ الصلاح قيَّدَ بكونه مستوراً ليس مغفَّلاً كثير الخطأ
لأنه أرادَ أن اجتماع الخستين الستر والتغفيل قصورٌ لا يصلح معه جابر ،
کالاتّهام بالگذِبِ .

٣٨٨
شرح علل الترمذي
وهذا كما قال [آ - ٨٤] الشافعيُّ في الحديثِ المرسلِ: ((إنه إذا
عَضَدَهُ قولُ صحابيٍّ ، أو عملُ عامةِ أهلِ الفتوى به ، كانَ
صَحيحاً )).
وعلى هذا التفسيرِ الذي ذكرناهُ لكلام الترمذيِّ إنما يكونُ الحديثُ
صحيحاً حسناً إذا صحَّ إسناده برواية الثقاتِ العدولِ ، ولم يكنْ
شاذاً ، وروي نحوه من غير [ظ - ١٦١] وَجه .
وأما الصحيحُ المجرَّدُ فلا يُشترطُ فيه أن يروئ نحوه(١) من غير
وجهٍ، لكن لا بدّ(٢) أن لا يكون أيضاً شاذاً [- وهو ما روت الثقاتُ
خلافَه ، على ما يقوله الشافعيُّ والترمذيُّ -] ، فیکون حينئذٍ الصحیحُ
الحسنُ أقوى من الصَّحيحِ المجرَّدِ .
وقد يقالُ: إن الترمذيَّ إنما أرادَ(٣) بالحَسَنِ ما فسَّرَهُ بهِ ههنا إذا
ذُكِرَ الحسنُ مجرَّداً عن الصِّحةِ . فأما الحسنُ المقترنُ بالصَّحيح فلا
يحتاجُ إلى أن يُروى نحوُه من غيرِ وجهٍ ، لأنَّ صحَّتَه تغني عن
اعتضادِه(٤) بشواهدَ أُخر . والله أعلم .
° تحقيقُ قولِ الترمذيِّ حَسَنٌ صحيحٌ ٥
وقد اضطربَ الناسُ في جمعِ الترمذيِّ بينَ نْحَسَنِ والصَّحيحِ ،
(١) ( بجوهر )) ب ، وهو تصحيف.
(٢) في ظ وب ((لكن لا بد أيضاً)) بتقديم ((أيضاً)).
(٣)
في ظ وب ((إنما يريد)).
(٤) في ب ((اعتقاده)) وهو تصحيف .

٣٨٩
فصل في الحديث الحسن وما يتفرع على شروطه
لأن الحَسَنَ دونَ الصَّحيحِ ، فكيفَ يجتمعُ الحُسْنُ والصِّحَّةُ ، وكذلكَ
جمعه بين الحسنِ والغريبِ ، فإن الحسنَ عندَه ما تعددتْ مخارِجُه ،
والغريبَ(١) ما لم يُرُو إلا من وجهٍ واحدٍ .
فمنهم من قال : إن(٢) مرادَه أن الحديثَ حَسَنٌ لثقةِ رجاله وارتقى
من الحسنِ إلى درجةِ الصِّحَّةِ ، لأن رواته في نهايةِ مراتبِ الثقةِ ،
فحديثُهم حسنٌ، [و] صحيحٌ ، لجمعهم بين صفاتٍ من يُحسِّنُ حدیثُه
وصفاتٍ من يُصحَّحُ حديثُه . وعلى هذا فكل صحيحِ حسنٌ
ولا عكس، [ب - ٦٦]، ولهذا لا يكادُ يفرِدُ الصِّحَّةَ عن الحسن إلا
(٣)
نادراً(٣).
٥ تَتِمَّةٌ فِي الحَسَن لذَاتِهِ
والتوفيقٍ بين تعاريفِ الحَسَنِ ٥
وعلى هذا التفسيرِ فالحسنُ(٤) ما تقاصرَ عن درجةِ الصَّحيحِ ،
(١) قوله ((فإن الحسن)) إلى هنا سقط من ب.
(٢) قوله (( إن )) ليس في ظ وب.
(٣) لكنّ هذا التفسيرَ ضعيفٌ وكذا ما سبقَ من أنَّ الحسنَ المقترنَ بالصَّحيحِ
لا يحتاجُ أن يروئ من غيرِ وجهٍ ، لأننا هنا لسنا نضعُ شرطاً للحديثَ
الصَّحِيحِ ، بل نشرحُ اصطلاحاً للترمذيِّ ، والذي يدُلُّ عليه صنیعُه في كتابه أنه
يراعي تعددَ المخرَجِ في قوله (( حسن صحيح )) ، بدليل أنه يفرِّق بينه وبينَ قوله
(( حَسَنٌ صحيح غريبٌ)) وقوله (( حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ لا نعرِفه إلا من هذا
الوجه))، فلو لم يكنْ تعددُ السَّنَّدِ ملحوظاً في ((حَسَنٌ صحيح)) لما فَرَّقَ الإمامُ
التر مذيُّ بين هذه العبارات .
(٤) في ظ ((فالحسن إذن)) ليس فيها ((وعلى هذا التفسير)).
=

٣٩٠
شرح علل الترمذي
الكونِ رجاله لم يبلغوا من الصِّدقِ والحفظِ درجةَ رواةِ الصَّحيحِ ،
وهم الطبقةُ الثانيةُ من الثقاتِ الذين ذكّرَهم مسلمٌ في مقدِّمةٍ كتابهِ ،
وقيل إنه خَرَّجَ حديثَهم في المتابعاتِ(١) .
وهذا الحسنُ هو الذي(٢) أرادَه أبو داودَ بقوله: «خرَّجْتُ في
كتابي الصَّحيحَ وما يشبِهُهُ وما يقارِبُه)) .
وذكَرَ ابنُ الصَّلاحِ أن تفسيرَ الحَسَنِ بهذا المعنى(٣) هو قولُ
الخَطَّابيِّ، وليسَ هو قَوَلَ الترمذيِّ(٤).
(١) وهو الصحيحُ كما يدُلُّ عليه صنيعُ مسلمٍ في كتابه ، خلافاً لما اذَّعاهُ الحاكمُ في
((المدخلِ)) ص ٧ أن مسلماً أراد ((أنَ يخرج الصحيحَ على ثلاثةِ أقسامٍ من
الرواة فلما فرغَ من هذا القسمِ الأولِ أدركتهُ المنيَّة ».
وهؤلاء الرواة هم طبقةٌ اسم السَّتْر والصِّدق وتعاطي العلم يشمَلُهم ، كما
هي عبارة مسلم في ص٤ وانظر نقد الحاكم في (( شرح مسلم )) للنووي ج١
ص٢٣ - ٢٤ والتدريب ص ٤٥ - ٤٦ .
(٢) قوله (( الذي )) سقط من ب .
(٤) أي تفسيرُ قولِ أبي داود (( ما يشبِهُ الصَّحيحَ)) بأنه الحسن على قول الخطَّبيِّ
(٣)
قوله (( المعنى)) ليس في ظ وب .
وهو الحسنُ لذاتِهِ ، هذا التفسيرُ ليس هو قولَ الترمذيِّ يعني الحسنَ لغيرِه .
انظر ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص٢٣ و٢٦ -٢٨.
وعلى هذا فلا يصلُح تفسيرُ الحسن عند الترمذيٍّ بما تقاصرَ عن الضَّحيحِ
وهو الحسنُ لذاته ، بل يبقى على ظاهرِ تعريفِ الترمذيِّ ، وهو في نهايةٍ
الأمر الحديث الضعيف الذي انجبرَ بوروده من طريقٍ أخرى فارتقى إلى
الحسنِ ، وهذا هو الحقُّ والصوابُ . وانظر مزيداً من التحقيق في تعريف
الترمذي للحديث الحسن وردّ ما أثير عليه من نقد في أطروحتنا ص ١٦١ -
١٧١ .

٣٩١
فصل في الحديث الحسن وما يتفرع على شروطه
وذَكَرَ أن الحَسَنَ نوعانِ :
أحدُهما : ما ذكرَهُ الترمذيُّ : وهو : أن يكونَ راويهِ غيرَ متَّهم ،
ولا مغفِّلٍ كثيرِ الخطأ ولا صاحبِ فسقٍ ، ويكونَ متنُ الحديثِ قد
اعتضدَ بشاهدٍ آخرَ له ، فيخرُج بذلكَ عن أن يكونَ شاذاً ومنكراً .
والثاني : وهو قولُ الخَطَّابِيِّ : أن يكونَ رواته من المشهورينَ
بالصِّدقِ والأمانةِ غيرَ أنهم لم يبلغوا درجةَ رجالِ الصَّحيح لتقصيرِهم
عنهم في الإتقانِ والحفظِ ، ولا يكونَ الحديثُ شاذاً ولا منكراً
ولا معللاً .
O ◌ِّتكملةُ شَرْح الاصطلاحاتِ المركبة عند الترمذي O
وذكرَ(١) أن الترمذيَّ إذا جمعَ بين الحسنِ والصِّحةِ فمرادُه أنه رويَ
بإسنادينِ : أحدهما حَسَن ، والآخر صحيح .
وهذا فيه نَظَرٌ، لأنه يقولُ كثيراً: (( حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ
لا نعرفه(٢) إلا من هذا الوجه)).
وقد أجابَ عن ذلكَ بعضُ أكابرِ المتأخرين : بأنه قد يكونُ أصلُ
الحديثِ غريباً ، ثم تتعددُ طرقُه عن بعضِ رواتِهِ ، إما التابعي أو مَنْ
بعده ، فإنْ كانت تلك الطرقُ كلُّها صحيحةً فهو صحيحٌ غريبٌ ، وإن
كانتْ كلها حسنةً فهو حَسَنٌ غريبٌ ، وإن كانَ بعضُها صَحِيحاً
(١) أي ابن الصلاح.
(٢) (( يعرف )) ب .

٣٩٢
شرح علل الترمذي
وبعضُها حسناً فهو صحيحٌ حَسَنٌ غريبٌ(١) ، إذ الحسنُ عندَ الترمذيِّ
ما تعددتْ طُرُقه ، وليسَ فيها مثَّهم ، وليسَ شاذاً .
فإذا قالَ معَ ذلكَ: (( إنه غريبٌ لا يُعرَفُ إلا من ذلكَ الوجه))
حُمِل على أحدٍ شيئينٍ: إما أن تكونَ(٢) طرقُه قد تعدَّدتْ إلى أحدٍ
رواتِه الأصليين فيكون أصلُه غريباً ثم صارَ حسناً . وإما أن يكونَ
إسنادُه غريباً بحيث لا يُعرَفُ بذلكَ الإسنادِ إلا من هذا الوجهِ ، ومتنُه
حسناً بحيثُ رُوي من وجهين وأكثر(٣) - كما يقول : ((وفي البابِ عن
فلان وفلان)) - فيكون لمعناه شواهدُ تبيِّنُ أن متنَه حَسَنٌ وإن كانَ
إسنادُه غريباً .
وفي بعضِ هذا نظرٌ ، وهو بعيدٌ من مرادِ الترمذيِّ لمن تأمَّلَ
كلامَه(٤) .
ومن المتأخرينَ(٥) من قال: (( إن الحسنَ الصَّحيحَ عند الترمذيِّ
دونَ الصَّحيحِ المفردِ ، فإذا قال : صحيحٌ فقد جزَم بصخَّتِهِ ، وإذا
(١) قوله ((وإن كانت كلها حسنة)) إلى هنا سقط من ب، وقوله (( وإن كان
بعضها .. )) إلى هنا سقط من ظ .
(٢) قوله (( تكون )) ليس في ظ وب.
(٣) في ب ((وأكثرها)) وهو غلط .
(٤) ومن ذلكَ ما سيأتي في حديث حَمَّاد بن سلمة عن أبي العُشَراء عن أبيه ، فقد
تفرَّد به حماد عن أبي العشراء ، وتعدّد رواته عن حماد ، فلم يجعله الترمذيُّ
منِ الحسن ، بل حكمَ عليه أنه « غريبٌ لا نعرِفُه إلا من حديثٍ حَمّاد بن
سَلَمة .. )).
(٥) انظر هذا الرأي في (( اختصار علوم الحديث)) للحافظ ابن كثير ص ٤٧ .

٣٩٣
فصل في الحديث الحسن وما يتفرع على شروطه
قال : حَسَنٌ صحيحٌ فمرادُه [آ - ٨٥] أنه جَمَع طَرفاً من الصِّحَّةِ وطرفاً
من الحسنِ ، وليس بصحيحٍ محضٍ، بل حسنٌ مَشُوبٌ(١) بصِحَة ،
كما يقال في المُزِّ : إنه حُلوٌ حامِضٌ، باعتبارِ أن فيه حلاوةً
وحموضَةً )).
وهذا بعيدٌ جِداً ، فإنَّ الترمذيَّ يجمعُ بين الحسنِ والصِّحةِ ، في
غالبِ الأحاديثِ الصحيحةِ المتَّفقِ على صِحَّتها ، والتي أسانيدُها في
أعلى درجةِ الصِّحَّةِ ، كمالكِ عن نافع عن ابن عمر ، والزهريِّ عن
سالمٍ عن أبيهِ ، ولا يكادُ الترمذيُّ يفْردُ الصِّحَّةَ إلا نادراً ، وليس
ما أفردَ فيه الصِّحةَ بأقوى مما جمعَ فيه بين الصِّحَّة والحسنِ(٢).
(١) ((مشرب)). ظ وب.
(٢) استشكلَ العلماءُ هذه الاصطلاحاتِ المركّبةَ في كتابِ الإمام الترمذيِّ وهي :
((صحيحٌ غريبٌ))، ((حَسَنٌ صحيحٌ))، ((حَسَنٌ غريبٌ))،َ ((حَسَنٌ صحيحٌ
غريبٌ)) . وتعددت الأجوبةُ فيها كثيراً حتى بلغتْ في قوله (( حسن صحيح ))
أكثرَ من عشرةٍ آراء ، وعُنينا بتحقيقِ شرحٍ هذه العباراتِ في بحثٍ موسّع في
أطر وحتنا صٍ ١٨٥ - ١٩٩ اعتمدنا فيه على تحليلٍ تعاريفِ الترمذي ، واستقراءٍ
كتابِهِ حتى خلّصنا الموضوعَ من هذا الخِضَمِّ المختلِفِ من الآراءِ ، فارجع إليها
لزاماً . ونسوقُ هنا نتيجةَ التحقيق فنقولُ :
١ - قولُ الترمذيِّ: ((صحيحٌ غريبٌ)): معناهُ أن الحديثَ قد جمعَ بين
الصِّحَّةِ والغرابةِ ، أي تفرَّدَ الراوي به ، والحديثُ الغريبُ قد يكونُ صحيحاً ،
وقد يكونُ حَسَناً ، وقد يكونُ ضَعيفاً .
٢- قولُ الترمذيِّ: ((حَسَنٌ صحيحٌ)): معناه أنه تعدَّدتْ أسانيدُ
الحديثِ ، وبلغَ درجةَ الصِّحَّةِ . فجمعَ الحسن إلى الصِّحَّةِ ليبينَ أنه خرجَ
عن حَدِّ الغرابة .
٣- قولُ الترمذيِّ: ((حسنٌ غريبٌ)): إن كانت الغرابةُ في السَّنَدِ والمتنِ =