النص المفهرس
صفحات 301-320
٢٣٤ شرح علل الترمذي فإنَّ إقرارِي بها كقراءتي عليكم )). حَدَّثنا سويدُ بن نصرٍ أنا عليٌّ بنُ الحسينِ بنِ واقد عن أبيه عن منصورٍ بن المُعْتَمر قال : (( إذا ناولَ الرجلُ كتابَه آخرَ فقال : ارْوِ هذا عَنِّي فله أن يروِيَه )) . قال أبو عيسى : وسمعتُ محمدَ بن إسماعيلَ يقولُ : (( سألتُ أبا عاصم النبيلَ عن حديثٍ، قال: اقرأْ عَليَّ ، فأحببتُ أن يقرأَ هو ، فقال : أنتَ لا تجيزُ القراءة ، وكان سفيانُ الثوريُّ ومالكُ بن أنسٍ يجيزانِ القراءةَ؟!)). حَدَّثنا أحمدُ بن الحسن(١) ثنا يحيى بن سليمانَ الجُعْفِيُّ المِصْريُّ قال: قال عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ: (( ما قلتُ : ثنا ، فهو ما سمعتُ معَ الناسِ ، وما قلتُ : حَدَّثني، فهو ما سمعتُ وحدي ، وما قلتُ : أنا، فهو ما قُرِىءَ على العالِم وأنا شاهدٌ ، وما قلتُ : أخبَرَني، فهو ما قرأتُ على العالِمِ)) يعنيَ أَنا وَحْدِي . سمعتُ أبا موسى محمدَ بن المثَنى يقولُ : سمعتُ يحيى بنَ سعيد القطَّانَ يقولُ: (( ثنا وأنا واحدٌ)). (١) ((أحمد بن الحسين)) ب . وهو تصحيف . ٢٣٥ فصل من قوانين رواية الحديث قال أبو عيسى: ((وكُنَّا عندَ أبي مصعب المديني، فقُرِىءَ عليه بعضُ حديثِهِ ، فلما فَرَغَ منهُ ، قلتُ : كيفَ نَقُولُ ؟ قال قُلْ: ثنا أبو مُصْعَب)). قال أبو عيسى: وقد أجازَ بعضُ أهلِ العلم الإجازَةَ . [ب - ٣٦] وإذا أجازَ العالمُ لأحدٍ (١) أن يرويَ عنه شيئاً مِنْ حَدِيثِهِ فَلَهُ أن یروي عنه . حَدَّثنا محمودُ بنُ غيلان أنا وكيعٌ عن عِمرانَ بن حُدَيْر عن أبي مِجْلَزْ عن بَشِير بن نَهيك قال: (( كتبتُ كتاباً عن [آ - ٥٣] أبي هريرةَ ، فقلتُ : أرويه عنكَ؟ قال: نَعَمْ)). أخبرنا محمدُ بن إسماعيلَ الواسِطِيُّ ثنا محمدُ بن الحسنِ الواسِطِيُّ عن عَوْفٍ الأعرابيِّ قال: ((قال رجلٌ للحسنِ : عندي بعضُ حديثك ، أرويه عنكَ ؟ قال: نعم)). قال أبو عيسى : ومحمدُ بن الحسن الواسطيُّ إنما يُعْرَفُ بمَحْبوب بن الحسن ، وقد حَدَّثَ عنه غيرُ واحدٍ من الأئمةِ . حَدَّثنا الجارودُ نا أنسُ بن عياض عن عبيد الله(٢) بن عُمر (١) ((لآخر)) ظ . (٢) ((عبد الله )) ب. ٢٣٦ شرح علل الترمذي قال : (( أتيتُ الزهريَّ بكتابٍ ، فقلتُ : هذا من حديثِكَ ، أرويهِ عنكَ ؟ قال : نعم)) . حَذَّثنا أبو بكر عَنْ عليٍّ بن عبدِ اللهِ عن يحيى بن سعيد قال : ((جاءَ ابنُ جُرَيج إلى هشام بن عُروَةَ بكتابٍ ، فقال : هذا حديثُك، أرويهِ عَنكَ؟ قال: نعم)) . قال يحيى: ((فقلتُ في نفسي : لا أدري أيُّهما أعجبُ أمراً)). قال عليٌّ: (( سألتُ يحيى عن حديثٍ ابن جُرَيْج عن عطاء الخراسانيِّ ؟ فقال : ضعيفٌ . فقلتُ : إنه يقول : أخبرني ؟ قال: لا شيءَ، إنما هو كتابٌ دَفَعَهُ إليهِ)) ) . ذكرَ الترمذيُّ رحمهُ اللهُ تعالى ههنا مسائلَ من مسائلِ تحَمُّلٍ الحدیثِ وروايتهِ . المسألة الأولى : مسألةُ العَرْضِ وهو القراءَةُ على العالِمِ وقد ذكرَ(١) أنه صحيحٌ عندَ أهل الحديثِ ، مثلُ السماع من لفظٍ العالِمِ ، وهذا يُشْعِرُ بحكايةِ الإجماع على ذلك . وقد ذكرَ جَوازَهُ عن (١) (( ذكرنا )) ب، وهو غلط. ٢٣٧ فصل من قوانین رواية الحديث عطاءٍ ، وسفيانَ الثوريّ(١) ، ومالكِ، وابن وَهْبٍ . وأما الأثرُ الذي أسنَدَه عن ابن عباسٍ فلا يَصِحُّ . وأبو عِصْمة - في إسناده - هو نوحُ بنُ أبي مَرْیم . وقد خَرَّجه عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدِ الحافظُ في كتابِ (( أدب المحدِّثِ والمحدَّثِ )) من طريقٍ نُعَيْمٍ بن حَمَّادٍ ثنا نوعُ بن أبي مريم عن يزيدَ النحويِّ ، به(٢) ، فذكَرَهُ . وخرّج أيضاً من طريقٍ نُعَيْم بن حَمَّاد (٣) ثنا نوحُ بن أبي مريم عن أبي إسحاقَ عن هُبَيْرةَ عن عليَّ قال: ((القراءةُ على العالمِ والسَّماعُ منه بمنزلةٍ (٤))) . ونوحُ بنُ أبي مريمَ مشهورٌ بالكَذبِ ووَضْعِ الحَدِيثِ . وخَرَّجَهُ أبو بكر الخطيبُ(٥) من طريقِ سَلَم بن سالم عن نوحٍ بن أبي مريمَ ، به(٦) . وخَرَّجَ أيضاً حديثَ ابنِ عبَّاسٍ من طريق الحسين بن الحسن الأشقر عن سَلْم بن سالم عن زياد بن أبي مريمَ عن يزيدَ النحويِّ به ، ثم قال : (( هكذا قال : عن زيادِ بن أبي مريمَ ، والصواب : نوح بن أبي مريم )). (١) قوله (( الثوري )) زيادة من ظ . (٢) قوله (( به)) ليس في ظ وب. ومعنى ((به)) أي بسندِه المذكور سابقاً. (٣) قوله (( بن حماد )) ليس في ظ . (٤) يعني بمنزلةٍ واحدةٍ . في ((الكفاية)) ص ٢٦٣ . (٥) (٦) أي بسنده السابق . ٢٣٨ شرح علل الترمذي وخَرَّجَ الخطيبُ أيضاً (١) من طريق أبي مقاتلِ السَّمر قنديٍّ عن سفيانَ عن الأعمشِ عن أبي ظَبْيان عن عليٍّ قال: ((القراءَةُ على العالِمِ أصحُ من قراءةِ العالِمِ، بعد ما أقرَّ أنَّه حديثه)). وهذا أيضاً كذبٌ على سفيانَ، وأبو مقاتل قد تقدَّم(٢) أنه متَّهمٌ بالكذبِ . وخَرَّجَ الرامهر مزيُّ في كتابِهِ (المحدِّثُ الفاصلُ))(٣) من طريقٍ محمدٍ بن منصور الجوَّاز عن يحيى بن سُلَيْم عن ابن جُرَيْج عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ((اقرؤا عليَّ، فإنَّ قراءَتكم عليَّ كقراءتي علیگُم )) . ويحيى بن سُلَيْم تَرَكَهُ أحمدُ(٤). ولعلَّ ابنَ جُرَيج دلَّسَهُ عن غيرِ ثِقَةٍ . وخَرَّجَ الخطيب(٥) من طريقٍ إسحاقَ بن الضَّيفِ عن إبراهيمَ بن الحكم حَدَّثني أبي عن عكرمةَ قال: قال ابن عبّاس: ((اقرؤوا عليَّ، فإنَّ قراءَتكم عليَّ كقراءتي عليكم )). و(٦) إبراهيمُ بن الحَكَم ضعيفٌ . (١) في ((الكفاية)) ص ٢٧٤. (٢) في صفحة ٩٩ - ١٠٢ . وقوله (( قد )) ليس في ظ وب. (٣) ص٤٢٩ . (٤) يحيى بن سُلَيم الطائفي (( صدوقٌ صاحبُ كتابٍ ، منكرُ الحديثِ عن عبيد الله بن عمر ... )) انظر (( المغني )) ٦٩٨٦ وغيره . (٥) في ((الكفاية)) ص٢٦٤ . (٦) الواو من ظ وب . ٢٣٩ فصل من قوانین رواية الحديث ورواهُ أيضاً حفصُ بنُ عمرَ (١) العَدَنيُّ - وهو ضَعِيفٌ - عنِ الحَكَمِ (٢) بن أبان بنحوِ سياقٍ أبي عِصْمةَ نوحٍ بن أبي مريمَ ، خَرَّجُه البيهقيُّ من طريقه [آ - ٥٤] ولا يصحُّ هذا عن عليٍّ، ولا عن ابن عبَّاسٍ . وقد رُويَ عن أبي هريرةً من طريقٍ عليٍّ بن مَعْبَد (٣): ثنا شعيبُ بن إسحاقَ الدمشقيُّ عن سعيدٍ بن أبي عَروبَةَ عن قتادةَ إن شاءَ اللهُ عن بَشِير (٤) بن نَهيكِ قال: (( كنتُ آتي أبا هريرةَ فَآخذُ منه الكُتُبَ ، فأنسَخُها ، ثم اقرؤُها عليه ، فأقولُ : هذه سمعتُها منكَ ؟ فيقولُ: نعم )) : هذا إسنادٌ مشكوٌ فيه ، والصحيحُ عن بَشِير بن نَهِيك خلافُ هذا اللفظِ ، وسنذكُرُه . وقد رُويَ عن طائفةٍ من التَّابعينَ ومَنْ بعدَهم . قال مروانُ بنُ معاويةً عن عاصم الأحولِ : (( قرأتُ على الشَّعبيِّ أحاديثَ ، فأجازها لي)). ورُويَ أيضاً عن مروانَ عن إسماعيلَ عن الشعبيِّ(٥) مثلُه . (١) ((بن عمرو)) ظ وب، وهو تصحيفٌ، وقد أعلم في ظ بالضبة فوق الواو ، إشارة لذلك . (٢) (( الحكم )) ليس في ظ وب . (٣) ((سعيد )) ظ وب . (٤) (( نسير)) ب ، وهو تصحيف . (٥) من قوله (( أحاديث )) حتى هنا سقط من ظ. ٢٤٠ شرح علل الترمذي وروى أبو حُمَةَ (١) ثنا عبدُ الرزاقِ أنا مَعْمَر عن أيوبَ عن ابن سيرينَ أنه كان يجيزُ العَرْضَ . وروى داودُ بن عطاءِ المدينيُّ - وفيه ضَعْفٌ - عن هشام بن (٢) عروة عن أبيهِ قال: ((عَرْضُ الكتابِ والحديثِ سواءٌ)). وعن جعفر بن [ب ـ ٣] محمد عن أبيه مثله . وروى حنبلُ بن إسحاقَ والأثرمُ قالا : نا(٣) أبو عبد الله نا(٣) محمدُ بن الحسن الواسطيُّ ثنا عوفٌ أن رجلاً قال للحسنِ: (( معي أحاديثُ فإن لم تكنْ ترئ بالقراءةِ بأساً قرأتُ عليك)). قال : ((ما أبالي [ظ - ١٣٧] قرأتُ عليكَ، أو قرأتَ عليَّ وأخبرتُكَ أنه حديثي ، أو حدَّثتكَ به)). قال: يا أبا سعيد ، فأقول: حَدَّثني الحسنُ ؟ قال: ((نعم)). ورواه يحيى بنُ مَعِين عن محمدٍ بن الحسن الواسطيِّ أيضاً . وخَرَّجَهُ البخاريُّ في ((صحيحِهِ)) عن (٤) محمدِ بن سَلامٍ نا محمد بن الحسنِ الواسطيُّ عن عوفٍ (٥) عن الحسن قال: (( لا بأسَ بالقراءةِ على العالِمٍ)). (١) بياض في ظ. وفي ب ((حمّه)). وقد كتبت في الأصل كلمة ((خف)) فوق ((حمه)). أي أنها ليست مشددة. وأبو حُمَّةً هو محمد بن يوسف الزَّبيدي. صدوق (٢) ((عن عروة)) ظ. وهو سبق قلم. (٣) في ظ وب ((أنبا)). (٤) في ظ ((وخَرَّج البخاريُّ في ((صحيحه)) عن محمد)). وانظر (( صحيح البخاري)) كتاب العلم (القراءة والعرض على المحدث) ج١ ص١٨ . (٥) ((عون)) ظ ، وهو تصحيف . ٢٤١ فصل من قوانین رواية الحديث ومحمدُ بنُ الحسنِ الواسطيُّ هو الذي ذكرَ الترمذيُّ هاهنا أنه يقال له : محبُوب . وقد قال ابنُ مَعِين : لا بأسَ به، وخَرَّجَ لهُ البخاريُّ في «صحيحه))، وضعَّفَهُ النسائيُّ. وهذا يخالفُ اللفظَ الذي خَرَّجَهُ الترمذيُّ عن محمدٍ بن إسماعيلَ، وهو الحسَّانيُ(١). وقد رواه محمدُ بن مَخْلَدِ العطارُ عن الحسَّانيِّ كما رواهُ عنه الترمذيُّ، إلاَّ أنَّ لفظَه: (( قال رجلٌ للحسنِ : إنَّ عندي كتاباً من عِلمكَ فأرويهِ عنكَ ؟ قال: نعم)). وفي روايتهِ أنَّ محمدَ بن الحسنِ الواسطيُّ هو المُزَنِيُّ (٢). (١) ((الحسباني)) ب، في الموضعين، وهو تَصْحِيفٌ. (٢) ورَجَّحَه الحافظُ ابنُ حجر ، کما تدُلُّ عليه ترجمته في « هدي الساري » ج٢ ص١٥٩ ولفظه فيها : ((خ ت/ محمدُ بن الحسنِ المزنيُّ الواسطيُّ القاضي، وثَّقْه ابنُ مَعِين وغيرُه، وذكره ابنُ حِبَّان في ((الضُعفاءِ))، وأعاده في ((الثَّقاتِ!)). قلتُ: مالهُ في البخاريِّ سوى أثرٍ واحدٍ ذكره في كتابِ العلمِ موقوفاً على الحسنِ البصريِّ )). انتهى كلامُه في (( هدي الساري)). وقارنه بكلامهِ على محمدِ بن الحسنِ المشهورِ بمخْبُوب ، ١٦٤/٢ ولفظه: ((خ ت / محبوبُ بن الحسنِ البصريِّ ، أبو جعفر. يقال : اسمه محمد. وفي المُحَمَّدِينَ ذَكَّرَهُ المزي. قال ابن مَعِين: (( ليسَ به بأس)). وضعَّفَه النسائيُّ. وقال أبو حَاتِم: ((ليسَ بقَوي)). وقال أبو داود: (( كان يرى شيئاً من القَدَر )). قلت : (( له في البخاريِّ حديثٌ واحدٌ في كتابِ الأحكامِ عن خالدِ الحَذّاء مقروناً بغيره . وروى له الترمذيُّ)) . انتهى. = ٢٤٢ شرح علل الترمذي والمُزَنيُّ كان قاضيَ واسط ، ليسَ هو محْبُوباً ، وهو أيضاً ثِقَةٌ ، خَرَّجَ له البخاريُّ، وقال أحمدُ: (( ليسَ به بأسٌ)). وقيلَ: إنَّ محَبُوباً بصريٌّ ليسَ بواسِطِيٍّ . وخَرَّجَ الرَّامَهُرُ مُزيُّ (١) هذا الحديثَ من طريقٍ إسحاقَ بن عيسى نا محمدُ بن الحُصين الواسطيُّ قال: ( وقال في موضع آخرَ : ثناه )(٢) محمدُ بن يزيدَ (٣) الواسطيُّ ثنا عوفٌ فذكره . قلتُ : ما كأنَّ إسحاقَ حفظَ نسبَ هذا الرَّجُلِ . وممَّنْ رُويَ عنهُ الرُّخصةُ في العَرْضِ : من التابعينَ ومَنْ بعدَهم : مكحولٌ ، والزهريُّ ، وأيوبُ السَّخِتيانيُّ ، ومنصورُ بن المعتمرِ ، وشَرِيكٌ . وهوَ قولُ الثوريٍّ ، والأوزاعيِّ ، ومالكِ، ومِسْعَرٍ ، وأبي حنيفةَ ، والليثِ بنِ سعدٍ ، وابنِ عُيينةَ ، والشافعيِّ ، وأحمدَ ، وغيرِهم من أهل العلمِ . وكانَ شعبةُ يبالغُ فيقولُ: ((القراءةُ عندي أثبتُ من السَّمَاعِ)»، ووافقهُ على ذلك يحيى القطَّان ، وعبد الرحمنِ بنُ مهدي . وقَد جزمَ هنا بأنَّه بصريٌّ ، لكنْ لم يجزِمُ باسمِهِ . = وقد جزمَ في ((التقريبِ)) بأنَّ اسمَه محمد، وقال: ((محمدُ بنُ الحسنِ بن هلال بن أبي زينب فيروز ، أبو جعفر أو أبو الحسن ، لقبه محبُوب ، صدَوقٌ فيه لِينٌ ، ورُمي بالقَدَر، من التاسعة)). (١) في ((المحدث الفاصل)) ص٤٢٦ - ٤٢٧. وانظر ((الكفاية)) ص ٢٦٥، وانظر (( جامع بيان العلم وفضله )) ج١ ص ١٧٧ . (٢) في ب ((وقال موضع أخبرناه)) وهو سقط وتحريف . (٣) قوله ((نا محمد بن الحصين)) إلى هنا سقط من ظ . والمثبتُ موافقٌ لـ((المحدِّث الفاصل)). ٢٤٣ فصل من قوانين رواية الحديث ورُويَ نحوُهُ(١) عن ابن أبي ذِئْبٍ ، وأبي حنيفةً ، ومالكِ، واللَّيثِ ، والثوريِّ . وهو قولُ أبي حاتم ، وأبي عُبيد . وقال إسحاقُ بن هانىء: (( كنتُ أقرأُ على أبي عبدِ الله - يعني أحمدَ - الحديثَ وأنا أنظرُ في كتابهِ ، وهو ينظرُ معي ، فقال لي(٢): هذا أحبُّ إليَّ من أن أقرأ أنا عليك ، قلتُ له : أقولُ : حَدَّثني ؟ قال : قُلْ إن شِئْتَ، ولكنْ أحبُّ إليَّ (٣) أن تَصْدُقَ أن تقولَ: قرأتُ(٤))). في ظ (( عنه))، وهو تصحيف. (١) (٢) ((لي)) ليس في ب . (٣) ((إليَّ)) ليس في ظ. و((أن)) الثانية زيادة من ظ. ((أن تقول)) سقط من ب. (٤) ذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى ترجيح السَّماعِ من المحدِّث على قراءةِ الطَّالبِ على المحدّثِ وهو يسمعُ، وهو الَعَزْضُ،َ واستدلُّوا لترجيحِ السَّماع بأنه الوسيلةُ التي تلقَّى بها الصحابةُ الحديثَ من النبيِّ وَّ ثم رووه بها للناسِ أيضَاً . ورجَّحَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ العَزْضَ على السَّماعِ، واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ رعايةَ الطالبِ أشدّ عادةً وطبيعةً ، وبأنه يتعاضَدُ على الضبطِ في العرض كلٌّ من الشيخِ والطالبِ . انظر ((الإلماع)) للقاضي عياض ص٦٩ وما بعد ، و(( علوم الحديث)) لابن الصلاح ص١٢٢ و((شرح التوضيح)) لصَذْر الشريعة مع ((حاشية التلويح)) للتفتازاني ٢/ ١٢. والتحقيقُ في ذلكَ هو التوفيقُ بين الرأيينِ بحَسَبِ ما يتحقَّقُ المزيدُ من الضَّبطِ في التحمُّل ، أخرجَ ابنُ عبد البر في (( جامع بيان العلم وفضله )) ج٢ ص١٧٨ والقاضي عياض في كتابه الإلماع)). ص٧٤ عن الإمام مالكِ أنَّه سُئِلَ ((أَفَيَغْرِضُ عليك الرجلُ أحبُّ إليكَ أو تحدِّثه؟)) قال: (( بل يَعرِضُ إذا كانَ يتثبَّتُ في قراءَتِهِ ، فربما غَلِطَ الذي يحدِّث، أو ينسى)). انتهى. واللفظُ لابن عبد البر، وهو يفيدُ أن العَزْضَ إذا لم يحقّقْ زيادةَ ضَبْطٍ لا يفضُلُ على السَّماعِ . ٢٤٤ شرح علل الترمذي وكَرِهَ طائفةٌ العَرْضَ : منهم وكيعٌ ، ومحمدُ بن سلام ، وأبو مُسْهِرٍ ، وأبو عاصمٍ ، وحُكِيَ ذلك عن أهلِ العراقِ جملةً(١) ، وكانَ مالكٌ ينكِرُه عليهم . وروى بشرُ بن الوليدِ عن أبي يوسفَ عن أبي حنيفةً قال: (( لا يَحِلُّ للرجلِ أن يرويَ الحديثَ إلا إذا سمِعَهُ من فَم المحدِّثِ، فيحفظُه ثم يحدِّثُ به(٢))). واستدَلَّ البخاريُّ وغيرُه على صِحَّةِ العَرْضِ بحديثٍ ضِمَام بن [آ _ ٥٥] ثَعْلَبَةَ(٣) ، وقد ذكرَ الترمذيُّ ذلكَ عندَ تخريجهِ لحديثِهِ في (١) مَنْ حكىُ ذلكَ لم يحقّق ، إنما هو رأيٌ منقَرِضٌ لبعضِ المتشدِّدين من أهلِ العراقِ ، ثم انتهى الخلافُ، وتمَّ الإجماعُ على جوازِ التَّحَمُّلِ بالعَرْضِ . قال الحافظُ ابنُ حجر في ((فتح الباري)) ج١ ص١١٠: (( قلتُ: وقد انقرضَ الخلافُ في كونِ القراءةِ على الشيخ لا تُجزىءُ ، وإنما كان يقولُه بعضُ المتشدِّدينَ من أهلِ العراقِ)) انتهى. وانظَرَ الروايةَ عن مالكٍ في (( المحدث الفاصل )) ص٤٢١ . (٢) المحفوظُ عن أبي حنيفةً أنه يجيزُ العَزْضَ، بل يرجِّحُه على السماع ، كما سبقَ أن ذكرَ الشارحُ ذلكَ ، وهذا النقلُ ليسَ معناهُ ما ذكَرَه الشارحُ ابنُ رجب ، بل مرادُه أنه إذا تحمَّل الحديثَ ونسيَهُ لا يَعْتَمِدُ على كتابهِ عندَ أبي حنيفةَ ، وهو مذهب أبي حنيفةً تحقيقاً ، كما هو ثابتٌ في مصادرِ أصولِ فقهِ الحنفية ، انظر ((شرح التوضيح)) و((حاشية التلويح)) عليه للتفتازاني ج٢ ص١٢، وغيره . و((الكفاية)) ص٢٣١ . (٣) ولفظُه عن أنسٍ رضي الله عنه قال: بينما نحنُ جلوسٌ مع النبيِّ وَِّ في المسجدِ دخلَ رجلٌ علَى جَمَلٍ ، فأناخَه في المسجدِ ثم عَقَله ، ثم قال لهم : أيكم محمدٌ؟ والنبيُّ نَّهِ متكىءٌ بينَ ظَهْرَانيهم، فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ المتكىُ. فقال له الرجلُ: ابنَ عبد المطلب! فقال له النبيُّ وَّ: قد أجبتُكَ .= ٢٤٥ فصل من قوانين رواية الحديث أوَّلِ كتابِ الزَّكَاةِ (١). واستدَلَّ مالكٌ وغيرُهُ بعَرْضِ القُرآنِ على القارىءِ ، وبقراءَةٍ الصَّحِيفةِ بالدَّيْنِ على مَنْ عليه الحقُّ ، فيقرُّ بها، فيُشهد عليه(٢). وقد اشترطَ الترمذيُّ لصحَّةِ العَرْضِ على العالِمِ أن يكونَ العالمُ حافِظاً لما يُعرَضُ عليه ، أو يمسِكُ أصلَهُ بَيَدِه عندَ العَرْضِ عليه إذا لم يكنْ حافظاً . = فقال الرجلُ للنبيِّوَّهِ: إني سائِلُكَ فمشدِّدٌ عليك في المسألةِ، فلا تجدْ عليَّ في نفسِكَ . فقال : سَلْ عما بدا لك. فقال: أسألكَ برِبِّكَ وربِّ مَنْ قبلكَ اللهُ أَرْسِلكَ إلى النَّاسِ كلُّهم ؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أَنْشُدُك باللهِ آللهُ أمركَ أن نصلّيَ الصلواتِ الخمسَ في اليومِ والليلةِ ؟ قال : اللهمَّ نعم . قال : أنشُدُكَ بالله اللهُ أمركَ أن تأخذَ هذه الصَّدَقَةَ من أغنيائِنا فتقسِمَها على فقرائِنا ؟ فقال النبيُّ ◌َّ: اللهمَّ نعم . فقال الرجلُ: ((آمنتُ بما جئتَ به ، وأنا رسولُ مَنْ ورائي مِنْ قومي ، وأنا ضِمَامُ بن ثعلبةَ أخو بني سَعْدٍ بن بكر )). البخاري في العلم (باب القراءة والعرض على المحدث ) ج١ ص١٩، ومسلم في أول ((صحيحه)) ص٣٢ . (١) ج٣ ص١٤ - ١٥ من ((جامع الترمذيِّ))، ولفظه: (( سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقولُ: قال بعضُ أهلِ العلمِ: (( فقهُ هذا الحديثِ أنَّ القراءةَ على العالمِ والعرضَ عليه جائزٌ ، مثلُ السَّماعَ، واحتجَّ بأنَّ الأعرابيَّ عَرَضَ على النبيِّ وَّه، فأقرَّ به النبيُّ نََّ)) انتهى. ولم يذكر البخاريُّ هذا الاستنباطَ في صحيحه ، بل اكتفى بالإشارة إليه في ترجمة الباب . (٢) ((ويشهد عليه)) ظ وب. قلت: ذكره البخاري عن مالك ج١ ص١٨ فقالَ: (( واحتجَّ مالكٌ بالصَّكَّ يُقْرَأُ على القوم، فيقولون: أشهدَنا فلان ، ويُقرأُ ذلك عليهم قراءةً. ويُقرأُ على المقرىءَ، فيقول القارىءُ: أقرأني فلانٌ)). انتهى . أي أقرأني القرآنَ، ويُقبَلُ ذلكَ منه بلا خِلاف . ٢٤٦ شرح علل الترمذي ومفهومُ كلامِهِ أنه إذا لم يكن المعروضُ عليهِ حافظاً ولا أمسكَ أصلَهُ أنه لا تجوزُ الروايةُ عنه بذلكَ العَرْضِ . وقد قال أحمدُ في روايةٍ حنبل : ((لا بأسَ بالقراءَةِ إذا كانَ رجلٌ يَعْرِفُ ويفهَمُ ويبيِّنُ ذلكَ )) . قال سعيدُ بن مروان البغداديُّ(١) : سمعتُ يحيى بن إسماعيلَ الواسطيَّ يقولُ: ((القراءةُ على مالك بن أنسٍ مثلُ(٢) السَّماعِ من غيرِه )) . وهذا يَرْجِعُ إلى أصلٍ : وهو أنَّ الضَّريرَ والأميَّ إذا لم يحفظا الحديثَ ، فإنَّه لا تجوزُ الروايةُ عنهما ، ولا تلقينُهما ، ولا القراءةُ عليهما من كتابٍ . وقد نَصَّ على ذلكَ أحمدُ - في رواية عبدِ اللهِ - في الضَّريرِ والأميِّ : لا يجوزُ أن يحدِّثا إلا بما يحفظا، وقال: (( كانَ أبو معاويةَ الضريرُ إذا حَدَّثنا بالشيءِ الذي نرى أنه لا يحفَظُه يقولُ : في كتابي كذا وكذا ، ولا يقولُ : ثنا ولا سمعتُ)). وكذلكَ قال يحيى بن مَعِين في الضَّرِيرِ والأميِّ ، نقلَهُ عنه عبدُ اللهِ بن أحمد ، وعبَّاسٌ الدُّورِيُّ . [ب - ٣٨] وقال أبو خَيْثَمَةَ: ((كانَ يُعابُ على يزيد بن هارون أنه (١) في الأصل هنا زيادة ((يقول)) وهي سهو . (٢) قوله (( مثل)) سقط من ظ. ٢٤٧ فصل من قوانین رواية الحديث كانَ بعد ما أُضِرَّ يأمرُ مَنْ يلقِّنُه حديثَه من كتابِهِ ويتحقَّظه))(١) . وأنكرَ طائفةٌ على من كان يكتُبُ من كُتُبٍ موسى بن عُبَيدة(٢) الرَّبَذِي ثم يقرَؤها عليه ، وكان أعمى . وذكرَ ابنُ المديني عن أبي معاويةَ الضَّريرِ أنه قال: (( ما سمِعْتُه من الشيخ وحفظْتُه عنه قلتُ : ثنا ، وما قُرِىءَ عليَّ من الكُتُبِ قلتُ : ذَكَرَ فلانٌ )» . وكانَ(٣) عبد الرَّزَّاقِ يتلقَّنُ ممن يَبِقُ به ، كما كانَ يزيدُ بن هارون يفعَلُه . وعلى قولِ هؤلاءِ يجوزُ العَرْضُ على الشيخ وإن كان ضَريراً لا يحفَظُ، أو أمِّياً لا كتابَ بيدهِ إذا كان العَرْضُ ممن يُوثَقُ (٤) بهِ (٤) . وقد رَخَّصَ ابنُ مَعِين في السَّماع ممن يتلقَّنُ إذا كان يَعْرِفُ حديثَهُ ، ويعرِفُ ما يدخلُ عليه ، فإنْ لَمْ يَعْرِف ما يدْخُلُ عليه فإنَّه گرهَهُ . (١) انظر هذا القول وتعليقنا عليه في ص٥٧٦ . (٢) ((كتب عبيدة)) ظ وب. وفي ب ((الزبيدي)) موضع الرّبَذي، وهو تصحيف. وسقط منها قوله (( عليه » .. (٣) قوله ((كان)) سقط من ب. (٤) من قوله: ((كما كان يزيد)) إلى هنا ليس في ظ وب. ٢٤٨ شرح علل الترمذي وحاصلُ الأمرِ أنَّ الناسَ ثلاثةُ أقسامٍ : حافِظٌ متقِنٌ يحدِّثُ من حِفْظِهِ ، فهذا لا كلامَ فيه . وحافظٌ نَسِيَ فلُقِّنَ حتى ذَكَر أو تذكَّرَ حديثَه من كتابٍ ، فَرَجَعَ إليهِ حِفْظُهُ الذي كانَ نَسِيَهُ ، وهذا أيضاً حُكمُه حكمُ الحافظِ ، وكانَ شعبةُ أحياناً يتذكَّرُ حديثَهُ من كتابٍ . ومن لا يحفظُ شيئاً (١) وإنما يعتَمِدُ على مجرَّدِ التَّلقين، فهذا [ظ -١٣٨] هو الذي مَنَع (٢) أحمدُ ويحيى من الأَخْذِ عَنْه(٣). واختلفَ العلماءُ أيضاً في : (١) قوله (( شيئاً)) ليس في ظ وب. (٢) في ب هنا زيادة ((منه)). و((من)) الآتية ليست في ظ. (٣) لكنَّ الجمهورَ على صحّةِ الأخذِ عنه إذا احتاطَ بحيثُ يغلِبُ على الظَّنِّ سلامتُه. قال ابن الصَّلاحِ وعلماءُ أصولِ الحديثِ: (( إذا كان الراوي ضَريراً ولم يحفظ حديثَه من فَمٍ مَنْ حَدَّثه ، واستعانَ بالمأمونينَ في ضبطِ سماعِه وحِفْظِ كتابهِ ثم عندَ روايتِهِ فَي القراءةِ منه عليه ، واحتاطَ في ذلكَ على حسبِ حاله بحيثُ يحصلُ معه الظنُّ بالسلامةِ من التغييرِ صَحَّتْ روايتُه )) . وجعلَ الخطيبُ الأميَّ بمثابته أيضاً. انظر ((الكفاية)) ص٢٢٨ و((علوم الحديث)) ص١٨٧ و((التقريب)) وشرحه ((التدريب)) ص٣٠٩ . ٢٤٩ فصل من قوانين رواية الحديث التحدیث من الکتابِ إذا كانَ المحدِّثُ لا يحفَظُ ما فيه ، وهو ثِقَةٌ فقال مالكٌ: لا يؤخَذُ العِلمُ عمَّن هذه الصِّفةُ (١) صفتُه ، لأني أخافُ أن يُرَادَ في كُتُبِهِ باللَّيْلِ . وحُكي أيضاً عن أبي حنيفة رحمه الله . وعلى قولٍ هؤلاءِ فلا يجوزُ العَرْضُ على مَنْ لا يحفَظُ وإن أمسكَ الكتابَ ، كما لا يجوزُ له أن يحدِّثَ من الكتاب ولا يحفَظُ ، وأولىُ . وهكذا اشترطَ عثمان بنُ أبي شيبة في العَرْضِ: أن يكونَ العالمُ يعرفُ ما يُقْرأُ عليه . ورخّصَ طائفةٌ في التحديثِ من الكتاب ، لمن لا يحفظُ . منهم : مروانُ بن محمد ، وابنُ عُيينةَ ، وابنُ مهدي ، ويحيى بن مَعِين ، وغيرُهم . وهذا إذا كان الخطُّ معروفاً موثوقاً به ، والكتابُ محفوظاً عندَهُ . فإن غابَ عنه كتابهُ ثم رجَعَ إليه: فكانَ كثيرٌ(٢) منهم يتوقَّى الروايةَ منه خشيةَ أن يكونَ غُيِّرَ فيه شيءٌ . (١) قوله: ((الصفة)) ليس في ظ . (٢) ((وكان كثيراً)) ب. وهو غلط . ٢٥٠ شرح علل الترمذي منهم : ابنُ مَهْدِيٍّ ، وابنُ المباركِ ، والأنصاريُّ . ورخَّصَ فيه بعضُهم ، منهم : يحيى بنُ سعيد . وقال أحمدُ ــ في رجلٍ يكونُ له السَّماعُ مع الرجلِ ألهُ أن يأخذَهُ بعد سنين؟ - قال: ((لا بأسَ به إذا عَرَفَ الخَطَّ)). قال أبو بكر الخطيبُ: ((إنما يجوزُ هذا إذا لم يُرَ فيه أثرُ تَغييرٍ (١) حادثٍ من زيادةٍ أو نقصانٍ أو تبديلٍ ، وسكَنَتْ نفسُه إلى سلامتِهِ ، قال : وعلى ذلكَ يُحْمَلُ كلامُ يحيى بن سعيد)). قلتُ : وكذا إن كان له فَهْمٌ ومعرِفَةٌ [آ - ٥٦] بالحديثِ وإن لم يكنْ یحفَظُهُ . وقد قالَ أبو زُرْعَةَ - لما رُدَّ عليه كتابُه ورأى فيه تَغَيُّراً -: ((أنا أحفظُ هذا، ولو لم أحفَظْه لم يكنْ يخفى عليَّ)). وقد(٢) قالَ أحمدُ - في الكتاب قد طالَ على الإنسانِ عهده، لا يعرفُ بعضَ حروفِهِ، فيخبره بعضُ أصحابِهِ ، ما ترى في ذاك ؟ - قال : ((إذا كانَ يعلمُ أنه كما في الكتابِ فليسَ به بأسٌ)). نقلَهُ عنه (٣) ابنُ هانىء(٣). (١) ((تَغيُّرٍ)) الأصل وب. والمثبت من ظ موافق ((للكفاية)) ص٢٣٦. (٢) (( قد)) ليست في ب. (٣) هذا الذي نقلَهُ الشارعُ عن الإمامِ أحمدَ هو الرأيُ المتوسّطُ بين التشديدِ والتساهلِ ، وهو الصَّوابُ الذي عَليه الجمهورُ . قالَ الإمامُ النوويُّ في التقريب: ((والصوابُ ما عليه الجمهورُ، وهو التوسُّط، فإذا قامَ في التحمُّلِ والمقابلةِ بما تقدَّم جازت الروايةُ منه - أي من الكتابِ - وإن غابَ ، إذا كانَ الغالبُ سلامتَه من التغيير)) انظر ((التقريب)) ص٣٠٨ مع شرحه للسيوطي ، و (( علوم الحديث)) ص ١٨٧ . ٢٥١ فصل من قوانين رواية الحديث واختلفوا في المحدِّثِ الذي لا يحفَظُ إذا حَدَّثَ من كتابٍ غيرِهِ فرخَّصَ طائفةٌ فيه إذا وَثِقَ بالخطُّ ، منهم ابن جُريج ، وهو اختيارُ الإسماعيليِّ . وقالَ أحمدُ: ((ينبغي للناسِ أن يتَّقوا هذا)). وكان يحيى بن سعيد يَعيبُ قوماً يفعلونه . وقال المَرُوذِي : سمعتُ أبا عبد الله قال: (( ما بالكوفةِ مِثل هنَّاد بنِ السَّرِيّ، هو شيخُهم)). فقيلَ لهُ(١): (( هو يُحدِّثُ من كتابٍ وَرَّاقِهِ!)). فجعلَ يسترجِعُ، ثم قالَ: ((إن كان هكذا لم يُكْتَبْ عن هنَّادٍ شيءٌ))(٢). هذا كلُّه إذا قرأَ القارىءُ على العالِم وليسَ معهُ أحدٌ ، فإن كانَ معهُ (١) ((له)). ليس في ظ. وفي ب ((فقيل له إنه يحدث ... )). (٢) هذا النقلُ ليسَ على ظاهرِهِ، أو إن في صحته نظراً، وهنَّادٌ ثقةٌ من الحُفَّاظ ، لم يَعِبْهُ علماءُ الرِّجالِ بشيءٍ. وكان أحمدُ نفسُه يوصي به يقولُ: (( عليكم بِهَنَّاد)) وكانَ وكيعٌ يعظِّمُه جداً. قال قتيبةُ بن سعيدِ الحافظُ: (( ما رأيتُ وكيعاً يعظُّمُ أحداً تعظيمَهُ لهنَّاد)). انظر ((تذكرة الحفاظ)) ص٥٠٧ و((التهذيب)) ج١١ ص٧١ وغيرهما . وقال الحافظ ابنُ حجر في (( التقريب)): ((هنَّاد بن السَّرِي - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي ، أبو السَّرِيّ ، الكوفيُّ ، ثقةٌ من العاشرة ، مات سنة ثلاث وأربعين - ومئتين - وله إحدى وتسعون سنة/ عخ م عه)). ٢٥٢ شرح علل الترمذي أحدٌ يسمَعُ معه: فقالتْ طائفةٌ : لا بدَّ لمن يسمعُ مَعَهُ أن ينظرَ في نُسخَتِهِ ، وإلا فلا يَصِحُ سماعُه ، منهم ابنُ وَارَةً وغيرُه . وكذا قالوا في المحدِّث إذا قَرَأَ عليهم من كتابهِ ولم ينظروا فيه ، ثم نسخُوا من الكتابِ من غيرِ نَظَرٍ ولا حِفْظٍ . وكذا إذا أملى المحدِّثُ فكتبَ عنهُ بعضهم ، ثم نسخَ الباقون من كتابِهِ من غيرِ حِفْظٍ . وذكرَ أحمدُ عن عبدِ الرَزَّاقِ أنَّ سفيانَ لما قَدِمَ عليهم اليمنَ جاؤوا بمَنْ يكتُبُ ، وكانوا ينظرونَ في الكتابِ ، فإذا فَرَغَ ختموا الكتابَ حتى ينسَخُوهِ . وروى ابنُ عَدِيٍّ بإسناده عن مَعْمَر قال: (( اجتمعتُ أنا وشعبةُ والثوريُّ وابنُ جُرَيج، فقدِمَ علينا شيخٌ، فأملى علينا [ب ـ ٣٩] أربعةً آلافِ حديثٍ عن ظهرٍ قَلْبٍ ، فإذا جَنَّ الليلُ ختمنا الكتابَ فوضعناه تحتَ رُؤوسنا ، وكان الكاتبُ شعبةَ ، ونحن ننظرُ في الكتابِ )) . وذكر الخلَّلُ عن عليٍّ بن عَبْدِ الصَّمَد المكيِّ قال : قلتُ لأحمدَ بن حنبل - ونحنُ في مجلسٍ نسمعُ فيه الحديثَ وأنا لا أنظرُ في النُّسخَةِ - : (( يا أبا عبدِ اللهِ ، يَجْزيني أن لا أنظرَ في النُّسْخةِ فأقول : حَدَّثنا ، مثلَ الصَّكِّ إذا لم ينظرْ فيه ويُشْهَدُ ؟)). قال لي: (( لو نظرتَ في الكتابِ كانَ أطيبَ لنفسِكَ )). وذكرَ ابنُ مَعِين عن ابن أبي(١) ذئب أنه كانَ يَقْرأ عليهم كِتاباً ، ثم يُلقيه إليهم، فيكتُبُونَه ولم يَنْظُروا في الكتابِ . (١) ((أبي)) سقط من ب . ٢٥٣ فصل من قوانين رواية الحديث ورُويَ عن مالكِ ما يَدُلُّ عليه، ورَخَّصَ في ذلكَ أكثرُ المتأخرين ، إذا كانَ صاحبُ الكتابِ مأموناً في نَفْسِه موثوقاً بضَبْطِه . وروى أحمدُ بن حرب الموصليُّ عن زيدٍ بن أبي الزَّرقاء ثنا سفيانُ الثوريُّ - في القوم يكونونَ جميعاً، فيأتونَ الرجلَ ومعهم حديثٌ من حديثِهِ في كتابٍ ، ويكونُ الكتابُ مع بعضِهم وهو عندَهُم ثِقَةٌ ، وهم أكثرُ(١) أن يستطيعوا أن ينظُروا فيه جميعاً ، هل يدخلُ عليهم أن يُصَدِّقوا صاحبَهم في مسائلِهِ؟)). قال: ((لا، إنما هو بمنزلَةٍ الشَّهادَةِ)). خَرَّجَهُ الرَّامَهُزْمُزِيُّ، وحملَه على أنَّ مرادَ سفيانَ الرُّخصةُ في ذلكَ كما يُقرأ (٢) الصَّكُّ على المشهودِ عليه بالدَّينِ، فَيُقِرُ به فيَشْهَدُ عليه مَنْ سَمِعَهُ . وكلامُ أحمدَ يدُلُّ على مثل ذلكَ أيضاً ، إلا أنه اسْتَحَبَّ للسَّامِع أن ينظُرَ في الكتابِ لتطيبَ نفسُه(٣). (١) كذا في النسخ التي بين أيدينا، وهو مطابقٌ ((للمحدِّث الفاصل)» أيضاً ص٥٩٩ - ٦٠٠، وأصل العبارة ((أكثر من أن)). (٢) (( نقول)) ب ، وهو تحريف. (٣) حاصلُ المسألةِ أنَّ الراويّ إذا سمعَ أحاديثَ من المحدِّثِ أو أجيزَ بها ولا يحفَظُها ، أنه يجوزُ له أن يحدِّثَ بها من كتابٍ غيرِه عن الشيخِ وإن لم ينظرْ في الكتابِ حالَ القراءةِ ، وأنه لا يشترَطُ أن يقابلَهُ بنفسِهِ ، بلَ يكفيه مقابلةُ نُسخَتِهِ بأصلِ الرَّاوي وإن لم يكنْ ذلكَ حالَ القراءةِ ، ويكفيه كذلك مقابلةُ نسخَتِهِ على يدي غيرهِ إذا كانَ ثقةً موثوقاً بضبطهِ. انظر ((علوم الحديث)) ص١٦٩ - ١٧٠ و((التقريب)) و((التدريب)) ص٢٩٥.