النص المفهرس
صفحات 281-300
٢١٤ شرح علل الترمذي وقال زكريا الساجيُّ: ((أحمدُ أفضلُ عندي من مالكٍ ، والأوزاعيِّ ، والثوريٍّ، والشافعيِّ، لأن لهؤلاء نظيراً ، وأحمدُ فلا(١) نظير له؟)). يعني في وقتِهم ووقتِه . رضي الله عنهم (٢) أجمعين(٢). ومنهم : عليٌّ بن عبدِ الله بن جعفر بن نَجِيحِ المَدِينيُّ : السَّعْديُّ البصريُّ، أبو الحسن ، أحدُ الأئمةِ الحفّاظِ المبرِّزين في علمِ الحديثِ وعللِهِ(٣). كان ابنُ عُيينةً ، وهو أحدُ شيوخِهِ ، يروي عنه ويقولُ : ((يُلُوموني على حُبِّه (٤)، والله لمَا أتعلمُ منه أكثرُ مما يتعلمُ مني!)). وكذا رويَ عن يحيى القطانِ أنه قال: « أنا أتعلّمُ من عليٍّ أكثرَ مما يتعلمُ مني)). وعليُّ بن المديني: هو شيخُ البخاريِّ، وعنه تلقَّى(٥) هذا (١) ((لا نظير)» ظ . (٢) الترضي ليس في ظ وب . (٣) (( ثقةٌ ثبتٌ إِمامٌ، أعلمُ أهلِ عصرهِ بالحديثِ وعلله، عابوا عليه إِجابتَه في المحنةِ - أي محنةِ القولِ بخلقِ القرآنِ - لكنه تنصَّلَ وتابَ ، واعتذرَ بأنه كان خافَ على نفسِهِ ، من العاشرة، ماتَ سنةَ أربعٍ وثلاثين - ومائتين - على الصحیح/ خ دت س فق )) . (٤) ((تلومونني على عليّ)) ظ. وفي ب ((تلومونني عليّ والله أتعلم .. )). وهو سقط واضح . (٥) ((بلغ)) ب، وهو خطأ. ٢١٥ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة العلمَ ، وكان البخاريُّ يقولُ: [ظ -١٣٣] ( ما استصغرتُ نفسِي عندَ أحدٍ إِلا عندَ عليٍّ بن المديني)). وقال أبو حَاتِم الرازيُّ: ((كانَ(١) عليُّ بن المديني عَلَماً في الناسِ ، في معرفةِ الحديثِ والعللِ ، وكان أحمدُ بن حنبل لا يسمِّيه إِنما يُكِنيه أبا الحسن(٢) تبجيلاً له)). وسُئِلَ أبو حَاتِم عن عليٍّ وأحمدَ أيهما أحفظُ؟ قال: (( كانا في الحفظِ متقارِبَين ، وكان أحمدُ [آ٤٨] أفقَهَ، وكان عليٌّ أفْهَمَ بالحدیث )». وقال هارون بن إسحاقَ الهمدانيُّ(٣): (( الكلامُ في صِحَّةِ الحديثِ وسقيمهِ لأحمدَ بن حنبل وعليٍّ بن المديني)). وسُئِلَ ابن وَارَةَ الحافظُ عن ابن المدينيِّ وابن مَعِين : أيهما أحفظُ ؟ قال : ((كان عليٌّ أسردَ وأتقنَ)). وقال ابنُ حِبَّان : سمعتُ عليَّ بن أحمد الجُزْجانيَّ بحلَبَ يقولُ : سمعتُ حنبلَ بن إِسحاقَ يقولُ: سمعتُ عمي أحمدَ بن حنبل يقولُ : ((أحفظُنا للطّوالاتِ الشَّاذُكُوني، وأعرفُنا بالرجالِ يحيى بنُ مَعِين ، وأعلمُنا بالعللِ عليٌّ بن المديني ، وكأنَّهُ أومأ إِلى نفسِهِ أنه أفقهُهم )) . ولابنِ المدينيِّ تصانيفُ كثيرةٌ في علوم الحديثِ ، منها : كتابُ ((الأسامي والكُنى)) ثمانية أجزاء، كتابُ ((الضُّعفاءِ)) عشرة أجزاء، (١) سقط لفظ ((كان)) من ظ . (٢) ((أبا الحسن)) ليس في ظ . (٣) ((الهمذاني)» ظ ، وهو سهو . ٢١٦ شرح علل الترمذي كتابُ ((المُدَلِّسين)) خمسة أجزاء، كتابُ(١) ((أوّل مَنْ نَظَرَ في الرجالِ وفَحَصَ عنهم )) جزء، (( الطََّقات)) عشرة أجزاء، (( مَنْ روى عن رجلٍ لم يَرَه)) جزء، ((عِلَلُ المُسْنَدِ)) ثلاثونَ جزءاً، ((العِلَلُ التي [ب ـ٣٢] كتبها عنه إِسماعيلُ القاضي)) أربعةَ عشرَ جزءاً، (( عِلَلُ حديثِ ابن عيينةَ)) ثلاثةً عشر جزءاً، (( كتابُ من لا يُحتَجُ(٢) بحديثهِ ولا يسقطُ)) جزءان، و ((الكُنى))(٣) خمسة أجزاء، ((الوَهم والخطأ)) خمسة أجزاء، (( قبائلُ العَرَبِ)) عشرة أجزاء، (( من نَزَلَ من الصَّحابةِ سائرَ البلدانِ)) خمسة أجزاء، ((التاريخُ)) عشرة أجزاء، (( العَرْضُ على المحدِّث)) جزآن ، (( مَنْ حَدَّثَ ثم رَجَعَ عنه)) جزء، (( كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرِّجال)) خمسة أجزاء، ((سؤالات يحيى)) جزآن، (( كتاب الثقات والمتثبتين)) عشرة أجزاء، (( اختلافُ الحديث)) خمسة أجزاء ، ((الأسامي الشاذَّة)) ثلاثة أجزاء، ((الأشربة)) ثلاثة أجزاء، ((تفسيرُ غريبِ الحديثِ)) خمسة أجزاء، ((الإِخوةُ والأخوات)) ثلاثة أجزاء ، ((من يُعرَف باسمه دون اسم أبيه)) جزآن، ((من يُعرفُ باللَّقب)) (٤) جزء ، ((العِلَلُ المتفرِّقة)) ثلاثون جزءاً، ((مذاهبُ المحدِّثين)) جزآن(٥). كان ابنُ المديني قد امْتُحِنَ في محنةِ القرآنِ ، فأجاب مُكْرَهاً ، ثم إِنه تقرَّب إِلى ابن أبي دؤاد ، حيث استماله بدنياه ، وصحبه وعظَّمه ، فوقعَ بسببِ ذلك في أمورٍ صَعْبَة ، حتى إِنه كان يتكلمُ في (١) قوله (( كتاب)) ليس في ب . موضع (( لا يحتج به )) بياض في ظ وسقط من ب . (٢) (٣) في ب ((إِلى)»، وهو تصحيف سيىء . (( بالليث )) ب ، وهو تصحيف . (٤) (٥) ذكر الحاكم كتب ابن المديني في (( المعرفة)) (٧١) وكذا الخطيب في ((الجامع)) = ٢١٧ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة طائفةٍ من أعيانِ أهلِ الحديثِ ليُرْضِيَ بذلك ابنَ أبي دُؤاد ، فهجرهُ الإِمامُ أحمدُ لذلك ، وعظمتِ الشناعةُ عليهِ ، حتى صارَ عندَ الناسِ كأنه مُرْتَدٌ. وتركَ أحمدُ الروايةَ عنه، وكذلك إِبراهيمُ(١) الحربيُّ وغيرهما . وكان [يحيى] بن مَعِين يقولُ(٢): ((هو رجلٌ خافَ فقال ما عليه )) . ولو اقتصرَ على ما ذكرَهُ ابن مَعِين لعُذِرَ ، لكنَّ حَالَه كما (٣) وصفنا(٣). وقد رُويَ عنه أَنَّهُ قال : (( من قالَ : القرآنُ مخلوقٌ ، فهو كافرٌ)). واللهُ تعالى يرحمُه ويسامحُه بِمَنِّه وكَرَمِهِ (٤) . (١) ثم قال: ((وجميع هذه الكتب قد انقرضت ولم نقفْ على شيء منها، إِلا على أربعةٍ أو خمسةٍ .. وكان ابنُ المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبها)). (١) ((إِبراهيم)) ليس في ظ وب. (( يقول )) سقط من ب . (٢) (٣) هذا تشديدٌ من الحافظِ ابن رجب في حقِّ هِذا الإِمام ، وقد قَبِلَ العلماءُ عذرَ ابنِ المديني وطَووا تلك الصفحةَ ، والظاهرُ أَنَّ في الأخبارِ التي أشارَ إِليها مبالغةٌ من بعضِ الرواةِ ، كما يقعُ عادةً في مثلِ هذا الحالِ . وابنُ المديني إِمامٌّ من مجدِّدي علمِ الحديثِ ، بلغتْ تآليفُه المائتين ، كان له السِبقُ في تصنيفِ كثيرٍ منها ، حتى قيل : إِنه ما من فنٍ من فنونِ الحديثِ إِلا ألَّفَ فيه كتاباً . انظر (( الرسالة المستطرفة)» ص ٩٥ . وانظر تعليقنا على الإِفراطِ في هذه المسألةٍ فيما يأتي من ترجمة الإِمام البخاري . وانظر التنبيه على نحو ما ذكرنا من المبالغة في ((طبقات الشافعية)) ج١ ص٢٥٢-٢٥٣. (٤) قوله ( بمنه وكرمه ) ليس في ظ . ٢١٨ شرح علل الترمذي ومنهم يحيى بن مَعِين : أبو زكريا(١) البغداديُّ (٢)، الإِمامُ المطلقُ في الجرح والتعديلِ ، وإِلى قولِهِ في ذلكَ يرجِعُ الناسُ ، وعلى كلامِهِ فيه يعوِّلُونَ . وقد قال هلالُ بن العلاءِ وحجاجُ بن الشاعر: (( مَنَّ اللهُ على هذه الأمةِ بيحيى بن مَعِين، نفى الكَذِبَ عن حديثِ رسولِ اللهِ وَال)). قال أحمدُ بن عقبةً(٣) : سألتُ يحيى بنَ مَعِين : كم كتبتَ من الحديثِ ؟ قال: (( كتبتُ بيدي هذه ستَّمائة ألفِ حديث!)). قال أحمدُ(٤): وإِني أظنُّ المحدِّثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف (٤) . وقال عليُّ بن المديني: (( حديثُ الثقاتِ يدورُ على سِتَّةٍ))(٥)، (١) ((بن زكريا)» ظ وهو خطأ. (٢) سيِّدُ الحفاظِ، ((مامُ الجرح والتعديلِ، من العاشرة ، مات سنة ثلاث وثلاثين - ومائتين - بالمدينة النبويَّةِ ، وله بضع وسبعون سنة/ع)) . وقد وقعَ في حاشية النسخة الأصل: (( أنكرَ أبو زرعةَ على ابنِ مَعِين كلامه في الناسِ ، وابنُ مَعِين معذورٌ )) انتهى . قال نور الدين : لا ندري كيفَ إِنكارُ أبي زرعة مع أنه من أئمةِ هذا الشأنِ ؟! فلعلّه في شيءٍ خاص ، والله أعلم . انظر تخريج الآثار عن العلماء فيه في ((تقدمة الجرح والتعديل )) ص ٣١٤-٣١٨ . (٣) بياض في ظ موضع قوله ((عقبة)). وفي ب: ((بن حنبل)) خطأ. (٤) قوله ((أحمد)) وقوله ((وستمائة ألف)) ليس في ظ. (٥) (سبعة)) ب. وهو تصحيف، وانظر ما سبق في ص ١٩٥ - ١٩٦. ٢١٩ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة وذكرهم . قال : ((وما شَذَّ عنهم يصيرُ إِلى اثني عشر)»، فذكرهم . قال : ((ثم صارَ(١) حديثُ هؤلاءِ كلَّهم إِلى يحيى بن مَعِين)). وذكرَ داودُ بن رُشَيْد : أَنَّ يحيى بن مَعِين خلَّف له أبوه ألفَ ألفِ درهم وخمسين ألف درهم ، فأنفقَهُ كلَّه على الحديثِ ، حتى لم يبقَ له نَعْلٌ يلبَسُه ! . وكان يحيى يوسعُ القولَ في الجرح ، ولا يحابي أحداً ، بل يصدَعُ به في وجهِ صاحبِهِ، ولهذا قال عبدُ الله بن أحمدَ الدورقيُّ : ((كلُّ مَنْ سكتَ عنه يحيى بن مَعِين فهو ثِقَةٌ!)). وسُئِلَ ابنُ وارةً عن ابنِ مَعِين وابنِ المديني أيهما أحفظُ ؟ فقال : ((كان عليٌّ أسردَ وأتقنَ ، وكان يحيى بن مَعِين أفهمَ بصحيحِ الحديثِ وسقيمهِ)). وقال سليمانُ [آ_٤٩] بن حرب: ((كان يحيى بن مَعِين يقول في الحديثِ: هذا خطأ ، فأقول : كيف صوابه ؟ فلا يدري ، فأنظرُ في الأصلِ فأجدُه كما قال! )). وقال أبو عمر الطَّالَقَانيُّ: رأيتُهم يقولون: ((الناسُ عندنا أربعةٌ: أحمدُ بن حنبل ، ومحمدُ بن عبد الله بن نُمَيْر ، وعليُّ بن المديني ، ويحيى بنُ مَعِين )) . وسمعتُهم يقولون: «محمدُ بن نُمَيْر ريحانةُ الكوفةِ ، وأحمدُ قَرَّةُ عَينِ الإِسلامِ، وابنُ المديني أعلمُ علماءِ آثارِ رسولِ الله وَلِيِّ ، (١) في ب: (( ثم قال: صار .. ))، وهو سهو. ٢٢٠ شرح علل الترمذي وابنُ مَعِين أعلمُ برواتِه وأكثر علمٍ آثارِ رسول الله وَلِِّ)). وعن عَمْرو الناقدِ قال: (( ما كانَ في أصحابِنَا أحفظُ للأبوابِ من أحمدَ بن حنبل ، ولا أسردُ للحديثِ من الشَّاذكونيِّ ، ولا أعلمُ بالإِسنادِ من يحيى، ما قدرَ أحدٌ يقلِبُ عليه إِسناداً قطُ)). قال محمدُ بن هارون الفلاَّس المخرّميُّ: ((إِذا رأيتَ الرجلَ يقعُ في يحيى بن مَعِين فاعلم أنَّهُ كذَّابٌ يضعُ الحديثَ ، وإِنَّما يبغِضُه لما يبينُ أمرَ الكذَّابين )). قال أبو حَاتِم : ((تُوفيَ ابنُ معين بمدينةِ النبيِّي ◌ََّ، وحُمِلَ على سريرِ النبيِّ وَّه، واجتمعَ في جنازتِهِ خلقٌ كثيرٌ ، وإِذا رجلٌ يقول : هذه جنازةٌ يحيى بن مَعِين الذابِّ عن رسولِ الله وَِّ الكذبَ ، والناسُ يبكونَ )). و(١) كان ابنُ معين يكرَهُ أن [ب - ٣٣] يُدَوَّنَ كلامُه في الجرحِ والتعديلِ ، ولم يُدَوِّنْ هو شيئاً فيما أظنُّ، وإِنَّما سألَهُ أصحابُه ودوَّنوا كلامَه . منهم : عبَّاسٌ الدوريُّ، وإِبراهيمُ بن الجُنَيْد ، ومضرُ بن محمد ، و[المفضَّلُ] الغَلابيُّ، وعثمانُ بن سعيدِ الدَّارِمِيُّ، ويزيدُ بن الهيثمٍ ، [وغيرُهم](٢). (١) الواو من ظ . (٢) وقد قام فضيلة العلامة الكبير الأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف بتحقيق ونشر روايات الدوريِّ وابن الجنيد والدارمي ويزيد، وصدَّر للأولى بدراسةٍ واسعةٍ قَيِّمةٍ ، أجزل الله مثوبته . كما نشر مجمع اللغة بدمشق رواية أبي العباس أحمد بن محمد بن محرز ، ونشر نظر الفاريابي تاريخ أبي سعيد الطبراني عن يحيى ، وذيَّله بفهرسٍ مهمٌّ ، فيه جميعُ الرواياتِ . ٢٢١ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة ومنهم أبو زُزْعَةَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عبدِ الكريمِ بنِ يزيدَ الرَّازِيُّ(١): أحدُ الأعلام ، وحفاظِ الإِسلام ، [ظ - ١٣٤] وكانَ من الصَّلاحِ والعبادةِ والخشيةِ بمحلِّ عظيم . قال أبو العباس محمدُ بن إِسحاقَ الثقفيُّ: ((لما انصرفَ قتيبةُ بن سعيد إِلى الرَّيِّ سألوه أن يحدِّثهم، فامتنعَ ، وقال: ((أحدثُكم بعد أن حضرَ مجالسي أحمدُ بن حنبل ، وعليُّ بن المديني ، ويحيى بنُ مَعِين، وأبو بكر بنُ أبي شيبةَ، وأبو خَيْثَمَةَ ؟!)) فقالوا له : فإِنَّ عندنا غلاماً يسردُ كلَّ ما حدثتَ به مجلساً مجلساً! قُمْ يا أبا زُرْعَةَ ، فقامَ أبو زُزْعَةَ فسردَ كلَّ ما حدَّثَ به قتيبةُ! فحدَّثهم قتيبةٌ )) . وقال محمدُ بن يحيى الذُّهْلِيُّ: ((لا يزالُ المسلمونَ بخيرٍ ما أبقى الله لهم مثلَ أبي زُرْعَةَ الرازيِّ! وما كانَ اللهُ ليتركَ الأرضَ إِلا وفيها مثلُ أبي زُرْعَةَ يُعَلَمُ الناس ما جَهِلَوه )). وقال عليُّ بن الحسين بن الجُنَيد: (( ما رأيتُ أحداً أعلمَ بحديثٍ مالكٍ - مسنَدِه ومنقطِعِه - من أبي زُرْعَةَ! وكذلك سائرُ العلومِ ، ولكنْ خاصةً حديثَ مالكِ. قيل له : ما في ((الموطأ)) والزياداتِ التي (١) الإِمامُ حافظُ العصر، ((مشهورٌ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومائتین ، وله أربع وستون/ مت س ق » . له من الكتب ((مسند)) الأعلام ج٤ ص ٣٥٠ . انظر تخريج الآثار عن العلماء فيه في ((تقدمة الجرح والتعديل)» ص٣٢٨_٣٤٩ . ٢٢٢ شرح علل الترمذي ليستْ في ((الموطأ))؟ قال: نعم))(١). وكان أحمدُ يعظّم أبا زُرْعَة ، وإِذا جالَسهُ تركَ أحمدُ نوافِلَه واشتغلَ عنها بمذاكرةٍ أبي زُرْعَةَ . ورُويَ عنه أَنَّهُ قال : ((صَحَّ من الحديثِ سبعمائةِ ألفِ حديثٍ ، وهذا الفتى - يعني أبا زُرْعَةَ - يحفظُ ستَّمائة ألفِ حديث)). وقال يونس بن عبد الأعلى: ((أبو زُرْعَة وأبو حَاتِم إِماما خُراسان، وبقاؤهما صَلاحٌ للمسلمين )). وقال ابنُ وَارَةَ: سمعتُ إِسحاقَ بن رَاهُوْيَه يقولُ: (( كلُّ حديثٍ لا يعرفُه أبو زُرْعَةَ فليسَ لهُ أصْلٌ)). وقال أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ: ((ما رأيتُ أحفظَ من أبي زُرْعَةَ الرازيِّ)). وحَلَفَ رجلٌ بالطلاقِ في زمن أبي زُرْعَةَ : إِنَّ أبا زُرْعَةَ يحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ! فسُئِلَ عن ذلك أبو زُرْعَةَ ؟ فقال: (( ليمسِكِ امرأتَهُ فِإِنَّها لم تطلقْ مِنْه!)) . وقال أبو مصعب الزهريُّ: ((لقيتُ مالك بن أنس وغيرَه ، فما [آ_٥٠] رأتْ عيناي مثلَ أبي زُرْعَةَ الرازيِّ!» . وقال أبو حَاتِم الرازيُّ: ((ما خَلَّفَ أبو زُرْعَةَ بعدَهُ مثلَه ، علماً ، وفِقْهاً ، وصِيانةً ، وصِدْقاً! وهذا مما لا يُرْتابُ فيه، ولا أعلمُ بين المشرقِ والمغربِ مَن كانَ يفهمُ هذا الشأنَ مثلَه . ولقد كانَ من هذا الأمرِ بسبيل))(٢) (١) قوله ((قال: نعم)) سقط من ب . (٢) في ظ ((لبسبيل)). ٢٢٣ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة وقال أبو حَاتِم أيضاً : (( الذي كانَ يعرِفُ صَحيحَ الحديثِ وسَقيمَهُ ، وعندَهُ تمييزُ ذلك ، ويُحسِنُ عللَ الحديثِ: أحمدُ بن حنبل ، ويحيى بنُ مَعِين، وعليُّ بن المديني(١) ، وبعدَهم أبو زُزْعَةَ كان يُحسِنُ ذلك . قيل له : فغيرُ هؤلاءِ تعرفُ اليومَ أحداً ؟ قال : لا )) . وذكر أبو حَاتِم شيئاً من معرفةِ الرجالِ فقال: ((ذهبَ الذي كانَ يُحْسِنُ هذا - يعني أبا زرعةَ - ما بقي بمصرَ ولا بالعراقِ أحدٌ يُحسِنُ هذا!» . قال أبو حاتم: (( وجرَى بيني وبينَ أبي زُرْعَةَ يوماً تمييزُ الحديثِ ومعرفتُه ، فجعلَ يذكرُ أحاديثَ ويذكرُ عِلَلَها ، وكنتُ أذكرُ أحاديثَ خطأً وعلَلَها(٢)، وخطأَ الشُّيوخ ، فقال لي: يا أبا حَاتِم قَلَّ مَنْ يَفْهَمُ هذا ، ما أعزَّ هذا، إِذا رفعت هذا عن واحدٍ واثنين ، فما أقلَّ ما تجدُ مَنْ يُحْسِنُ هذا!)). وقال أبو يعلى المَوْصِليُّ: (( ما سمعنا يُذْكرُ أحدٌ في الحفظِ إِلا كان اسمهُ أكثرَ من رؤيتِهِ إِلا أبا زُرْعَةَ الرازيَّ، فإِنَّ مشاهدَتَهُ كان أعظمَ من اسمهِ ، وكان لا يُري أحداً ممن هو دونَه في الحفظِ أنه أعرفُ منه !. وكان قَدْ جَمَعَ حِفْظَ الأبوابِ والشيوخِ والتفسيرِ وغيرِ ذلك)) . قال يحيى بن مَنْدَه: ((قيلَ: أحفظُ الأمةِ أبو هريرةَ ، ثم أبو زُزْعَةَ الرازيُّ . وقيلَ : ما وَلَدَتْ حواءُ قطُ أحفظَ من أبي زُزْعَة)). (١) ((وعلي بن المديني ويحيى بن معين)) ظ وب. (٢) ((وخطأ عللها)» ظ وب، والمثبت أولى. ٢٢٤ شرح علل الترمذي قال : وبلغني بإسنادٍ هو لي مسموعٌ أَنَّ أبا زُرْعَةَ قال: ((أنا أحفظُ ستَّمائة ألفِ حديثٍ صحيح ، وأربعةَ عشرَ ألفَ إِسنادٍ في التفسيرِ والقراءاتِ ، وعشرةَ آلافِ حديثٍ مزوَّرةِ! قيل له : ما بالُ المزوَّرَةِ تحفظُ ؟! قال: [ب -٣٤] إِذا مَرَّ بي منها(١) حديثٌ عَرَفْتُه)). ومنهم محمَّدُ بنُ إِسماعيلَ : ابنِ إِبراهيمَ بنِ المغيرةِ ، الجعفيُّ مولاهم ، البخاريُّ ، الإِمامُ أبو عبدِ اللهِ ، صاحبُ الصَّحيح ، وإِمامُ المحدِّثين في وقتِهِ ، وأستاذُ هذه الصِّناعةِ (٢). وعنه أخذَها كثيرٌ من الأئمةِ ، منهم مسلمُ بن الحجَّاج ، - وسَمَّاهُ أستاذَ الأستاذين ، وسيِّدَ المحدِّثين، وطبيبَ الحديثِ في عِلَلِهِ ! - وأبو عيسى التِّرمذيُّ . وقد ذكرَ أبو عيسى في أوَّلٍ (٣) كتابِ العللِ: أَنَّهُ لم يَرَ بالعراقِ (١) قوله ((منها)) ليس في ظ وب. (٢) الإِمامُ البخاريُّ: ((جبلُ الحفظِ وإِمامُ الدنيا ، في فقهِ الحديثِ ، من الحادية عشرة ، ماتَ سنة ست وخمسين - ومائتين - وله اثنتان وستون سنة/ ت س)). للبخاريِّ مؤلفاتٌ كثيرةٌ تبلغُ خمسةً وعشرينَ كتاباً ، طُبِعَ كثيرٌ منها . ومن كتبه المطبوعة: ((الجامعُ الصحيحُ))، ((التاريخُ الكبيرُ))، ((التاريخُ الصغيرُ))، ((الضعفاءُ))، ((خلقُ أفعالِ العبادِ))، ((الأدبُ المفرد))، ((القراءةُ خلف الإِمام )). انظر إِحصاء كتبِ البخاريِّ في مقدِّمة الصحيح لفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الغني عبد الخالق ، المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ رحمه الله تعالى. (٣) قوله ((أول)) ليس في ظ، وانظر ما سبق في ص٣١-٣٢. ٢٢٥ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة ولا بخراسانَ في معنى العللِ والتاريخ ومعرفةِ الأسانيدِ كبيرَ أحدٍ أعلمَ من محمدِ بن إِسماعيلَ رحمهُ الله )) . وقال ابنُ خزيمةَ : (( ما رأيتُ تحتَ أديم هذه السماءِ أعلمَ بالحديثِ ولا أحفظَ له من محمدٍ بن إسماعيل البخاريِّ!)) . ولما سَأَلَ مسلمٌ البخاريَّ عنِ حديثٍ سهيلٍ عن أبيه عن أبي هريرةَ في كفَّارة المجلسِ - فبيَّن له عِلَّته - قال مسلمٌ: (( لا يبغِضُكَ إِلا حاسدٌ ، وأشهدُ أنْ ليسَ في الدنيا مثلُك )). ورُوي عن محمدِ بن الأزهرِ السِّجزيِّ قال: (( كنتُ بالبصرةِ في مجلسٍ سليمانَ بن حربٍ ، والبخاري جالسٌ لا يكتبُ ، فقلت : ما لأبي عبدِ الله لا يكتبُ ؟ قال : يرجعُ إِلى بُخارى فيكتبُ من حِفْظِهِ! )). وقال محمد بن حَمْدُوْيَة: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: ((أحفظُ مائة ألفِ حديثٍ صحيح ، وأعرفُ مائتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيح )). وقال أحمدُ بن حَمْدُون : (( رأيتُ البخاريَّ ومحمدُ بن يحيى يسألهُ عن الأسامي والكنى والعِلل ، ومحمدُ بن إِسماعيلَ يمرُّ فيه مثلَ السهمِ، كأنه يقرأ: قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ! )). وقال عبدُ الله الدارميُّ: ((قد رأيتُ العلماءَ بالحجازِ ، والعراقِ ، فما رأيتُ فيهم أجمعَ [ظ _١٣٥] من محمدٍ بن إِسماعيلَ!)). وقال ابنُ المدينيِّ [آ-٥١] في البخاريِّ: ((ما رأى مثلَ نفسِهِ!)). وقال الفلَّسُ: (( حديثٌ ليسَ يعرِفُه محمدُ بن إسماعيلَ ليس بحديثٍ )). ٢٢٦ شرح علل الترمذي وسُئِلَ صالحُ بن محمد الحافظُ عن البخاريٍّ وأبي زُرْعَةَ ؟ فقال : ((أعلمُهُم بالحديثِ البخاريُّ، وأبو زُزْعَةَ أحفظُهم وأكثرُهم حديثاً)). وعن أبي حَاتِم الرازيِّ قال(١): ((محمدُ بن إسماعيلَ أعلمُ مَنْ دَخَلَ العِراقَ)) . وقال عليُّ بن حُجْرٍ : (( أخرجتْ خراسانُ ثلاثةً: أبا زُرْعَةَ بالرَّيِّ، ومحمدَ بن إسماعيلَ ببخارى ، وعبد الله بن عبد الرحمن السمر قنديَّ بسمرقند . ومحمدُ بن إسماعيل عندي أبصرُهم، وأعلمُهم ، وأفقههُم )) . وعن إِسحاقَ بن رَاهُوْيَهْ قال : (( لو كانَ محمدُ بن إسماعيلَ في زمنِ الحسنِ بن أبي الحسنِ لاحتاجَ الناسُ إِليه ، لمعرِفته بالحديثِ وفقهِه )). وفضائلُ البخاريِّ كثيرةٌ جداً، وامتُحِنَ في آخرِ عُمرهِ بمسألةٍ اللفظِ بالقرآنِ، فإِنَّهُ قال: ((أفعالُ العبادِ مخلوقَةٌ)). فنسبَهُ محمدُ بن يحيى الذُّهْلِيُّ إِلى القولِ بأَنَّ اللفظَ بالقرآنِ مخلوقٌ ، وأمرَ بِهَجْرِه ، وضَيَّقَ عليه ، فخرجَ البخاريُّ من نيسابورَ إِلى بُخارى ، فكتبَ محمد بن يحيى إِلى والي بخارى في أمرِه ، فنفاهُ من بخاری! فتوفي بقرية من قراها . وقد روي عنه أنه قال: (( مَنْ زَعَمَ أني قلتُ : لفظي بالقرآنِ مخلوق، فهو كَذَّابٌ ، فإني لم أقلْ هذه المقالة ، إِلا أني قلتُ : أفعالُ العبادِ مخلوقٌ )). (١) في ظ وب ((وقال أبو حاتم الرازي)). ٢٢٧ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة وروي عنه أنه قالَ : ((هذه مسألةٌ مشؤومةٌ - يعني مسألةَ اللفظِ - رأيتُ أحمدَ بن حنبل وما ناله في هذه المسألةِ! جعلتُ على نفسي أن لا أتكلَّمَ فيها))(١). (١) مسألةُ الكلام وخلقِ القرآنِ مسألةٌ دقيقةٌ خطيرةٌ، أَثَّرتْ على الفكرِ الإسلاميِّ تأثيراً كبيراً وأثارتْ خلافاً اتسعتْ فيه الشقةُ جداً، واستبدّ المعتزلةُ برأيهم حتى لم يُبْقِ لهم الاستبدادُ رَوِيَّةً في النظرِ ، ولا حِكمةً في معالجةِ المسألةِ . واستيفاءُ بحثِ الموضوع يطُولُ كثيراً ، لكنا نكتفي بتحقيقٍ مُلَخّصٍ ، يلقي الضوءَ على المسألةِ ، وعلى موقفِ الإِمامِ البخاريِّ رضي الله تعالى عنه . وذلك أننا يجبُ أن نفرِّقَ ونميِّز بين أمرين ، أدى عدمُ التمييز بينهما إِلى الخَلْطِ والتطرُّفِ الذي أشرنا إليه من المعتزلةِ ، حيث أطلقوا القولَ بخلقِ القرآنِ دون تمييز . وهذان الأمرانِ هما : أولاً : الكلامُ النَّفسي : أي الذي هو صفتهُ تعالى ، وهذا وَصْفٌ قديمٌ ، لا يقولُ عاقلٌ : إِنه مخلوقٌ ، فضلاً عن مؤمنٍ فاضل . الأمر الثاني : القرآن الذي هو قراءَتُنا ، وكتابتُنا وطبعُنا لمصاحفه ، وهذا الذي قال الإِمامُ البخاريُّ فيه: مخلوق، حيث قال: ((قراءتُنا من أفعالِنا ، وأفعالُنا مخلوقَةٌ » . وما بهذا الرأيٍ من عيبٍ ، لا يشكُّ في ذلكَ من له نظرٌ ، ولكنَّ القومَ كانوا على عصبيةٍ شديدةٍ وتهيُّبٍ عظيمٍ في هذا الموضوعِ ، لما نالَ أهلَ السنةِ والحديثِ وإِمامَهُم أحمدَ بن حنبلَ من الفتنةِ الشديدَةِ، فشغبَ الناسُ على البخاريٍّ وانفضُّوا عنه ، وخشيَ البخاريُّ على نفسِهِ فتركَ مدينةَ نيسابور - وكان استقرَّ بها زمناً - فذهبَ إِلى بلدته بُخَارى، حيث استُقْبِلَ أحسنَ استقبال ، ولكنه لم يلبث أن اضْطُرَّ للخروجِ منها ، فذهبَ إِلى بِيْكَنْد ، ثم اتَّجه إِلى مدينة سَمَرْ قَنْد، ولكنه مَرِضَ في الطريقَ فلبثَ عند أقربائه بقرية خَرْتَنْك ، حيث انتقلَ إِلى جوارٍ ربه راضياً مرضياً ، وذلك يوم السبتِ ليلةً عيدِ الفطرِ سنة ستٍ = ٢٢٨ شرح علل الترمذي وللبخاريِّ تصانيفُ كثيرةٌ، وقد سبقَ الناسَ إِلى تصنيفِ ((الصحِيحِ)) و((التاريخ))، والناسُ بعدَه تَبَعٌّ له في هذين الكتابينِ ، إِذ كلُّ مَنْ صنَّفْ في هذين العلمينِ يحتاجُ إلى كتابِهِ . وقد كانَ أبو أحمدَ الحاكمُ يَعيبُ من صَنَّفَ فيهما بعدَه ، ويزعُم أنهم إنما أخذوا كتابَيْ البخاريِّ ، ولا ريبَ أنهم استعانوا بهما ، وزادوا عليهما ، والله يغفرُ لنا ولهم أجمعين . آمين(١). ومنهم عبدُ الله بنُ عبد الرحمنِ بنِ الفَضْلِ بن بَهْرام(٢). ابن عبد الصمد السَّمر قنديُّ الدَّارمِيُّ، يُكْنى أبا محمدٍ، أحدُ الأئمةِ وخمسين ومائتين . رضي الله عنه وأجزلَ مثوبته آمين . = انظر ((تاريخ بغداد)) ج٢ ص٣٢-٣٤ و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ج٢ ص ١٣- ١٥. و((البداية)) لابن كثير ج١١ ص٢٧، و((التهذيب)) ج٩ ص٥٤، و(( هدي الساري)) ج٢ ص ٢٠٤ - ٢٠٦ . وقد عُني السبكي بتحليل محنة البخاري بسبب قضية القول بخلق القرآن في ترجمته للكرابيسي ج١ ص ٢٥٢ -٢٥٣ ، وأحسنَ حيثُ نَّه في ترجمته للبخاريِّ على تهويلٍ كثيرٍ من المؤرخين ومبالغتهم فيها ، فاعلم ذلك فإنه مُهِمٌّ . (١) قوله (( آمين)) ليس في ظ وب. (٢) الإِمامُ الحافظُ ((ثقةٌ فاضلٌ متقِرٌ، من الحادية عشرة ، ماتَ سنة خمس وخمسين - ومائتين - وله أربع وسبعون/ م د ت )) . له: ((السنن))، و((المسند))، و((التفسير)). وكتاب (( السننِ)) مطبوعٌ، وهو من مصادرِ السنة الجليلةِ، يمتازُ بانتقاءِ أحاديثهِ ، حتى عُدَّ سادسَ الكتبِ الستةِ بدلاً من ابن ماجه . قال الحافظُ السخاويُّ في (( فتح المغيث)) ج١ ص٨٤ ( طبع مصر) : = ٢٢٩ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة الحُفَّاظِ المبرّزين، والعلماءِ العاملين، وقد صنَّف ((المسنَدَ)) و((الجامعَ)) و((التفسيرَ)). وامتُحِنَ في مسألةِ القرآنِ فلم يُجِبْ . وأَخَّ عليه السلطانُ في قضاءٍ سمرقندَ ، فتقلّدَهُ [ب ـ٣٥] وقضى قضيةً واحدةً ثم استعفى(١) فأعْفِي . (( وأما كتابُ ابن ماجَهْ فإِنه تفرَّد بأحاديثَ عن رجالٍ مثَّهمين بالكَذِبِ ، = وَسرِقَةِ الأحاديثِ ، مما حُكِمَ عليها بالبطلانِ أو السقوطِ أو النكارةِ ، حتى كان العلائيُّ يقول: ((ينبغي أن يكونَ كتابُ الدارميِّ سادساً للخمسةِ بدَلَهُ ، فإِنه قليلُ الرجالِ الضعفاءِ ، نادرُ الأحاديثِ المنكرةِ والشاذَّةِ وإِن كانت فيه أحاديثُ مرسلةٌ وموقوفةٌ ، فهو مع ذلك أولى منه )) انتهى . وقال السيوطيُّ في (( تدريب الراوي)) (ج١ ص١٧٣ -١٧٤ الطبعة الثانية ) : (( قيل : ومُسْنَدُ الدارميِّ ليس بمسنَدٍ ، بل هو مرتَّبٌ على الأبوابِ ، وقد سمَّاه بعضُهم بالصحيحِ . قال شيخُ الإِسلام - ابن حَجَر -: ((ولم أرَ لمُغْلَطَاي سلفاً في تسميةِ الدارميِّ صحيحاً إِلا قوله إِنه رآه بخطّ المنذريِّ، وكذا قال العلائيُّ)). وقال شيخُ الإسلامِ : ((ليسَ دونَ السننِ في الرُّتبةِ ، بل لو ضُمَّ إِلى الخمسةِ لكان أمثلَ من ابن ماجَةً ، فإنه أمثلُ منه بكثيرٍ » . وقال العراقيُّ: ((اشتَهَرَ تسميتُه بالمسندِ كما سمَّى البخاريُّ كتابَه بالمسندِ ، لكونٍ أحاديثهِ مسندةً . قال : إِلا أن فيه المرسلَ والمعضلَ والمنقطعَ والمقطوعَ كثيراً. على أنهم ذكروا في ترجمةِ الدارميُّ أن له ((الجامعَ)) و((المسندَ)) و((التفسيرَ)) وغير ذلك، فلعل الموجودَ الآن هو الجامعُ، والمسندُ فُقِدَ)). انتهى من («تدريب الراوي)» . وانظر (( نكت العراقي على ابن الصلاح))، و((شرحه للألفية)) ج١ ص ٥٠. (١) من قوله: ((وألَحَ)) إِلى هنا سقط من ظ . ٢٣٠ شرح علل الترمذي وكانَ الإِمامُ أحمدُ إِذا ذكَرَهُ(١) قال: ((ذاكَ السيدُ، عُرِضَ على الكفرِ فلم يقبلْ ، وعُرِضتْ عليه الدنيا فلم يقبلْ )) . وقال أحمدُ: ((هو إِمامٌ)). قال محمدُ بن بشار بُنْدار: (( حُفَّاظُ الدنيا أربعةٌ : أبو زُزْعَةَ بالرَّيِّ، ومسلمُ بن الحجَّاج بنيسابورَ ، وعبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن الدارميُّ بسمرقندَ ، ومحمدُ بن إسماعيلَ ببخارى . قال بندارُ : وهُم غِلْماني، خَرجُوا من تحتِ كرسيَّ)). ورُوِيَ عن الإِمام أحمدَ قال: (( انتهى الحفظُ إِلى أربعةٍ من أهلٍ خراسانَ : أبي زُرْعَةَ الرازيِّ ، ومحمدٍ بن إسماعيلَ البخاريِّ ، وعبدِ الله بن عبد الرحمن السمرقنديٍّ ، والحسنِ بن شُجاع البَلْخِيِّ )) . ثم قال : ((أبو زُزْعَةَ أحفظُهم ، والبخاريُّ أعرفُهم ، وابنُ شُجاعٍ أجمعُهم للأبوابِ ، والسمر قنديُّ أتقَنُّهم)) . ذكره يحيى بنُ مَنْدَةً پاسنادِهِ . وقال محمدُ(٢) بن عبدِ الله بن نُمَيْر: ((غلَبنا عبدُ اللهِبن عبد الرحمن بالحفظِ والوَرَعِ)). وعن أبي حَاتِم الرازيِّ قال: (( محمدُ بن إِسماعيل [آ-٥٢] أعلمُ مَنْ دَخَلَ العراقَ ، ومحمدُ بن يحيى أعلمُ مَنْ بخراسانَ اليوم ، (١) قوله: ((إِذا ذكره)) سقط من ب . (٢) في ظ ((عبد الله بن عبد الله)) وهو سهو. وفي ب ((عبد الله بن نمير)) سقط اسم الابن . ٢٣١ تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة ومحمدُ بن أسلمَ أورَعُهم، وعبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن أثبتُهم))(١). وعنه قال: ((عبدُ الله بنُ عبد الرحمن إِمامُ أهلِ زمانِهِ)) . وعن رجاءٍ بن المُرَجَّى قال: ((رأيتُ أحمدَ ، وإِسحاقَ ، وابنَ المديني ، والشاذَكُونيّ، فما رأيتُ أحفظَ من عبدِ الله )) يعني الدارميَّ . وعن رجاءٍ أيضاً قال: (( ما رأيتُ أحداً أعلمَ بحديثِ النبيِّ وَل من عبدِ الله بنِ عبد الرحمن)). وعن أبي حامد بن الشَّرْقي (٢) قال: ((إِنما أخرجتْ خراسانُ من أئمةِ الحديثِ خمسةَ رجالٍ : محمد بن يحيى ، ومحمدَ بن إِسماعيل ، وعبدَ الله بن عبد الرحمن ، ومسلمَ بن الحجَّاجِ ، وإِبراهيم بن أبي طالب )). وقال ابنُ حِبَّان: (( كانَ عبدُ اللهِ بن عبد الرحمن من الحفّاظِ المتقنينَ ، وأهلِ الورعِ في الدِّينِ، ممن حَفِظَ وجَمَعَ ، وتفقّهَ وصنَّفَ وحَدَّثَ ، وأظَهَرَ السنةَ في بلدهِ ودعا إِليها ، وذبَّ عن حَرِيمها ، وقمعَ مَنْ خالفها )). وقال محمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ منصورٍ الشيرازيُّ : (( كان عبدُ الله بنُ عبد الرحمن على غايةٍ من العقلِ والديانةِ ، مَنْ يُضْرَبُ به المَثَلُ في (١) في ظ ((أتقاهم)). وكانت في النسخة الأصل كذلك، ثم غُيِّرتْ إِلى ما أثبتناه. وفي ب (( أتقنهم)). (٢) ((السرمي)) ب ، وهو تصحيف. ٢٣٢ شرح علل الترمذي الحِلْمِ والرّزانَةِ ، والحِفْظِ والعِبادَةِ والزَّهادةِ ، أظهرَ علمَ الحديثِ والآثارِ (١) بسمرقندَ، وذبَّ عنها الكذبَ، وكان مفسِّراً كاملاً، وفقيهاً عالِماً. رحمهُ اللهُ تعالى)). (١) في ب ((علم الآثار)). ٢٣٣ فصل من قوانين رواية الحديث ° فَصْلٌ مِنْ قَوَانِينِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ ٥ قال أبو عيسى رحمه اللهُ : ( والقراءَةُ على العالِمِ إذا كانَ يحفظُ ما يُقْرأُ عليه ، أو يمسِكُ أصلَهُ فيما يُقْرَأُ عليه إذا لم يَحْفَظُ ، هو صَحيحٌ عندَ أهلٍ الحديثِ ، مثلُ السَّماعِ . حَدَّثنا حسينُ بن مَهْدي البصريُّ ثنا عبدُ الرزاقِ أنا ابنُ جُرَيْج قال: ((قرأتُ على عطاء بن أبي رباحٍ ، فقلتُ له : كيفَ أقولُ ؟ قال: ((قل: ثنا)). حَدَّثنا سويدُ بن نصرٍ أنا عليٌّ بنُ الحسين بنِ واقدٍ عن أبي عِصْمةً عن يزيدَ النحويِّ عن عكرمةَ أن نفراً قَدِموا على ابن عباس من أهلِ الطائفِ بَكُتُبٍ من كُتُبِهِ، فجعلَ يقرأُ عليهم (١) ، فيقدِّمُ ويؤخِّر، فقال: ((إنِّي بُليتُ بهذه (٢) المصيبة، فاقرؤوا عليَّ، (١) تكررهنا ((فجعل)) في النسخة الأصل ، وهو سهو قلم. (٢) في طبعة بولاق للترمذي ((بلهت لهذه .. )). وفي ((الكفاية)): ((قد تلهت من مصيبتي هذه )) . ومعنى تلهت تحيَّرت ، كذا فسَره الخطيبُ البغدادي ، نقلاً عن ابن فارس . وكان ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما قد كفَّ بصرُه في آخرِ عُمرِه . وانظر (( الكفاية)) ص ٢٦٣ .