النص المفهرس

صفحات 261-280

١٩٤
شرح علل الترمذي
سعيد وسفيان بن عيينةَ في حديثٍ آخذٌ بقولٍ يحيى)) (١).
قال ابنُ المديني : (( ما رأيتُ أحداً أنفعَ للإِسلامِ وأهلِهِ من
يحيى بن سعيد القطّان)).
قال عليّ(٢): سمعتُ يحيى بنَ سعيد يقول: (( ينبغي لصاحبِ
الحديثِ أن يكونَ ثبت الأخذِ ، ويكونَ(٣) يفهمُ ما يُقال له ، ويبصرُ
الرجالَ ، ثم يتعاهدُ ذاك)) .
[و] قال البخاريُّ: ((أعلمُ الناسِ بالثوريِّ يحيى بنُ سعيد ، لأنه
عَرَفَ صحيحَ حديثِهِ من تدليسهِ )) .
وقال أبو عليَّ الحافظُ : حدَّثنا أبو بكر الواسطيُّ قال : سمعتُ
عليَّ بنَ المدينيِّ يقولُ: ((شعبةُ أحفظُ الناسِ للمشايخ ، وسفيانُ
أحفظُ الناسِ للأبوابِ ، وابنُ مهدي أحفظُهم ، قال (٤): للمشايخ
والأبوابِ ، ويحيى بن سعيد أعرفُ بمخارج الأسانيدِ ، وأعرفُ
بمواضعِ الطَّعنِ من جميعهم)) .
وقال يحيى بن غَيلان(٥) : سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول: (( ما
ترکتُ حدیثَ محمد بن إسحاق إلا لله )» .
[و] قال أبو بكر بن خلّد: (( دخلتُ على يحيى بن سعيد في
(١) ((يحيى بن سعيد ) ب .
(٢) قوله ((علي)) ليس في ب ، وعلي هو ابن المديني.
(٣)
(( وأن يكون)» ظ .
(٤) كذا في ظ وب. وفي الأصل ((أنه قال)) وفي هامش الأصل ((لعله ظننت))
أي: لعله سقط قوله ((ظننت)).
(٥) (( عسلان)) ب . تصحيف .

١٩٥
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
مرضهِ، فقال لي: ((يا أبا بكر ما تركتَ أهلَ البصرةِ يتكلَّمونَ ؟))
قلتُ : يذكرونَ خيراً ، إِلا أنهم يخافونَ عليكَ من كلامِكَ في
النَّاسِ، فقال: ((احفظْ عني: لأَنْ يكونَ خَصْمِي في الآخرةِ(١)
رجلٌ من عُرض الناسِ أحبُّ إِليَّ من أن يكونَ خصمي في الآخرةِ
النبيُّ وَّه، يقول: بلغكَ عني حديثٌ وقَعَ في وهمك أنه عني غيرُ
صحيحٍ))، يعني(٢) فلم تُنْكِر(٣).
(١) قوله (( في الآخرة )) ليس في ظ وب .
(٢) قوله (( يعني)) ليس في ظ.
(٣) نذكر في ختام الترجمةِ كلمةً قيمةً للإِمام عليٍّ بن المديني، تدُلُّ على مكانة
يحيى بن سعيد القطان ، كما أن لها فائدةً علمية هامَّة في تاريخ الحديثِ ، في
بيان أعظمٍ أعلامِ الحديثِ الذين نهضوا بهذا العلم في كل عصرٍ من عصوره
الأولى ، نذكرها بنصها من ((تقدمة الجرح والتعديل)) ص٢٣٤-٢٣٥ (وانظر
ص٢٦٤ _٢٦٥): قال ابنُ أبي حاتِم الرازي : (( نا محمدُ بن أحمد بن البراء
قال : قال عليُّ بن عبد الله بن المديني :
نظرتُ فإِذا الإِسنادُ يدورُ على ستةٍ : الزهريِّ ، وعمرٍو بن دينار ، وقتادةَ ،
ويحيى بن أبي كثير ، وأبي إِسحاقَ - يعني الهمْدانيَّ - وسليمانَ الأعمشِ.
ثم صار علمُ هؤلاءِ الستةِ إِلى أصحابِ الأصنافِ :
فممن صنَّ مَن أهلِ الحجازِ : مالكُ بن أنس ، وابنُ جريج ، ومحمدُ بن
إِسحاق ، وسفيانُ بن عيينة .
ومن أهل البصرة : شعبةُ ، وسعيدُ بن أبي عروبة ، وحمَّادُ بن سلمة ،
ومَعْمَر ، وأبو عوانة .
ومن أهل الكوفة : سفيانُ الثوري .
ومن أهل الشام : الأوزاعيُّ .
ومن أهل واسط : هُشَيْم .
=

١٩٦
شرح علل الترمذي
ومنهم : عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ :
البصريُّ(١) ، قرينُ يحيى بن سعيد ، ويكنى أبا سعيد أيضاً .
قال حسینُ بن عروة: «کنا عند حَمَّاد بن زید ، وعنده عبد الرحمن
ابن مهدي، فقال حماد: إِن كان أحدٌ يؤتى لهذا الشأن فهو هذا الشابّ)).
وقال جَرِيرٌ الرازيُّ: (( ما رأيتُ مثلَ عبد الرحمن بن مهدي)) ،
ووصفَ عنه بَصَراً بالحديثِ وحفظاً .
وقال ابنُ المديني: ((كانَ ابنُ مهدي أعلمَ الناسِ))(٢)، قالها مِراراً.
وفي رواية عنه قال: ((أعلمُ الناسِ بالحديثِ عبدُ الرحمن بن
مهدي ))، وقال أيضاً: ((أعلمُ الناسِ بزيدٍ بن ثابت وقولِهِ عشرةٌ،
وسمّاهم ، [آ-٤٣] أوّلهم: سعيدُ بن المسيّب . قال: وكان أعلمَ
الناسِ (٣) بقولِهم وحديثِهم ابنُ شهاب، ثم بعده مالكٌ، ثم بعدَ
=
ثم صار علمُ هؤلاء الاثني عشر إِلى ستة : إِلى يحيى بن سعيد ، وعبدٍ
الرحمن بن مهدي ، ووكيع بن الجراحِ ، ويحيى بن أبي زائدة ، ويحيى بن
آدم، وعبدِ الله بن المبارك)). انتهى. وانظرها بأطول من هذا في ((علل ابن
المديني)): ٣٩-٤٣ ط الأعظمي، وانظر ((الكامل)) لابن عدي: ١ :
١٦٦-١٦٧ و((المجروحين)) لابن حبان: ١: ٥٥ و((المحدث الفاصل)):
٦١٤ -٦٢٠ و((الجامع لأخلاق الراوي)): ٢ : ٤٤٩.
(١) ((عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ بن حسان، العنبري، مولاهم، أبو سعيد،
البصري ، ثقةٌ ثَبْتٌ ، حافظ ، عارف بالرجالِ والحديثِ .. ، من التاسعة،
مات سنة ثمان وتسعين - ومائة - وهو ابن ثلاث وسبعين سنة/ع)) .
انظر تخريجَ أقوال العلماء في ((تقدمة الجرح والتعديل)) ص٢٥١-٢٦٢.
(٢) ((كان للناس)) ظ وهو سقط وتحريف، وسقط قوله ((أعلم)) من ب.
(٣) قوله ((بزيد بن ثابت)) إِلى هنا سقط من ب.

١٩٧
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
مالكِ عبدُ الرحمن بن مهدي )) .
وقال أبو حَاتِمِ حدَّثنا محمد بن صفوان قال : سمعتُ ابنَ
المديني يقولُ: ((لو أُخِذْتُ فَأُخْلِفتُ بين الركنِ والمقام ، لحلفتُ
بالله أني لم أرَ أحداً قطّ أعلمَ بالحديثِ من عبد الرحمن بن مهدي )) .
وقال صالحُ بنُ أحمد بن حنبل: قلتُ لأبي: (( أيما أثبتُ عندَك
عبدُ الرحمن بن مهدي أو وكيع؟))، قال: ((عبدُ الرحمن أقلُّ سَقَطاً
من وكيع في سفيان ، قد خالفه وكيعٌ في ستين حديثاً من حديث
سفيان ، وكان عبدُ الرحمن يجيءُ بها على ألفاظِها ، وكان لعبدٍ
الرحمنِ تَوَقِّ حسنٌ )).
وقال محمدُ بن أبي بكر المقدَّمي : (( ما رأيتُ أحداً أتقنَ لِما
سمِعَ ولِمَا لم يسمعُ (١) من عبد الرحمن بن مهدي)).
وقال أبو حَاتِم الرازيُّ : ((عبدُ الرحمنِ بن مهدي أثبتُ من
يحيى بن سعيد ، وأتقنُ من وكيع ، وكانَ عَرَضَ حديثَه على سفيانَ
الثوري )» .
وقال الإِمامُ أحمدُ أيضاً في ابنٍ مهدي: ((رحمهُ اللهُ(٢) ما كان
أشدَّ تتبعَهُ للألفاظِ وأشدَّ توقَُّّهُ))، وقال: ((كانَ حافظاً (٣)، وكان
يتوقَّى كثيراً ، كان يحبُّ أن يحدِّثَ باللفظِ ، قال: وهو إِمامٌ من أئمةٍ
المسلمين))، وقال : ((لم يكنْ بكثيرِ الحديثِ جداً ، كان الغالبُ عليه
(١) أي: ما تلقَّاه بالإِجازةِ ونحوِها من طرقِ التحمُّلِ .
(٢) في ظ: ((وقال الإِمام أحمد أيضاً فيه: ما كان أشد .. )).
(٣) ((ضابطاً)» ظ وب .

١٩٨
شرح علل الترمذي
حديثَ سفيان ، قال : وكان يتوسّعُ في الفقهِ ، كان فيه أوسعَ(١) من
يحيى ، كان يحيى يميلُ إِلى قولِ الكوفيين ، وكان عبدُ الرحمنِ
يذهبُ إِلى بعضٍ مذاهبِ الحديثِ وإِلى رأيٍ المدنيين)».
نقلَ ذلك كلَّه الأثرمُ عن الإِمامِ(٢) أحمدَ .
وقال أبو حَاتِم الرازيُّ: (( سُئِلَ أحمدُ عن يحيى ، وعبد الرحمن
[ظ - ١٣٠] ووكيع؟ فقال: كانَ عبدُ الرحمنِ أكثرَهم حديثاً)).
وروى الحافظُ أبو نعيم بإِسنادِهِ عن القواريريِّ قال: (( كان ابنُ
مهدي يعرِفُ حديثَه وحديثَ غيرهِ . وكان يحيى بنُ سعيد يعرِف
حديثَه )) [ب _٢٨] .
وعن حَمَّادِ بن زيد قال: ((لئنْ عاشَ ابنُ مهدي ليخرُجَنَّ رجلَ
أهلِ البصرةِ)).
وعن حمّاد أنه سُئِلَ عن مسألةٍ؟ فقالَ: (( مَنْ لهذا إِلا ابنُ
مَهدي))، فأقبلَ عبدُ الرحمنِ، فسألوهُ عن ذلكَ، فأجابَ، فلما قامَ من
عنده قال : ((هذا سيدُ أو فتى البصرةِ منذُ ثلاثينَ سنةً)) أو نحو هذا.
وعن القواريريِّ قال: ((أملى عليَّ عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي عشرينَ
ألفَ حديثٍ حفظاً )) .
وعن أحمدَ بن حنبل قال : ((كأَنَّ عبد الرحمن بنَ مهدي خُلِقَ
للحدیث )» .
وعن مُهَنَّا : (( سألتُ أحمدَ: أيهما أفقه عبد الرحمن أو يحيى ؟
قال : عبدُ الرحمن )).
(١) (( كان أوسع فيه)) ظ وب .
(٢) قوله ((الإِمام)) ليس في ظ وب.

١٩٩
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
وعن ابنِ المديني قال : (( كانَ علمُ عبدِ الرحمنِ بنِ مهدي في
الحديثِ كالسِّخرِ» .
وقال نُعَيمُ بنُ حَمَّاد: قلتُ لابن مهدي : (( كيفَ تَعْرِفُ صحیحَ
الحديثِ وسقيمَه ؟ قال : كما يعرِفُ الطبيبُ المجنونَ )).
وعن ابن نُمَيْرِ قال: قال ابنُ مهدي: (( معرفةُ الحديثِ إِلهامٌ » .
قال ابنُ نُمير : (( صَدَقَ ، لو قلتَ له : من أين ؟ لم يكنْ له
جواب))(١) .
وقال ابنُ مهديٍّ: ((لا يجوزُ أن يكونَ الرجلُ إِماماً حتى يعلمَ
ما يصِحُ مما لا يصِحُ ، وحتى لا يحتجَّ بكلِّ شيءٍ ، وحتى يعلمَ
مخارجَ العِلم)).
وقال ابنُ مهدي: ((لأن أعرفَ عِلّة(٢) حديثٍ [واحدٍ] أحبُّ إِليّ
من أنْ أستفيدَ عشرةَ أحاديث )).
وعنه قال: ((لا يكونُ إِماماً في الحديثِ مَنْ يحدِّثُ بكلِّ
ما سمعَ ، ولا يكونُ إِماماً في العلم مَنْ يحدِّثُ عن كلِّ أحدٍ ،
ولا يكونُ إِماماً في العلمِ مَنْ يحدِّث بالشاذُّ من العِلم ، والحفظُ
الإتقانُ))(٣).
(١) أوردَ بعضُ الكاتبين من العصريين هذه الكلمةَ عن ابن مهدي إِيراداً يوهِمُ أن
الحكمَ في العِلَلِ ليس له مُسَوِّغٌ في لغةِ العلمِ . وقد نبَّهنا على ما يزيلُ هذا
التَّوَهُّم في تعليقنا على مطلع القسم الثاني من الكتاب فانظره لزاماً .
(٢) في ظ وب ((علم))، والمثبت من الأصل ونسخة بهامش ظ.
(٣) في ظ ((الحفظ والإِتقان)) ولعله سهو قلم.

٢٠٠
شرح علل الترمذي
ومنهم : وكيعُ بن الجَرَّاح :
ابن مَليح بن عَدِيّ بن فرس (١)، أبو سفيان الرُّؤاسِيّ(٢)،
الكوفي ، أحدُ الأئمةِ الأعلامِ .
قال أحمدُ : (( ما رأيتُ أحداً أوعى للعلم من وكيع ، ولا أشبهَ
بأهل التُّسُكِ)). وقال أيضاً: ((كان وكيعٌ حافظاً حافظاً(٣) وكان
أحفظَ من ابنٍ مهدي كثيراً كثيراً ))(٤) .
وقالَ أيضاً: (( ما رأيتُ أحداً ممن [آ-٤٤] أدركنا كانَ أحفظَ
للحديثِ من وكيع)). وقال أيضاً: ((كان وكيعٌ يحفَظُ عن سفيانَ
وعن المشايخ فلم يكنْ يصحِّفُ )).
وقال أيضاً : (( ما رأيتُ أحداً كانَ أجمعَ من وكيعٍ)) .
قال : ((وما كتبتُ عن أحدٍ أكثرَ مما كتبتُ عنه)).
وقال إِسحاقُ بن رَاهُويَةُ : (( حفظي وحفظُ ابنِ المبارك تكلُّفٌ ،
(١) ((بن فرس)) ليس في ب. وفي ظ ((بن قريش)).
(٢) (( الرُّؤَاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار التاسعة،
مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين - ومائة - وله سبعون
سنة/ع )) .
انظر تخريجَ أقوال العلماء فيه في ((تقدمة الجرح والتعديل)) ص٢١٩-٢٣٢.
من كتبه: ((تفسير القرآن))، و((السنن))، و((المعرفة))،
و((التاريخ)). انظر ((الأعلام)) ج٩ ص١٣٥، و((معجم المؤلفين ) ج١٣
ص١٦٦ .
(٣) ((حافظاً ضابطاً)) ظ وب. والمثبت من الأصل، موافق لـ ((تقدمة الجرح
والتعديل)) ص٢٢١، و((التهذيب)) ج١١ ص٥ ١٢ .
(٤) (( كذا وكذا )) ب، وهو تصحيف .

٢٠١
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
وحفظُ وكيع أصْلِيٌّ ، قامَ وكيعٌ يوماً قائماً ووضعَ يدَهُ على الحائطِ ،
وحَدَّثَ بسبعمائة(١) حديثٍ )) .
وقال بِشْرُ بن السّريّ ، وسهلُ بن عثمان ، ويحيى بنُ مَعِين :
((ما رأينا أحفظَ من وَكيعٍ)) .
( و) قالَ إِبراهيمُ بن شَمَّاسٍ: ((وكيعٌ أحفظُ الناسِ)).
وسُئِلَ أحمدُ عن یحیی وابنٍ مهدي وو کیعٍ ؟ فقال : (( کان و کیٌ
أسرَدَهم» .
قال أبو حَاتِم: ((وكيعٌ أحفظُ من ابنِ المباركِ)).
وقال يحيى بن يمان: ((إِنَّ لهذا الحديثِ رجالاً خلَقَهم اللهُ منذ
[يوم] خلقَ السمواتِ والأرضَ، وإِنَّ وكيعاً منهم)).
وقال حمادُ بن زيد: (( ليس الثوريُّ عندنا بأفضلَ من وكيعٍ )).
وسُئِلَ عبدُ الرحمن: (( مَنْ أثبتُ في الأعمشِ بعدَ الثوريِّ ؟
قال(٢): ما أعدِلُ بوكيع أحداً! قال له رجلٌ: يقولونَ : أبو معاوية ،
فَنَفَرَ من ذلك، وقال: أبو معاوية عنده كذا وكذا وهَماً )).
وقال ابن مَعِين : ((وَكيعٌ أحبُّ إِليَّ في سفيانَ من عبد الرحمن بن
مهدي))، فذُكِرَ ذلك لأبي حَاتِم، وقيل له : أيُّهما أحبُّ إِليك ؟
فقال : ((عبدُ الرحمن ثَبْتٌ، ووكيعُ ثِقَة)).
وظاهرُ هذا أَنَّهُ قدَّم عبد الرحمنِ على وكيع .
وقال ابن مَعِين: (( ما رأيتُ أحفظَ من وكيع!)).
(١) ((سبعمائة)) ظ، وهو موافق لـ ((تقدمة ((الجرح والتعديل)) ص٢٢١ .
(٢) (( فقال)» ظ وب .

٢٠٢
شرح علل الترمذي
وقال أيضاً : (( مَنْ فَضَّلَ عبد الرحمن بن مهدي على وكيعٍ لعنهُ
یحیی )) .
وعن عبدِ الرَزَّاقِ قال: «رأيتُ الثوريَّ، وابنَ عيينةَ، ومَعْمَراً ،
ومالكاً ، ورأيتُ ، ورأيتُ(١) ، فما رأت عيناي قطُ مِثْلَ وكيعٍ!)).
وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بن نمير : (( وكيعٌ أعلمُ بالحديثِ من ابنِ
إِدريسَ. وكانوا إذا رأوا وكيعاً سكتوا )) يعني للحفظِ والإِجلالِ.
فهذا ما أشارَ إِليه الترمذيُّ من تراجمٍ بعضٍ أعيانِ الأئمةِ الحفاظِ
المُقْتدى بهم في هذا العلم . و[قد] ذكرَ أنَّهُ ذكره على وجهِ
الاختصار ، ليُسْتَدَلَّ بِهِ على منازِلهم ، وتفاوتٍ مراتبهم في الحفظِ .
(١) لا يوجد تكرار (( ورأيت)) في ب .

٢٠٣
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
ونَذْكُرُ بعضَ تراجمِ الأئمَّةِ
الذينَ تكرّرَ ذكرُهم في هذا الكتابِ في أثناء الأبوابِ ، وحُكِي
عنهم الكلامُ في الجرحِ والتَّعديلِ والعِلَلِ ، ولم يذكرهم هاهنا:
فمنهم : عبدُ الله بنُ المبارَكِ :
ابن واضح الخراسانيُ(١) ، أبو عبد الرحمن، إِمامُ خراسان ،
الجامعُ بين الخِلال الحِسان .
قال ابنُ عُيينةَ: (( كان فقيهاً، عالِماً، زاهداً، سَخِيّاً،
شُجاعاً ، [ب -٢٩] شاعراً)).
وقال أحمدُ (٢): ((لم يكنْ في زَمَنِ ابنِ المباركِ أطلبُ للعلمِ
(١) الإِمامُ شيخُ الإِسلامِ، فخرُ المجاهدينَ ، قدوةُ الزاهدينَ أميرُ المؤمنين في
الحدیث، «من الثامنة، مات سنة إِحدی و ثمانین - ومائة - وله ثلاث وستون/ع)).
يوجدُ من كتبه: ((المسندُ))، و((البرُّ والصِّلة))، مخطوطان في
الظاهرية، و((الزهد)) مطبوع، و((الجهاد))، مطبوع. وذُكِرَ له من الكتب:
((السنن)) في الفقه، و((التاريخ)).
انظر تخريجَ الآثارِ عن العلماء فيه في ((تقدمة الجرح والتعديل))
ص٢٦٢ - ٢٨١ .
(٢) أخرجه عنه الخطيب البغدادي في ((الرحلة في طلب الحديث )) بنحوه مختصراً
قليلاً ص٩١، وانظر عن رحلاته ص ٩٠ و١٥٦ من كتاب ((الرحلة)) بتحقيقنا .

٢٠٤
شرح علل الترمذي
منه ، رحلَ إِلى اليمنِ ، وإِلى مصرَ والشام والبصرةِ والكوفةِ ، وكان
من رواةِ العلمِ ، وكان أهلَ ذاك .
كتبَ عن الصغارِ والكبارِ ، وجمعَ أمراً عظيماً ، ما كان أحدٌ أقلَّ
سَقَطاً من ابن المباركِ . وكان يحدِّث من حفظِهِ ، لم يكنْ ينظرُ في
کتابٍ )).
وقال أيضاً : (( ما أخرجتْ خُراسانُ مثلَ ابنِ المباركِ)).
وعن الثوريِّ قال: (( ابنُ المباركِ أعلمُ أهلِ المشرقِ وأهلِ
المغربِ)) .
وعن ابن عُيينة قال : (( ابنُ المباركِ عالمُ المشرقِ والمغربِ
وما بينهما )).
وقال ابنُ مهدي : (( ما رأيتُ مثلَ ابن المبارك! )) ، فقيل له :
ولا سفيان ولا شعبة؟! فقال: ((ولا سفيان ولا شعبة)).
وقال معتمرُ بن سليمان: (( ما رأيتُ مثلَ ابن المبارك ، [ظ
-١٣١] نُصيبُ عندَه الشيءَ الذي لا يُصابُ عند أحدٍ)).
وقال أبو الوليد الطََّالسيُّ: (( ما رأيتُ أجمعَ من ابنِ المبارك )).
وروى ابن الطَّبَّاع عن ابن مهدي قال: (( الأئمةُ أربعةٌ : الثوريُّ
[آ_٤٥] ومالكٌ، وحَمَادُ بن زيد، وابنُ المبارك)).
وقال أبو إسحاق الفَزَاريّ(١): ((ابنُ المبارك إِمامُ المسلمين)).
وقال نُعيمُ بن حَمّاد: (( قلتُ لابن مهدي : أيهما أفضلُ عندكَ ابن
المبارك أو سفيان ؟ قال : ابن المبارك . قلتُ : إِنَّ الناسَ يخالفونك!
(١) ((الفراوي)) ب ، وهو تصحيف.

٢٠٥
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
قال : إِنَّ الناسَ لم يجرِّبوا، ما رأيتُ مثلَ ابن المبارك)).
وعنه قال : ((ابنُ المباركِ أثبتُ من الثوري)).
وقال سُنَيْد : عن شعيبٍ بن حرب سمعتُ سفيان الثوريَّ يقول :
(( لو جهدت جُهدي أن أكونَ في السَّنَّة ثلاثةَ أيامٍ على ما عليه ابنُ
المبارك لم أقدِزْ عليه! )) .
وقال ابنُ عُيينةَ: ((لا ترى عينُك(١) مثلَ ابن المبارك)).
وسئل ابن معين : من أثبتُ في حَيْوَةَ (٢) ، ابنُ المباركِ أو ابنُ
وهب ؟ قال: (( ابنُ المباركِ أثبت منه - يعني ابن وهب - في جميع
ما يروي ، ثم قال : ابن المبارك بابَةُ يحيى بن سعيد القطان))، يعني
أَنَّهُ يشبهه(٣) .
وقال أسودُ بن سالم : (( كان ابنُ المباركِ إِماماً يُقْتدى به ، كان
مِن أثبتِ الناسِ في السُّنَّةِ . إِذا رأيتَ رجلاً يغمِزُ(٤) ابنَ المباركِ بشيءٍ
فاتَّهمهُ على الإِسلام)).
وقال الأوزاعيُّ لرجلٍ: ((لو رأيتَ ابنَ المباركِ لقَرَّتْ عينُك)).
ولما ماتَ ابنُ المبارك قال الفضيل بن عياض: (( ما خلَّفَ بعدَه
مثلَه )).
وعن ابنِ عُيينةَ قال : (( نظرتُ في الصَّحابةِ فما رأيتُ لهم فَضْلاً
(١) (( عينيك)) ظ وب ، كذا .
(٢) ((في خبره)) ب، تصحيف. وحَيْوة هو: ابن شُرَيح الإِمام القدوة . انظر
(( تذكرة الحفاظ )» ص ١٨٥ .
(٣) في ظ وب (( شبيهه)).
(٤) (( يغمزه)) ب ، خطأ. وقد ضرب على الهاء في الأصل.

٢٠٦
شرح علل الترمذي
على ابنِ المبارك إِلا صحبَتَهم للنبيِّ وَّهِ، وغزوَهم معه!)).
وعن أبي أسامةَ قال : (( كان ابنُ المباركِ في أصحابِ الحديثِ
مثلَ أميرِ المؤمنينَ في الناسِ!))(١) .
وقال شعيبُ بن حربٍ : (( ما لقي ابنُ المباركِ رجلاً إِلا وابنُ
المباركِ أفضلُ منه )) .
وقال الحسنُ بن عيَّاشٍ(٢): ((لم يأخذ ابنُ المبارك في فنٍ من
الفنونِ إِلا يُخيَّلُ إِليكَ أن عِلْمَه كان فيه )» .
وقال إِسماعيلُ بن عَيَّاش: (( ما على وجهِ الأرضِ مثلُ ابن
المبارك ، ولا أعلمُ أنَّ اللهَ خلقَ خصلةً من خصالِ الخيرِ إِلا وقد
جعلها فيه )) .
وقال عبدُ العزيز بن أبي رِزْمةً: «لم تكنْ خصلةٌ من خصالِ البِرِّ
إِلا جُمِعَتْ في ابنِ المبارك: حياءٌ، وكرمُ (٣)، وحسنُ خُلُقٍ ،
وحسنُ صحبةٍ ، وحسنُ مجالسةٍ ، والزهدُ ، والورعُ ، وكلُّ
شيءٍ )).
وقال الحسنُ بن عيسى : (( اجتمعَ جماعةٌ من أصحابِ ابنِ
المباركِ : مثلُ الفضلِ بن موسى ، ومَخْلَدِ بن حسين ، ومحمدٍ بن
النَّضْرِ ، فقالوا : تعالَوا حتى نعدَّ خصالَ ابنِ المبارك من أبوابٍ
(١) ((في الناس)) ليس في ظ.
(٢) ((الحسن بن عباس)) ظ وب .
(٣) في ظ وب ((وتكُّمٌ)).

٢٠٧
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
الخيرِ ، فقالوا : جمعَ العلمَ والفقهَ والأدبَ، والنحوَ واللغةَ،
والزهدَ، والشعرَ والفصاحةَ، والورعَ والإِنصافَ، وقيامَ الليلِ
والعبادةَ، والحجَّ والغزوَ، والشجاعةَ والفروسيَّةَ، والشدَّةَ في بدنِهِ،
وتركَ الكلام فيما لا يعنيهِ، وقلَّةَ الخلافِ على أصحابِهِ )).
وقال العبّاسُ بنُ مصعب: (( جمعَ ابنُ المباركِ الحديثَ ،
والفقهَ ، والعربيَّةَ ، وأيامَ الناسِ ، والشجاعةَ ، والتجارةَ ،
والسَّخاءَ، والمحبَّةَ عندَ الفِرَق)).
وقال ابنُ المدينيِّ: (( ابنُ المباركِ أوسعُ علماً من ابنِ مهدي
ویحیی بن آدم)) .
وقال جعفرٌ الطيالسيُّ : قلتُ لابن مَعِينٍ: (( إِذا اختلفَ يحيى
القطّان ووكيعٌ ؟ قال : القولُ قولُ يحيى . قلتُ : إِذا اختلفَ عبدُ
الرحمنِ ويحيى ؟ قال : يحتاجُ من يفصِلُ بينهما ، قلتُ : أبو نعيم
وعبد الرحمن ؟ قال يحتاجُ من يفصِلُ بينهما ، قلتُ : ابنُ المبارك ؟
قال : ذاكَ أميرُ المؤمنين )).
وقال النسائيُّ: ((أثبتُ أصحابِ الأوزاعيِّ ابنُ المبارك)).
وقال إِبراهيمُ الحربيُّ عن أحمدَ: ((إِذا اختلفَ [ب -٣٠]
أصحابُ مَعْمَر فالقولُ قولُ ابنِ المباركِ ».
قال نُعيم بن حَمّاد: قال ابنُ المبارك: (( قال لي أبي : لئن
وجدتُ كتبَكَ لأَحرقها! فقلتُ له : وما عليَّ من ذلك وهو في
صَذري!)).
وكانَ ابنُ المباركِ يقولُ: ((لنا في صحيحِ الحديثِ شُغلٌ عن

٢٠٨
شرح علل الترمذي
سَقِيمه(١))). وقال: ((العلمُ ما يجيئكَ من هاهنا وهاهنا(٢) )) ،
يعني المشهورَ . وقيل له : « هذه الأحاديثُ المصنوعةُ! قال : تعيشُ
لها الجهابذَةُ » .
وفضائلهُ [آ-٤٦] ومناقبُه كثيرةٌ جداً ، وله تصانيفُ كثيرةٌ في فنونِ
العلمِ . رضي الله عنه .
ومنهم : [الإِمامُ] أحمدُ بن محمد بن حَنْبلِ الشيبانيُّ :
أبو عبد الله(٣)، رَبَّنيُّ الأمَّةِ في وقتِهِ، وعالمُها، وفقيهُها،
(١) مرادُه بسقيمِ الحديثِ الشديدُ الضعفِ ، فإِنه لا يعملُ به في فضائلِ الأعمالِ ،
كما قرَّره العلماء ، وأوضحناه في كتابنا ((منهج النقد)» ص٢٧٢ فلا يعكِّرُ قوله
هذا على ما هو مقررٌ عند جماهيرِ أهلِ الحديثِ والفقهِ وأصولِهِ من العملِ
بالحديثِ الضعيفِ في فضائلِ الأعمال. وهذا كتابُ ((الزهدِ)) مثلاً لابن
المبارك فيه كثيرٌ من الأحاديثِ الضعيفةِ ، مما يحقّق لك ما قلناه .
(٢) في الأصل وب: ((من هنا وهنا)).
(٣) شيخُ الإِسلام وسيِّد المسلمين في عصره الحافظُ الحجةُ الفقيهُ الإِمامُ، ((وهو
رأسُ الطبقة العاشرة ، مات سنة إحدى وأربعين - ومائتين - وله سبع وسبعون
سنة/ع )) .
انظر تخريجَ الآثار عن العلماء فيه في ((تقدمة الجرح والتعديل» ص ٢٩٢-٣١٣.
وللإِمام أحمدَ كتبٌ كثيرةٌ، منها: ((المسندُ))، و((الزهدُ))،
و((المسائلُ))، وهي مطبوعةٌ، و((العللُ)) طبع جزء منه، و((الأشربةُ))
مطبوع. ومنها: ((التاريخُ))، و((الناسخُ والمنسوخُ))، و((الردُّ على من
ادعى التناقضَ في القرآن))، و((التفسيرُ))، و((فضائلُ الصحابة))،
و((المناسكُ))، و((الجرح والتعديل)). انظر ((الأعلام)) ج١ ص١٩٢ -١٩٣.
و((معجم المؤلفين)) ج٢ ص٩٦، وفيه ((المعرفة والتعليل))، والأولى:
(( العلل ومعرفة الرجال)).

٢٠٩
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
وحافظُها ، وعابدُها ، وزاهدُها . وشهرةُ فضائلِهِ ومناقبهِ تغني عن
الإِطالة فيها .
وقد أفْرَدَ العلماءُ التصانيفَ لمناقِهِ(١) . فمنهم مَنْ طَوَّلَ ، ومنهم
من قَصَّرَ . وممن أفردَ التصنيفَ لمناقبهِ ابنُ أبي حَاتِم ، وابنُ
شاهين ، والبيهقيُّ ، وأبو إسماعيلَ الأنصاريُّ، ويحيى بن مَنْدَه ،
وابن الجوزي . وقد أفْرَدْتُ مصنَّفاً لمناقبه .
ونذكرُ ههنا نبذةً يسيرةً من فضائلِهِ في الحديثِ وعلومِهِ ، لأنَّ
المقصود يحصلُ بذلك ههنا :
قال عبدُ الله بنُ أحمد (٢): (( كتبَ أبي ألفَ ألفِ حديثٍ ، وتركَ
لقومٍ لم يرو عنهم مائتي ألفِ حديثٍ!)).
وقال أبو زُرْعَةَ: ((كان أحمدُ بن حنبل يحفظُ ألفَ ألفِ حديثٍ!
فقيل له : وما يُدريك! قال : ذاكرتهُ فأخذتُ عليه الأبوابَ!)).
وسُئِلَ أبو زُرْعَةَ: أنتَ أحفظُ أم أحمدُ بن حنبل؟ قال: (( بل
أحمدُ . قالوا : كيف علمتَ ذاك ؟ قال : وجدتُ كُتُبَ أحمدَ بن
حنبل ليس فيها في أوائلِ الأجزاءِ ترجمةُ أسماءِ المحدِّثين الذين سمعَ
منهم ، فكان يحفظُ كلَّ جزءٍ ممن سمعه ، وأنا لا أقدِرُ على هذا! )) .
وعن أبي زُرعة قال: أتيتُ أحمدَ بن حنبل(٣) فقلتُ: ((أخْرِجْ
إِليَّ حديثَ سفيان ، فأخْرَجَ إِليَّ أجزاءً كلّها سفيان سفيان ، ليس على
حديثٍ منها ثنا فلان! فظننتُ أنها عن رجلٍ واحدٍ ، فجعلتُ أنتخبُ ،
(١) من قوله ((تغني)) إِلى هنا سقط من ب .
(٢)
((بن أحمد)) ليس في ب .
(٣) (( ابن حنبل)) في ظ.

٢١٠
شرح علل الترمذي
فلما قرأَ عليَّ ، جعلَ يقولُ في الحديثِ : ثنا وكيعٌ ويحيى ، وثنا
فلان. قال: فعجبتُ من ذلك !. [ظ -١٣٢] قال أبو زُرعة :
فَجَهَدْتُ في عمري أن أقدِرَ على شيءٍ من هذا فلم أقدِرْ )) .
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمد: قال لي أبي: (( خُذْ أيَّ (١) كتابٍ شئتَ
من كُتُبِ وكيع ، من المصنَّف ، فإن شئتَ أن تسألني عن الكلامٍ حتى
أخبركَ بالإِسنادِ ، وإِن شئتَ بالإِسنادِ حتى أخبركَ بالكلام )» .
وقيل لأبي زُرْعَة : من رأيتَ من المشايخ المحدِّثين أحفظَ ؟
قال : ((أحمدُ بن حنبل! حُزِرَ كتبهُ اليوم الذي ماَتَ فيه ، فبلغتْ اثني
عشرَ حِمْلاً وعِدْلاً ، ما كانَ على ظهرِ كتابٍ منها حديثُ فلان(٢) ،
ولا في بطنِهِ ثنا فلان، وكلُّ ذلكَ كان يحفظهُ من ظهرِ قلبهِ » .
وقال صالحُ بن أحمد : قال أبي: (( كتبتُ بخطّي ألفَ ألفِ
حديثٍ ، سوى ما كُتِبَ لي )) .
وقال أحمدُ بن الدورقيِّ: سمعتُ أحمد يقول: (( نحن كتبنا
الحديثَ من ستةِ أوجهٍ وسبعةٍ وجوهٍ ولم نضبطه ، كيف يضبطُه مَن
كتبَه من وجهٍ واحدٍ ؟))، أو نحو هذا(٣).
وقال أبو عبيد: (( انتهى العلمُ إِلى أربعةٍ : إِلى أحمدَ بن حنبل
وهو أفقهُهم فيه ، وإِلى ابن أبي شيبة وهو أحفظُهم له ، وإِلى عليٍّ بن
المديني وهو أعلمُهم به ، وإِلى يحيى بنِ مَعِين وهو أكتبُهم له )).
(١) (( خذ عن أي)) ظ ، ولعله سهو.
(٢) (( ثنا فلان)» ظ . والمثبت أولى.
(٣) في ظ: ((ونحو هذا)).

٢١١
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
وذكرَ يحيى بن مَنْدَهْ في مناقبِ أحمدَ بِإِسنادٍ له عن أبي عبيد
قال : (( ربَّانِيُّ العلمِ أربعةٌ: فأعرفُهم بالحلالِ والحرامِ أحمدُ بن
حنبل ، وأحسنُهم سياقةً للحديثِ عليُّ بن المديني ، وأحسَنُهم معرفةً
بالرجالِ يحيى بن مَعِين ، وأحسنُهم وضعاً للبابِ أبو بكر بن أبي
شيبة )) .
وقال إِبراهيمُ الحربيُّ: ((انتهى علمُ رسولِ اللهِ وَلَهـ ما رواه أهلُ
المدينةِ وأهلُ الكوفةِ وأهلُ البصرةِ وأهلُ الشام - إِلى أربعةٍ : إِلى
أحمدَ بن حنبل ، ويحيى بن مَعِين ، وأبي خَيْثَمَةَ ، وأبي بكرٍ بن أبي
شيبة . وكان أحمدُ أفقهَ القومِ )).
وقال عبدُ الرزاق: (( رحلَ إِلينا من العراقِ أربعةٌ من رؤساءِ
الحديثِ : الشاذكُونيُّ وكان أحفظَهم للحديثِ ، وابنُ المديني وكان
أعرفَهم باختلافِهِ ، ويحيى بن مَعِينِ وكان أعلَمَهُم بالرجالِ ،
وأحمدُ بن حنبل وكان أجمعَهُم لذلك كلِّه )) .
وقال ابنُ المديني: (( ليس في أصحابنا أحفظُ من أبي عبد الله
أحمدَ بن حنبل ، وبلغني أنه لا يحدِّثُ إِلا من كتابٍ ، ولنا فيه
[آ-٤٧] أسوةٌ)).
وسُئِلَ أبو زُزْعَةَ عن عليٍّ بن المديني ويحيى بن مَعِين أيهما كان
أحفظَ ؟ قال: ((كان عليٌّ أسردَ وأتقنَ، ويحيى أفهمَ بصحيحٍ
الحديثِ وسقيمهِ ، وأجْمَعُهُم أبو عبد الله أحمدُ بن [ب ـ ٣١] حنبل ،
كان صاحبَ حفظٍ ، وصاحبَ فقهٍ (١) ، وصاحبَ معرفةٍ . قال :
(١) ((صاحب فقه، وصاحب حفظ .. )) ظ وب.

٢١٢
شرح علل الترمذي
وما أعلم في أصحابنا أفقَهَ من أحمدَ! قيل له : اختيارُ أحمدَ وإِسحاقَ
أحبُّ إِليك أم قولُ الشافعيِّ ؟ قال : بل اختيارُ أحمدَ وإِسحاقَ أحبُّ
إِليَّ)).
وقال : (( ما رأتْ عيناي مثلَ أحمدَ بن حنبل(١) في العِلمِ،
والزُّهدِ ، والفقهِ، والمعرفةِ، وكلِّ خيرٍ)).
وقال أبو زُرْعَة أيضاً: (( ما رأيتُ مثلَ أحمدَ في فنونِ العلمِ)).
وقال أيضاً: (( ما رأيتُ أجمعَ من أحمدَ بن حنبل(١). قيل له (٢):
إِسحاق ؟ قال : أحمدُ أكبرُ من إِسحاقَ، وأفقهُ من إِسحاقَ)).
وسُئِلَ أبو حَاتِم الرازيُّ عن أحمدَ وعليٍّ بن المديني أيهما
كان أحفظَ ؟ قال : (( كانا في الحفظِ متقاربين، وكانَ أحمدُ
أفقَهَ)).
قال أبو حَاتِم : (( وكانَ أحمدُ بارعَ الفهمِ بمعرفةِ الحديثِ :
بصحيحِهِ وسقيمِهِ . وتعلّمَ الشافعيُّ أشياءَ من معرفةِ الحديثِ منه ،
وكان الشافعيُّ يقولُ لأحمدَ : حديثُ كذا وكذا قويُّ الإِسنادِ
محفوظٌ ؟ فإِذا قال : نعم، جعلَه أصلاً وبنى عليه )).
وقال أحمدُ بن سَلَمة(٣): (( قلتُ لأبي حَاتِم الرازيِّ: أراكَ في
الفتوى على قولِ أحمدَ وإسحاقَ ، وعندَكَ كتابُ الشافعيِّ وكتابُ
مالكٍ والثوريِّ وشرِيكِ ، فتركتَ هؤلاءِ كلَّهم وأقبلتَ على قولِ أحمدَ
(١) ((ابن حنبل)) ليس في ظ وب.
(٢) (( له )) ليس في ظ وب .
(٣) في ظ بياض موضع ((سلمة))، وفي ب ((بن حنبل)) وهو خطأ واضح.

٢١٣
تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة
وإِسحاقَ؟!)) قال: ((لا أعلمُ في دهرٍ ولا عَصْرٍ مثلَ هذين
الرجلين ؛ رَحَلا ، وكَتَبَا ، وذاكرا، وصَنَّفا)).
وقال النسائيُّ : ((لم يكنْ في عصرٍ أحمدَ مثلُ هؤلاءِ الأربعةِ :
أحمدَ ، ويحيى ، وعليٍّ، وإِسحاقَ . وأعلمُهُم عليٍّ بالحديثِ
وعللهِ(١)، وأعلمُهُم بالرِّجالِ وأكثرُهم حديثاً يحيى، وأحفظُهم
للحديثِ والفقهِ إِسحاقُ، إِلا أَنَّ أحمدَ بن حنبل كان عندي أعلمَ
بعللِ الحديثِ من إِسحاقَ ، وجمعَ أحمدُ المعرفةَ بالحديثِ والفقِهِ
والوَرِعِ والزُّهْدِ » .
وقال العِجْليُّ : ((أحمدُ ثقةٌ ثَبْتٌ في الحديثِ ، فقيهٌ في
الحديثِ ، متَبعٌ للآثارِ ، صاحبُ سنةٍ وخيرٍ (٢)، نَزِهُ النفسِ)).
وقال قتيبةُ: ((أحمدُ وإِسحاقُ إِماما الدنيا)). وقال: ((لو أدركَ
أحمدُ عصرَ الثوريِّ، ومالكِ، والأوزاعيِّ، ولَيْثِ ، لكان هو المقدَّمَ)).
قلت : تضمُّ أحمدَ إِلى التابعين ؟! قال: إِلى كبارِ التابعين)).
وقال أبو عبد الله البُوشَنْجِيُّ: ((أحمدُ(٣) عندي أفضلُ من سفيانَ
الثوري ؛ لأن سفيانَ لم يُمْتحَنْ من الشدَّةِ والبلوى بمثلٍ ما امتُحِنَ به
أحمدُ ؛ ولا عِلْمُ سفيانَ ومَنْ تقدَّم مِنْ فقهاءِ الأمصارِ كعِلْمِ أحمدَ ،
لأنه كان أجمعَ لها ، وأبصرَ بمتقنِيهم ، وغالطِيهم ، وصدوقِهِم ،
وكذوبهم منه»(٤) .
(١) ((وأعلمهم بالحديث وعلله علي )) ب.
(٢) ((وخبره )) ب ، وهو خطأ.
(٣)
في ظ (( أبو عبد الله)).
(٤) ((منهم)) ظ ، وهو سهو .