النص المفهرس
صفحات 181-200
١١٤ شرح علل الترمذي الخطأ لسوءِ الحفظِ دونَ الغفلةِ ، ويكونُ ذلكَ قولاً ثالثاً في المسألةِ ، (١) والله أعلم(١) . (١) التحقيقُ في هذا المقام أنه لا إِشكالَ في كلام التِّرمذيِّ وأئمةِ المحدِّثين الذينَ نقلَ الحافظُ ابنُ رجب أقوالَهم ولا تردُدَ . وذلكَ أَنَّ التحقيقَ فيمن ضُعِّفَ لغفلته أو سوءِ حفظهِ أنه ينقسمُ إِلى مرتبتينِ نوضَّحهما ونضبطُ تمييزَهما بضابطٍ يسهُل الرجوعُ إِليه لكلِّ مشتغلٍ بهذا العلم : أما المرتبة الأولى : فهي مرتبةُ من كَثُرَ خَطؤه لكنْ لم تفحشْ غفلته . ولم يكن الغالبُ على حديثِهِ الخطأ . فهذا ضعيفٌ لا يحتجُ به ، لكن لا يتركُ حديثُه . والضابطُ لهذا النوع أن يكونَ من المراتبِ التي يُعتَبَر بها ، من مراتبِ الجرحِ والتعديل . وحديثُ هذَا النوعِ يعتَضِدُ بورودِهِ من طريقٍ أخرى مثلهِ أو أقوى منهَ فيرتقي إلى الحسنِ لغيرهِ ، كما هو مقرَّر عند أهلٍ الحديث ، انظر ((منهج النقد في علوم الحديث)) ص٢٤٩ . ويُعمل بحديثِ هذه المرتبةِ أيضاً في فضائلٍ الأعمالِ كما حقَّقناه بشروطهِ وأزحنا الإِشكالَ عنه في كتابنا (( منهج النقد » ص٢٧١ -٢٧٦. أما المرتبة الأخرى : فهي مرتبة من كانَ الغالبُ عليه الخطأ ، لفُخش غفلته أو سوءِ حفظه جداً. وهذا يُتْرَكُ حديثهُ . وضابطُ هذه المرتبةِ أن يكونَ الراوي من مراتبِ الجرحِ التي لا يُعتَبر بها . ١١٥ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين ٥ تراجِمُ طائفةٍ من جِلَّةِ أهلِ الحديثِ ٥ ہ ◌ُگُلِّم فیھم من چِھَةِ حفظھم ° وأما محمدُ بن عمرو : الذي تكلّم فيه يحيى ، فهو : محمدُ بن عمرو بن عَلْقَمَةَ بنِ وقَّاص الليثي . وقد تكلّم فيه يحيى ومالكٌ، وقال أحمدُ: (( كان محمدُ بن عمرو يحدِّثُ بأحاديثَ فيرسلُها ويسنِدُها لأقوامٍ آخرينَ . قال: وهو مُضْطَربُ الحديثِ، والعلاءُ أحبُّ إِليَّ منه)). وقال ابنُ أبي خيثمةَ: سمعتُ يحيى بن مَعِين يقولُ: ((مازالَ الناسُ يَتَّقونَ حديثَ محمدٍ بن عمرو، قيل(١) له : ما عِلَّة ذلكَ ؟ قال : كان مرَّةٌ يحدِّثُ عن أبي سلمةً بالشيءِ رأيِهِ ، ثم يحدِّثُ به مرَّة أخرى عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ)). ووثَّقَهُ ابنُ مَعِين في روايةٍ أخرى ، ونقلَ إِسحاقُ بن حكيم عن يحيى القطانِ أنه قال فيه : ((رجلٌ صالحٌ، ليس بأحفظَ الناسِ للحديثِ)). وقد ذکرَ الترمذيُّ : أن یحیی بن سعید روى عنه ، وكذلكَ روی عنه مالكٌ في ((الموطَّأ))، وخَرَّج حديثَه مسلمٌ متابعةً، وخرّجَهُ البخاريُّ مقروناً . (١) في ظ (( وقيل )) بزيادة الواو . ١١٦ شرح علل الترمذي وقد(١) قال يحيى بنُ سعيد: ((هو فوق سهيلٍ بن أبي صالحٍ)). و(٢) خالفه في ذلك الإِمامُ أحمدُ، وقال: (( ليس كما قال يحيى. قال أحمد : ولم يروِ شعبةً عن محمد بن عمرو إِلا حديثاً واحداً ))(٣). وأما عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَرْمَلَةٍ : الذي ذكر يحيى القطانُ أَنَّ [آ_٢٥] محمد بن عمرو فوقَه فهو مديني ، كان القطانُ يضعِّفه ولا يرضاهُ . وقال(٤) ابنُ المديني: «رادَدْتُ يحيى في ابن حرملةَ، فقال : ليس هو عندي مثلَ يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ(٥) ، قال: سمعتُ سعيد بن المسيّب . قال يحيى : لو شئتُ أن ألقُّنه أشياءَ ، [قال]: قلتُ : كان يُلَقَّنُ ؟ قال : نعم)). وقال أحمدُ في ابن حرملةَ(٦): ((هو كذا وكذا)) يضعِّفه . (١) ((قد)) ليس في ظ . (٢) الواو زيادة من ظ وب . (٣) الحاصلُ أَنَّ محمدَ بن عمرو كما قال ابن الصَّلاح في (( علوم الحديث)) ص٣١: (( من المشهورينَ بالصدقِ والصيانةِ، لكنه لم يكنْ من أهلِ الإِتقانِ ، حتى ضعَّفه بعضُهم من جهةٍ سوءِ حفظه ، ووثَّقه بعضُهم لصدقِهِ وجلالته ، فحديثُه من هذه الجهةِ حسنٌ)). ((مات سنة ١٤٥ على الصحيح/ع)). (٤) ((محمد بن المديني)) ب وهو خطأ. إِنما هو علي بن المديني . (٥) ((الأنصاري)) من ظ وب. وفي ((الجرح والتعديل)) ج٢٢٣/٢/٢: ((يعني الأنصاري )) . (٦) ((قال أحمد في حرملة)) ظ، وهو سقط، وكذا سقط منها لفظ ((ابن)) من الموضع الآتي . ١١٧ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين وقال ابن مَعِين : ((لا بأسَ به))، قيل له : يقولون : سَمِعَ من ابنِ المسيّب وهو صغيرٌ، قال: ((لا)) . وذكرَ ابنُ أبي خيثمةَ عن ابن مَعِين عن يحيى عن ابنٍ حَرملةَ قال: (( كنتُ سيىءَ الحفظِ ، فسألتُ سعيدَ بنَ المسيّب، فرخّصَ لي في الكتابِ))(١). وأما شَرِيكٌ فهو ابنُ عبد الله النَّخَعي : قاضي الكوفة ، وكان كثيرَ الوَهَم ، ولا سيَّما بعد أن وَلِيَ القضاءَ ، وكان فيه أيضاً(٢) في تلك الحالِ تِيهُ وكِبْرٌ، واحتقارٌ للأئمةِ و(٣) الصَّالحين. وقد خَرَّجَ حديثَه مسلمٌ مقرُوناً بغيره(٤) . ومن الأوهام المتعلّقةِ بترجمتِهِ أَنَّ مسلماً ذكر في كتاب (( الكُنى )) أَنَّ أحمدَ سمعَ منه ، وهو وَهَم ، لم يسمعْ منه أحمدُ ، إِنما سمعَ من أصحابِه(٥) . (١) عبدُ الرحمن بن حَرْمَلَة صدوق ربما أخطأ، مات سنة ١٤٥/ م عه. له في ((مسلم)) حديث واحد متابعة في القنوت، كما بينا في تعليقنا على ((المغني)) رقم ٣٥٥٠. (٢) (( فيه أيضاً )) ليس في ب. (٣) الواو زيادة من ظ . (٤) قصّر الشارحُ بِشَريك، قال الذهبيُّ في ((الميزان)»: القاضيِ الحافظُ الصادقُ أحدٌ الأئمة ، وذكر عن إِبراهيم بن سعيد الجوهريِّ قال : أخطأَ شَرِيك في أربعمائة حديثٍ ، وعن ابن مَعِين : ((صدوقٌ ثقةٌ إِلا أنه إِذا خالفَ فغيرُه أحَبُّ إِلينا منه ». قال الحافظ : (( صدوقٌ يخطىءُ كثيراً، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاءَ بالكوفةِ ، وكان عادلاً فاضلاً عابداً ، من الثامنة ، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة/ خت م عه)). ورواية مسلم له في المتابعة كما في (( المغني)) رقم ٢٧٦٤. (٥) ليس للوهم الذي ذكره الحافظُ وجودٌ في كتاب ((الكنى والأسماء)) لمسلم في ترجمة شريك ص ٦٢ ورقة ٢/٧٢/ من المجموعة، ولا في (( الكنى )) = ١١٨ شرح علل الترمذي وأما أبو بكر بنُ عَيّاش (١): فهو المقرىءُ الكوفيُّ، وهو رجلٌ صالحٌ ، لكنه كثير الوَهَم ، ومع هذا فقد خَرَّجَ البخاريُّ حديثَه ، وأنكرَ عليه ابنُ حِبَّانَ تخريجَ حديثِهِ وتَرْكَه لحمادٍ بن سَلَمَةٍ(٢). للدولابي ج٢ ص٥٧، ولا في ترجمة كنية الإِمام أحمد من (( كنى)) الدولابي = ج٢ ص٥٣، نعم وقعَ الوهمُ في ترجمة الإِمام أحمدَ من كتاب (( الكنى والأسماء)) لمسلم ص٦٥ ورقة ٧٤/ ١ من المجموعة ، وهذا نصُّ ترجمته : (( أبو عبد الله أحمدُ بن محمد بن حنبل ، أصله مَزوزي ، ولد ببغدادَ . سمع شَرِيكاً وهُشَيْماً . روى عنه محمد بن يحيى )) . وقد علَّق الناسخُ على قوله (( شَرِيكاً )) بما نصه : ((كذا في النسخ كلها: ((سَمِعَ شَرِيكاً ». وهو خطأٌ، أحمدُ بن حنبل لم يسمع من شريكٍ شيئاً )). (١) أبو بكر بن عَيَّاش مشهورٌ بكُنيته والأصحُ أنها اسمه ، ثقةٌ عابدٌ ، إلا أنه لما كبر ساءً حفظُه . وكتابه صحيح . روى له البخاري أحاديث يسيرة توبع عليها عنده ، وأخرج له مسلم في ((مقدمته)) والأربعة . ولا نقدَ على البخاريِّ في الروايةِ له ، لأنه لا يلزمُ من روى عن شخصٍ أن يروي لكلِّ من هو مثلُه أو أحسنُ منه ... (٢) ((البصري، أبو سلمة، ثقةٌ عابدٌ، أثبتُ الناسِ في ثابتٍ، وتغيَّر حفظه بآخرة ، من كبار الثامنة ، مات سنة سبع وستين ومائة/ خت معه)) . ويأتي له ذكر في أكثر من موضع . ١١٩ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين وأما الربيعُ بن صَبيح(١) ومُبارك بن فَضالة(٢): فلم يُخرَّج لهما في الصَّحيح . وقد وثَّقَ المباركَ: عفانُ ، وأبو زُرْعَة ، وغيرُهما . وقال شعبةُ: ((هو أحبُّ إِليَّ من الرَّبيع))، وسوَّى ابنُ معين بينهما في الضَّعف(٣). وقال أحمدُ: ((ما أقربَهما))، وقال مَرَّة: « مباركٌ أحبُّ إِليَّ إِذا قال : سمعتُ الحسنَ ))، يشير إِلى أَنَّهُ يدَلِّسُ . وقال نُعَيْم(٤): ((كان ابنُ مَهدي لا يكتبُ للمباركِ شيئاً إِلا شيئاً يقول فيه : سمعتُ الحسنَ )). وقال الفلَّس : (( كان يحيى وعبدُ الرحمن لا يحدِّثان عن مباركٍ )) . وقال ابن مَعِين: (( لم يروِ عنه یحیی)). وقال أحمدُ : ((تَرَكَه عبدُ الرحمن لأنَّه كان يروي أقاويلَ الحسنِ (١) الربيعُ بن صَبيح: هو كما ذكر الرَّامَهُرمُزي: أوَّلُ من صنَّفَ الحديثَ بالبصرةِ ، كان من عبَّادِ البصرةِ وزمَّادهم، قال أبو حاتم: ((رجلٌ صالحٌ)) وقال أبو زُرْعَة: (( شيخٌ صالحٌ صدوقٌ)). لكن تُكلُّم فيه لسوءِ حفظهِ. قال السَّاجي: ((ضعيفُ الحدیثِ كان يَهِم)). مات سنة ستين ومائة بالبصرة . علق له البخاري في (صحيحه ))، وروى له الترمذي وابن ماجه . انظر (المحدث الفاصل)) ص٦٠١، و( تهذيب التهذيب ) ج٣ ص٣٤٧-٣٤٨، و(( المغني في الضعفاء)) رقم ٢٠٩٦ . (٢) المبارك بن فَضالة: ((أبو فضالة البصري، صدوقٌ، يدلُّس ويسَوِّي ، من السادسة ، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح . خت دت ق )) . (٣) ((في الضعف بينهما)) ظ. وسقط ((بينهما)) من ب. (٤) هو نُعَيم بن حمّاد، كما في ((التهذيب)): ٣١/١٠. ١٢٠ شرح علل الترمذي يأخُذُها من الناسِ ، قال: [ب -١٢] وكان عبدُ الرحمنِ يروي عن الرَّبِيعِ بن صَبيح ، وكان الرَّبيعُ رجلاً صالحاً )). قال الفلَّس : (( كان عبدُ الرحمنِ يحدِّث عن الرَّبيع ، وكان يحيى لا يحدِّثُ عنه)). قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ : ( وقد تكلَّم بعضُ أهلِ الحديثِ في سُهَيْلٍ بن أبي صالحٍ ، ومحمدٍ بن إسحاقَ ، وحمادٍ بن سلمةً ، ومحمدٍ بن عجلانَ ، وأشباهِ هؤلاء من الأئمةِ، إِنما تكلَّموا فيهم من قِبَلٍ حفظهم في بعضٍ ما رَووا ، وقد حَدَّثَ عنهمُ الأئمةُ . حدَّثنا الحسنُ بن عليّ الحُلْواني ثنا عليٌّ بن المَدِيني قال : قال لنا سُفْيان بن عُيَيْنَةَ : ((كنا نَعُدُّ سهيل بن أبي صالح ثبتاً(١) في الحدیث)» . وحدَّثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان بن عُيَيْنة: (( كان محمدُ بن عجلانَ ثقةٌ مأموناً في الحديث )) . قال أبو عيسى : وإِنما تكلَّمَ يحيى بن سعيد(٢) القطان عندنا (١) (( كنا بعد سهيل بن أبي صالح تتنا في الحديث)) ب وهو تصحيف ظاهر. (٢) (( ابن سعيد )) ليس في ظ وب. ١٢١ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين في روايةٍ محمدٍ بن عجلانَ عن سعيد المقبري : حدثنا أبو بكر عن عليٍّ بن عبد الله قال : قال يحيى بنُ سعيد : قال محمد بن عجلان: ((أحاديثُ سعيد المَقْبُري بعضُها عن سعيدٍ عن أبي هريرة ، وبعضها عن سعيدٍ عن رجلٍ عن أبي هريرةَ ، فاختلطتْ عليَّ فصَيَّرْتُها (١) عن سعيدٍ عن أبي هريرة)). وإِنما تكلّم يحيى بن سعيد عندنا في ابن عجلانَ لهذا . وقد روى يحيى عن ابنِ عجلان الكثيرَ ) . أما سهيلُ بنُ أبي صالح السَّمَّان : فقد تكلَّم فيه جماعةٌ من الأئمةِ ، قال ابنُ أبي خَيْثَمَةَ : سمعتُ يحيى بن مَعين يقول: (( لم يزلْ أصحابُ الحديثِ يتَّقونَ حديثَ سُهَيل))، قال : وسُئِلَ ابنُ مَعِينٍ مَرَّة أخرى عن سهيلٍ ؟ فقال : ((ليسَ بذاك))، وسُئِلَ مرةً أخرى؟ فقال: ((سهيلٌ ضعيفٌ)). وحكى عَبّاس الدُّوريُّ قال : سُئِلَ يحيى بنُ معين عن حديثٍ سهيلٍ والعلاءِ بن عبد الرحمن ؟ فقال : ((حديثُهما قريبٌ من السَّواءِ ، وليسَ حديثُهما [ظ -١١٩] بالحُجَّة))، قال: وسمعتُ يحيى يقول: ((سهيلٌ صويلح وفيه لِيْن . قال: ومحمدُ بن عمرو أكبرُ من هؤلاء )). يعني من سهيلٍ [آ٢٦] والعلاء، وعاصم بن عُبَيْد الله ، وابنٍ عَقيل . (١) في ظ ((فاختلط عليّ فصيرتها)). وفي ب ((فاختلط عليه فصريها))، كأنه يريد فصيرها ، فتصحفت عليه . ١٢٢ شرح علل الترمذي وقد سَبَقَ(١) قولُ يحيى بن سعيد: ((إِنَّ محمدَ بن عمرو أعلى من سهیلٍ)) . وأنكرَ ذلك عليه أحمدُ، وقال: ((لم يكنْ ليحيى بسهيلٍ علمٌ ، وكان قد جالسَ محمدَ بن عمرو ، قال: وسهيلٌ صالحٌ)). وقال أيضاً: (( لم يصنع يحيى شيئاً، الناسُ عندهم سهيلٌ ليس مثلَ محمد بن عمرو)). فقيل له : ((سهيلٌ عندَهم أثبتُ؟)) قال: ((نعم)). وقال أحمدُ أيضاً : ((سهيلٌ ما أصلحَ حديثَه . قال: والعلاءُ بنُ عبد الرحمن عندي فوق سهيل ، وفوق محمد بن عمرو )) . وقال عبدُ الله : سألتُ أبي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، وعن سهيلٍ عن أبيه؟ فقال : (( ما سمعتُ أحداً يذكرُ العلاء إِلا بخيرٍ))، وقدَّمَ أبا صالح على العلاء. كذا في ((المسند))، وإِنما كان السؤالُ عن سهيلٍ لا عن أبيه! وقد ذكرَ الترمذيُّ هنا عن ابنِ عُييْنَةَ أنه قال : (( كنا نعدُ سُهِيلاً ثَبْتاً في الحديثِ )). وقال ابن مَعِين في رواية عباس في موضع آخرَ عنه: (( سهيلٌ ثقة)). ووثَّقه العِجْليُّ. وقال النسائيُّ: ((ليسَ به بأسٌ)). وقال ابنُ عَدِيّ (٢): ((هو عندي ثَبْتٌ لا بأس به، مقبولُ الأخبارِ)). قال أبو زُزْعَةَ: ((سهيلٌ أشبه وأشهر من العلاء بن عبد الرحمن)). وقال أبو حَاتِم : ((هو أحبُّ إِليَّ من العلاء ، وأحبُّ إِليَّ من (١) في ص١١٦ . (٢) في ((الكامل)): ١٢٨٧/٣. ١٢٣ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين عمرو بن أبي عمرو(١)، ويُكْتَبُ حديثُه ولا يُحتَجُّ به)). وقد روى عنه الأئمةُ(٢): مالكٌ، وشعبةُ، والثوريُّ(٣). وخرّج له مسلمٌ في ((صحيحه))، والبخاريُّ مقروناً بغيره(٤). وأما محمدُ بن عَجْلانَ المدنيُّ الفقيهُ الصَّالحُ : فقد روى عنه شعبةُ ومالكٌ والقطانُ وخلقٌ ، وقد وثَّقه ابنُ عيينةً وأحمدُ وابنُ معين ، وخَرَّج مسلمٌ حديثَه مقروناً . وتكلَّم جماعةٌ في حفظه : قال ابنُ أبي خيثمة : سمعت يحيى(٥) بنَ معين يقول: (( كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمدَ بن عجلان)). قال: وسمعتُ يحيى بن سعيد يقول: (((٦) لو جَرَّبتُ من أروي عنه لم أروٍ إِلا عن قليلٍ! )). قال (٧) : وفي كتاب عليٍّ بن المديني ، قال يحيى بن سعيد : (١) ((ابن أبي عمرو)) ليس في ب. (٢) في ب موضع ((الأئمة)): ((إِلا به مثل)) وفيه تصحيف. (٣) ((في ((التهذيب)): أن يونسَ بن عبيد روى عن سهيلٍ، وهذا غلطٌ)). انتهى من هامش النسخة الأصل . (٤) (( سهيلٌ بن أبي صالح ذَكوَان السمان المدني، صدوقٌ تغير حفظه بآخرة ، روى له البخاريُّ مقروناً وتعليقاً ، من السادسة، مات في خلافة المنصور/ع)). ((تقريب التهذيب)). (٥) (( يحيى)) ليس في ظ وب. (٦) هنا في نسخة الأصل ما صورته (( تح)). (٧) ((قال)) ليس في ظ، وفي ب ((قاله في كتاب .. )). وهو غلط. ١٢٤ شرح علل الترمذي (( قال ابنُ عجلان : كان سعيدٌ المقبريُّ يحدِّث عن أبيهِ عن أبي هريرة ، وعن رجلٍ عن أبي هريرة ، فاختلطَ عَلَيَّ فجعلتُه عن أبي هريرة ، قال يحيى : سمعتُه منه ، أو حُدِّثْتُه عنه ، ولا أعلم أني سمعته منه )) . وقال أحمدُ : (([ب -١٣] كان ثقةً إلا أنه اختلطَ عليه حديثُ المَقْبُري : كان عن رجل ، جعل يصيِّره عن أبي هريرة)). و(١) قال ابنُ عيينة: ((حدَّثنا محمدُ بن عجلان وكان ثقةً)). وروى أبو بكر بن خلّد عن يحيى بن سعيد قال: (( كان ابن عجلان مضطربَ الحديثِ في حديثٍ نافعٍ )) ، ولم يكن له تلك القيمة عنده . وروى أبو محمد الرامَهُزْمُزِيُّ في كتابه (٢) من طريق يحيى بن سعيد قال : (( قدمتُ الكوفةَ وبها ابن عجلان ، وبها مَنْ يطلب الحديث: مَليحُ(٣) بن وَكيع ، وحفصُ بن غياث ، وعبدُ الله بن إدريس ، ويوسفُ بن خالد السمتي . قلنا : نأتي ابنَ عجلان ، فقال يوسف بن خالد : نقلبُ على هذا الشيخ حديثَه ننظرُ فهمَه ! قال : فقلبوا ، فجعلوا ما كان عن سعيدٍ: عن أبيه ، وما كان عن أبيه: عن سعيدٍ، ثم جئنا إليه، لكنَّ ابنَ إِدريسَ تَوَرَّع وجلسَ بالباب ، وقال : لا أسْتَحِلُّ ، وجلستُ معه . (١) الواو زيادة من ظ . (٢) ((المحدث الفاصل)) ص٣٩٨-٣٩٩. وانظر ((الميزان)) ج٣ ص ٦٤٥، فقد استدلَّ بالقصة على جودة ذكاء ابن عجلان. وله في (( التهذيب )) ترجمة مطولة. (٣) ((فليح )) ب وهو تصحيف، وهو فيها ((مليح)) في المواضع الآتية. ١٢٥ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين ودخل حفصٌ ويوسفُ بن خالد ومَليحٌ ، فسألوه ، فمرّ فيها ، فلما كان عندَ آخرِ الكتابِ انتبهَ الشيخُ ، فقال : أعدِ العرضَ ، فَعَرَضَ عليه ، فقال : ما سألتموني عن أبي فقد(١) حدثني به سعيد! وما سألتموني عن سعيد فقد(١) حدثني به أبي ! . ثم أقبلَ على يوسفَ بن خالد فقال : إِن كنتَ أردتَ شَيْنِي وعَيبي فسلبكَ اللهُ الإِسلامَ! وأقبلَ على حفصٍ : فقال : ابتلاكَ الله في دينكَ ودنياك! ، وأقبل على مليح فقال : لا نفعكَ اللهُ بعلمِكَ! قال يحيى : فمات مليحٌ ولم يُْتَفَعْ به ، وابتُليَ حفصٌ في بدنه بالفالج ، وبالقضاءِ في دِينه! ولم يمتْ يوسف حتى اتُّهِمَ بالزَّندقة !! ))(٢). (١) ((فقد)) ليس في ظ . (٢) محمد بن عجلان قال الذهبي: ((إِمامٌ مشهورٌ))، قال الحاكمُ: ((أخرج له مسلم في كتابه ثلاثةَ عشرَ حديثاً كلها في الشَّواهد ، وقد تكلّم المتأخرون من أئمتنا في سوءِ حفظه)). ورمزَ الحافظُ إِلى رواية البخاري له تعليقاً. والخلاصة أنه : «صدوقٌ ، إِلا أنه اختلطتْ عليه أحاديثُ أبي هريرة ، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة/ خت م عه)). انظر ((المغني في الضعفاء)) رقم ٥٨١٦، و((التهذيب)) ج٩ ص٣٤١ -٣٤٢، و ((التقريب)) ج٢ ص ١٩٠. وثَّقه كثيرٌ من الأئمة كما يُعرف من مراجعة ((التهذيب))، بل الأكثر، وقال ابن مَعِين: ((ثقةٌ أوثقُ من محمد بن عمرو ، ما يشكُّ في هذا أحد )) . وعلى هذا يمكن تحسينُ حديثه عدا مروياته عن أبي هريرة . وأما قصة دعائه ففي القلب منها شيء كثير ، فالله أعلم. ١٢٦ شرح علل الترمذي وأما محمدُ بن إِسحاقَ بنِ يسار : صاحبُ ((المغازي))، فيطولُ ذكر ترجمته على وجهها ، وقد وثَّقه جماعةٌ. قال أحمدُ: «هو حسنُ الحديثِ))، وقال مرَّة : (( يُكتبُ من حديثه هذه الأحاديثُ))، كأنه(١) يعني المغازي . وقال مرَّة: (( هو صالحُ الحديثِ وأحتُ به أنا (٢) أيضاً)). وقال ابنُ عُيينة: (( ما سمعتُ أحداً يتكلّم في محمدِ بن إِسحاقَ إِلا في قوله في القَدَر )). وقال ابنُ المديني: ((حديثُه عندي صحيحٌ))، وقال [آ_٢٧] ابن مَعِين [مَرَّة]: «هو ثقةٌ وليسَ بحجّة)). وتكلَّمَ فيه آخرونَ ، وكان يحيى بن سعيد شديدَ الحملِ عليه ، وكان لا يحدِّث عنه، ذكره عنه الإِمامُ أحمدُ، وقال: (( ما رأيتُ يحيى أسوأ رأياً منه في محمدِ بن إِسحاقَ وليثٍ وهَمّام ، لا يستطيعُ أحدٌ أن يراجعه فيهم)) . وكان ابنُ مهدي يحدِّث عن رجلٍ عنه . وكذَّبه مالكٌ ، وهشامُ ابن عروة ، والأعمشُ . ولا ريبَ أنه كان يَتَّهم بأنواعٍ من البدعِ، من التَّشَتُّعِ والقَدَرِ وغيرِهما ، وكان يدلُّسُ عن غيرِ الثقاتِ ، وربما دَلْسَ عَن أهلٍ الكتابِ ما يأخذه عنهم من الأخبارِ . قال أحمدُ: (( هو كثيرُ التدليس جداً)). قيل(٣) له: فإِذا قال: ثنا أو أنا فهو ثقةٌ؟ قال: ((هو (١) ((فانه )) ب . تصحيف . (٢) ((واحتج به أبان)) ب. وهو غلط. (٣) في ظ: ((فقيل)). ١٢٧ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين يقولُ: أخبرني، فيخالِف))، يشيرُ إِلى أنه يصرِّحُ بالتحديثِ والإِخبارِ ويخالِفُ الناسَ في حديثِهِ مع ذلك . وقال الجُوزَجاني : (( يمضغُ حديثَ الزهريِّ بمنطِقه حتى يعرفَ مَنْ رسخَ في علمه أنه خلافُ روايةِ أصحابه عنه )). وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وشعبةُ ، والحمَّادانِ ، والسُّفيانان(١)، وخَلْقٌ. وخرَّج مسلمٌ حديثَه مقروناً بغيره(٢). وأما حَمَّادُ بن سَلَمَةَ : فهو أرفعُ من هؤلاءِ كلِّهم، وهو الإِمامُ الرَّبَّنيُّ، العالمُ باللهِ، والعالمُ بأمرِ اللهِ، أبو سلمة: حَمَّادُ بنُ سلمةَ(٣) البصريُّ الفقيهُ الزاهدُ العابدُ ، رضي الله عنه . وقد روى عنهُ الأئمةُ الكبارُ ، مثل : يحيى القطّان ، وابنِ (١) الحمّادان: حمّاد بن زيد، وحمَّاد بن سَلَمَة. والسفيانان: سفيانُ الثوريُّ، وسفيانُ بن عيينةَ . (٢) محمدُ بن إِسحاقَ بن يسارٍ إِمامُ المغازي والسِّيَر ، صدوقٌ قويُّ الحديثِ يدلِّس، ورمي بالتشيع والقَدَر ، مات سنة خمسين ومائة ، روى له البخاريُّ تعليقاً ، ومسلمٌ متابعةً والأربعة . أما اتُّهامه بالكَذِب فمن سببه تدليسُه ، وقد تبيَّن صدقه ، فيُعْطى حكم المدلِّس، وقد احتَجَّ به إِذا صَرَّح بالتحديثِ كثيرٌ من المحدِّثين. وقال الذهبي: (( ما انفردَ به ففيه نكارة فإِنَّ في حفظه شيئاً ». انظر التوسع في ترجمته «رسالة المنذري في تعارض الجرح والتعديل)) ورقة (٢/١٣٣-١/١٣٤)= ص٧٣ - ٧٩، و((تهذيب التهذيب)) ج٩ ص٣٨-٤٦، و(( ميزان الاعتدال)) ج٣ ص٤٦٨-٤٧٥، و(( تذكرة الحفاظ ) ج١ ص ١٧٢ -١٧٤ . (٣) الواو في ((والعالم)) وقوله ((حماد بن سلمة)) ليسا في ظ. ١٢٨ شرح علل الترمذي مهديٍّ ، وابنِ المبارك ، ومالكِ، والثوريّ(١) ، وهما من أقرانه، وشعبةَ ، وهو أسَنُّ منه . وهو ثقةٌ ثقةٌ(٢) ، من أصلبِ الناسِ في السُّنَّة، [ظ - ١٢٠] ولذلك قال ابن مَعِين: (( من ذَكَرِه بسوءٍ فاتَّهِمْه على الإِسلامِ)). وأثنى عليه الأئمةُ ثناءً عظيماً . وفضْلُ القولِ في رواياته أَنَّهُ من أُثبتِ الناسِ في بعضِ شيوخِه الذين لزمهم كثابت البناني وعليٍّ بن زيد ، ويضطربُ في بعضهم ، الذين لم يُكْثِرِ ملازَمَتَهم كقتادةَ وأيوبَ وغيرِهما . وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعدُ إِن شاءَ اللهُ تعالى(٣). وقد خَرَّجَ له مسلمٌ الكثيرَ في ((صحيحِهِ))، واستشهدَ [ب -١٤] به البخاريُّ . وقيل : إِنه خَرَّجَ له حديثاً واحداً في الرِّقاقِ . وأنكرَ ابنُ حِبَّان ذلك عليه فقال(٤): ((لم ينصفْ من جانبَ حديثَ حَمَّادٍ بن سلمةَ واحتجَّ بأبي بكر بن عَيّاش في كتابه ، وبابنِ أخي الزُّهريِّ، وبعبدِ الرَّحمنِ بن عبد الله بن دينار ، فإن كان تركُهُ إِيَّاه لما كان يخطىءُ فغيرُه من أقرانِهِ مثل الثوريّ وشعبةَ وذويهما (٥) كانوا يخطئُون . (١) ((والثوري ومالك)) ظ . (٢) (( ثقة)) الثانية ليست في ظ وب. وفي ظ (( ثقة يعد من أصلب)) فتأمل. (٣) سبق التعليقُ على ترجمةِ حمَّادِ بن سلمة في ص١١٨ . وراجع إِحالة الحافظ الآتية إِن شاء الله . (٤) ((وقال)) ظ. (٥) في ظ وب ((ودونهما)). ١٢٩ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين فإِن (١) زَعَمَ أَنَّ خطأهُ قد كَثُر من تَغَيُّرِ حِفظه ، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عَيَّاش موجوداً ، وأنَّى يبلغُ أبو بكرٍ حمَّادَ بن سلمةَ ؟ في إتقانِهِ ؟ أم في جمعِهِ ؟ أم في علمِه ؟ أم في ضبطهِ ؟ ، ولم يكنْ من أقران حَمَّادِ بن سَلَمَةَ (٢) بالبصرةِ مثلُه في الفضلِ والدينِ والنُّسُكِ والعلمِ والكَتْبَة والجمعِ والصَّلابةِ في السُّنةِ والقمعِ لأهلِ البدعِ ، ولم يكنْ يثلُبه في أيَّامه إِلا معتزليٌ قَدَرِيٌّ، أو مبتدعيٌّ جَهميٌّ ، لِّما كان يُظْهِرُ من السننِ الصحيحةِ التي تنكرها المعتزلةُ))(٣). قال أبو عيسى رحمهُ الله : ( وهكذا من تكلّم في ابنِ أبي ليلى ، إنما تكلّم فيه من قِبَلِ حفظهِ . قال عليٌّ: قال يحيى بنُ سعيدٍ(٤) القطّان: ((روى شُعبةُ عن ابن أبي ليلى عن أخيهِ عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوبَ عن النبيِّ بَّهِ فِي العُطاسِ . (١) ((إِن)) ظ وب . (٢) ((ابن سلمة)) ليس في ظ. (٣) سبق لنا الجوابُ عن انتقادِ ابن حبَّان للبخاري في ص١١٨ تعليقاً، وانظر اعتذارَ الحافظِ أبي الفضل بن طاهر المقدسي في ( تهذيب التهذيب » ج٢ ص٣٩٧ . (٤) (( ابن سعيد)) ليس في ظ وب. ١٣٠ شرح علل الترمذي قال يحيى : ثم لقيتُ ابنَ أبي ليلى فحدَّثنا عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليٍّ عن النبيِّ وَِّ)). قال أبو عيسى : ويُروى عن ابنِ أَبي ليلى نحوَ هذا غيرُ شيءٍ ، وكان يروي الشيءَ مرَّةً هكذا ومرَّةً هكذا يُغيِّرُ الإِسنادَ ، وإِنما جاءَ هذا من قِبَلِ حفظِه ، لأنَّ أكثرَ مَنْ مضى من أهلِ العلم كانوا لا يكتبُون، ومن كَتَبَ منهم إِنما كان(١) يكتبُ بعدَ السَّماع . قال(٢): وسمعتُ أحمدَ بنَ الحسن يقول : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: ((ابنُ أبي ليلى لا يُحْتَجُّ به)). قال أبو عيسى : وكذلكَ من تكلّم من أهلِ العلمِ في مُجالدٍ بن سعيد [آ-٢٨] وعبدِ الله بنِ لَهِيْعَةَ وغيرِهما، إِنما تکلموا فیھم من قبل حفظھم و کثرة خطئِھم ، وقد روی عنھم غیرُ واحدٍ من الأئمةِ . فإِذا انفردَ واحدٌ من هؤلاءِ بحديثٍ - ولم يُتَابَعْ علیه - لم يُخْتَجَّ به، كما قال أحمدُ بن حنبل: (( ابنُ أبي ليلى لا يحتجُّ به )) إِنما عَنِى إِذا انفردَ بالشيءٍ ، وأشدُّ ما يكونُ في هذا إذا لم يحفظ الإِسنادَ ، فزادَ في الإسنادِ أو نقصَ ، أو غَيَّرَ الإِسنادَ ، أو جاءَ بما يتغيُّ فيه المعنى ) . (١) ((منهم)) ليس في ظ وب. وقوله (( كان)) ليس في ب . (٢) (( قال و)) ليس في ظ . ١٣١ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين أما ابنُ أبي ليلى(١): - فهو محمدُ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢) - قاضي الكوفةِ، [و] كان من جِلَّةِ الفقهاءِ المعتبرين، وله حديثٌ كثيرٌ، وهو صدوقٌ ، لا يُنَّهِمُ بتعمُّدِ الكذبِ ، ولكنه كان سيىءَ الحفظِ جدّاً . قال أبو داود الطَّيالسيُّ: قال شعبةُ: ((ما رأيتُ أحداً أسوأ حفظاً من ابنٍ أبي ليلى )). وقال النَّضْر بن شُمَيْل (٣): قال شعبةُ: ((أفادني محمدُ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحاديثَ، فإِذا هي مقلوبةٌ )) . و(٤) قال عليّ بنُ المديني: سمعتُ يحيى يقولُ: ((كان ابنُ أبي ليلى سيىءَ الحفظِ )). وقال أحمدُ: ((هو مضطربُ الحديثِ جداً سيىءُ الحفظِ ))، وقال: ((لا يُحتُّ بحديثِهِ)) . وذكر إِبراهيمُ بن سعيد عن يحيى(٥) بن مَعِين: قال: (( كان يحيى بن سعيد لا يحدِّثُ عن ابنٍ أبي ليلى ما روى عن عطاء)). قال ابنُ مَعِين : ((ابنُ أبي ليلى ضعيفٌ في روايتِهِ)). قال إِبراهيمُ : ((وكانَ أحمدُ بن حنبل لا يحدِّثُ عنه )). (١) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، صدوقٌ، فقيهٌ، إِمامٌ، سيىءُ الحفظِ ، روى له الأربعة ، مات سنة ١٤٨ . (٢) ما بين المعترضتين سقط من ب . (« إسماعيل » ب ، وهو تصحيف . (٣) (٤) الواو من ظ وب . (٥) (( يحيى )) زيادة من ظ . ١٣٢ شرح علل الترمذي وقال أحمدُ بن حفصِ السعديُّ(١) عن أحمدَ بن حنبل: (( ابنُ أبي ليلى ضعيفٌ، وعن عطاءٍ أكثرُه خطأ)). وقال العِجْلي: ((كانَ صدوقاً جائزَ الحديثِ))(٢). وأما حديثُ العُطاسِ الذي ذكرَ التِّرمذيُّ أَنَّ ابنَ أبي ليلى اضطربَ فيه، فقد خَرَّجهُ الترمذيُّ أيضاً في كتابٍ (٣) الأدبِ في باب: ( كيفَ يُشَمَّتُ العاطسُ) ، وسَبَقَ الكلامُ عليه هناك (٤) مُسْتوفى(٥) . وذكر الترمذيُّ أنه يُرْوَى عن ابنِ أبي ليلى نحوَ هذا غيرُ شيءٍ ، (١) (( السعدي)) ليس في ظ . (٢) ((ترتيب الثقات)) رقم ١٤٧٦، وفيه أيضاً: ((صدوق، ثقة)). (٣) ( باب ) ظ وب. وفي ب (( كيفية تشميت)). (٤) ((هناك)) ليس في ظ وب. (٥) الحديثُ أخرجه الترمذي في ( الأدب) ج٥ ص٨٢ ( باب كيف تشميتُ العاطسِ ) . من طريقِ ابن أبي ليلى عن أبي أيوبَ ، ثم أخرجَه من طريقه أيضاً عن علي. فأوضحَ بذلكَ اضطرابَ ابنِ أبي ليلى في الحديثِ . ولفظُ الحديثِ: أَن رسولَ اللهِوَ ◌ّ قالَ: ((إِذا عطسَ أحدكم فليقلْ : الحمدُ للهِ على كلِّ حال . وليقل الذي يردُّ عليه : يرحَمُكَ الله . وليقل هو: يهديكم اللهُ ويصلح بالكم )). وأخرجه الدارمي ج٢ ص٢٨٣ من طريق ابنٍ أبي ليلى عن أبي أيوب . وأخرج البخاريُّ في آخر ( الأدب ) ج٨ ص ٥٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ وَِّ قال: ((إِذا عطس أحدُكم فليقل: الحمدُ لله ، وليقل له أخوه أو صاحبه : يرحمكَ اللهُ . فإِذا قال له يرحمك الله فليقلْ : يهديكُم الله ويصلحُ بالَكم)). ولفظهُ قريبٌ من حديث الترمذيِّ. وقال البيهقيُّ: ((هو أصُ شيءٍ وردَ في هذا البابِ)). انظر (( تحفة الأحوذي ) ج ٤ ص٤ . ١٣٣ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين وهو كما قالَ . وقد سَبَقَ له حديثٌ في أبوابِ الدعاءِ في أبوابٍ (١) الذِّكْرِ عندَ الصَّباحِ والمساءِ (٢) . وسَبَقَ له حديثٌ آخرُ في القُنُوتِ في كتابِ الصَّلاةِ(٣)، وحديثٌ آخرُ في التَّيهُمِ (٤) في (١) ((أبواب)) ليس في ظ . وهو أنسب. (٢) أخرجَ الترمذيُّ من طريقهِ عن ابن عباسٍ قال: سمعتُ نبيّ اللهِّهِ يقولُ ليلةً حين فَرَغَ من صلاتِهِ : (( اللهمَّ إِني أسألُكَ رحمةً من عندكَ تهدي بها قلبي وتجمعُ بها أمري .. )) الحديث، وهو طويلٌ جداً. ( باب منه) أي ما يقول إِذا قامَ من الليل ج٥ ص ٤٨٢-٤٨٤ ثم قال: ((هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديثٍ ابن أبي ليلى من هذا الوجه » . (٣) ( باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر) ج٢ ص٢٥١ ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراءِ بن عَازِبٍ ((أَنَّ النبيَّ وَّ كان يقنُتُ في صلاةِ الصُّبحِ والمغربِ)) ثم قال: ((حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)). وهذا ليسَ من حديثٍ محمدٍ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، بل هو من حديثِ والده ، كما هو واضحٌ في بعضِ نسخِ التِّرمذيِّ حسبما نقله أحمد شاكر . فلعل الحافظ ابن رجب نظر في نسخةٍ ليس فيها اسمُ عبد الرحمن ، فتبادر إِلى ذِهنِه أنه محمد . ويؤيِّد ما ذكرناه أَنَّ عَمرو بن مرة يروي عن عبد الرحمن ، كما ستراهُ بعدَ تعليقةٍ واحدة . (٤) بل في ( باب الرجل يقرأ القرآن .. ) ج١ ص٢٧٣ -٢٧٤ بالسند عن الأعمش وابنٍ أبي ليلى عن عمرو بن مرَّةٍ عن عبدِ اللهِبن سَلَمةَ عن علي قال: (( كانَ رسولُ الله ◌َّهِ يقرُنا القرآنَ على كلِّ حالٍ ما لم يكن جُنُباً)). ثم قال: ((حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)). فقد أخرجَ عنه مقروناً بالأعمشِ ، وهو ثقةٌ مدلِّس، وصحَّحَ الحديثَ ، لانجبارِ أحدِهما بالآخرِ . لكن وقَع للمحدِّثين كلامٌ في الحديثِ من أجلٍ عبدِ الله بن سلمة ، وقد صَحَّحه الترمذيُّ ، والحاكمُ (ج٤ ص ١٠٧ ) ووافقه الذهبيُّ . وأخرجه أبو داود ج١ ص٥٩ ، =