النص المفهرس
صفحات 161-180
٩٤ شرح علل الترمذي وروى [آ_٢٠] ابنُ أبي حَاتِم بإسناده(١) عن أبي أسامةَ قال: ((إِنَّ الرجلَ يكونُ صالحاً ويكونُ كَذَّاباً )) يعني يحدِّثُ بما لا يحفَظُ (٢). وروى عمرو الناقدُ سمعتُ وكيعاً يقولُ(٣) : - وَذُكِرَ له حديثٌ يرويه وهْب بن إسماعيلَ - فقال: ((ذاكَ رجلٌ صالحٌ ، وللحديثِ رِجالٌ )) . وروى أبو نُعَيمٍ بِإِسناده عن ابن مهدي قال: (( فتنةُ الحديثِ أشدُ من فتنةِ المالِ وفتنةِ الولدِ ، لا تُشْبِهُ فتَنَتُه فتنَةً(٤)، كَمْ مِنْ رَجُلٍ يُظَنُّ به الخيرُ قد حَمَلَهُ(٥) فتنةُ الحديثِ على الكَذِبِ )) . يشيرُ إِلى أَنَّ مَنْ حَدَّثَ من الصَّالحينَ من غيرِ إِتقانٍ وحفظٍ ، فإنما حَمَلَهُ على ذلكَ حِبُّ الحديثِ والتشُّه بالحفاظِ ، فوقعَ في الكَذِبِ على النبيِّي ◌ََّ وهو لا يعلمُ، ولو تورَّعَ واتَّقى اللهَ لكفَّ عن ذلكَ فسَلِمَ . قال أبو قِلابة(٦): عن عليٍّ بن المديني: سُئِل يحيى بن سعيد (١) في ((الجرح والتعديل)) ج٣٣/١/١ بلفظ ((إِن الرجل ليكون .. )). (٢) هنا في ظ وب ((وقال الجوزجاني)) الكلام الآتي بعد صفحة. وسقط قوله (( يعني )) من ب . (٣) لفظ ((يقول )) زيادة من ظ . (٤) قوله (( فتنة)) ليس في ظ . (٥) ((حملته)) ظ وهو مناسبٌ لتأنيثِ الفاعلِ، ووجه ما أثبتناه أَنَّ الفاعلَ مؤنثٌ مجازيٌّ . (٦) ((أبو قتادة )) ب . ٩٥ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين عن مالكِ بن دينارٍ ، ومحمدٍ بن واسعٍ(١) ، وحسانَ بن أبي سنان(٢) فقال: (( ما رأيتُ الصَّالحين في شيءٍ أكذبَ منهم في الحديثِ ، لأنَّهم يكتبونَ عن كلِّ من يلْقَونَ لا تمييزٌ لهم فيه )) . وقال الجُوزَجانيُ : سمعتُ أبا قُدامةَ يقولُ : سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: (( رُبَّ رجلٍ صالح لو لم يحدِّثْ كانَ خيراً له ، إِنما هو أمانةٌ، تأديةُ الأمانةِ في الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ أيسرُ منه في الحديثِ)). ويُروى عن أبي عبد الله بن مَنْدَه قال: ((إِذا رأيتَ في حديثٍ ثنا فلانٌ الزاهدُ فاغسلْ يدكَ منهُ )) . وقال ابنُ عديٍّ: ((الصَّالحونَ قد وُسِمُوا بهذا الاسم أن يرووا أحاديثَ في فضائلِ الأعمالِ (٣) موضوعةً بواطيلَ، ويَّهمَ جماعةٌ (٤) منهم بوضعها )) انتهى (١) ((وكيع)) ب. وسقط منها قوله ((في شيء)). (٢) مالكُ بن دينارٍ وحسانُ بن أبي سنان قال في كلٌّ منهما في (( التقريب)»: ((صدوقٌ عابدٌ))، ولم يضعِّفْهما، ومحمدُ بن واسع قال فيه: ((ثقةٌ عابدٌ، كثيرُ المناقب)) . فتنبه . (٣) قوله (( الأعمال)) ليس في ب . (٤) لفظ ((انتهى)) زيادة من ظ . ٩٦ شرح علل الترمذي وهؤلاءِ المشتغلونَ بالتَّعُّدِ الذين يُتْرَكُ حديثُهم على قِسْمَين : منهم من شَغَلَتْه العبادةُ عن الحِفْظِ : فكثُرَ الوَهَمُ في حديثِهِ ، فرفعَ الموقوفَ ، ووصلَ المرسلَ . وهؤلاءٍ(١) مثلُ أبانَ بن أبي عيّاش، ويزيدَ الرَّقَاشي ، وقد كانَ شعبةُ يقول في كلِّ واحدٍ منهما: ((لأنْ أزنيَ (٢) أحبُّ إِليَّ من أنْ أُحدِّثَ عنه !! )). ومثلُ جعفر بن الزبير ، ورِشْدِين بن سَعْد (٣) ، وعَبَّادِ بن كثير ، وعبدِ الله بن مُحَرَّر ، والحسنِ بن أبي جعفر الجُفْريِّ(٤) ، وغيرِهم. ومنهم من كانَ يتعمَّدُ الوَضْعَ ويتعبَّدُ بذلكَ : كما (٥) ذُكِر عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ غالبٍ غلامِ خليلٍ (٦) ، وعن زكريا بنٍ يحيى الوَقَّار المصريِّ . (١) ((وهؤلاء)) ليس في ظ . في ب (( لا أرى )) وهو تصحيف . (٢) (٣) (( ورشيد بن سعد )) ب وهو تصحيف. (٤) في ظ وب ((الجعفري)) وهو تصحيف، انظر ((المغني)) رقم ١٣٨٦، و(( التقريب)) ج١ ص١٦٤. (٥) ((مما )) ب. (٦) ((محمد بن أحمد بن غالب غلام الخليل)) ظ. وهو خطأ. انظر ((المغني)) رقم ٤٤٠ . ٩٧ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين وقَدْ ذَكَرَ التِّر مذيُّ من أهلِ العبادةِ المتروكينَ رجلينٍ : أحدُهُما : أبانُ بنُ أبي عَيَّاش : وذكرَ حكايةً أبي عَوانَةَ عنه ، أنه جَمَعَ حديثَ [ب ـ٨] الحسنِ ثم أتى به إليه فقرأه كلَّه عليه ، يعني أنه رواهُ له كلّه عن الحسنِ ، ولم يتوقَّف في ذلك . وقال أحمدُ: قال لي عَفَّان: ((أوَّلُ من أهلكَ أبانَ بنَ أبي عياش أبو عَوَانة ، جمَعَ حديثَ الحسنِ عامَّتَه فجاءَ به إِلى أبانَ فقرأه عليه )). وقال مسلمٌ في أوَّلِ (( كتابِهِ)) (١) : ثنا الحسنُ الحُلوانيُّ سمعتُ عفَّانَ قال : سمعتُ أبا عَوانة يقولُ: (( ما بلغني عن الحسنِ حديثٌ إِلا أتيتُ به أبانَ بنَ أبي عياش فقرأهُ عليَّ)). ثنا سويدُ بن سعيد ثنا عليُّ بن مُسْهِر قال: «سمعتُ أنا وحمزةٌ الزيَّاتُ من أبانَ بن أبي عياش نحواً من ألفِ حديثٍ . قال عليٍّ : فَلَقِيْتُ حمزةَ فأخبرني أنه رأى النبيَّ ◌َّر في المنامِ، فعرضَ عليه ما سَمِعَ من أبان(٢) فما عَرَفَ منها إلا شيئاً يَسِيراً: خمسةً أو ستةً)). وذكرَ العُقَيلي (٣) هذه الحكايةَ ثم قال: وقال لنا أحمدُ بن عليٍّ الأبّار - وكان شيخاً صالحاً -: ((وأنا رأيتُ رسولَ اللهِ بَّ في المنامِ فقلتُ : يا رسولَ اللهِ أترضى أبانَ بنَ أبي عَيَّاش؟ قال: لا)). (١) ص١٩ -٢٠ . (٢) قوله ((من أبان )) ليس في ب. (٣) في ((الضعفاء)) ورقة ٩/ ١ = ٤١/١. ٩٨ شرح علل الترمذي وذكرَ له(١) التِّرمذيُّ حديثَ القُنوتِ في الوترِ فِإِنَّهُ رفَعَه ، والناسُ يَقِفُونَه على ابنِ مسعود ، وربما وُقِفَ على إِبراهيمَ ، وقد سَبَقَ ذكرُه في أبوابِ الوِتْرِ من كتابِ الصَّلاةِ . وكان أبانُ [ظ - ١١٦] لسوءِ حفظِهِ يفعلُ ذلكَ كثيراً: يرفعُ الموقوفَ ويصلُ المرسلَ . قالَ أبو زُرْعَةَ [آ-٢١]: ((لَمْ يكنْ يتعمَّدُ الكَذِبَ ، كان يسمعُ الحديثَ من أنسٍ ، ومن شهرٍ بن حوشبٍ ، ومن الحسنِ ، فلا يميِّز بينهم)). قال ابنُ عديٌّ (٢): ((قد حَدَّثَ عنه الثوريُّ، ومَعْمَرٌ ، وابنُ جُريج، وإِسرائيلُ، وحمّادُ بن سَلَمَة، وغيرُهم، وأرجوٍ أَنَّهُ ممَّن لا يتعَمَّدُ الكذبَ إِلا أَنَّهُ يُشَبَّهُ(٣) عليه ويَغْلَطُ، وعامَّة ما أُتِيَ(٤) مِنْ جهةِ الرواةِ عنه لا من جِهتِهِ ، لأنَّه قد روى عنه قومٌ مجهولونَ. وهو إِلى الضَّعفِ أقربُ منه إِلى الصِّدْقِ ، كما قال شعبةٌ )) . وذكَرَ أَنَّ شعبةَ حَدَّثَ عنه بحديثٍ قنوتِ الوترِ ، فقيل له : تقولُ فيه ما قلتَ ثم تحدِّثُ عنه؟ قال: (( إِني لم أجد هذا الحديثَ إِلا عندَه)) ذكرها من وجهٍ منقطع . والمعروفُ أَنَّ شعبةَ قيل له : لمَ سمعتَ منه هذا الحديثَ ؟ قال: ((ومن يصبِرُ على هذا»؟!، خَرَّجَهُ العقيليُّ(٥) وغيرُه. (١) ((له)) ليس في ظ وب. (٢) في ((الكامل)) ورقة ٢/٢٥ = ٣٧٨/١. (٣) ((شُبِّه)) ظ وب وفي ((الكامل)): كما في الأصل: ((إِلا أنه يُشبَّهُ عليه ». (٤) في ظ ((أتي به)) والمثبت في النسختين و((الكامل)). (٥) ورقة ١/٨=٣٨/١ . والخلاصةُ: ((أبانُ بن أبي عياش فيروز البصريُّ ، أبو إِسماعيل العبديُّ ، متروكٌ ، من الخامسة ، مات في حدودِ الأربعين - ومائة - روی له أبو داود » . ٩٩ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين الرَّجُلُ الآخر : أبو مقاتل السَّمَر قَنْدِيُّ : واسمه حَفْصُ بن سلْم الفزاري ، وهو من العُبّاد ، يروي عن الكوفيين كأبي حنيفةَ ، ومِسْعَرٍ ، والثوريِّ ، وعن البصريين كأيوبَ ، والتيميِّ ، وعن الحجازيين كهشام بن عروةَ ، وعبيدِ الله بن عُمر ، وسهيلٍ . قال أبو يعلى الخليليُّ في ((كتاب الإِرشاد)): ((هو مشهورٌ بالصِّدقِ والعِلْم ، غيرُ مخرَّج في الصَّحيح ، وكان مما يفتي في أيامِهِ ، وله في العلم والفقهِ محلٌ، يُعْتنى(١) بجَمْعٍ حديثه)) . وذكرهُ الحاكمُ في ((تاريخ نيسابور)) وقال: (( يروي المناكيرَ))، وسُئِل عنه إِبراهيمُ بن طَهْمانَ فقال: ((خذوا عنه عبادَتَه وحسبكم)). وقد أفحشَ قتيبةُ بنُ سعيد وغيرُه القولَ فيه ، مات سنة ثمانٍ ومائتين . وذكرهُ ابنُ حِبَّان في كتابٍ ((الضُّعفاء))(٢) وقال: ((كان صاحبَ تقشُّفٍ وعبادةٍ ، ولكنَّه كان يأتي بالأشياءِ المنكرةِ التي يعلمُ مَنْ كَتَبَ الحديثَ أنه ليس لها أصلُ يُرْجَعُ إِليه ، سُئِلَ ابنُ المباركِ عنه فقال : ((خذوا عن أبي مقاتلٍ عبادتَه وحسبكم)). وكان قتيبةُ بن سعيد يحملُ عليه شديداً ويضعِّفُه بمرَّة ، وقال : ((كان لا يدري ما يحدِّث به)). وكان عبدُ الرحمن بنُ مهدي يكذِّبه . قال نصرُ بن حاجبِ المَزوزيُّ: ((ذكرتُ أبا مقاتلٍ لعبد الرحمن ابن مهديٍّ ، فقال : والله لا تَحِلُّ الروايةُ عنه ، فقلتُ له : عسى أنْ (١) في ظ وب ((وله في الفقه والعلم يعتنى)). سقطت منه كلمة ((محل)). (٢) ج١ ص٢٥١-٢٥٢. وفيه ((حفص بن سلام)) وهو تصحيف مطبعي. ١٠٠ شرح علل الترمذي يكونَ كُتِبَ له في كتابه وجَهِلَ ذلك . فقال : يُكتَبُ في كتابه الحديثُ ؟! فكيفَ بما ذكرتَ عنه أنه قال : ماتتْ أمّي بمكةَ فأردتُ الخروجَ منها فتكاريتُ فلقيتُ(١) عبيدَ الله(٢) بن عمر فأخبرتُه بذلك ، فقال : حدَّثني نافعٌ عن ابن عمر قال : قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((من زارَ قبرَ أمِّهِ كان كعمرةٍ))(٣). قال: فقطعتُ الكِرى وأقمتُ ، فكيفَ يُكْتَبُ هذا في كتابِهِ ؟ . وكذلك(٤) وكيعُ بن الجراح كان يكذُّبه ، وليس لهذا الحديثِ أصلٌ يُرجع إِليه)) . انتهى ما ذكره ابن حِبَّان. وذكرهُ ابنُ عديٍّ في ((كتابه))(٥) ، وذكر بإسناده عن قتيبةَ [ب -٩] [ابن سعيد] أنَّهُ سُئِلَ عن حديثٍ كورِ الزنابيرِ فقال: (( نا أبو مقاتل السمر قنديُّ عن سفيانَ عن الأعمشِ عن أبي ظَبْيان: سُئلَ عليٌّ(٦) عن كور الزنابيرِ فقال : ((هم من هذا البَحْرِ لابأسَ به)). قال فقلتُ : يا أبا مُقاتِل هو موضوع . قال : بابا(٦) هو في كتابي تقولُ هو موضوع ؟ قال: فقلتُ : نعمْ وضعُوه في كتابِك)). (١) كذا في ظ وب و((كتاب المجروحين)). وفي نسخة الأصل ((لقيت)). (٢) ((عبد الله )) ب . وهو تصحيف . (٣) (( بعمرة )) ب . (٤) (( كذلك )» ظ ، بدون واو . (٥) ((الكامل في الضعفاء)) ورقة ١٠٢ / ١ = ٨٠٠/٢ . (٦) ((علي)) وكلمة ((بابا)) زيادة من ((الكامل))، ليست في النسخ ولا (( الميزان))، وكأَنَّ الشارحَ اعتمدَ على ((الميزان)). مع أن ذكر ((علي)) ثابت في رواية الترمذي . انظره فيما سبق ص٧٩ . ١٠١ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين وذكرَ بِإِسنادهِ عن الْجُوْزَ جَاني قال: ((أبو مقاتل السَّمَر قنديُّ كان فيما حُدِّثتُ ينشىءُ للكلام(١) الحسنِ إِسناداً )) ثم خَرَّجَ له(٢) ابن عدي أحاديثَ منكرةً ثم قال(٣): ((أبو مقاتل هذا له(٤) أحاديثُ كثيرةٌ ويقعُ في أحاديثه [آ-٢٢] مثلُ(٥) ما ذكرتُه وأعظمُ منه، وليس هو ممن يعتمدُ علی رواياته )» (٦). وذكره الإِدريسيُّ في («تاريخِ سَمَرْقَند». وغيرُ واحدٍ من العلماءِ . ووقع لابن أبي حَاتِم (٧) في ذكره غيرُ وَهمٍ فإِنه قال: (( حَفْصُ بن سليمان أبو مقاتل ، روى عن عونٍ بن أبي شداد ، روى عنه موسى بن إسماعيل الخُتَلي)). كذا قال. وقوله: (( ابن سليمان)) وَهَمّ، وإِنما هو (( ابن سَلْم)). ثم قال(٨). ((حفصُ بن مسلمٍ أبو (١) في ((الكامل)) ((لكلام الحسن)). وكأنه يعني الحسن البصري . وفي ب ((سىء )) بدل (( ينشىء)). وهو تصحيفٌ سيىء. (٢) ((له)) ليس في ظ. (٣) ورقة ١٠٢/ ٢ من ((الكامل)) = ٢ /٨٠٠ - ٨٠١. (٤) في ((الكامل)): ((وأبو مقاتل له .. )) ضرب في النسخة على كلمة ((هذا)). (٥) في ظ (( ثم)). تصحيف . (٦) (( روايته )) ب . (٧) في ((الجرح والتعديل)) ج١٧٤/٢/١، لكن في النسخة ((ابن سَلْم)) على الصواب ، فلعل الحافظَ اطلعَ على نسخةٍ مصحَّفة من (( الجرح والتعديل)). وقوله ((الختلي)) وقع في ((الجرح والتعديل)): ((الجبلي )) بالجيم والباء وفي ب (( الحبلي)) بالحاء المهملة والباء . (٨) ص١٨٧. وانظر للتوسع ((ميزان الاعتدال)) ج١ ص٥٥٧ - ٥٥٨، و((تهذيب التهذيب )) ج٢ ص٣٩٧ -٣٩٩. ١٠٢ شرح علل الترمذي مقاتل السمر قنديُّ ، روى عن الثَّوريِّ وجويبرٍ وعمْرٍو بن عُبَيْد ، روى عنه أبو تُمَيْلَةَ وإِبراهيمُ(١) بن شَمَّاس، سمعتُ أبي يقول بعضَ ذلك)) . فقوله: ((ابن مسلم)) وَهَمّ أيضاً، ووَهِم أيضاً حيث جعلَ الراوي عن عونٍ بن أبي شداد غيرَ هذا ، وهما رجلٌ واحدٌ . (١) ((وابن إِبراهيم .. )) ب . وهو سهو قلم. ١٠٣ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين ه الاختلافُ في قومٍ من جِلَّةِ أهلِ الحديثِ ٥ قال أبو عيسى رحمه الله : ( وقد تكلَّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في قومٍ من جِلَّةِ أهلِ العلمِ ، وضعَّفُوهم من قِبَلِ حفظِهم ، ووثّقهم آخرونَ لجلالتهم وصِدْقِهم وإِن كانوا قد وهموا في بعضٍ ما رَووا . وقد تكلّم يحيى بنُ سعيد القطانُ في محمدٍ بن عمرو ثم روى عنه : حدَّثنا أبو بكرِ عبدُ القدوس بنُ محمدٍ العطارُ البصريُّ ثنا عليٌّ بن المديني قال : سألتُ يحيى بنَ سعيد عن محمدٍ بن عمرو بن علقمة فقال: ((تريدُ العَفْو أو تشدِّد؟)). فقلتُ: لا بل أُشدّد ، فقال: « ليس هو ممن تریدُ ، کان يقول : أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب )). قال يحيى(١) : وسألتُ مالك بن أنس عن محمدٍ بن عمرو ؟ فقال فيه نحوَ ما قلتُ ، قال عليٌّ : قال يحيى : ومحمد بن عمرٍو (١) قوله (( قال يحيى)) ليس في ظ وب. ١٠٤ شرح علل الترمذي أعلى من سهيل بن أبي صالح، وهو عندي فوقَ عبد الرحمن بن حَرْمَلة . قال علي (١): ((فقلتُ ليحيى: ما رأيتَ من عبد الرحمن بن حرملةَ؟)) قال: ((لو شئتُ أن أُلقِّنَه لفعلتُ، قلت: كان يُلَقَّنُ ؟ قال: نعم)). قال علي: (( ولم يروٍ يحيى عن شريكٍ ولا عن أبي بكرٍ بن عَيَّاش ولا عن الرَّبيع بن صَبيح ولا عن المباركِ بن فَضالة)). قال أبو عيسى : وإِن كان يحيى بن سعيد القطان قد تركَ الروايةَ عن هؤلاء ، فلم يتركِ الروايةَ عنهم أنه اتَّهمهم بالكَذِبِ ، ولكنه تركهم لحالِ حِفْظِهم(٢) . وذُكِرَ عن يحيى بن سعيد أنه كانَ إِذا رأى الرجلَ يحدِّث عن(٣) حفظِه مرَّة هكذا ومرَّة هكذا - لا يثبتُ على روايةٍ واحدةٍ ۔ تَرَ که . وقد حَدَّثَ عن هؤلاء الذين تَرَكهم يحيى بن سعيد القطان (٤): عبدُ اللهِ بنُ المبارك ، ووكيعُ بن الجراح ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدي ، وغيرُهم من الأئمة ) . (١) قوله ((علي)) ليس في ظ. ضرب عليها في النسخة. (٢) في ظ وب ((ضعفهم)). (٣) في ظ ((من حفظه)). (٤) ((القطان)) ليس في ظ وب. ١٠٥ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين ٥ أقسامُ الزُّواةِ وأحكامُها ٥ اعلم أَنَّ الرواةَ أقسامٌ : فمنهم : من یثَّھمُ بالكَذِبِ . ومنهم : من غَلَبَ على حديثِهِ المناكيرُ ، لغفلتِهِ وسوءِ حفظِهِ . وقد سَبَقَ ذكرُ هذينِ القسمينِ ، وحكمِ الروايةِ عنهما(١) . وقسمٌ ثالثٌ : أهلُ صدقٍ وحفظٍ ، ويندُرُ الخطأُ والوهم في حدِيثِهم أو يَقِلُّ ، وهؤلاء همُ الثقاتُ المتَّفقُ على الاحتجاجِ بهم(٢). وقسمٌ رابعٌ : وهُم أيضاً أهلُ صِدْقٍ وحِفْظٍ . ولكنْ يقعُ الوهمُ في حديثِهم كثيراً ، لكنْ ليسَ هو الغالبَ عليهم. وهذا هو القسمُ الذي ذكره الترمذيُّ ههنا ، وذكرَ عن يحيى [آ-٢٣] بنِ سعيدِ القطانِ(٣) أنه تركَ حديثَ هذه الطبقةِ. وعن ابنِ المباركِ وابن مَهْديٍّ ووكيعٍ وغيرِهم أنهم حدَّثوا عنهم ، وهو أيضاً رأيُ سفيانَ وأكثرِ أهلِ الحديثِ المصنّفين(٤) منهم في ((السُّنن)) و((الصِّحاحِ))، كمسلمٍ بن الحجّاجِ وغيرِه ، فإِنَّهُ ذكرَ في (١) انظر ص ٨٧ وما بعد ، وص ٩٣ و٩٦ . (٢) في ظ (( بحديثهم)) انظر ص١٥٩ . (( القطان )) ليس في ظ وب . (٣) (٤) في ب ((عند المصنفين)). وليس لزيادة ((عند)) معنى ظاهر. ١٠٦ شرح علل الترمذي ((مقدمة كتابهِ)): أنه لا يُخَرِّجُ حديثَ مَن هو مثَّهم عندَ أهلِ الحديثِ أو عندَ أكثرِهم ، ولا مَن الغالبُ على حديثِهِ المنكرُ أو الغلطُ ، وذكرَ قبلَ ذلك أنه يخرِّجُ حديثَ أهلِ الحفظِ والإِتقانِ وأنَّهم على ضربينِ : أحدهما : مَنْ لم يوجدْ في حديثِهِ [ب - ١٠] اختلافٌ شديدٌ ، ولا تخليطٌ فاحشٌ . والثاني : من هو دونَهم في الحفظِ والإِتقانِ ، ويشمَلُهم اسمُ الصِّدقِ والسَّتْرِ (١) وتعاطي العِلم ، كعطاءِ بن السَّائبِ ، ويزيدَ بن أبي زياد ، وليثِ بن أبي سُليم (٢). (١) في ب ((وشملهم اسم الصدق والسترة)). (٢) ليسَ هكذا ذكر مسلمٌ ، بل ذكرَ في ((مقدمته)) ص٣-٤ أنه يقسم جملةَ الأحاديثِ والرُواةِ ثلاثةَ أقسامٍ يخرجُ منها القسم الأول ، ثم يتبعه الثاني ، ولا يلتفتُ إِلى الثالث . وهذا نصُّ كلامٍ مسلمٍ نسوقه بتمامه لأهميَّته البالغةِ في هذا الفنِّ . قال رحمه الله تعالى : (( .. إِنا نعمدُ إِلى جملةٍ ما أُسْنِدَ من الأخبارِ عن رسولِ اللهِّ فنقسمها على ثلاثةِ أقسامِ وثلاثِ طبقاتٍ من الناسِ على غيرِ تكرار ، إِلا أن يأتي موضعٌ لا يُسْتَغْنَى فيه عن تردادِ حديثٍ فيه زيادةُ معنى ، أو إِسنادٍ يقعُ إلى جنب إِسنادٍ لعلةٍ تكونُ هناك ، لأن المعنى الزائد في الحديثِ المحتاجِ إِليه ، يقوم مقامَ حديثٍ تام ، فلابدَّ من إِعادةِ الحديثِ الذي فيه ما وصفنا مَن الزيادةِ ، أو أن يُفَصَّلِ ذلك المعنى من جملة الحديثِ ، على اختصاره إِذا أمكنَ ، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته ، فإِعادته بهيئتهِ إِذا ضاقَ ذلك أسلم . فأما ما وجدنا بُدّاً من إِعادتِهِ بجملته من غير حاجةٍ منا إِليه فلا نتولى فعله إِن شاء الله تعالى : = ١٠٧ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين = فأما القسم الأول : فإِنا نتوخَّى أن نقدِّمَ الأخبارَ التي هي أسلم من العيوبِ من غيرها ، وأنقى ، من أن يكونَ ناقلوها أهلَ استقامةٍ في الحدیثِ وإتقانٍ لما نقلوا ، لم يوجدْ في روايتهم اختلافٌ شديدٌ ولا تخليطٌ فاحشٌ ، كما قد عثر فيه على كثيرٍ من المحدِّثين وبان ذلك في حديثهم . فإِذا نحنُ تقصَّينا أخبارَ هذا الصنفِ من الناسِ ، أتبعناها أخباراً يقعُ في أسانيدِها بعضُ من ليس بالموصوفِ بالحفظِ والإِتقانِ ، كالصنفِ المقدّم قبلهم ، على أنهم وإِن كانوا فيما وصفنا دونَهم ، فإِن اسم الستْرِ والصِّدقِ وتعاطي العلمِ يشمَلُهم ، كعطاءٍ بن السَّائبِ ، ويزيدَ بن أبي زياد ، وليثٍ بن أبي سُليم، وأضرابِهِم من حُمَّالِ الآثارِ ، ونُقَّالِ الأخبارِ ، فهم وإِن كانوا بما وصفنا من العِلمِ والسترِ عند أهلِ العلمِ معروفينَ ، فغيرُهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإِتقانِ والاستقامةِ في الروايةِ ، يَفْضُلونهُم في الحالِ والمرتبةِ ، لأن هذا عند أهلِ العلمِ درجةٌ رفيعةٌ ، وخَصلةٌ سَنِيَّة . ألا ترى أنك إِذا وازنتَ هؤلاءِ الثلاثةَ الذين سميناهم : عطاءً ويزيدَ وليئاً بمنصورِ بن المعتمر ، وسليمانَ الأعمش ، وإِسماعيلَ بن أبي خالد في إتقانِ الحديثِ والاستقامةِ فيه ، وجَدْتَهم مباينين لهم لا يدانونهم ، لا شكَّ عندَ أهلٍ العلمِ بالحديثِ في ذلك ، للذي استفاض عندهم من صِحَّةِ حفظٍ منصورٍ والأعمشِ وإِسماعيلَ ، وإتقانهم لحديثهم ، وأنهم لم يعرفوا مثلَ ذلك من عطاء ويزيدَ وليث . وفي مثل مجرى هؤلاء إِذا وازنتَ بين الأقرانِ كابن عونٍ وأيوبَ السَّختيانيِّ مع عوفِ بن أبي جميلة وأشعثَ الحُمْراني ، وهما صاحبا الحسنِ وابن سيرين ، كما أَنَّ ابن عون وأيوب صاحباهما ، إِلا أن البونَ بينهما وبين هذين بعيدٌ في كمال الفضلِ وصِحَّةِ النقلِ وإِن كان عوف وأشعث غيرَ مدفوعين عن صدقٍ وأمانةٍ عندَ أهلِ العلمِ ، ولكن الحال ما وصفنا من المنزلةِ عندَ أهلِ العلمِ . وإنما مثلنا هؤلاءِ في التسميةِ ، ليكونَ تمثيلهم سِمَة يَصْدُرُ عن فهمها مَنْ = ١٠٨ شرح علل الترمذي فقيل : إِنه أدركتْهُ المنيةُ قبل تخريج حديثٍ هؤلاءِ ، وقيل : إِنه خَرَّجَ لهم في المتابعاتِ ، وذلك كان(١) مُراده(٢). غَيِيَ عليه طريقُ أهلِ العلمِ في ترتيبِ أهلِهِ فيه ، فلا يُقَصَّرُ بالرجلِ العالي القَدْرِ = عن درجتِهِ ، ولا يُرفَعُ متَّضِعُ القَدْرِ في العلمِ فوقَ منزلته ؛ ويُعْطَى كل ذي حقٍ فيه حَقَّه ، وينزَّل منزلتَه، وقد ذُكِرَ عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ((أمَرَنَا رسولُ اللهِ وَّرِ أن نزّلَ الناسَ منازلَهم)). مع ما نطقَ به القرآنُ من قول اللهِ تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلٍ ذِى عِلٍَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوهِ ، نؤلِّفُ ما سألتَ من الأخبارِ عن رسولِ اللهِ الَها . فأما ما كان منها عن قومٍ هُم عندَ أهلِ الحديثِ مثَّهمون ، أو عندَ الأكثرِ منهم ، فلسنا نتشاغلُ بتخريج حديثِهم ، كعبدِ اللهِ بن مِسْوَر أبي جعفر المدائنيِّ ، وعمرِو بن خالد ، وعبدِ القدوس الشاميِّ ، ومحمدٍ بن سعيد المصلوبِ ، وغياثِ بنِ إِبراهيم ، وسليمانَ بن عمرو أبي داود النخعيِّ ، وأشباهِهم ، ممن اتُّهِم بوضع الأحاديثِ ، وتوليدِ الأخبار ، وكذلكَ مَنِ الغالبُ على حديثِهِ المنكرُ أو الغلطُ أَمسكنا أيضاً عن حديثهم)). انتهى كلامُه رحمه الله تعالى . وهذا الكلامُ من مسلمٍ صريحٌ في أنه لم يذكر أنه يقسم أحاديثَ أهلِ الحفظِ والإِتقانِ إِلى ضربين ، وإِنما يخرج أحاديثَ أهلِ الحفظِ والإِتقانِ ، ثم يتبعهم بأحاديثِ قومِ دونَهم ، غير أن اسم السترِ والصدقِ وتعاطي العلمٍ يشملهم . وأنه لا ينزلُ في روايته عن هؤلاءِ إِلى درجةِ الضَّعفِ الشديدِ ، وهو القسم الثالث ، وهو حديثُ من كان متهماً بالكذب ، أو كان الغالبُ على حديثه المنكر أو الغلطَ . (١) ((وكان ذلك)) ظ وب . (٢) وهذا القولُ هو الصحيح؛ الذي يشهدُ له واقعُ ((صحيح مسلمٍ))، فإنه يصدِّر الرواية بأحاديثِ رجالِ الطبقة الأولى ، ثم يتبعها بحديثِ الطبقةِ الثانيةِ في نفس = ١٠٩ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين وعلى هذا المنوالِ نَسَجَ أبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ، مع أنه (١) خرَّج لبعضٍ مَنْ هوَ دونَ هؤلاءِ ، وبيَّن ذلكَ ولم يسكتْ عنه(٢). وإِلى طريقةٍ يحيى بن سعيد يميلُ عليّ بنُ المديني وصاحبُه(٣) البخاريُّ ، وكان عليٍّ بن المدينيِّ - فيما نقله عنه يعقوبُ بن شيبة - لا يتركُ حديثَ رجلٍ حتى يجتمعَ علی ترکِه ابنُ مَهْدي ویحیی القطان، فإِن حدَّث عنه أحدُهما وتركه الآخر (٤) حدَّثَ عنه . ° الغَلَطُ الذي يُردُ بهِ الرَّاوي أو يُترك ۵ قال أحمدُ بن سِنان : (( كان ابنُ مهدي لا يتركُ حديثَ رجلٍ إِلا رجلاً متهماً بالكذبِ أو رجلاً الغالبُ عليه الغَلَطُ)). وقال أبو موسى محمدُ بن المثنى: سمعتُ ابنَ مهدي يقول : (( الناسُ ثلاثةٌ: رجلٌ حافظٌ متقنٌ، فهذا لا يُخْتَلفُ فيه، وآخر يَهِمُ والغالبُ على حديثِهِ الصِّحةُ ، فهذا لا يُتْرَك حديثُه ، وآخر يَهِمُ والغالبُ على حديثِهِ الوهم، فهذا يُتركُ حديثه)). وقال أبو بكر بن خلَّد: سمعتُ ابنَ مهدي يقول: ((ثلاثةٌ لا يؤخذُ مضمون الأحاديث الأولى ، فيقعُ حديثُ هذه الطبقة تابعاً أو شاهداً لما سبقه . = وفيهم بعض مَن ضُعِّف ، لكن لا ينزلُ إِلى الطبقةِ الثالثةِ ، التي ذكر مسلم أنه لا يلتفت إليها. وقد توسَّعنا في بيانِ ذلكَ في كتابنا («الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين )) ص٧٤-١٠٤، مع موازنة صنيع مسلم بالترمذي . أي الترمذي . (١) (( عنه )) ليس في ظ وب . (٢) (٣) (( وصاحبه )) سقط من ظ . (٤) ((وتركه الآخر)) ليس في ظ وب. ١١٠ شرح علل الترمذي عنهم : المتَّهمُ بالكذبِ ، وصاحبُ بدعةٍ يدعو إِلى بدعتِهِ ، والرَّجُلُ الغالبُ عليه الوهمُ والغلطُ)). وقال إِسحاقُ بن عيسى : سمعتُ ابنَ المبارك يقول: (( يُكتَبُ الحديثُ إِلا عن أربعة : غَلَّطِ لا يرجعُ ، وكذابٍ ، وصاحبِ هوىّ يدعو إلى بدعته، ورجلٍ لا يحفظ فيحدِّث من حفظه)). وقال الوليدُ بنُ شجاع: سمعتُ الأشجعيَّ يذكرُ عن سفيانَ الثوريِّ قال : (( ليس يكادُ يُقلتُ(١) من الغلطِ أحدٌ: إِذا كان الغالبُ على الرجلِ الحفظَ فهو حافظٌ وإِن غَلِطَ ، وإِذا كان الغالبُ عليه الغلطَ تُرِكَ)). وقال الحسينُ بن منصورٍ أبو علي السُّلَمِيُّ النيسابوريُّ: سُئِلَ أحمدُ عمن يكتبُ حديثُه؟ فقال: ((عن الناسِ كلَهم إِلا عن ثلاثةٍ : صاحبِ هوى يدعو إليه ، أو كذابٍ ، أو رجلٍ يغلطُ في الحديثِ فیُرَدّ عليه فلا يقبل))(٢). وقال الربيعُ بن سليمان: قال الشافعيُّ(٣): ((من كَثُرَ غلطُه من المحدِّثين - ولم يكن له أصلُ كتابٍ صحيح - لم يُقْبِلْ حديثُه ، كما يكونُ مَن أكثرَ الغلطَ في الشهادةِ لم تقبلْ شهادَتُه )) . وكذا ذكر الحُمَيْدي ، وهذا قد يكونُ موافِقاً لقولٍ يحيى [آ_٢٤] بن سعيد ومن تابعه . وروى نُعَيْم بن حمَّاد: حدَّثني ابنُ مهدي قال: سُئِلَ(٤) شعبةٌ: (١) ((يسلم)) ظ وب. والمثبت موافق لما في ((الكفاية)). (٢) انظر هذه الروايات عن أئمة الحديث في ((الكفاية)) ( باب ترك الاحتجاج بمن كثر غلطه ) ص ١٤٣ . (٣) في ((الرسالة)) ص ٣٨٢ . (٤) ((سألت)) ظ. ((سأل)) ب. وفي نُعيم كلام، لكن القضية المذكورة عن شعبة هنا فيمن يترك حديثه معلومة عند المحدثين . = ١١١ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين حديثُ مَن يُتركُ؟ قال: (( من يكذِبُ في الحديثِ ، ومن يُكْثرُ الغلطَ ، ومن يخطىءُ في حديثٍ مجتمَعِ عليه فيقيمُ على غلطهِ ولا يرجِعُ ، ومن رَوى عن المعروفينَ ما لا يعرِفُه المعروفُون )). وذكر أبو حَاتِم الرازيُّ: نا سليمانُ بنُ أحمدَ الدمشقيُّ قال : قلتُ العبدِ الرَّحمن بن مهدي: (( أكتبُ عمَّن يغلطُ في عشرةٍ ؟ قال : نعم ، قيل له : يغلطُ في عشرين؟ قال: نعم ، قيل له (١): فثلاثين ؟ قال : نعم ، قيل له : فخمسين ؟ قال: نعم)). وقال حمزةُ السَّهمي(٢): سألتُ الدَّارَقُطني عمن يكونُ كثيرَ الخطأ. قال: ((إِن نَّهوهُ عليه(٣) ورَجَعَ عنه فلا يسقُطُ، وإِن لم يرجعْ سَقَطَ )). خَرَّج ذلك كلَّه أبو بكر الخطيبُ في كتابٍ ((الكفاية))(٤). وقال ابنُ أبي حَاتِم(٥): حدَّثني أبي عن أحمدَ الدَّورقيِّ نا ابنُ مهديٌّ قال : قيل لشعبةً: متى يُرَكُ حديثُ الرجلِ ؟ قال: ((إِذا حَدَّثَ عن المعروفين ما(٦) لا يَعْرِفُ المعروفونَ، وإِذا أكثرَ الغَلَطَ ، (١) ((له )) ليس في ظ . (٢) (( السالمي)) ب وهو تصحيف. (٣) ((عنه)) ظ . (٤) ص١٤٤ -١٤٧، وانظر ((الجرح والتعديل)) ص٣٢، و((المحدث الفاصل)) ص٤٠٣ و٤٠٥ -٤١٠ . (٥) في ((الجرح والتعديل)) ج١/١/ ص٣١ و٣٢. (٦) ((بما)» ظ وب . ١١٢ شرح علل الترمذي وإِذا أُّهم بالكذبِ ، وإِذا روى حديثاً غلطاً مجتمعاً(١) عليه فلم يتَّهِمْ نفسه فيتركه طُرِحَ حديثه. وما كان غيرَ ذلك فارووا عنه))(٢). قال : ونا أبي أنا سليمانُ بن أحمدَ الدمشقيُّ قال: قلتُ لابن مهديٍّ: (( أكتبُ عمن يغلَطُ في (٣) مائة؟ قال: لا، مائةٌ كثير)). وهذه الروايةُ عن ابن مهدي توافقُ قولَ شعبةً ويحيى والشافعيِّ : إِنَّ كثرةَ الغَلَطِ تُرَدُّ به الروايةُ . وتخالفُ روايةَ ابنِ المثنى وأحمدَ بن سنان عنه : أن الاعتبارَ في ذلكَ بالأغلبِ ، وكلامُ الإِمام أحمدَ يدُلُّ على مثلٍ قولِ ابنِ المباركِ ومَنْ وافقه ، فإِنَّهُ حَدَّث عن أبي سعيد مولى بني هاشم ، وقد قال فيه : (( كانَ كثيرَ الخطأ))، ولم يَتْرُْ (١) في الأصل وظ ((مجتمع)). والمثبت من ب و((الجرح والتعديل)). (٢) هذا وقد تكررَ مع القارىءٍ هنا أن من روى حديثاً غلطاً وروجعَ فيه ولم يرجع عن غلطِه سقطَ حديثُه ، والسببُ أَنَّ ذلك يدل على إصرارهِ على الخطأ ، وذلك يقدحُ في عدالته . وهو مُشْكلٌ ، لأنَّ الراوي ربما لا يتذكرُ غيرَ ما في ذهنه . وقد حقَّق ذلك أبو عمرو بن الصَّلاحِ فقال في ((علومِ الحديثِ )): (( وفي هذا نظرٌ، وهو غيرُ مستنكَرٍ إِذا ظهرَ أَنَّ ذلكَ منه على جهةِ العنادِ أو نحوِ ذلك ، والله أعلم)) . انتهى . وقد نحا نحوَ ذلك أئمةُ هذا الفنِّ كالعراقيِّ والنوويِّ والسيوطيِّ . ويشهدُ له قولُ أبي حاتمٍ بن حبَّان: (( إِن بَيِّن له خطأهُ وعَلِمَ فلم يرجع عنه ، وتمادى في ذلكَ كان كذَّاباً بعلمٍ صحيح )) . انظر ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص١٠٨، و((شرح الألفية)) للإِمام العراقي ج٢ ص٣٤، و((تقريب النووي))، وشرحه (( تدريب الراوي)) للسيوطي ج١ ص٣٣٩-٣٤٠ . (٣) (( في )) ليس في ظ . ١١٣ فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين حديثَه [ب - ١١]، وحَدَّثَ عن زيدٍ بن الحُباب، وقال فيه: ((كانَ كثيرَ الخطأ )) . وقال أبو عثمان البرذعيُّ : نا محمدُ بن يحيى النيسابوريُّ قال : [ظ - ١١٨] «قلتُ لأحمدَ بن حنبل في عليٍّ بن عاصم(١) ، وذكرتُ له خطأه؟)) فقال لي أحمدُ: ((كانَ حمَّادُ بن سلمة يخطىءُ - وأومأ أحمدُ بيده - خطأً كثيراً))(٢) ولم يرَ بالروايةِ عنه بأساً)). وقال إِسحاقُ بن منصور : قلتُ لأحمدَ : متى يُثْرَكُ حديثُ الرجلٍ ؟ قال : ((إِذا كان الغالبُ عليه الخطأَ)). وكلامُ التِّرمذيِّ هاهنا يحتَمِلِ مثلَ قول شعبةً ويحيى ومَنْ وافقهما ، حيثُ ذكر: ((أَنَّ من كانَ مغفَّلاً يخطىءُ الكثيرَ فِإِنَّهُ لا يُشْتَغَلُ بالروايةِ عنه، عندَ أكثرِ أهلِ الحديثِ » . وذكرَ أيضاً قَبْلَ ذلكَ أَنَّ من ضُعِّف لغفلته وكثرة خطئه لا يُحتج بحديثهِ ، فلم يعتبر إِلا كثرةَ الخطأ(٣) . ويحتَمِل أن يكونَ مرادُه سقوطَ حديثٍ من جَمَعَ بين (٤) الوصفينِ معاً : الغفلةِ وكثرةِ الخطأ ، دونَ من كانَ فيه أحدهما ، إِما الغفلةُ المجردةُ مع قلَّةِ الخطأ ، أو كثرةُ (١) عليُّ بن عاصم الواسطي، حافظٌ مشهورٌ، كان مكثراً من الرواية. لكنْ ضُعِّفَ الغلطه. قال الحافظُ ابن حجر : (( صدوقٌ، يخطىءُ ويُصِرُ ، ورُمي بالتشيّع ، من التاسعةِ، مات سنة إِحدى ومائتين ، وقد جاوزَ التسعين/ د ت ق )). قلت : وقد اعتُذِرَ له بأَنَّ خطأه ((من قِبَل کتبه » . (٢) ((وأومأ أحمد بن حنبل خطأ كثيراً )) ظ وب. (٣) لكنه هناك فيمن يخطىء الكثير أي الغالب عليه الغلط ، تُرك حديثه ، وهنا فيمن كثر خطأه قال : لا يحتج بحديثه ، ويجب التفريق بين ترك الراوي وتضعيفه . (٤) (( بين)) ليس في ظ .