النص المفهرس

صفحات 141-160

٧٤
شرح علل الترمذي
الرِّقاقُ))(١).
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: (( لا تَسْمعوا من بَقِيَّةَ ما كان في سُنَّةٍ (٢)،
واسمعوا منه ما كانَ في ثَوابٍ وغيرهِ )) .
وقال أحمدُ في ابن إسحاق: (( يُكْتَبُ عنه المغازي وشِبْهُها)).
وقال ابن مَعِين في زيادٍ البكَّائي(٣): ((لا بأسَ به في المغازي ،
وأما في غيرِها فلا)) .
وإِنما يُرْوَى في التَّرهيبِ والتَّرغيبِ ، والزُّهدِ والآدابِ أحاديثُ
أهلِ الغفلةِ [ب -٤] الذين لا يُتَّهمون بالكذبِ ، فأما أهل التّهمَة
فيُطْرَحُ حديثُهم ، كذا قال ابنُ أبي حاتم وغيرُه(٤) .
وظاهرُ ما ذكرَهُ مسلمٌ في ((مقدمة كتابهِ » يقتضي أنَّهُ لا تُزْوَى
أحاديثُ التّرغيبِ والتّرهيبِ إِلا عَمّن تُزْوَى عنه الأحكامُ(٥).
(١) في ظ وب ((الرقائق)). قلت: المعنى واحد ، وهو ما يرقق القلب ويزكي
النفس .
(٢) أي الحلال والحرام وسائر الأحكام .
(٣) في ب ((البناني)) وهو تصحيفٌ. انظر ترجمته في (( المغني)) برقم ٢٢٣٥ ،
و (( التقریب )) ج١ ص٢٦٨ .
(٤) انظر ما ذكره من آثارٍ في ((الجرح والتعديل)) ص٣٠ و٣٢، ٣٣، وانظر
((الكفاية)) ص١٣٣ -١٣٤ ( باب التشدّدِ في أحاديثِ الأحكامِ والتجوّزِ في
فضائل الأعمال). وفي ظ وب ((كذا ذكره .. )).
(٥) قال مسلمٌ رحمهُ اللهُ تعالى في ((مقدِّمة صحيحه )) ص٦ -٧ :
(وبعدُ: يرحمُكَ اللهُ ، فلولا الذي رأينا من سوءٍ صنيع كثيرٍ ممن نَصَبَ
نفسَهُ محدّثاً ، فيما يلزمهم من طَرْحِ الأحاديثِ الضَّعيفةِ والرَّواياتِ المنكَرةِ ،
وتركِهم الاقتصارَ على الأحاديثِ الصَّحيحةِ المشهورةِ - مما نقله الثقاتُ
المعروفونَ بالصِّدقِ والأمانَة - بعد معرفتِهم وإقرارِهِم بألسنتِهِم أَنَّ كثيراً مما =

٧٥
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
يقذِفُونَ به إِلى الأغبياءِ من الناسِ هو مُستنكَرٌ ، ومنقولٌ عن قومٍ غيرِ مرضييِّن ،
=
ممن ذَّ الروايةَ عنهم أئمةُ أهلِ الحديثِ . .
ولكنْ من أجلٍ ما أعلمناكَ من نشرِ القومِ الأخبارَ المنكرةَ بالأسانيدِ الضُّعافِ
المجهولةِ وقذفِهِم بها إِلى العوامِّ الذين لا يعرفون عيوبَها ، خفَّ على قلوبِنا
إِجابتُكَ إِلى ما سألتَ .
واعلم وفَّقكَ اللهُ تعالىْ أَنَّ الواجبَ على كلِّ أحدٍ عَرَفَ التَّمييزَ بين صحيحٍ
الرواياتٍ وسقيمِها وثقاتِ الناقلينَ لها من المثَّهمين ، أن لا يرويّ منها إِلاَّ
ما عَرَفَ صِحَّةَ مخارِجِهِ والسّتارَة في ناقليه ، وأن يتَّقي منها ما كان منها عن أهلِ
التُّهَم ، والمعاندينَ من أهلِ البدعِ .
والدليلُ على أنَّ الذي قُلنا مِن هذا هو اللّزم، دونَ ما خالَفَهُ قولُ اللهِ
جلَّ ذكرهُ: ﴿ يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَُّواْ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ
فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وقال جلَّ ثناؤه: ﴿مِنَّن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال عزَّ وجل: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ
مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
فدَلَّ بما ذكرنا من هذه الآي أَنَّ خبرَ الفاسقِ ساقطٌ غيرُ مقبولٍ ، وأَنَّ شهادةً
غيرِ العدلِ مردودٌ .
والخبرُ وإِن فارقَ معناهُ معنى الشهادةِ في بعضِ الوجوهِ ، فقد يجتمعان في
أعظم معانِيهما ، إِذ كانَ خبرُ الفاسقِ غيرَ مقبولٍ عندَ أهلِ العلمِ ، كما أَنَّ
شهادَتَه مردودةٌ عندَ جميعهم. ودَلَّتِ السُّنَّةُ على نفي روايةٍ المنكرِ من
الأخبارِ ، كنحوِ دلالةِ القرآنِ على نفيٍ خبرِ الفاسقِ ، وهو الأثرُ المشهورُ عن
رسولِ اللهِ وَّهُ: ((من حدَّثَ عني بحديثٍ يُرَى أنه كَذِب ، فهو أحد
الكاذبين ) . انتهى .
وقد وقعَ عند مسلمٍ في ((مقدّمته)) ما يدُلُّ على أَنَّ مرادَه من الكلامِ الذي
أشارَ إِليه ابنُ رجبٍ مَنْ كان شديدَ الضَّعفِ من المثَّهمين بالكذبِ ونحوهم ، =

٧٦
شرح علل الترمذي
قال التّرمذيُّ رحمه الله :
( وقد روى غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ عن الضُّعفاءِ وبيَّتُوا أحوالَهم
للناسِ :
مثل فاحش الغلط ، أنهم هم الذين يُثْركُ حديثُهم ولا يُروى عنهم ، فارجع إِلى
=
كلامه .
وانظر قوله بعد ذلك (ص٢٢): ((إِذ الأخبارُ في أمرِ الدِّين إِنما تأتي
بتحليلٍ أو تحريمٍ ، أو أمرٍ أو نهىٍ ، أو ترغيبٍ أو ترهيبٍ ، فإِذا كان الراوي لها
ليس بمعدِنٍ للصدقِ والأمانةِ ثم أَقدَمَ على الروايةِ عنه من قد عَرَفه ، ولم يبيِّن
ما فيه لغيرهِ ممن جهِلَ معرفَتَه كان آئماً بفعلِهِ ذلكَ غاشّاً لعوام المسلمين )).
اهـ .
وبهذا ننتهي إِلى أَنَّ مذهبَ مسلمٍ هو مذهبُ الجمهورِ الذي قرَّرهُ علماءُ
أصولِ الحديثِ . والله أعلم .
ثم إِنه وقعَ في كلامٍ مسلمٍ الذي سقناه لك قولُه: (( والمعاندينَ من أهلٍ
البدع )) ، يعني أنه لا يُروى عنهم .
قالَ شَبَّيْر أحمد العُثماني في (( فتح المُلْهِم شرح صحيح مسلم )» ج١
ص١٢١ :
((هذا مذهبُ مسلمٍ رحمه الله . والخلافُ في المبتدعِ الذي لا يُحكم
بكفره ، ولا يبيحُ الكذبِّ لنصرةِ مذهبه : قيل: يُقْبَل . وقيلَ : لا . وثالثها :
يُقْبَلِ إِلا الداعيةَ لمذهبٍ، فلا يُقبلُ، وهو الأعدلُ الصَّحيحُ)) . انتهى كلامه.
قلت : هذا الأعدلُ الصَّحِيحُ هو مذهبُ مسلم ، ومذهبُ البخاريِّ أيضاً ،
فإِنَّ في ((صحيحهما)) جملةً من مروياتِ المبتدعةِ غيرِ الدعاةِ ، مما يدُلُّ على
أن المذهبَ عندَهما ذلك. انظر (( علوم الحديث)) للإِمام ابن الصلاح
ص ١٠٤ .

٧٧
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
حدَّثنا إِبراهيمُ بن عبد الله بن المنذرِ الباهليُّ ثنا يَعْلى بن عُبَيَد
قال: قال لنا سفيانُ الثوريُّ(١): (( اتَّقوا الكلبيَّ، قال: فقيل
له : فإِنَّكَ تروي عنه؟ قال : أنا أعرفُ صِدْقَهُ من كَذِبه)).
وأخبرني محمدُ بن إسماعيلَ حدَّثني(٢) يحيى بن مَعِين ثنا
عقَّان عنِ أبِى عَوانة قال: ((لما ماتَ الحسنُ البصريّ(٣)
رحمه الله اشتهيتُ كلامَهُ ، فتَتَبَّعْتُه عن أصحابِ الحَسَنِ ، فأتيتُ
به أبانَ بنَ أبي عَيَّاشٍ ، فقرأه عليَّ كلّه عن الحسنِ ، فما أَسْتَحِلُّ
أن أرويَ عنه شيئاً )).
قال أبو عيسى : وقد روى عن أبان بن أبي عيَّاش غيرُ واحدٍ
من الأئمّةِ ، وإِن كان فيه من الضَّعْفِ والغَفْلَة ما وصَفه(٤) أبو
عَوانة وغيرُه ، فلا تَغْتَرُوا بروايةِ الثَّقاتِ عن النَّاسِ ، لأنه يُروى
عن ابن سيرينَ أنه قال : ((إِنَّ الرَّجلَ ليحدِّثني فما أَتَّهمُه ، ولكنْ
أتهمُ مَنْ فَوقه )» .
وقد روى غيرُ واحدٍ عن إِبراهيمَ [ظ - ١١٣] النَّخَعيِّ أن
عبدَ الله بنَ مسعود كان يقنتُ في وِتره قبلَ الركوع ، وروى أبان
(١) قوله ((الثوري)) ليس في ب .
(٢) في ظ ((ثنا)). وقوله (( يحيى)) ليس في ب. والمثبت في كل طبعات
((الترمذي)).
(٣) في ظ ((ما لمات الحسن رحمه الله )) وهو سهو ظاهر.
(٤) ((وصفه به)) ظ وب، وهذه الزيادةُ ليست في طبعات ((الترمذي)).

٧٨
شرح علل الترمذي
ابن أبي عَيَّاش عن إِبراهيمَ النَّخَعيِّ عن علقمةَ عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعود أَنَّ النبيَّ وَلّ كان يقنتُ في وِتره قبلَ الركوعِ ، هكذا روی
سفيانُ الثوريُّ عن أبانَ(١) بن أبي عَيَّاش، وروى بعضُهم عن
أبان بن أبي عياش بهذا الإسنادِ نحوَ هذا، وزادَ فيه : قال عبدُ الله
ابن مسعود: ((وأخبرتْني أمي أنها باتتْ عندَ النبيِّ وَّ فرأت
النبيَّ ◌َّه يقنُتُ في وِتره قبلَ الرُّكُوعِ)).
قال أبو عيسى : وأبان بن أبي عياش - وإِنْ كان قد وُصِفَ
بالعبادةِ والاجتهادِ - فهذهِ حالُه في الحديثِ ، والقَوْمُ كانوا
أصحَابَ حِفْظٍ ، فرُبَّ رجلٍ - وإِن كانَ صالحاً - لا يقيمُ الشَّهادة
ولا يحفَظُها .
فكلُّ مَنْ كان مثَّهماً في الحديثِ بالكذِبِ ، أو كان مغَفَّلاً
يخطئُ الكثيرَ فالذي اختارَه أكثرُ أهلِ الحديثِ من الأئمةِ أن
لا يُشْتَغَلَ بالرِّوايةِ عنه(٢)، ألا ترى أَنَّ عبدَ الله بن المبارك
حَدَّث عن قوم من أهلِ العلم ، فلما تبيَّن له أمرُهم تركَ الروايةَ
عنهم .
أخبرني موسى بن حِزام سمعتُ صالحَ بنَ عبد الله يقول :
(( كنا عند أبي مُقاتِل السَّمر قنديِّ ، فجعلَ يروي عن عَوْنِ بنِ أبي
(١) قوله (( أبان )) ليس في ب .
(٢) في ب ((ألا تستعمل الرواية عنهم)). وهو تصحيف .

٧٩
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
شدَّاد الأحاديثَ الطِّوالَ التي كان يروي(١) فِي وَصِيَّةٍ لقمانَ ، وقتلِ
سعيدٍ بن جُبَيْر وما أشبهَ هذه الأحاديث ، فقال ابنُ أخ لأبي
مُقَاتِلٍ: ((يا عمِّ، لا تقُل: حدَّثنا، فإِنك لم تَسْمَعْ(أ) هذه
الأشياءَ)) قال: ((يا بنيَّ، هو كلامٌ حَسَنٌ)).
وسمعتُ الجارود يقول : كنا عند أبي معاويةً ، فذُكِرَ له
حديثُ أبي مقاتل عن سفيانَ الثوريِّ عن الأعمشِ عن أبي ظَبْيان
قال : سُئل عليٌّ عن كُورِ الزنابيرِ قال: (( لا بأسَ به ، هو بمنزلةٍ
صَيْدِ البَحْر)) فقال(٣) أبو معاوية: (( ما أقول: إِنَّ صاحِبَكُم
كذَّابٌ ، ولكنَّ هذا الحديثَ [آ-١٧] كَذِبٌ))).
ما ذكرهُ التِّر مذيُّ رحمه اللهُ يتضمَّن مسائل من عِلْمِ الحديثِ :
إِحداها : أَنَّ روايةَ النِّقةِ عن رَجُلٍ لا تدُلُّ على تَوِثِيْقِهِ
فإِنَّ كثيراً من الثِّقاتِ رووا عن الضُّعفاءِ ، كسفيانَ الثوريِّ وشعبةً
وغيرهما ، وكان شعبةُ يقول: ((لو لم أحدِّثكم إِلا عنِ الثَّقاتِ لم
أحدِّثكم إِلا عن نَفَرٍ يسير)).
قال يحيى القطان: ((إِن لم(٤) أروِ إِلا عَمَّنْ أرضى ما رويتُ عن
(١) (( كانت تروى)) ظ.
(٢) (( لا تسمع )) ب ، وهو سبق قلم .
(٣) في ب (( قال)).
(٤) في ظ ((لو لم)).

٨٠
شرح علل الترمذي
خمسةٍ أو نحو ذلك )) .
وقد اختلفَ الفُقهاءُ وأهلُ الحديثِ في روايةِ الثَّقةِ عن رجلٍ غيرِ
معروفٍ ، هل هو تعديلٌ له أم لا؟ وحكى أصحابُنا عن أحمدَ في
ذلكَ روايتين . وحَكَوا عن الحنفيَّةِ أَنَّهُ تعديلٌ، وعن الشَّافعيةِ خلافَ
ذلك .
والمنصُوصُ عن أحمدَ يدُلُّ على أَنَّهُ مَنْ عُرِفَ منه أنه لا يَروي إِلا
عن ثِقةٍ فروايتهُ عن إِنسانٍ تعديلٌ له ، ومَنْ لم يُعْرَفْ منه ذلكَ فليسَ
بتعديلٍ ، وصَرَّحَ بذلكَ طائفةٌ من المحقّقين من أصحابِنا وأصحابِ
الشَّافعي .
قال أحمدُ - في رواية الأثرم -: (( إِذا روى الحديثَ عبدُ الرحمن
ابن مَهْدِي عن رجلٍ (١) فهو حُجَّة، ثم قال: كان عبدُ الرحمن أوَّلاً
يتساهَلُ في الرِّواية عن غيرٍ واحدٍ ثم تشدَّدَ (٢) بعدُ ، وكان يروي عن
(٣) .
جابرٍ (٣) ثم تَرَكه)).
وقال في روايةٍ (٤) أبي زُرْعَة: ((مالكُ بنُ أنسٍ إِذا [ب ـ ٥] روى
عن رجلٍ لا يُعْرَفُ فهو حُجَّة)).
وقال في(٥) رواية ابن هانىء: ((ما روى مالكٌ عن أحدٍ إِلا وهو
ثقةٌ ، كلُّ من روى عنه مالكٌ فهو ثِقةٌ )).
(١) قوله: ((عن رجل)) ليس في ظ. وفي ب بياض في موضع ((عبد الرحمن)).
(٢) في ب (( يتساهل الرواية عن غير واحد ثم شدد)).
(٣) هو جابرُ بن يزيد الجعفي ، السابق ذكره ، ويأتي مزيد بحث فيه أيضاً .
(٤) في ب ((وفي رواية)). ليس فيها لفظ ((قال)).
(٥) في ب ((من)).

٨١
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وقال الميمُونيُّ: سمعتُ أحمدَ غيرَ مرةٍ يقولُ: ((كانَ مالكٌ من
أثبتِ الناسِ ، ولا تبالِ أن لا تسألَ عن رجلٍ روى عنه مالكٌ،
ولاسيّما مديني)).
قال الميمونيُّ: وقال لي يحيى بنُ مَعِين: ((لا تريدُ أن تسألَ عن
رجالٍ مالكِ، كلٌّ من حدَّثَ عنه ثِقَةٌ إِلا رَجُلاً أو رَجُلين)) (١).
° بَحْثٌ في المجهولِ ، وقولِهِم : غيرُ مَشْهُور ٥
وقال يعقوبُ بنُ شيبةً: قلتُ ليحيى بن مَعِين: (( متى يكونُ
الرَّجُلُ معروفاً؟ إِذا روى عنه كَمْ؟)) قال: ((إِذا روى عن الرَّجُلِ مثلُ
ابنِ سيرينَ والشَّعبيِّ، وهؤلاءِ أهلُ العلمِ، فهو غيرُ مجهولٍ)).
قلتُ : (( فإِذا روى عن (٢) الرَّجلِ مثلُ سماكِ بنِ حرب وأبي
(١) المعتمدُ عند المحدثينَ أن روايةَ الثقةِ عن رجلٍ لا تدُلُّ على توثيقِهِ لما سَبَق من
أنهم رَوَوا عن الثقاتِ وعن غيرِهم، حتى لو قال الثقةُ: (( كلُّ من رَوَيتُ عنه
فهو ثقةٌ )) لم يكن ذلك تعديلاً حتى يسمِّيَ الرواةَ ، لأنه وإِن كانَ ثقةً عندَه فربما
لو سمّاه كانَ ممن جرحَه غيرُه بجَرْحٍ قادحٍ ، لكن استثنوا من ذلكَ الإِمامَ
المجتهدَ ، كمالكِ وأبي حنيفة والشافعيِّ وأحمدَ ، إِذا قال ذلك أحدُهم كفى في
حقٌّ من يقلِّدُهُ .
وهذا يقرِّبُ ما ذكره الحافظُ ابنُ رجب من التَّعديل العامِّ لشيوخِ بعضِ
الأئمةِ، كالإِمام مالكٍ ، وعبد الرحمن بن مهديٍّ. غيرَ أَنَّ هذا حُكمٌ مَنْ
الحفاظِ أصدروهُ نتيجةَ الاستقراءِ لرجالٍ هؤلاءِ الأئمةِ ، فتبيَّن ثقتُهم في الغالبِ
الأكثرِ كما أشارت لذلك عبارةُ ابنٍ مَعِين ، وقد أفردَ الإِمامُ السيوطيُّ رجالً
مالكِ في (( الموطَّأ)) في كتابٍ (( إِسَعَافِ المبطَّأ برجالِ الموطأ)» طُبعَ مع « تنويرِ
الحوالكِ))، وواقعُهُ يؤيِّد ما قُلناه .
(٢) (( عنه )) ب .

٨٢
شرح علل الترمذي
إِسحاقَ؟)). قال: ((هؤلاءِ يروون عن مجهولين)) انتهى.
وهذا تفصيلٌ حَسَنٌ، وهو يخالفُ(١) إِطلاقَ محمدٍ بن يحيى
الذُّهْليِّ الذي تبِعَهُ عليه المتأخِّرون أنه لا يَخْرُجُ الرجلُ من الجهالةِ إِلا
بروايةٍ رجلينٍ فصاعداً عنه .
وابنُ المدينيِّ يشترطُ أكثرَ من ذلك ، فإِنَّه يقولُ فيمن يروي عنه
يحيى بنُ أبي كثير وزيدُ بن أسلم معاً: ((إِنَّه مجهول )) ، ويقولُ فيمن
يروي عنه شعبةُ وحدَه: ((إِنَّه مجهول )) .
وقال فيمن يروي عنه ابنُ المباركِ ووكيعٌ وعاصمٌ: (( هو
معروفٌ )) . وقال فيمن روى عنه عبدُ الحميدِ بنُ جعفر وابنُ لَهِيْعَةَ :
((ليسَ بالمشهورِ )) . وقال فيمن يروي عنه ابنُ وَهْبٍ وابنُ المباركِ :
((معروفٌ)). وقال فيمن يروي عنه المَقْبُري وزيدُ بن أسلم:
((معروفٌ)). وقال في يُسَيْع الحضرمي: ((معروف)) (٢). وقال مَرَّة
أخرى : «مجهولٌ روى عنه ذَرٌ وحدَه )) . وقال فیمن روى عنه مالكٌ
وابنُ عيينة: ((معروفٌ))(٣).
(١) في ظ ((مخالف)).
(٢) بياض في ب، في موضع قوله ((معروف)). ويُسيْع هو ((ابن مَعْدان الحضر ميُّ
الكوفيُّ ، ويقال له أسيع ، ثقة من الثالثة/ بخ عه )) .
(٣) هذه مسألةٌ ثانيةٌ انتقل إِليها الحافظُ ابنُ رجبٍ ، وهي ما يَخْرُجُ به الراوي عن حَدِّ
الجهالة ، ذكرها لمناسبةِ المسألةِ السابقةِ ، وكان يمكنُ جعلها مسألة مفردة ،
وتحقيق هذه المسألة ما يأتي :
قال الخطيبُ البغداديُّ في ((الكفاية)) (ص٨٨ - ٨٩): ((المجهولُ عندَ
أصحابِ الحديثِ هو كلُّ من لم يشتَهِر بطلبِ العلم في نفسه ولا عَرَفَهُ العلماءُ
به، ومَنْ لم يُعرَفْ حديثُه إِلّ من جهةِ راوٍ واحدٍ ».
=

٨٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وقد قسم المجهولينَ من شيوخ أبي إسحاقَ إِلى طبقاتٍ
متعدّدةٍ ، والظاهرُ أنَّهُ ينظرُ إِلى اشتهارِ الرجلِ بين العلماءِ ، وكثرةٍ
حديثِهِ ونحوِ ذلك ، لا ينظرُ إِلى مجردِ روايةِ الجماعةِ عنهُ . وقال
في داودَ بن عامر بنِ سعدٍ بن أبي وقاص (١): ((ليسَ بالمشهورِ))،
=
وحاصِلُهُ أَنَّ مجهولَ العينِ هو من لم يروِ عنهُ إِلّ راوٍ واحدٌ . ومن أمثلته :
عمرو ذو مُرّ، وجبار الطَّائي، لم يروِ عنهما غيرُ أبي إِسحاقَ السَّبيعي)).
قال أبو عمرو بن الصَّلاحِ : (( ولا تزولُ جهالةُ العَينِ عن الرَّاوي إِلا أنْ
يروي عنهُ اثنانِ فصاعداً من المشهورينَ بالعِلْمِ، إِلّ أنه لا يثبُتُ له حُكمُ العدالةِ
بروايتهما عنهُ )).
وإِنّما يصبحُ من طبقةِ (( مجهولِ الحالِ))، وهو مَنْ لم تُعْرَفْ عدالتهُ الظّاهرةُ
ولا الباطنَةُ، أو ((المستورِ )) وهو مَنْ عُرِفتْ عدالتُهُ الظاهِرةُ ، أي لم يوقفْ منه
على مفسِّق ، لكنْ لم تثبُتْ عدالتُهُ الباطنةُ ، وهي التي ينصُّ عليها علماءُ الجرحِ
والتَّعديلِ ولو واحدٌ منهم .
والمعتمدُ أنه لا يُقبلُ حديثُ المجهولِ إِلا بأحدٍ أمرين ذكرهما الحافظُ ابن
حجر :
الأول : أن يوثّقه غيرُ من ينفردُ عنه ، على الأصحّ .
الثاني : وكذا ، أي الأصح إِذا زّاهُ من يتفرَّدُ عنهُ إِذا كان متأهِّلاً لذلك .
أي إِذا كان هذا المتفرِّدُ من أئمةِ الجرحِ والتعديلِ ، ثم زكّى من انفردَ بالروايةِ
عنه قُبِلَ حدیثُه .
انظر ((شرحَ النخبة)) مع ((شرحه)) للقاري ص١٥٣-١٥٤، وانظر ((تنقيحَ
الأنظارِ)) وشرحَه ((توضيحَ الأفكار)) ج٢ ص ١٩٢، وانظر للتوسّع في أقسامٍ
المجهول وأحكامها (« فتحَ المغيث)) للسخاوي ص ١٣٥-١٤٥ وقد لخَّصنا
بحثها وبيَّنا وجه الاختيار فيها في كتابنا (( منهج النقد في علوم الحديث))
ص ٨١-٨٣ .
(١) في ((التقريب)): ((ثقة، من السادسة/م د ت)).

٨٤
شرح علل الترمذي
مع أَنَّهُ روى عنه جماعةٌ .
وكذا قال أبو حَاتِم الرازيُّ(١) في إِسحاقَ بن أسيدِ الخُراسانيّ:
(( ليسَ بالمشهورِ )) مع أنه روى عنه جماعةٌ من المِصريينَ لكنه لم
يشتَهِرْ حديثُه بين العلماءِ .
وكذا قال أحمدُ في حُصَيْن بن عبد الرحمنِ الحارثيِّ: (( ليسَ
يُعْرَفُ، ما روى عنه غيرُ حَجّاج بن أرطاةَ وإسماعيلَ بن أبي خالد(٢)
روى عنه حديثاً واحداً )).
وقال في عبد الرحمن بن وَعْلَةِ (٣): ((إِنَّهُ مجهولٌ )) مع أَنَّهُ روى
عنهُ جماعةٌ ، لكنْ مرادهُ أنه لم يشتَهِر حديثُه ولم ينتشرْ بين
العلماءِ .
وقد صحَّح حديثَ بعضِ مَنْ روى عنه واحدٌ ولم يجعَلْه
مجهولاً ، قال في خالدٍ بن سُمَير (٤): ((لا أعلمُ روى عنه أحدٌ سوى
الأسود بن شيبانَ ، ولكنه حَسَنُ الحديثِ )) . وقال مرَّةً أخرى :
(( حديثُه عندي صحيحٌ)) .
وظاهرُ هذا أنه [ظ _١١٤] لا عبرةَ بتعدُّدِ الرواةِ، [و] إِنما العبرةُ
(١) انظر ((الجرح والتعديل)) ج١/١/ ص٢١٣. وإسحاق ((فيه ضعف/ دق)).
(٢) قوله ((حصين .. )) إِلى ((خالد)) وقع في ظ مكانه ((حصين بن أبي خالد)).
وهو سقط ظاهر .
(٣) (( المصري، صدوق، من الرابعة/ م عه)).
(٤) ((عمير)) ب. وفي ((التقريب)) ((خالد بن سُمَير، بالتصغير ، السدوسيُّ
البصريُّ ، صدوقٌ يَهِمُ قليلاً، من الثالثة/ بخ د س ق)). وضبطه في
الخلاصة: ((ابن شمير)) بمعجمة مصغراً .

٨٥
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
بالشُّهرةِ وروايةِ الحفّاظِ الثّقاتِ (١).
وذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ في ((استذكارِهِ )) أَنَّ مَنْ روى عنهُ ثلاثةٌ فليسَ
بمجهولٍ ، قال : وقيل : اثنانِ .
وقد سُئِلَ مالكٌ عن رجلٍ، فقال: (( لو كانَ ثقةً لرأيتَه في كُتُبِي))
ذكرهُ مسلمٌ في ((مقدِّمته))(٢) من طريقٍ بِشْر بن عُمر عن مالكٍ.
وقال ابنُ أبي خَيْثَمَةَ : سمعتُ يحيى بنَ مَعِين يقولُ : سمعتُ ابنَ
عُيَيْنَة يقول: ((إِنَّا كُنَّا تَبِعُ آثارَ مالكِ بن أنسٍ، وننظرُ إِلى الشَّيخ إِنْ
كانَ مالكُ بنُ أنسٍ (٣) كَتَبَ عنه، وإِلاَّ تركناهُ)).
قال القاضي إسماعيلُ: ((إِنما يُعتبر بمالكِ في أهلٍ بلدِهِ ، فأمّا
الغرباء فليسَ يُحتَجُّ به فيهم)) ، وبنحوِ هذا اعتذرَ غيرُ واحدٍ عن
( مالكِ في روايتهِ )(٤) عن عبدِ الكريمِ أبي أميَّةَ(٥) وغيرهِ من
الغُرباءِ .
(١) تعدُّدُ الرواةِ وسيلةٌ لمعرفةِ الراوي وتعديلهِ، فإذا وُجِدَ التعديلُ من الحافظِ
المطَّلعِ كفى عن التَّعَدُّدِ ، وقد سبق بيان ذلك في ص ٨٣ .
(٢) ((مقدمة كتابه)) ظ وب. انظر ((مقدمة مسلم)) ص ٢٠ و((الجرح والتعديل))
ج١/١/ ص٢٢ .
(٣) ((ابن أنس)) ليس في ظ وب.
(٤) بياض في ب .
(٥) هو عبدُ الكريمِ بنُ أبي المُخارق ، ضعيفٌ ، روى له/ خت م متابعة ت س ق ،
من السادسة ، مات سنة ست وعشرين ومائة .

٨٦
شرح علل الترمذي
٥ روايةُ الثقاتِ عن غيرِ ثقةٍ °
قال ابنُ أبي حَاتِم (١) : سألتُ أبي عن روايةِ الثقاتِ عن رجلٍ غيرِ
ثقةٍ مما يُقويه؟)). قال: ((إِذا كانَ معروفاً بالضَّعْفِ (٢) لم تقوِّهِ
روايتُهُ عنهُ، وإِن كان مجهولاً نَفَعَهُ روايةُ الثِّقَةِ(٣) عَنْهُ)).
قال: وسمعتُ أبي يقولُ: (( إِذا رأيتَ شعبةَ يحدِّثُ عن رَجُلٍ
فاعلم أنَّهُ ثقةٌ إِلا نَفَراً بأعيانهم)) . وسألتُ أبا زُرعَةَ عن روايةِ الثِّقاتِ
[آ-١٨] عن الرَّجُلِ مما يُقوي حديثَه؟ قال: ((إِي لعمري!)).
قلتُ : (( الكلبي روى عنه الثَّوريُّ؟)). قال: ((إِنما ذاكَ إِذا لم
يتكلّم فيه العلماءُ، وكان الكلبيُّ يُكلمُ فيه)). قلت: ((فما معنى
روايةِ الثوريِّ عنهُ وهو غيرُ ثقةٍ عندَه؟)). قال: ((كان الثوريُّ يذكرُ
الروايةَ عن الرجلِ [ب -٦] على الإِنكارِ والتعُّبِ فيعلقون عنه روايته
(١) ((الجرح والتعديل)) ج١/١/ ص٣٦، وسقطَ قولُه ((سألت أبي)) من ب.
وهذا عَوْد إِلى مسألةِ روايةِ الثقةِ عن غيرهِ ، وقد سبقَ لنا التنبيهُ إِلی ما يُحتاجُ
إِليه ، ونقول : إِنها وإِن لم تكنْ تعديلاً ، لكنها من أهلِ التحرِّي جديرةٌ بأن
يُستأنَسَ بها .
ويتعلقُ بذلكَ موضوعُ مَنْ كثرتْ الرواةُ عنه ، وهو كما عبَّر ابنُ عبد البر
((المعروفُ بالعنايةِ بالعلمِ)) وقد دارَ حولَه خلافٌ، والتبس على بعضٍ أهلٍ
العلمِ بالمجهولِ ، فحققنا بحثَه في كتابنا (( منهج النقد في علوم الحديث ))
ص ٩٤ _٩٥ .
(٢) كذا في الأصلِ و((الجرحِ والتعديلِ)). وفي ظ ((بالكذب)). وفي ب (( بأنه))
وهو غلط ظاهر .
(٣) ((الثقات)) ب .

٨٧
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
عنه ، ولم يكن روايتُه عن الكلبيِّ قبولَه لَه))(١).
وذكر العُقَيْليُّ بإسنادٍ له عن الثوريِّ قال: ((إِني لأروي
الحديثَ (٢) على ثلاثةِ أوجهٍ: أسمعُ الحديثَ من الرَّجُلِ أَتَّخِذُهُ دِيناً ،
وأسمعُ الحديثَ من الرِجلِ أُوقِفُ حديثَهُ(٣) ، وأسمعُ الحديثَ من
الرجلِ لا أعبأُ بحديثِهِ وأَحِبُّ معرفَتَهُ)).
المسألةُ الثانيةُ : الروايةُ عن الضُّعفاءِ
من (٤) أهل التُّهَمَةِ بالكَذِبِ والغَفْلَةِ وَكَثْرَةِ الغَلَطِ (٥)
وقَدْ ذكرَ التِّرمذيُّ للعلماءِ في ذلكَ قولينٍ(٦):
أحدَهما : جوازُ الروايةِ عَنهم ، حكاهُ عن سفيانَ الثوريِّ ، لكنَّ
(١) سبق جوابُ الثوري عن ذلك في ص ٧٧ ، وانظر المسألة الآتية .
(٢) قوله ((الحديث)) ليس في ظ. وانظر العقيلي بنصه ورقة ١/٣ = ١٥/١.
(٣) ((أمره)) ظ .
(٤) ((من)) ليس في ظ .
(٥) ((الخطأ)» ظ وب .
(٦) الغفلةُ وكثرةُ الغَلَطِ وصفانٍ لموصوفٍ واحدٍ في كلامِ الترمذيِّ، ويُشعِرُ كلامُه
بأَنَّ خطأه كثيرٌ جداً، لأنه قال (( يخطىءُ الكثيرَ ))، وَليسَ سياقُ كلامِ الترمذيِّ
الذكر الخلافِ . بل إِنه استشهدَ أولاً بفعلِ الأئمةِ ، وهو الروايةُ عنَ الضعفاءِ
وبيانُ أحوالهم على مشروعيةِ الجرحِ ، ثم بيّن حِكمَ المثَّهم بالكذبِ والمغفَّلِ
الذي يخطىءُ الكثيرَ أي الغالبُ علىَ حديثِهِ الغلطُ بأَنَّهما لا تحلُّ الروايةُ عنهماً
عندَ الجمهورِ . واللهُ أعلم .

٨٨
شرح علل الترمذي
كلامَه في روايتِهِ عن الكلبيِّ(١) يدُلُّ على أنَّهُ لم يكنْ يحدِّثُ إِلا بما
يعرِفُ أنه صِدْقٌ .
والثاني : الامتناعُ من ذلكَ ، ذكرَهُ عن أبي عَوانة وابنِ المباركِ ،
وحكاهُ الترمذيُّ عن أكثرِ أهلِ الحديثِ من الأئمةِ .
وقد ذَكَرَ الحاكمُ(٢) المذهبَ الأوَّلَ عن مالك والشافعيِّ وأبي
حنيفةَ ، واعتمدَ في حكايته عن مالكِ على روايتهِ عن عبد الكريم
أبي أميّة ، ولكنْ قدْ ذكرنا عُذْرَهُ في روايتِهِ عنهُ ، وفي حكايته عن
الشافعيِّ على روايتهِ عن إِبراهيمَ بن أبي يحيى ، وأبي داود
سليمانَ بن عمرو النَّخَعي ، وغيرِهما من المجروحين ، وفي
حكايتِهِ عن أبي حنيفةَ على روايتِهِ عن جابرِ الجعفيِّ وأبي العَطوف
الجَزَرِي .
قال : (( وحَدَّث أبو يوسف ومحمدُ بن الحسنِ عن الحسنِ بن
عُمارةَ وعبدِ الله بن محرَّر وغيرِهما من المجروحين)).
قال : (( وكذلكَ مَنْ بعدَهم من أئمةِ المسلمين قرناً بعد قرنٍ ،
وعصراً بعد عصرٍ إِلى عصرِنا هذا، لم يخلُ حديثُ إِمامٍ من أئمةٍ
الفريقينِ عن(٣) مطعونٍ فيه من المحدِّثين.
(١) هو محمدُ بن السَّائبِ الكلبي ((تَرَكُوه، كذَّبه سليمانُ الثَّيميُّ وزائدة وابن
مَعِين)) (( المغني في الضعفاء )) رقم ٥٥٤٢ .
(٢) في كتابه ((المدخل إلى كتاب الإِكليل)) ص٥. وفيه (( عبد الكريم بن أمية))
وهو تصحيف . ووقع في ظ : ((وقد حكى الحاكم)) .
(٣) (( غير)) ب . وهو تصحيف .

٨٩
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وللأئمةِ في ذلكَ غَرَضٌ ظاهِرٌ :
وهو أن يعرِفُوا الحديثَ من أين مَخْرَجُه ، والمنفردُ به عَدْلٌ أو
مجروځ )).
ثم روی پإسناده(١) عن الأثرم قال : « رأی أحمدُ بنُ حنبل یحیی
ابنَ مَعين بصنعاءَ يكتُبُ صحيفةَ مَعْمَر عن أبانَ عن أنسٍ ، فإِذا اطَّلِعَ
عليه إِنسانٌ كَتَمه . فقال له أحمدُ : تكتُبُ صحيفَةَ مَعْمَرٍ عن أبانَ
وتعلمُ أنها موضوعةٌ! ؟ فلو قال لك قائلٌ : أنت تتكلمُ في أبانَ ثم
تكتُبُ حديثَهُ على الوَجه!؟ )).
فقال: ((رَحمكَ اللهُ يا أبا عبدِ الله، أكتُبُ هذهِ الصَّحِيفَةَ عن
عبدِ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ على الوجهِ فأحفظُها كلَّها وأعلمُ أنها موضوعة ،
حتى لا يجيء بعدَه إِنسانٌ فيجعلَ بدَلَ أبان ثابتاً ، ويرويَها عن مَعْمٍَ
عن ثابتٍ عن أنسٍ . فأقول له : كَذَبْتَ! إِنما هي عن مَعْمَر عن أبان ،
لا عَنْ ثابت )».
وذكر أيضاً(٢) من طريقِ أحمدَ بن علي الأبَّار ، قال : قال يحيى
ابن مَعِين: (( كتبنا عن (٣) الكذَّابين وسَجَرْنا به التَُّّورَ وأخرجنا به خُبزاً
نَضِيجاً )).
(١) في ((المدخل)) ص٦. وأخرجه ابنُ حبان في ((المجروحين)) ج١ ص٢٢ ،
من طريقِ أحمدَ بن إسحاق السني الدِّينَوري . وأخرجَ أيضاً الأثرَ الذي يليهِ
بسندِهِ إِلى الأَبَّار ، قال: حدثنا مجاهدُ بن موسى قال يحيى بن مَعِين .. ))
وإِسناده أتمّ . وكان الأولى العزو إِلى ابن حِبَّان لعلوِّ السندِ .
(٢) ((المدخل)) ص٦، وانظر ((المجروحين)) لابن حبان ، الصفحة السابقة.
(٣) قوله (( عن )) سقط من ب .

٩٠
شرح علل الترمذي
وخَرَّجَ العُقَيليُّ (١) من طريقِ أبي غسان قال: (( جاءني عليُّ بن
المديني فكتبَ(٢) عني عن عبدِ السَّلامِ بن حربٍ أحاديثَ إِسحاقَ بن
أبي فروةَ، فقلتُ : أيَّ(٣) شيءٍ تصنعَ بها؟ قال(٤) : أعرِفُها حتى
لا تُقْلب )».
قلتُ : فَرْقٌ بين كتابةٍ حديثِ الضَّعيفِ وبين رِوايتِهِ :
فإِنَّ الأئمةَ كتبوا أحاديثَ الضُّعفاءِ لمعرِفَتِها ولم يرووها ، كما قالَ
يحيى: ((سَجَرْنا بها التَّثُّورَ))، وكذلك أحمدُ ((٥) خَرَّق حديثَ خَلْقٍ
ممَّنْ كتبَ حديثَهم ولم يحدِّثْ به ، وأسقطَ من المُسْنَدِ حديثَ خَلْقٍ
مِنَ [آ _١٩] المتروكينَ(٥)) لم يُخَرِّجْهُ فيه ، مثلُ فائد أبي الورقاءِ
وكثيرِ بن عبدِ الله المزنيِّ وأبان بن أبي عياش وغيرِهم (٦) . وكان
يُحدِّثُ عمَّن دونَهم في الضَّعْفِ .
قال في روايةٍ إِسحاقَ بن إِبراهيمَ بن هاني: (( قد يحتاجُ الرجلُ
يحدِّثُ عن الضعيفِ مثلُ عَمْرٍو بن مرزوق ، وعَمْرو (٧) بن حَكَّام ،
(١) انظر العقيلي ورقة ٢/٢١ =١٠٢/١. وفي ظ وب ((وخرج أيضاً)).
(٢) ((يكتب)) ظ .
(٣) ((فقلت له فأي شيء)) ظ. وفي ب ((فقلت له أي شيء)).
(٤) في ظ ((فقال)).
(٥) في ب موضع ما بين القوسين: (( حذف حديث خلق من المتروكين )) وهو
سَقَطْ وتصحيفٌ .
(٦) قوله (( وغيرهم)) ليس في ب.
(٧) ((وعمر)) ب، كشطت منها واو عمرو، والصواب ما أثبتناه. انظر ((المغني))
رقم ٤٦٤٤ .

٩١
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
ومحمدٍ بن معاوية ، وعليٍّ بن الجَعْدِ ، وإِسحاقَ بن أبي إِسرائيل .
ولا يعجبُني أن يحدِّثَ عن بعضِهم)).
وقال في روايتهِ أيضاً - وقد سألَه: ترى أن نكتبَ الحديثَ
المنكَرَ ؟ - قال: ((المنكرُ أبداً منكرٌ ، قيلَ له : فالضعفاءُ ؟ قال :
قد يُحتاجُ إِليهم في وقتٍ )) ، كأنَّهُ لم يرَ بالكتابةِ عنهم بأساً .
وقال - في رواية ابن القاسمِ -: (( ابنُ لَهِيْعَةَ ما كانَ حديثُه
بذاكَ ، وما أكتبُ حديثَهُ إِلا للاعتبارِ والاستدلالِ ، إِنما قدْ أكتبُ
حديثَ الرَّجلِ كأني أستدِلُّ به مع حديثٍ غيرِهِ يشدُّهُ لا أَنَّهُ حجَّةٌ إِذا
انفردَ)).
وقال في رواية المَرُّوذي : (( كنتُ لا أكتُبُ حديثَ جابرٍ الجعفي
( ثم كتبتُه أعتبرُ به)))(١) .
وقال في رواية مُهَنَّا - وسأله : لِمَ تكتبُ حديثَ أبي بكر بن أبي
مَريم(٢) وهو ضعيفٌ - قال: ((أعرِفُه)).
وقال محمدُ بن رافع النَّيسابوريُّ: ((رأيتُ أحمدَ بين يدي
يزيد بن هارون وفي [ظ _ ١١٥] يدهِ كتابٌ لزهيرٍ عن جابرٍ الجعفيِّ
وهو يكتبُه ، قلتُ : يا [ب -٧] أبا عبد الله: تنهَونَنَا عن جابرٍ
وتكتُبوه(٣) ؟! قال: نعرِفُه)).
(١) سقط من ب ، وبيض في موضعه في ظ .
(٢) بياض في ظ موضع كلمة ((مريم)).
(٣) في ظ ((وتكتبون عنه)). وفي هامشها ((تكتبوه )) خ. أي نسخة أخرى.

٩٢
شرح علل الترمذي
وكذا قال [أحمدُ] في حديثٍ عُبَيْدِ الله الوَصَّافي: ((إِنما أكتبُه
للمعرفَةِ )).
والذي(١) يتبيَّنُ من عَمَلِ الإِمام أحمدَ وكلامِهِ أنه يترُكُ الروايةَ عن
المتَّهمين [والذين غلَبَ عليهم الَخطأ](٢) للغفلةِ وسوء الحفظِ ،
ويحدِّثُ عمَّن دونَهم في الضَّعفِ ، مثل مَنْ في حفظِه شيءٌ أو يختلِفُ
الناسُ في تَضعيفِهِ وتوثيقِهِ .
وكذلكَ كان أبو زُزِعَةَ الرازيُّ يفعلُ .
وأما الذين كَتَبُوا حديثَ الكَذّابين - من أهلِ المعرفةِ والحفظِ -
فإِنَّما كتبُوهُ لمعرفتِهِ ، وهذا كما ذكروا أحاديثَهم(٣) في كُتُبِ الجرحِ
والتَّعديلِ . ويقولُ بعضُهم في كثيرٍ من أحاديثهم : لا يجوزُ ذكرُها إِلا
ليبيَّن أمرُها ، أو معنى ذلك .
وقد سَبَقَ عن ابن أبي حَاتِمِ(٤) أَنَّهُ يجوزُ روايةُ حديثٍ مَنْ كَثُرَتْ
غفلَتُه(٥) في غيرِ الأحكام ، وأما روايةُ أهلِ التُّهَمَةِ بالكَذبِ فلا تجوزُ
إِلا مع بيانِ حالِهِ ، وهذا هو الصَّحيحُ ، واللهُ أعلم .
(١) (( فالذي)) ظ وب .
(٢) في نسخة الأصل ((والذين كثر خطؤهم)) وما أثبتناه من ظ وب أصح .
(( وهذا كما يكتب حديثهم)) ظ وب .
(٣)
(٤) في ص ٧٤ .
(٥) أي كثرتْ ولم تغلِبْ على حديثِهِ، أما إذا غلبتْ عليه ترك كما سبق .

٩٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
المسألةُ الثَّالثةُ :
° مَنْ ضُعِّفَ من أهلِ العبادةِ لسوءِ حِفْظِهِ ٥
ذكرَ الترمذيُّ : أَنَّهُ رُبَّ رجلٍ صالحٍ مجتهدٍ في العبادةِ ، ولا یقیمُ
الشهادةَ ولا يحفَظُها، وكذلكَ الحَديثَ لسوءِ حفظِه وكثرةٍ
غَفْلَتِهِ (١) ، وقد سبقَ قولُ ابنِ المباركِ في عَبّادِ بن كثيرٍ وعبدِ اللهِبن
مُحَرّر .
وروى مسلمٌ في (( مقدِّمة كتابه ))(٢) من طریقِ محمَّدٍ بن یحیی بن
سعيدِ القطَّان عن أبيهِ قال: ((لن تَرَى الصالحين في شيءٍ أكذبَ منهم
في الحديثِ)). وفي رواية: ((لم ترَ أهل الخير في شيءٍ أكذبَ منهم
في الحديثِ)).
قال مسلمٌ: ((يقولُ : يجري الكذبُ على ألسنتهم
ولا يتعمَّدون(٣) الكذبَ)).
وروى أيضاً(٤) بإسنادٍ له عن أيوبَ قال: ((إِنَّ لي جاراً .. )) ثم
ذكرَ من فضْلِه، (( ولو شهدَ [عندي] على تَمْرَتين ما رأيتُ شهادَتَه
جائزةً )) .
وروى ابنُ عديٍّ بإسنادِهِ عن أبي عاصمِ النبيلِ قال: (( ما رأيتُ
الصالحَ يكذِبُ في شيءٍ أكثرَ من الحديثِ )) .
(١) ((غلطه)) ظ .
(٢) ص١٣ و١٤، وفي بعض نسخ ((مسلم)) ((لم نر الصالحين)).
(٣) بياض في ب موضع ((يتعمدون)).
(٤) ص١٦ وقوله ((عندي)) زيادة من ((مسلم)).