النص المفهرس

صفحات 121-140

٥٤
شرح علل الترمذي
الداعيةِ إِلى البدعةِ دونَ غيرهِ ، منهم ابنُ المباركِ وابنُ مهدي وأحمدُ
ابن حنبل ويحيى بن مَعِين ، ورُوي أيضاً عن مالكٍ .
والمانعونَ من الرِّوايةِ لهم مأخذانِ :
أحدُهما : تكفيرُ أهلِ الأهواءِ أو تفسيقُهم ، وفيه خلافٌ
مشهورٌ(١).
والثاني : الإِهانةُ لهم، والهجرانُ والعقوبةُ بتركِ الرِّواية عنهم
وإِن لم نحكُم بكفرِهم أو فسقِهم .
ولهم مأخذٌ ثالث : وهو أَنَّ الهوى والبدعةَ لا يُؤْمَنُ معهُ
الكذبُ ، ولاسيَّما إِذا كانت الروايةُ مما تَعْضُد هوى الرَّاوي .
وروى أبو عبد الرحمن المقرىءُ عن ابن لَهِيعَةَ أنه سمعَ رجلاً من
أهلِ البدع رَجَعَ عن بدعتِهِ وجعلَ يقولُ: ((انظُرُوا هذا الحديثَ عمَّن
تأخذونَه ، فإِنّا كنا إذا رأينا رأياً جَعَلناه حَديثاً ». ورواه المُعَافَى عن
ابنِ لَهِيْعَةَ عن أبي الأسودِ حدَّثني المنذرُ بن الجَهْم ، فذكَرَهُ بمعناهُ .
وقال عليُّ بن حربٍ : (( من قَدَرَ أن لا يكتبَ الحديثَ إِلا عن
صاحبِ سُنَّةٍ، فإِنهم يكذِبون ، كلُّ صاحبِ هوىّ يكذِبُ ولا يبالي))(٢).
وعلى هذا المأخذِ فقد يُستثنى من اشتَهَرَ بالصِّدقِ والعِلم ، كما
(١) التحقيقُ في هذا أن البدعةَ تنقسمُ إِلى قسمين : بدعةٍ مكفِّرةٍ ، وبدعةٍ غيرِ
مكفِّرة . أما المبتدعُ الذي يُزْمى ببدعةٍ مكفِّرةٍ فتردُّ روايتُه قولاً واحداً ، خلافاً
لمن شدَّ في ذلك . وأما المبتدعُ الذي لم يبلغ حدَّ الكفرِ فتقبَلُ روايتُه إِذا لم يكن
داعياً إِلى بدعتهِ، على ما سنذكره إِن شاءَ اللهُ. قارن (( تدريب الراوي)):
ص٢١٦، و((لقط الدرر حاشية نزهة النظر)) ص ٨٩ - ٩٠ .
(٢) أخرج هذا الأثر والذي قبله الخطيب في ((الكفاية )) ص١٢٣.

٥٥
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
قال أبو داود: (( ليسَ في أهلِ الأهواءِ أصُ حديثاً من الخوارجِ)).
ثم ذكرَ عِمْرانَ بن حِطَّان ، وأبا حسان الأعرجَ .
وأما الرَّافضةُ فبالعكسِ ، قال يزيدُ بن هارونَ: (( لا يُكْتَبُ عن
الرَّافِضَةِ فِإِنهم يَكْذِبُونَ )) خرَّجه ابنُ أبي حاتم(١).
ومنهم مَنْ فَرَّقَ بينَ من يغْلو في هواهُ ومَنْ لا يَغْلو ، كما تركَ ابنُ
خزيمةَ حديثَ عبّاد بن يعقوبَ لغلوِّه ، وسُئِلَ ابنُ الأخْرَم : لِمَ تركَ
البخاريُّ حديثَ أبي الطفيلِ ؟ قال: ((لأنَّهُ كانَ يَفرِطُ في
التشيّعِ))(٢).
وقريبٌ من هذا قولُ من فَرَّقَ بِينَ البِدَعِ المِغَلَّظَةِ كالنَّجَهُمِ والرَّغْضِ
والخَارِجِيَّةِ والقَدَرِ ، والبِدَع المخفّفة ذاتِ الشُّبَه كالإِزْجاءِ .
قال أحمدُ في روايةِ أبي داودَ: (( احتمِلُوا من المرجئةِ الحديثَ ،
ويُكْتَبُ عن القَدَري إِذا لم يكن دَاعيةً ». وقال المؤُّوَذِيُّ: (( كان أبو
عبد الله(٣) يحدِّثُ عن المرجىءٍ إِذا لم يكن داعياً))(٤).
(١) في ((الجرح والتعديل)) ج١/١/ ص٢٨.
(٢) أبو الطفيل عامر بن واثلة صحابي ، كان يقدم علياً فقط . روى له البخاري في
(كتاب العلم)، سها ابن الأخْرَم في كلامه هذا. انظر (( هدي الساري)) ٢/ ١٣٦ .
(٣) أي الإِمام أحمد بن حنبل ويأتي كثيراً بهذه الكُنية ، فاحفظها .
(٤) المعتمدُ في حُكم رواياتِ المبتدعةِ أن يُقبلَ حديثُ المبتدع الذي لم يكفر ببدعتِهِ
ولم يكنْ داعياً إِليها . قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث )) ص١٠٣ -١٠٤ :
((وهذا مذهبُ الكثير أو الأكثر من العلماءِ . وقال أبو حَاتِم بن حِبَّان البُسْتي مِن
أئمة الحديثِ : الداعيةُ إِلى البدع لا يجوزُ الاحتجاجُ به عند أئمتنا قاطبةً ،
لا أعلمُ بينهم فيه خلافاً .. )) ويؤَيِّد هذا المذهبَ إِجماعُ الأئمةِ على تلقّي
الصَّحيحينِ بالقَبْولِ وفيهما أحاديثُ المبتدعَةِ غيرِ الدّعاةِ ، فهو خيرُ شاهدٍ لتقويةِ
هذا المذهب .
=

٥٦
شرح علل الترمذي
ولم نقفْ له على نصِّ في الجَهْمِيِّ أنه يروي عَنْهِ إِذا لم يكنْ
داعياً ، بل كلامُه فيه عامٌ أنه لا يُروى عنه .
فيخرجُ من هذا أَنَّ الِدَعَ الغليظَةَ كالثَّجْهُمِ يُرَدُّ بها الروايةُ مطلقاً ،
والمتوسِّطةَ كالقَدَرِ إِنما يُرَدّ روايةُ الداعي إِليها، والخفيفةَ كالإِرجاءِ
هل يُقبلُ معها الروايةُ مطلقاً ، أو يُردُّ عن الداعيةِ ، على روايتينٍ (١).
O الإِسنادُ من الدِّين ٥
قال رحمهُ اللهُ :
( حدَّثنا محمدُ بن عليٍّ بن الحسنِ قال : سمعتُ عبدانَ
يقول : قال عبدُ اللهِ بنُ المُباركِ: ((الإِسنادُ عندِي من الدِّينِ،
لولا الإِسنادُ لقال مَنْ شَاءَ ما شَاءَ ، فإِذا قيل له مَنْ حَدَّثَكَ ؟
بَقِيَ )).
وفي رأيي أَنَّ هذا الضابطَ يتناولُ بالتضمُّن ما سبقَ من التفريقِ بينَ من يغلو
=
في بدعته ومن لا يغلو ، ومن يستحلُّ الكذبَ أو لا ، لأنَّ الداعيةَ إِلى البدعةِ
يكونُ مُفْرِطاً فيها ، ويجرُّه سعيهُ لها للكذبِ كما هو معروفٌ
(١) هذا التقسيمُ يلتقي في النهايةِ مع تقسيمِ البدعةِ إِلى مكفِّرة وهي المغلَّظة، وإِلى
غيرِ مكفِّرة ، وهي المتوسِّطة والخفيفة ، وينطبقُ عليهما ضابطُ القَبُولِ لغيرِ
الداعيةِ ، والردِّ للداعيةِ إِلى بدعتِهِ . فهذا الضابطُ أشملُ وأدق . وهذا البحث
يكشِفُ عن دِقَّةِ نظرِ المحدِّثين النَّقدي ، لأنهم أخذوا في اعتبارهم المقياسَ
النَّفسي للراوي ، وما قد يؤثِّر في روايته من الدوافع النفسيةِ والمُيُولِ . وقد
زدت المسألة تفصيلاً في كتابي (أصول الجرح والتعديلَ) ص ١٤٨ - ١٥٦.

٥٧
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
حدَّثنا محمدُ بن علي أنا حِبَّان بن موسى قال ذُكِرَ لعبد الله
حديثٌ ، فقال: (( يحتاج لهذا أركانٌ مِن آجُرٍ )) .
قال أبو عيسى : يعني أنه ضَعَّفَ إِسنادَه ).
أما قولُ عبدِ اللهِ بنِ المُبَاركِ ((الإِسنادُ من الدِّين )» فخَرَّجه مسلمٌ
في ((مقدِّمة كتابه )) عن محمدٍ بن عبد اللهِبن قُهْزَاذَ المروزيِّ عن
عبْدان عنه إِلى قوله ((ماشاءَ))، وخرّجه بتمامه ابنُ حِبَّان في أولٍ
كتابهِ من طريق الحسينِ بن الفرج عن عبدان(١) . وأما قوله
الثاني ... (٢) .
[آ _١٢] وذكر مسلمٌ أيضاً: قال محمدُ بن عبدِ اللهِ حدَّثني العبّاسُ
ابنُ رِزْمة قال: سمعتُ عبدَ الله يعني ابنَ المبارك يقول: (( بيننا وبين
القومِ القوائمُ)) يعني الإِسناد .
قال : وقال محمد : سمعتُ أبا إسحاقَ إِبراهيم بن عيسى
الطَّالَقَانيَّ يقولُ : قلتُ لعبدِ اللهِ بن المباركِ : يا أبا عبد الرحمن
الحديثُ الذي جاءَ ((إِنَّ من البرِّ بعد البرِّ أن تصلِّي لأبويكَ مع صلاتكَ
وتصومَ لهما مع صومكَ ))؟ فقال عبدُ الله : يا أبا إِسحاق عمَّن هذا؟
قلتُ له : هذا من حديثٍ شهابٍ بن خِرَاش . قال : ثقةٌ، عمَّن ؟
قلت : عن الحَجَّاج بن دينار ، قال : ثقةٌ، عمَّن ؟ قلتُ : قال
(١) ((مقدمة مسلم)) ص١٢، و((المجروحين)) لابن حبان ج١ ص١٨. وقوله :
((بقي)) أي بَقِيَ حائِراً أو ساكتاً. وفي بعض النسخ ((يقي)). ولعل المراد به
إن صح أنه يقي نفسَه من الكَذِب. انظر ((شفاء الغلل شرح العلل))، آخر
(( تحفة الأحوذي » ج٤ ص٣٨٨ .
(٢) سقط باقي الكلام من الأصل .

٥٨
شرح علل الترمذي
رسولُ اللهِ وَّ. قال: ((يا أبا إِسحاق، إِنَّ بينَ الحجّاج بن دينار
وبين النبيِّ وَّةِ مفاوزَ تنقطعُ فيها أعناقُ المَطِيِّ، ولكنْ ليسَ في
الصَّدقةِ اختلافٌ)) (١).
وخرَّج ابنُ حبَّان وغيرهُ من طريقِ الحسينِ بن الفرج عن عبدٍ
الصَّمدِ بن حسَّان سمعتُ الثوريَّ يقول : ((الإِسنادُ سلاحُ المؤمنِ ،
إِذا لم يكُنْ معه سلاحٌ فبأيِّ شيءٌ يقاتِلُ؟))(٢).
وخَرَّج أبو عمر بن عبد البَرِّ في أوَّلِ ((التَّمهيدِ)) من طريقٍ
محمد بن خَيْرُون ثنا محمدُ بن الحسين البغداديُّ قال : سمعتُ
أحمدَ بن حنبل يقول : سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: (( الإِسنادُ من
الدِّين)). قال يحيى: وسمعتُ شعبةً يقول: ((إِنما تُعْلَمُ صِحَةُ
الحديثِ بصِحَّةِ الإِسنادِ )). وفي هذا الإِسنادِ نَظَرٌ .
وخرَّجَ أيضاً بإسنادِهِ عن الأوزاعيِّ قال: (( ما ذهابُ العِلم إِلا
ذهابُ الإِسناد )).
وبإسناده عن ابن عون قال: ((كانَ الحسنُ يحدِّثنا بأحاديثَ لو
كان يُسْنِدُها كان أحبَّ إِلينا )).
وخرّج البيهقيُّ من طريقٍ عليٍّ بن حُجْر قال : قال ابنُ المبارك :
(( لولا الإِسنادُ لذهبَ الدينُ، ولقالَ امرؤٌ ما شاءَ أن يقولَ ، ولكنْ إِذا
قلتَ : عَمَّنْ؟ بَقِيَ!)).
قال : وسمعتُ ابنَ المبارك يقول: ((إِنَّ اللهَ حَفِظَ الأسانيدَ على
أمَّةِ محمدٍ وََّ». ومن طريقِ الشافعيِّ قال: قال سفيانُ بن عُيينةَ :
(١) ((مقدمة صحيح مسلم)) ص ١٢.
(٢) ((المجروحين)) لابن حبان ج١ ص١٩ .

٥٩
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
(( حدَّث الزهريُّ يوماً بحديثٍ ، فقلتُ : هاتِهِ بلا إِسنادٍ ، فقال
الزهريُّ: أترقى السَّطحَ بلا سُلِّم !! )).
وخرّج أبو بكر الخطيبُ من طريقِ مالكِ بن إسماعيلَ النَّهْدي
سمعتُ ابنَ المبارك يقولُ: ((طَلَبُ الإِسنادِ المتَّصِلِ من الدِّين)).
ومن طريقٍ هلالٍ بن العلاءِ عن أبيهِ سمعَ ابنَ عُيَينة - وقال له أخوه :
حدِّثهم بغيرِ إِسنادٍ -، فقال سفيان: ((انظروا إِلى هذا يأمُرُني أن
أصعدَ فوقَ البيتِ بغيرِ دَرَجة! )) .
ومن طريقِ إِبراهيمَ بن معدان قال : قال ابنُ المبارك : (( مَثَلُ
الذي يطلُّبُ دينَهُ بلا إِسنادٍ كمَثَلِ الذي يرتقي السَّطحَ بلا سُلَّمٍ » .
ومِنْ طريقِ ابن المديني قال أبو سعيد الحدادُ : (( الإِسنادُ مِثْلُ
الدَّرَجِ، مِثْلُ المراقي، فإِذا زلَّت رجلُكَ عن المِرقاة سقطْتَ))(١).
وروى الفضلُ بن موسى قال قال بقيَّةُ : ذاكرتُ حَمَّادَ بنَ زيد
أحاديثَ ، فقال: (( ما أجودَ أحاديثَكَ لو كان لها أجنحةٌ )) ، يعني
الأسانيدَ .
وقال عليُّ بن المديني : (( قال يحيى : قال هشامُ بن عُرَوةَ : إِذا
حدَّثكَ رَجُلٌ بحديثٍ فقل : عمَّن هو وممَّن سمعتَه ، فإِن الرَّجُلَ
يحدِّثُ عن آخرَ دونَه . قال يحيى، فعَجِبْتُ مِنْ فِطْنَتِهِ )).
وقد رُوِي عن ابنِ سيرينَ معنى ذلكَ أيضاً ، خرَّج مسلمٌ في
((مقدِّمة كتابه))(٢) من طريقِ هشامٍ عن ابن سيرين قال: ((إِنَّ هذا
(١) ((الكفاية)) ص٣٩٢-٣٩٣.
(٢) ص١١ .

٦٠
شرح علل الترمذي
العلمَ دينٌ ، فانظُروا عمَّن تأخذونَ دينكم ؟ )). وخرّجه العُقَيلي في
مقدمة كتابه(١) من طريقِ ابنِ عَوْنٍ عن ابن سيرينَ وزاد قال: (( وذُكِر
عندَ محمد حديثٌ عن أبي قِلابَةَ فقال: إِنَّا لا نتَّهمُ أبا قِلابَةَ ، ولكنْ
عمَّن أخذَه أبو قلابة ؟ )).
وفي رواية له أيضاً عن ابنٍ عَوْن قال : ذَكر أيوبُ لمحمدٍ [آ-١٣]
حديثاً عن أبي قِلابة، قال فقال: (( أبو قِلابة إِن شاءَ اللهُ رجلٌ
صالحٌ، ولكنْ عمَّن ذكرَهُ أبو قِلابة؟ )).
ومن طريقِ أيوبَ عن ابن سيرين أنه كان إِذا حَدَّثه الرَّجُلُ الحديثَ
يُنكِرُه لم يُقْبِل عليه ذاك الإِقبالَ، ثم يقول: ((إِني لا أتهمُكَ ولا أتَّهِمُ
ذاكَ، ولكنْ لا أدري مَنْ بَيْنكم)) .
ومن طريقٍ عُبَيدِ الله بن عمر قال: قال محمدُ بن سيرين: ((إِنَّ الرجلَ
ليحدِّثني بالحديثِ لا أنَّهمه ولكنْ أنَّهم مَنْ حدَّثه ، وإِنَّ الرجلَ ليحدِّثني
بالحديثِ عن الرجلِ فما أنَّهمُ الرجلَ ، ولكنْ أنَّهم من حَدَّثني )).
وذكرَ أيضاً من طريقٍ أن (٢) التيميَّ حدَّثَ عن ابنِ سيرين بشيءٍ ،
فبلغَ ابنَ سيرينَ فكّذبه ، فقال التيميُّ : حدَّثنيهِ مؤذنٌ لنا عن ابن
سيرينَ)). وخرَّجه غيرُه، وعندَهُ أَنَّ المؤذنَ سُئِلَ فقال: ((حدَّثني
رَجُلٌ عن ابنِ سيرين))(٣).
(١) ((الضعفاء)) للعُقيلي ورقة ٢/ ١ =١٥٥/١.
(٢) كذا في الأصل. وفي ((الضعفاء)) للعُقيلي: ((ابن رتبيل أن التيمي)).
(٣) هو أيضاً عند العُقيلي ورقة ٢/ ١ من طريقين :
الأولى: ((يزيد بن هارون عن التَّيمي)).
والثانية فيها تفصيلٌ اختصرهُ الشارعُ . وهذا نصها :
=

٦١
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وروى الشافعيُّ أنا عمي محمدُ بن عليٍّ عن هشام بن عُروةَ عن
أبيه قال : ((إِني أسمعُ الحديثَ أستحسنُهُ، فما يمنعُني من ذِكْره إِلا
كراهةٌ أن يسمعَهُ سامعٌ فيقتدِيَ به ، أسمعُه من الرجل لا أثق به قد
حدَّثه عمن أثقُ به، وأسمعه مِنَ الرَّجُلِ أثقُ به فيحدِّثه عمَّن لا أثقُ
به)) .
وقد رُويَ عن زَيدِ بن أسلمَ أنه قال : ((إِنَّ هذا العلمَ دينٌ فانظروا
ممَّن تأخذونَ دينكم )). خَرَّجه ابنُ حِبَّان، وخرّجهُ أيضاً من كلامٍ
الحسنِ ، وأنسٍ بن سيرين ، والضَّخَاكِ بن مزاحم ، والنَّخَعي .
وخَرَّجه أيضاً بٍسنادٍ لا يصِحّ عن أبي هُريرةَ وابنِ عبَّاس رضي الله
عنهما(١) .
=
(( حدَّثنا محمدٌ حدَّثنا عفانُ حدَّثنا خالدُ بن الحارث قال حدَّثنا عمرانُ بن
حُدَيْرِ قال حذَّثني ابن رتبِيلٍ أَنَّ التيميَّ ذكرَ عن محمدٍ بن سيرِينَ أنه قالَ : من
زارَ قبراً أو صلّى إِليه أو تعلّمه فقد برىءَ منه الذمَّة . قال عمرانُ: فقلت لمحمدٍ
عند أبي مِجْلَز: إِنَّ رجلاً ذكرَ عنك أنك قلتَ: مَنْ زارَ قَبْراً أو صلّى إِليه أو
تعلّمه فقد برىءَ اللهُ منه . قال : فقال أبو مِجْلَزْ: كنتُ أحسبُكَ أَنَّك أشد أفقاً .
قال : إِذا لقيتَ صاحبَك فأقرِهِ السَّلام ، وأخبره أنه قد كذبَ ، ولكن هو
يكره . قال : فرأيتُ سليمانَ عند أبي مِجْلَز قال : فذكرتُ له . فقال:
سبحانَ الله إِنما حدَّثنيهِ مؤذنٌ لنا، ولم أظنّه يكذِب)).
ابن رتبِيل : صالحُ بن رتبيل ، بمثناه ساكنة ، وموحدة مكسورة ، بعدها
ياء . (( تبصير المنتبه )) ص٥٩٢ .
(١) انظر تخريجَها عمن ذكر في ((المجروحين)) لابن حبان ج١ ص١٥ -١٦.
وأخرجه ابن أبي حَاتِم في (( الجرح والتعديل)) ج١/١/ ص١٥-١٦ من طرقٍ
عن محمد بن سيرينَ والضحاكِ وأنسٍ بن سيرين وفي بعضِ طرقه عن محمدِ بن
سيرين بلفظ : ((كان يقالُ: إِنما هذَهِ الأحاديث .. )) وأخرجه الخطيبُ في =

٦٢
شرح علل الترمذي
وخرَّجَهُ ابنُ عَدِيٍّ من وجوهٍ مرفوعاً إِلى النبيِّي وَهِ، ولا يَصِحُ
منها شيءٌ(١).
وروى أبو نُعيم من طريقٍ إِسحاقَ بن بِشْر (٢) الرَّازيِّ قال : قال ابنُ
المبارك : (( ليسَ جودةُ الحديثِ في قربِ الإِسنادِ ، ولكنْ جودةٌ
الحديثِ في صِحَّةِ الرِّجالِ )) .
وخَرَّجَ الحاكمُ في (( المدخَلِ))(٣) بإسنادهِ عن ضَمْرَةَ عن ابن
شَوْذَب عن مَطَرِ الورّاق في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال :
إِسنادُ الحديثِ .
((الكفاية)) ص١٢١ -١٢٢ عن محمد بن سيرينَ وأنسٍ بن سيرينَ والضَّحَاكِ بن
=
مزاحم وعليٍّ بن أبي طالب .
وهذا بمجموعِهِ يدلُّ ويُثْبِتُ أَنَّ علماءَ الصَّحَابَةِ ثم التَّابعينَ متفقون على أنْ
لا يؤخذَ العلمُ والحديثُ إِلا عمن يوثقُ به ديناً وحِفظاً ، حتى شاعتْ هذه
القاعدةُ ، وذلكَ يدُلُّ أيضاً على وجودِ الجرحِ والتعديلِ في عصرِ الصحابةِ .
وقد تكلّم من الصحابةِ في الرِّجالِ عبدُ الله بِنَ عَّاس ، وعبادَةُ بن الصَّامت ،
وأنسُ بن مالك، وغيرهم، وكان قليلاً لقلَّة الضَّعفِ ونُدْرته ، ثم ازدادَ في
عصرِ التَّابعين ، وهكذا بحسَبِ مقتضياتٍ كلِّ عصر .
(١) ((الكامل)) ١/ ١٥٥ مرفوعاً من حديث أنس، وابن عمر، وكُزز بنَ حُبَيْش،
وعبد الرحمن بن محمد بن عمر بن العلاء . وأخرجه موقوفاً ص ١٥٦ -١٥٧
عن محمد بن سيرين وأيوب السَّختياني والضحاك وغيرهم .
(٢) في الأصل ((بشير)) قوَّ مناه من ((المغني في الضعفاء))، و((ميزان الاعتدال)).
وإِسحاقُ بن بشر هذا صدوقٌ .
(٣) ((المدخل إلى كتاب الإكليل)) ص٢ .
1

٦٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
· كَلامُ الأَئِمَّةِ فِي الرِّجَالِ ٥
قال التّرمذيُّ رحمهُ اللهُ :
( حدَّثنا أحمدُ بن عَبْدَةَ نا وَهْبُ بنُ زَمْعَةَ عن عبدِ الله بن
المبارك : أنه تَرَكَ حديثَ الحسنِ بنِ عُمارة ، والحسنِ بن
دينار ، وإِبراهيمَ بن محمد الأسلمي ، ومقاتِل بن سليمان ،
وعثمانَ البُرِّي ، ورَوْح بن مسافر ، وأبي شيبةَ الواسطي ،
وعَمرو بن ثابت ، وأيُوبَ بن خوط ، وأيوبَ بن سويد ،
ونصرِ بن طريف أبي جُزَي(١) ، والحَكَم، وحُبَيٍِّ بن حُجْر .
والخَكَمُ روی له حديثاً في كتابِ الَرقائقِ ثمَّ تركَه ، وحبيبٌ
لا أدري .
قال أحمدُ بن عبدةَ وسمعتُ عَبْدانَ يقول : كان عبدُ اللهِ بن
المباركِ قرأَ أحاديثَ بَكْرٍ بن خُنَيْسٍ ، فكانَ آخِراً إذا أتى عليها
أعرض عنها ولم يذكرها .
حدَّثنا أحمدُ ثنا أبو وهب قال : سمَّوا لعبدِ اللهِ بنِ المباركِ
(١) كذا في الأصل و((الجرح والتعديل)) و((اللسانِ)). وفي ((الميزانِ)): ((أبو
جَزْء )).

٦٤
شرح علل الترمذي
رَجُلاً(١) [ب -٢] يُتَّهَمُ في الحديثِ، فقالَ: ((لأَنْ أقطعَ الطَّريقَ
أحبُّ إليَّ من أن أُحَدِّث (٢) عنه))).
(٣) قال الإِمامُ أحمدُ: ثنا حسنُ بن عيسى قال: (( تَرَكَ (٤) ابنُ
المباركِ الحسنَ بن دينار ، وعَمْرو بنَ ثابت ، وأيوبَ بن خَوْط ،
ومحمدَ بن سالم، وعُبيدةً(٥)، والسَّريَّ بن إِسماعيل)) ، يعني أنه
تركَ الحديثَ عنهم .
وذكَرَ حَرْبٌ الكَرمانيُّ في كتابه قال: (( بلغني أَنَّ ابنَ المباركِ تركَ
حديثَ عبَّادِ بن كثيرٍ ، والحسنِ بن دينار ، والحسنِ بن عُمَارة ،
ورَوْحٍ بن مسافر ، وابنِ سمعان، وعمرو بن ثابت)) .
وقال ابنُ المباركِ : (( ما يَسْوى حديثُ عبَّادِ بن كثير عندي كفّاً من
ترابٍ)).
وهؤلاءِ الذين سمَّاهم التِّرمذيُّ في روايته(٦) مشهورون
بالضَّعفِ ، وقد سَبَقَ ذكرُهم مفرَّقاً في الكتابِ في مواضعَ
متعدِّدةٍ(٧) .
(١) أول نسخة دار الكتب المصرية، التي نشير إِليها بالحرف ( ب ).
(٢) في ب ((أروي)). والمثبت في الأصل والنسخ المطبوعة.
(٣) أولُ نسخةٍ دار الكتب الظاهرية التي نشير إِليها بالحرف (ظ ).
(٤)
في ب (( قال )) وهو سهو .
(٥) هو عُبَيدة بن مُعَتِّب ((الضرير، ضعيفٌ، واختلط بآخرة، من الثَّامنة، ماله في
((البخاريٍّ)) سوى موضع واحد في الأضاحي)) ج٧ ص١٠١ معلقاً وعلى سبيلٍ
المتابعة . روی له خت د ت ق .
(٦)
في ب ( رواته )) وهو تصحيف .
(٧) سيبيِّن الشارحُ هنا الكلامَ في كلِّ واحدٍ من هؤلاءِ الرواةِ . وقد حقَّقنا البحثَ =

٦٥
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وإِبراهيمُ بن محمَّد الأسلميُّ : هو ابن أبي يحيى المدني .
وعثمانُ البُرِّيّ : هو بَصْري [آ_١٤] ضعيفٌ معتزليٌ أحاديثهُ
مناكير ، قال أحمدُ : ((حديثُه منكر، وكان رأيُه رأيَ سَوء)).
وأبو شيبةَ الواسطيُّ : هو إِبراهيمُ بن عثمان ، جدُّ بني أبي شيبة .
وعمرُو بن ثابت : هو ابن أبي المِقْدام الكوفيُّ .
وأيُب بن سويدٍ: هو الرَّمليُ(١).
وأما الحَكَمُ : فالظَّاهرُ أنَّهُ ابنُ عبد الله بن سَعْدِ الأيليُّ ، وقد
حكى البخاريُّ وابن حِبَّانَ وغيرُهما عن ابنِ المباركِ أنه كان يحملُ(٢)
عليه .
وحكى ابنُ أبي حاتم عن أبيه أَنَّ ابنَ المباركِ كان تَرَكه ، وكذا ذکر
ابنُ عَدِيّ في ترجمةِ الحَكَم الأيليِّ ( عن الحسينِ بن يوسفَ نا أبو
عيسى التِّرمذيُّ نا أحمدُ بن عَبْدَة نا وهبُ بن زَمْعَة عن عبدِ اللهِبن
المباركِ)(٣) أنه تَرَكَ حديثَ الحكم .
وأما حُبَيِّب بن حُجْر فهو حُبَيِّب بن حُجْر ، بالتشديد(٤) ، تصغيرُ
حَبيب ، كذا قالهُ يزيدُ بن هارون وموسى بنُ إِسماعيلَ ، ورويا عنه ،
فيهم في تعليقِنا على كتابٍ (( المغني في الضُّعفاءِ)) فارجعْ إِليهِ ، وكلُّهم متروكٌ
=
شديدُ الضَّعفِ . إِلا من علقنا بالتنبيهِ عليهِ هنا بغيرِ ذلك . وعثمان البريٍّ كما
قال الشارخ رحمه الله تعالى .
(١) ((أبو مسعود الحِمْيَري السيباني، صدوق يخطئ من التاسعة)). ((تقريب)).
(٢)
في ب (( يحتمل )) وهو تصحيف .
(٣) الكامل ٦٢٠/٢ وفي ظ موضع القوسين: ((أسند عن ابن المبارك .. )).
وسقط قوله (( نا أحمد بن عبدة )) من ب .
(٤) في ظ ((فبالتشديد)) لم يكرر ((هو حبيب بن حجر)).

٦٦
شرح علل الترمذي
وكنَّاه يزيدُ أبا حجْر ، وكناه موسى أبا يحيى ، وهو قيسيٌّ بصريٌّ ،
وقال ابنُ المباركِ : هو حبيّب أو حبيب ، شكّ في ضبطه ، وهو
يَرْوي عن ثابت البناني والأزرقِ بن قيس .
وقد ذكرنا له حديثاً في كتابِ الأدبِ ، في بابِ السَّلامِ على
الصِّبيانِ ، وروى عنه أيضاً وكيعٌ ويونسُ ورَوْجٌ وابنُ المبارك ، وكنّاهُ
روحٌ أبا حُجْر أيضاً، وذكرهُ ابنُ حِبَّانَ في (( ثقاتِهِ)).
وقال يحيى بنُ مَعِين: ((ليسَ به بأسٌ)).
وقد ذكرَ ابنُ عدي أَنَّ ابنَ المباركِ إِنما تركَ حُبَيِّبَ بن حَبيب أخا
حمزة الزَّياتِ، فإِنه ذكرهُ في كتابِهِ(١) ثم قال: (( نا حسينُ بن يوسفَ
البُندارُ ثنا أبو عيسى الترمذيُّ ثنا أحمدُ بن عبدة الآمُلي نا وهب بن
زَمْعَة عن ابنِ المباركِ أنه تركَ حُبَيِّبَ بن حَبِيب ، وذكرَ عن ابن مَعِين
أنه قال: ((لا أعرِفُه)). وعن عثمانَ بن أبي شيبة أنه روى عنه
وقال : ((كانَ ثقةً)) . وقد وثَّقه ابنُ معين في روايةٍ أخرى عنه ،
ويعقوبُ بن شيبة ، وقال: ((ليس ممَّن يُعتمَدُ على تثبُّتِهِ))، وقال أبو
زرعة: ((واهي الحديث)).
وقد تَكَّلمَ ابنُ المباركِ في غيرِ هؤلاءِ، فذكرَ مسلمٌ في (( مقدِّمة
كتابِهِ )) عن إِسحاقَ بن رَاهُويَه قال : سمعتُ بعضَ أصحابِ
عبدِ الله. قال: قال ابنُ المبارك : (( نِعْمَ الرَّجلُ بقيَّةُ لولا أنه يَكْني
الأسامي، ويُسَمِّي الكُنى(٢)، قال: كانَ دَهْراً يحدِّثنا عن أبي سعيدٍ
(١) ((الكامل)) ورقة ٢/١٠٦ = ٨٢١/٢ وفيه اضطراب في نسبه .
(٢) كذا في ظ وب. أثبتناه لأنه أوفق بسياق مسلم في ((مقدِّمة صحيحه)) ص ٢٠.
=

٦٧
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
الوُحاظي فنظرنا فإِذا هو عبدُ القدوس )).
قال مسلمٌ: ونا أحمدُ بن يوسفَ الأزديُّ سمعتُ عبدَ الرزاقِ
يقول: (( ما رأيتُ ابنَ المباركِ يُفْصِحُ بقوله كذَّاب إِلا لعبدِ القدّوس
فإني سمعتُه(١) يقول له: كذَّاب)).
قال(٢): وحدَّثني محمدُ بن عبد الله بن قُهْزاذَ(٣) قال: سمعتُ
أبا إِسحاقَ الطَّالَقَانيَّ يقولُ: سمعتُ ابنَ المباركِ يقولُ: لو خُيِّرْتُ
بين أنْ أدخُلَ الجنَّةَ وبينَ أن ألقى عبدَ الله بن مُحَرَّرٍ لاخترتُ أن ألقاهُ
ثم أدخلَ الجنةَ ، فلما رأيتُهُ كانت بعرةٌ أحبَّ إِليَّ منه» .
قال : وسمعتُ الحسنَ بن عيسىٍ يقول : قال لي ابنُ المبارك :
(( إِذا قدمتَ على جَرير فاكتب عِلْمه كلَّه، إِلا حديثَ ثلاثة : لا تكتبْ
حديثَ عُبَيْدَةَ بن مُعَتِّبٍ ، والسَّرِيِّ بن إِسماعيلَ ، ومحمدٍ بن
(٤)
سالم ))(٤) .
وفي الأصل: (( يسمي الكنى ويَكْني الأسامي كانَ دهراً .. إلخ)).
=
وهذا قدحٌ من ابن المباركِ في بقيَّة بالتدليسِ . والمثالُ المذكورُ من تدلیس
الشُّيوخ .
وبَقِيَّةُ هو ابن الوليدِ الحمصيُّ صدوقٌ كثيرُ التدليسِ عن الضعفاءِ . مات سنة
سبع وتسعين ومائة ، وله سبعٌ وثمانونَ عاماً . روى له خت م ( متابعة ) عه .
انظر (( المغني في الضعفاء )) رقم ٩٤٤ .
(١) ((فإني سمعته)) ليس في ظ وب.
(٢) ((مقدمة مسلم)) ص٢١ .
((قهران )) ب . وهو تصحيف .
(٣)
(٤) ((مقدمة صحيح مسلم)) ص٢١.

٦٨
شرح علل الترمذي
قال : وحَدَّثني محمدُ بنُ عبد الله بن قُهْزاذَ أخبرني عليُّ بن
حسين بن واقد قال : قال عبدُ الله بن المبارك : قلتُ لسفيانَ
الثوريِّ: إِنَّ عبَّادَ بن كثير مَنْ تَعْرِف(١) حاله، فإِذا حَدَّثَ جاءَ بأمرٍ
عظيمٍ ، فترى أن أقولَ للناسِ : لاَ تأخُذُوا عنه ؟ قال سفيانُ : بلى .
قال عبدُ الله : فكنتُ إِذا كنتُ في مجلسٍ ذُكِرَ فيه (٢) عبَّادٌ. أثنيتُ(٣)
عليه في دِينه، وأقولُ: [آ _ ١٥] ((لا تأخُذُوا عنه)).
قال التّر مذيُّ رحمهُ الله :
( أخبرني موسى بن حِزام ، نا يزيدُ بن هارونَ قال :
(( لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يرويَ عن سليمانَ بن عمرو النَّخَعي
الكوفيِّ))) .
سليمانُ هذا هو أبو داودَ النَّخَعيُّ ، [ب -٣] وهو مشهورٌ بالكذبِ
ووضعِ الحديثِ. وقال أحمدُ: (( كان كذَّاباً ، سُئِلَ شَرِيكٌ عنه
فقال : ذاكَ كَذَّابُ النَّخَعِ)).
وقال ابن مَعِين : ((كان أكذبَ الناسِ)).
وقال قتيبةُ: ((هو معروفٌ بالكَذِبِ )). ونسبه إِلى (الوَضْعِ)(٤)
(١) ((يُعرف)). ب. والمراد تعرف حاله من التقوى، خلافاً لما فسره النووي.
(٢) قوله (( فيه )) من ((مقدمة صحيح مسلم )) ص١٣ .
(٣) (( أتثبت )) ب ، تصحيف .
(٤) بياض في ظ. وفي ب ((إِلى الكذب إِسحاق .. )) ليس فيها ((أحمد)).

٦٩
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
أحمدُ وإِسحاقُ ويحيى وغيرُهم . قال ابنُ عَديٍّ: (( أجمعوا على [ظ
-١١٢] أنه يَضَعُ الحديثَ)) (١) .
قال التِّرمذيُّ رحمهُ الله :
( حدَّثنا محمودُ بن غَيْلان(٢) ثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ سمعتُ أبا
حَنِيفَةَ يقول : (( ما رأيتُ أحداً (٣) أكذبَ من جابرِ الجُعْفِيِّ،
ولا أفضَلَ من عطاء بن أبي ربَاح)).
سمعتُ الجارودَ يقولُ: سمعتُ وكيعاً يقولُ: (( لولا جابرٌ
الجُعْفِيُّ لكانَ أهلُ الكوفةِ بغيرِ حديثٍ ، ولولا حَمَّادٌ لكانَ أهلُ
الكوفةِ بغيرِ فقه )) ) .
هذا يوجَدُ في بعضِ النُّسخِ ولا يوجدُ في بعضٍ .
وجابرٌ الجعفيُّ قد سَبَق ذِكرُه مستوفىّ في أبوابِ الأذانِ .
وما ذكَّرَهُ وكيعٌ غُلوٌّ غيرُ مقبولٍ ، فأينَ أبو إِسحاقَ ، والأعمشُ ،
(١) في ب ((أنه متروكُ الحديثِ)). بياض في ظ. ولفظُ ابنٍ عَدِيٍّ في ((الكامل))
ورقة ٢/١٥٣ =١١٠٠/٣: ((اجتمعوا على أنه يضَعُ الحديثَ».
(٢) (( علان)) ب. وهو تصحيف .
(٣) قوله ((أحداً )) ليس في ظ.

٧٠
شرح علل الترمذي
ومنصورٌ(١) وغيرُهم من أهلِ الثّقةِ والصدقِ والأمانةِ، وأينَ إِبراهيمُ
وغيرُه من أهلِ الفقهِ والعِلم ؟! وإسقاطُ هذا من الكتابِ أولى(٢)، مع
أَنَّ التِّر مذيَّ قد ذكَرَهُ في غيرِ هذا الموضِعِ مِن(٣) كتابِهِ أيضاً .
(١) هؤلاء من أعلام الحديثِ الحفّاظ الأثباتِ في العراقِ: أبو إِسحاقَ هو عمرو بنُ
عبد الله الهمْدَانيُّ الكوفيُّ التابعيُّ ، والأعمشُ هو سليمانُ بن مِهْرانَ الأسديُّ
الكاهِليُّ ، ومنصورٌ هو ابنُ المعتمرِ السُّلَمِيُّ ، وثلاثتُهم من أئمة التابعين .
وإِبراهيمُ الآتِي ذكره هو ابن يزيدَ النَّخَعيُّ الإِمامُ الكبيرُ ، وكلّهم لهم تراجمُ في
(( تذكرةِ الحفّاظِ » ، وغيرِها .
(٢) ((أوفى )) ب . وهو تصحيف .
(٣) ((في كتابه)) ب. وانظرج١ ص٤٠١ ( فضل الأذان ).

٧١
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
٥ روايةُ الضُّعفاءِ والرِّوايةُ عنهم ٥
قال [أبو عيسى] رحمَهُ اللهُ :
( سمعتُ أحمدَ بنَ الحسن يقولُ: كنّا عندَ أحمد بن حنبل
فذكروا من تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ ، فذكَرَ فيه عن بعضِ أهلِ العلمِ
من التَّابعين وغيرِهم، فقلتُ: ((فيه عنِ النبيِّ وَ لالحديث))(١).
فقال: عن النبيِّ وَّةِ!؟ قلتُ: نعم، حدَّثنا حَجَّاجُ بن نُصَيْرِ أنا
المُعارك بن عَبَّاد عن عبدِ الله بن سعيدِ المَقْبُرِيِّ عن أبيه عن أبي
هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الجمعةُ على مَنْ آواهُ الليلُ
إِلى أهله))، قال(١): فغَضِبَ أحمدُ وقالَ: ((استغْفِرْ ربَّكَ ،
استغْفِرْ رَبَّكَ )) مَرّتین .
قال أبو عيسى : وإِنَّما فعلَ أحمدُ هذا لأنه لم يُصَدِّقْ هذا عن
النبيِّ وَّهَ لضَعْفِ إِسنادِهِ، [و] لأنه لا يعرِفُهُ عن النبيِّ وَّل.
والحجاجُ بن نُصَيْرٍ يُضَعَّفُ في الحديث ، وعبدُ الله(٢) بن سعيد
(١) قوله ((حديث)) وقوله ((قال)) ليسا في ب.
(٢) بياض في ب موضع قوله ((الحديث وعبد الله)).

٧٢
شرح علل الترمذي
المَقْبُرِيُّ ضعَّفهُ يحيى بن سعيد القَطَّانُ جِدّاً في الحديثِ .
فكلُّ من رُويَ عنه حديثٌ ممن يُتَّهَمُ أو يُضَعَّفُ لغفْلَتِهِ
وكثرة(١) خَطَئِهِ ولا يُعرَفُ ذلك الحديثُ إِلا من حديثِهِ فلا يُحْتَجُّ
به ) .
هذه الحكايةُ عن أحمدَ بنِ الحسن(٢) عن أحمدَ بنِ حنبل قد
ذكرها الترمذيُّ أيضاً في كتابِ الجُمعةِ(٣)، وسبقَ ذكرُ هذا الحديثِ
هناك وبيانُ ضَعْفِهِ ، وفيه ثلاثةٌ من الضعفاء : حَجّاجُ بن نُصَيْر
الفَساطِيطي ، ومُعارِكُ بن عَبَّاد(٤) ، وعبدُ الله بن سعيد المقبري وهو
أبو عَبَّاد، وقد سبقَ ذكره وذكرُ حجاج أيضاً ومعاركٍ في الكتابِ في
غيرِ موضعٍ ، وكان الثوريُّ يروي عن أبي عَبّاد هذا ويقول: (( استبان
لي كَذِبُه في مجلسٍ )) . وكان يحيى وعبدُ الرحمن لا يحدِّثان عنه ،
وقال يحيى بن مَعِين: ((لا يُكْتَبُ حديثُه)). وقال البخاريُّ:
(( تَرَكُوه )) .
وأما ما ذكرهُ الترمذيُّ أن الحديثَ إِذا انفردَ به من هو مُتَّهمٌ
بالكَذِبِ ، أو [مَن] هو ضعيفٌ في الحديثِ لغفلتِهِ وكثرةٍ خطئه ولم
يُعْرَفْ ذلكَ الحديثُ إلا من حديثه فإنه لا يُحتَجُّ به : فمرادُه أنه
(١) ((ولكثرة)) ظ وب: ويرجح نسخة الأصل قول ابن رجب الآتي في هذه
الصفحة: (( لغفلته وكثرة خطئه)).
(٢) ((الحسين)) ظ وب. مع أنها في الموضع السابق ((الحسن)) في النسختين.
وسقط (( حنبل )) من ب .
(٣) في ( باب ما جاء من كم تُؤْتى الجمعة) ج٢ ص٣٧٦ -٣٧٧.
(٤) حجاج ومعارك ضعيفان ، وهما من رواة الترمذي .

٧٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
لا يُحتَجُّ به في الأحكام الشَّرعيَّة، والأمور العِلمِيَّة ، وإِن كان قد
يُرْوَى حديثُ بعضِ هؤلاءِ في الرَّقائقِ والترغيبِ والترهيبِ ، فقد
رَخَّصَ كثيرٌ من الأئمَّةِ في روايةِ الأحاديثِ الرِّقاقِ ونحوِها عن
الضُّعفاءِ(١) . منهم ابنُ مَهدي وأحمدُ بن حنبل .
وقال رَوّاد(٢) بن الجَرَّاح: سمعتُ سفيان الثوريَّ يقول: ((لا
تأخُذوا هذا العلمَ في الحلالِ والحرامِ إِلا من الرؤساءِ المشهورينَ
بالعلمِ الذين يَعْرِفُون الزيادةَ والنقصانَ ، [آ١٦] ولا بأسَ بما سوى
ذلك من المشايخ )).
[و](٣) قال ابنُ أبي حَاتِم : ثنا أبي نا عَبْدةُ قال : قيل لابنِ المباركِ
- وروى عن رجلٍ حديثاً - فقيل : هذا رجلٌ ضعيفٌ! فقال: يَحْتَمِلُ
أن يُرْوَى عنه هذا القَدْرُ أو مثلُ هذه الأشياءِ . قلتُ لعَبْدة : مثلُ أيِّ (٤)
شيءٍ كانَ؟ قال : في أدبٍ ، في موعظةٍ ، في زهدٍ .
وقال ابنُ مَعِين في موسى بن عُبَيْدة (٥) يُكتَبُ من حَدِيثِهِ
(١) في ظ ((عنهم)) وفي ب بياض، وسيوضّح الشارعُ مَن يُروى عنه ذلك من
الضُّعفاء .
(٢) في ب ((داود)) وهو تصحيف. وروّاد هذا هو ((أبو عصام ، صدوقٌ اختلطَ
بآخرة فتُرِكَ ، وفي حديثه عن الثوريِّ ضعفٌ شديدٌ، من التاسعة/ ق )).
(٣) زيادة من ظ. وانظر ((الجرح والتعديل)) ج١١ ص ٣٠-٣١، وفيه: (( حدثني
أبي ... )).
(٤) (( أي)) سقط من ب .
(٥) موسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي، عابدٌ مشهورٌ، ضعيفٌ، ولاسيَّما في عبد الله بن
دينار ، روى له ت ق ، مات سنة ١٥٣ .