النص المفهرس

صفحات 101-120

٣٤
شرح علل الترمذي
وقد ذكرنا فيما تقدَّمَ في (( كتابِ العِلمِ )) شرفَ عِلمِ العِلَلِ وعِزَّتَهُ ،
وأَنَّ أهلَه المتحققينَ به أفرادٌ يسيرةٌ من بينِ الحُفَاظِ وأهلِ الحديثِ .
وقد قالَ أبو عبدِ الله بن مَنْدَه الحافظُ : ((إِنما خَصَّ اللهُ بمعرفةٍ
هذه الأخبارِ نفراً يسيراً من كثيرٍ ممن يدَّعي علمَ الحديثِ ، فأما سائرُ
النَّاسِ - ممن يدعي كثرةَ كتابةِ الحديثِ ، أو متفقٍ في علمِ الشَّافعي
وأبي حنيفةَ ، أو متبع لكلام الحارثِ المُحَاسبيِّ والجُنَيدِ وذي النُّونِ
وأهلِ الخواطرِ -، فليس لهم أن يتكلّموا في شيءٍ من علمِ الحديثِ إِلا
مَنْ أخذَه عن أهلِهِ وأهلِ المعرفةِ به ، فحينئذٍ يتكلّم بمعرفتِهِ )) انتهى.

٣٥
فصل في مصادر الترمذي بأقوال العلماء في الفقه وعلل الحديث
٥ سَبَبُ بيانِ التِّر مذيِّ مذاهِبَ الفُقَهَاءِ
وعِلَلَ الأحادِيثِ ٥
قال أبو عيسى التّرمذيُّ رحمهُ الله :
( وإِنما حَمَلنا على ما بيًَّّا في هذا الكِتابِ من قَوْلِ الفقهاءِ
وعِلَلِ الحديثِ ، لأنا سُئِلْنا عن ذلكَ فلم نفعَلْه زماناً ، ثم فَعَلْناهُ
لما رَجونا فيه من منفعةِ النَّاسِ ، لأنَّا وجدْنا غيرَ واحدٍ من الأئمَّةِ
تكلَّفوا من التَّصنيفِ ما لم يُسبَقُوا إِليه .
فمنهم : هشامُ بن حَسّان ، وعبدُ الملك بنُ عبد العزيز بنِ
جُرَيْج ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةً ، ومالكُ بن أنسٍ ، وحمادُ بن
سَلَمَة ، وعبدُ الله بنُ المباركِ ، ويحيى بنُ زكريا بنِ أبي زائدةَ ،
ووكيعُ بنُ الجَرَّاحِ ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ ، وغيرُهم من أهلِ
العلم والفضلِ ، صنَّفوا فجعلَ اللهُ تباركَ وتعالى في ذلكَ منفعةً
كثيرةً . فنرجو لهم بذلكَ الثوابَ الجزيلَ من عندِ اللهِ تعالى لما
نَفَعَ اللهُ المسلمينَ به ، فهمُ القُدْوةُ فيما صَنَّقَوا ).

٣٦
شرح علل الترمذي.
· فَصْلٌ هَامٌّ في تَدْوینِ الحَدِيثِ ٥
اعلمْ أَنَّ العلمَ المُتلقَّى عن النبيِّ وََّ من أقوالِه وأفعالِه كانَ
الصَّحابةُ رضي الله عنهم في زمنٍ نبيِّهم ◌َّةِ يتداوَلُونَه بينَهم حِفْظاً له
وروايةً ، ومنهم من كانَ يكتُبُ كما تقدَّمَ في (( كتابِ العِلمِ )) عن
عبدِ الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنه(١) .
ثم بعدَ وفاةِ النبيِّ وَّ كانَ بعضُ الصَّحابةِ يرخِّصُ في كتابةِ العلمِ
[آ_٦] عنه، وبعضُهم لا يرخِّص في ذلكَ، ودَرَجَ التابعونَ أيضاً على
مثلِ هذا الاختلافِ (٢). وقد ذَكرْنا كراهةَ كتابةِ الحديثِ والرُّخصةَ فيه
(١) أخرج البخاريُّ (باب كتابة العلم ج١ ص ٣٠)، والترمذيُّ ج٥ ص ٤٠ . عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( ما من أصحابِ النبيِّ وَِّ أحدٌ أكثرَ حديثاً عنه
مني إِلا ما كانَ من عبدِ الله بن عمرو ، فإِنَّه كان يكتبُ ولا أكتبُ )) .
وأخرجَ أحمدُ ج٢ ص٢٠٥ ، وأبو داود ج٣ ص٣١٨ عن عبدِ الله بن عمرو
قال : (( كنتُ أكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُه من رسولِ اللهِ وَ لّ أُريدُ حِفظَه، فنهْني
قريشٌ وقالوا: أتكتبُ كلَّ شيءٍ ورسولُ الله ◌ِّهِ بشرٌ يتكلَّم في الغَضَبَ
والرِّضا؟! فأمسكتُ عن الكتابة، فذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِوَّرِ فأومأ بيدهِ إِلى
فِيْهِ فقال: ((اكْتُبْ ، فوالذي نفسي بيدهِ ما يخرجُ منهُ إِلا حَقٌّ )).
(٢) وقد استقصى الخطيبُ البغداديُّ الأحاديثَ المرفوعةَ، والآثارَ عن الصحابةِ
والتابعينَ في كراهةٍ كتابةٍ العلم وإِباحتها في كتابه (( تقييد العلم )) ص٢٩ - ٦١
و٦٤ -١١٤، وأخرج الحافظُ ابنُ عبد البر نُبَذاً منها في كتابه ((جامع بيان العلم
وفضله)) ج١ ص٦٣ -٧٧، وأبو خيثمة في ((كتاب العلم)) ص١١٥
و١٤١ -١٤٦. فارجع إليها.

٣٧
فصل هام في تدوين الحديث
مُستوفىّ في ((كتابِ العلمِ)) من هذا الكتابِ(١).
والذي كانَ يُكتَب في زمنِ الصحابة والتابعين لم يكنْ تصنيفاً مرتَّباً
مبوَّباً ، إِنما كان يُكتبُ للحفظِ والمراجعةِ فقط، ثُمَّ إِنَّه في عَصْرٍ
تابعي التابعين صُنِّفَتِ التَّصانيفُ ، وجمَع طائفةٌ من أهلِ العلمِ كلامَ
النبيِّ وَّةِ، وبعضُهم جمعَ كلامَ الصَّحابة. قال عبدُ الرَّزَّاقِ: ((أوَّلُ
مِن صَنَّفَ الكُتُبَ ابنُ جريج ، وصنَّفَ الأوزاعيُّ حین قَدِمَ علی یحیی
ابنِ أبي كثيرٍ كُتُبَه » خَرَّجهُ ابْنُ عَدِيٍّ وغیرُه .
وانقسمَ الذينَ صَنَّفوا الكُتُبَ أقساماً :
منهم من صَنَّفَ كلامَ النبيِّ وَّهِ، أو كلامَه وكلامَ أصحابِه على
الأبوابِ ، كما فعلَ مالكٌ وابنُ المباركِ وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ وابنُ أبي
ليلى ووكيعٌ وعبدُ الرزاقِ ، ومَنْ سَلَكَ سبيلَهم في ذلكَ .
ومنهم من جَمَعَ الحديثَ على مسانيدِ الصَّحابةِ كما فعلَهُ أحمدُ وإِسحاقُ
وعبدُ بن حُمَيد ، والدَّارميُّ(٢)، ومَنْ سَلَكَ مسلكَهم في ذلكَ.
قال ابنُ أبي خيثمة : (( ثنا الزُّبيرُ بن بَكَّار أخبرني محمدُ بن
الحسنِ عن مالكِ بن أنس قال: (( أوَّلُ من دَوَّن العِلمَ ابنُ شِهابٍ » ،
يعني الزُّهْريَّ، ومحمدُ بن الحسنِ كأنه ابن زَبَالة لا يُعْتَمد عليه(٣).
(١) تباينتِ الوجهات في هذه المسألةِ، واتَّسعت الدراساتُ حتى صُنَّفَتْ فيها
التآليفُ في القديم والحديثِ . وقد بحثنا المسألةَ بتحقيقٍ أتينا فيه على زُبَدِ
الموضوع ، وناقشنا ما أثارَهُ المستشرقونَ من شُبُهاتٍ حول السُّنَّة بسببٍ ذلكَ
في كتابنا (منهج النقد في علوم الحديث)) ص٣٢-٤٣، فارجع إِليه لزاماً.
(٢) انظر ما يأتي تعليقاً ص ٢٢٩.
(٣) بل قال أبو داودَ: ((كذاب)). وقال الحافظُ ابن حجر في ((التقريب)) : =

٣٨
شرح علل الترمذي.
وقالَ ابنُ خِراش : (( يقال: إِنَّ أَوَّلَ من صَنَّفَ الكُتُبَ سعيدُ بن
أبي عروبةَ )) .
وقال يعقوبُ بن شَيْبة: « يقولونَ: إِنَّ أوَّلَ من صَنَّفَ الكُتُبَ
بالكوفةِ يحيى بنُ زَكرِيّا بنِ أبي زائدةً، وبالبصرةِ حَمّادُ بن سَلَمَةَ » .
وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ: ((قلتُ لأبي : أَوَّلُ من صَنَّفَ الكُتُبَ مَنْ
هو؟)) قال: ((ابنُ جُرَيْج، وابنُ أبي عَروبةَ))، يعني ونحو هؤلاءِ.
وقال ابنُ جُريج: (( ما صَنَّفَ أحدٌ العِلمَ تصنيفي)). قال :
وسمعتُ أبي يقولَ: (( قَدِمَ ابنُ جُريج على أبي جعفر ، يعني
المنصورَ فقال له : (( إِني قدْ جمعتُ حديثَ جَدِّكَ عبدِ اللهِبن
عَبَّاسٍ، وما جَمعه أحدٌ جَمْعي))، أو نحو ذا، فلم يُعْطِه شيئاً.
وقال أبو محمَّد الرَّامَهُزْمُزيُّ (١): ((أوَّلُ من صَنَّفَ وبَوَّبَ فيما
أعلمُ الرَّبِيعُ بن صَبيح بالبَصرة ، ثم سعيدُ بنُ أبي عَروبة بها ،
وخالدُ بن جَميل الذي يقال له العبد ، ومَعْمَرٌ باليمن ، وابنُ جُرَيج
بمكَّةَ ، ثم سفيانُ الثوريُّ بالكوفةِ ، وحَمَّادُ بن سَلمَةَ بالبصرة ،
وصنَّفَ ابنُ عُيَيْنَة بمكَّة ، والوليدُ بن مُسْلمٍ بالشَّام ، وجَرِيرُ بنُ
عبد الحميد بالرّيِّ ، وابنُ المبارك بمَرْوَ وخراسانَ، وهُشَيْمٌ بواسِط،
وصنَّف في هذا العَصرِ بالكوفةِ ابنُ أبي زائدةً ، وابن فَضَيْلٍ ،
= ((كَذَّبوه، ماتَ قبل المائتين / د)).
(١) في ((المحدِّث الفاصل بين الرَّاوي والواعي)) ص٦١١ -٦١٣ بتحقيقِ الزميلِ
الأستاذِ الدكتور محمد عَجَاج الخطيب ، وقارِنْه بالنَصّ المثبت هاهنا .
وانظرْ في «المحدِّث الفاصل » كلامَ عليٍّ بن المديني في أوَّلٍ من صَنَّفَ أيضاً ،
ففيه تفصيلٌ وفائدةٌ قَيِّمةٌ في بيانِ من انتهى إليهم هذا العلمُ في عصورِ السَّلفِ .

٣٩
فصل هام في تدوين الحديث
ووكيعٌ، ثمَّ صَنَّفَ عبدُ الرزَّاقِ باليمنِ، وأبو قُرّة موسى بنُ طارقٍ)) (١) .
أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ ((المُسْنَدَ)) ٥
قال ابنُ عديٍّ : (( يقالُ : إِنَّ أَوَّلَ من صنَّفَ المسندَ بالكوفةِ یحیی
الحِمَّاني، وأوَّلَ من صنَّفَ المسندَ بالبصرةِ مُسَدَّدٌ ، وأوَّلَ من صنَّفَ
المسندَ بمصرَ أسدُ السُّنَّةِ، وأسدٌ قبلَهما وأقدمُ موتاً ».
وقال الحازِميُّ : (( إِسحاقُ ابنُ إِدريسَ الأسواريُّ، يقالُ إِنَّهُ أوَّلُ
مِن جَمَعَ المسندَ بالبصرةِ ، ويقالُ : أوَّلُ من صَنَّفَ المسندَ موسى بن
قُرّةَ الزبيديُّ )) .
(١) يَرِدُ على أقوالِهِم في أوّلٍ من صنَّفَ إِشكالانِ نعالجُهما فيما يأتي :
الإشكالُ الأوَّلُ: كيفَ يكونُ هؤلاءِ الأعلامُ أوّلَ من دَوَّنَ وقد علمنا أَنَّ
كتابةَ الحديثِ وُجدتْ فِي عهدِ الصحابةِ وفي عهدِ النبيِّ وََّ، وكيفَ نوفِّق بين
هذا وبين ما اشتهَرَ من أَنَّ أوَّلَ من دَوّنَ الحديثَ ابنُ شهابِ الزهريُّ بأمرِ الخليفةِ
العادلِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ على رأسِ المائةِ الأولىُ من الهجرةِ ؟ .
والجوابُ : أَنَّ كتابةَ الحديثِ والعلمِ في عهدِ الصحابةِ إِنما كانتْ كتابةً
خاصَّةً بشخصٍ مُعَيَّنٍ ، كمُذَكِّرةٍ له ، لاَ تُتَداوَلُ بين الناسِ ، ولا تسيرُ على
ترتيبٍ ما . وأما الكتابةُ التي أمرَ بها الخليفةُ العادلُ عمرُ بن عبد العزيز فهي
الكتابةُ للتدوينِ العامِّ الذي يُتداولُ بين الناسِ أيضاً ، لكنَّه لا يسيرُ على ترتيبٍ
معيّن غالباً ، حتى جاءَ هؤلاءِ الأعلامُ فدوَّنوا الحديثَ على ترتيبٍ معيَّن حَسَبَ
الموضوعاتِ في المصنَّفاتِ ، ثم حَسَبَ أسماءِ الصَّحابة في المسانيد .
الإِشكالُ الثاني : كيف يصِحُ أن يُقالَ في كلِّ هؤلاءٍ إِنَّ كلَّ واحدٍ منهم أوَّلُ
من دَوَّنَ الحديثَ ؟ .
والجوابُ أَنَّهم كانوا في عصرٍ واحدٍ هو سنة خمسين ومائة وما بعد ، فكتبوا
على الأبوابِ في عصرٍ واحدٍ فَنُسب إِلى كلِّ واحدٍ أَنَّهُ أولُ من دَوَّنَ بِحَسَبٍ
المِصْرِ الذي كانَ فيه . واللهُ أعلم .

٤٠
شرح علل الترمذي
وقالَ الحاكمُ: ((أوَّلُ من صَنَّفَ المسندَ على تَراجمِ الرِّجالِ في
الإِسلام عبيدُ اللهِ بن موسى العَبْسي ، وأبو داودَ الطَّيالسيُّ ، وبعدَهما
أحمدُ [أَ -٧] وإِسحاقُ، وأبو خيثمة والقواريريُّ)).
وذكَرَ الحاكمُ في (( تاريخ نَيْسَابورَ)) أَنَّ أبا جعفر، عبدَ الله بنَ
محمَّدِ المُسْنَديَّ شيخَ البخاريِّ إِنما قِيل له المُسْنَدِيُّ لأنه أوَّلُ مَنْ
جَمَعَ مسندَ الصَّحابةِ على التراجم ، بما وراءَ النَّهر(١) .
والذينَ صَنَّفوا :
منهم من أَفْرَدَ الصَّحيحَ كالبخاريِّ ومسلمٍ ومَنْ بعدَهما ، كابنٍ
خُزَيمَةَ وابنِ حِبَّانَ ، ولكنَّ كتابَهما لا يبلُغُ مبلَغَ كتابِ الشَّيخينِ .
ومنهم من لم يشترط الصِّحَّةَ، وجمَعَ الصَّحيحَ وما قارَبَهُ ،
وما فيه بعضُ لِينٍ وضَعْفٍ ، وأكثرُهم لم يُثبتوا ذلكَ ، ولم يتكلّموا
على التَّصحيح والتَّضعيفِ .
(١) ظَهَرَ التدوينُ على المسانيدِ في رأسِ المائتين للهجرةِ ، وهي مرتبةٌ على أسماءٍ
الصحابةِ ، مثل ((حديث أبي بكر الصديق )) مثلاً، تجدُ في المُسْنَد تحتَ هذا
العنوانِ كلَّ الأحاديثِ التي اشتملَ عليها الكتابُ عن أبي بكرٍ الصديقِ ،
وهكذا .
وكانت المصنَّفاتُ مرتبةً على الأبوابِ ، لكنَّها تشمَلُ الحديثَ المرفوعَ
وأقوالَ الصَّحابة والتابعينَ ، قال الحافظُ ابنُ حجر: ((إِلى أن رأى بعضُ الأئمَّةِ
منهم أن يُفْرَد حديثُ النبيِّ وَّ هِ خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، فصنَّف
عُبَيْدُ الله بن موسى العَبْسي الكوفي مسنداً ، وصنَّف مُسَدَّدُ بن مُسَرْهَد البصريُّ
مسنداً .. ثم اقتفى الأئمةُ بعدَ ذلكَ أثرَهم، فقلَّ إِمامٌ من الحفّاظِ إِلا وصنَّفَ
حديثَه على المسانيدِ .. )) (( هدي الساري )) ج١ ص٤ .

٤١
فصل هام في تدوين الحديث
وَأَوَّلُ من عَلِمِناهُ بَيَّنَ ذلكَ أبو عيسى التِّرمذيُّ رحمهُ اللهُ، وقد بيَّن
في كلامِهِ هذا أنه لم يُسْبَقْ إِلى ذلكَ، واعتذَرَ بأَنَّ هؤلاءِ الأئمَّةَ الذين
سَمَّاهم صنَّفوا ما لم يُسْبَقوا إِليهِ ، فإِذا زيدَ في التَّصنيفِ بيانُ العِللِ
ونحوِها كان فيه تأسِّ بهم في تصنيفِ ما لم يُسْبَق إِليهِ .
وقد صنَّفَ ابنُ المديني ويعقوبُ بن شيبة مسانيدَ معللةً .
وأما الأبوابُ المعلَّةُ فلا نعلمُ أحداً سَبَقَ التِّرمذيَّ إِليها، وزادَ
التِّرمذيُّ أيضاً ذكرَ كلام الفقهاءِ ، وهذا كان قد سبقَ إِليه مالكٌ في
((الموطّأ))، وسفيانُ في ((الجامع)).
وكانَ أحمدُ يكرهُ ذلكَ ويُتْكِّرُه رضي الله عنه ، حتى إنه أمرَ
بتجريدِ أحاديثِ ((الموطّأ)» وآثارِهِ عما فيه من الرَّأي الذي يذكرُهُ مالكٌ
من عِندِهِ ، وكَرِهَ أحمدُ أيضاً أن يُكتبَ مع الحديثِ كلامٌ يفسِّرُهُ
ويشرحُه .
وكانَ يُتْكِرُ على من صنَّفَ في الفِقْه كأبي عُبَيْدٍ ، وأبي ثورٍ
وغيرِهما ، ورخَّص في غريبِ الحديثِ الذي صنَّفَه أبو عبيدٍ أوَّلاً ،
ثم لما بسَطَهُ أبو عبيد وطوّله كَرِهَهُ أحمدُ ، وقال: ((هو يَشْغَلُ عما
هو أهُّ منه )) .
ولكنْ عِنْدَ بُعْدِ العهدِ بكلام السَّلفِ ، وطُولِ المُدّة ، وانتشارٍ
كلام المُتأخرين في معاني الحديثِ والفقهِ انتشاراً كثيراً بما يخالفُ
كلامَ السَّلفَ الأوَّلِ ، فتعيَّنَ ضبطُ كلام السَّلفِ من الأئمَّةِ وجمعُه
وكتابتُه والرجوعُ إِليه ، ليتميَّزَ بذلكَ ما هو مأثورٌ عنهم مما أُحْدِثَ
بعدهم مما هو مخالفٌ لهم ، وكانَ ابنُ مهدي يندَمُ على أن لا يكونَ
كَتَبَ عَقِبَ كلِّ حديثٍ من حديثه تفسيرَهُ .

٤٢
شرح علل الترمذي
وكذا الكلامُ في العِلَلِ والتَّواريخ قد دَوَّنه أئمةُ الحفّاظ ، وقد هُجِر
في هذا الزمانِ ودَرَس حفظُه وفهمُهَ ، فلولا التصانيفُ المتقدِّمةُ فيه
لما عُرِفَ هذا العلمُ اليومَ بالكُلِيَّةِ ، ففي التصنيفِ فيه ونقلِ كلامٍ
الأئمَّةِ المتقدمينَ مصلحةٌ عظيمةٌ جداً .
وقد كانَ السَّلْفُ الصَّالِحُ مع سَعَةِ حفظهم ، وكثرةِ الحفظِ في
زمانهم يأمرونَ بالكتابةِ للحفظِ ، فكيف بزماننا هذا الذي هُجِرَت فيه
علومُ سَلَفِ الأمَّةِ وأئمَّتها ، ولم يبقَ منها إلا ما كان مُدوَّناً في
الكُتُبِ ، لتشاغُلِ أهلِ الزَّمانِ بمدارسةِ الآراءِ المتأخِّرَةِ وحفظِها .
قال أبو قِلابَة : ((الكتابةُ أحبُّ إِليَّ من النِّسيان)).
وقال ابنُ المبارك : ((لولا الكِتَابُ لما حَفِظْنا)).
وقال الخَلّل : (( أخبرني الميمونيُّ أنه قال لأبي عبدِ الله يعني
أحمدَ بن حنبل : قد كَرِهِ (١) قومٌ كتابَ الحديثِ بالتأويلِ ؟ قال :
((إِذاً يُخْطِئونَ إِذا تركوا كتابَ الحديثِ))، وقال: (( حَدَّثُونا (٢): قومٌ
من حِفْظِهم وقومٌ من كُتُبِهِم ، فكانَ الذينَ حَدَّثونا من كُتُبهم أتقنَ)).
وقال إِسحاقُ بن منصورٍ : (( قلتُ لأحمدَ : مَنْ كَرِهَ كتابَ
العلمِ ؟ قال: كَرِهَهُ قومٌ ورخَّصَ فيه قومٌ . قلتُ : لو لم يُكتَبْ ذهبَ
العلمُ. قال أحمدُ: ولو [آ٨] لا كتابتهُ أيُّ شيءٍ كُنَّا نحنُ؟!))(٣).
(١) قوله ((كره)) مطموسٌ في النسخةِ الأصلِ أثبتناه من ((تقييد العلم)).
(٢) بإِثبات الواو في الأصل وفي ((تقييد العلم))، على لغة: ((أكلوني
البراغيث )) . أو على تقدير: الرواة حدثونا: قوم ... ولعله أولى.
(٣) أخرجَ هذه الآثارَ الخطيبُ البغداديُّ في ((تقييد العلم)) ص١١٤_١١٥.

٤٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
٥ فَصْلٌ في الجَرْحِ والتَّعديلِ والتَّفتيشِ عن الأَسَانيدِ ٥
° وأَنَّ الإِسنادَ منَ الدِّينِ ٥
قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ :
( وقد عابَ بعضُ من لا يَفْهَمُ على أصحابِ الحديثِ الكلامَ
في الرِّجال ، وقد وَجَدْنا غيرَ واحدٍ من الأئمَّةِ من التَّابعينَ قد
تكلّمُوا في الرِّجالِ :
منهم : الحسنُ البصريُّ ، وطاوس ، قد تكلَّما في مَعْبَدٍ
الجُهَنِيِّ، وتكلَّم سعيدُ بن جُبَيْر في طَلْق بن حَبيب ، وتكلَّم
إِبراهيمُ النَّخَعيُّ ، وعامرٌ الشعبيُّ في الحارثِ الأعورِ .
وهكذا رُوي عن أيوبَ السَّخْتِيانيِّ ، وعبدِ اللهِ بن عَوْن ،
وسليمانَ التيميِّ ، وشعبةَ بنِ الحجّاجِ ، وسفيانَ الثوريِّ ،
ومالكِ بن أنسٍ ، والأوزاعيِّ ، وعبدِ اللهِ بن المباركِ ،
ويحيى بن سعيدِ القَطَّانِ ، ووكيع بن الجَرَّاحِ ، وعبدِ الرحمنِ
ابنِ مَهدِيٍّ ، وغيرِهم من أهلِ العلمِ : أنهم تَكلَّموا في الرِّجالِ
وضَعَّفوا .
فما حمَلَهُم على ذلكَ عندَنا - واللهُ أعلمُ - إِلا النَّصِيحةُ

٤٤
شرح علل الترمذي .
للمسلمينَ ، لا نَظُنُّ أنَّهم أرادوا الطعنَ على الناسِ أو الغِيبَةَ ،
إِنما أرادُوا عندَنا أن يُبيِّتوا ضَعْفَ هؤلاءِ لكي يُعْرَفُوا ، لأنَّ بعضَهم
مِنَ الذينِ ضُعِّفوا كانَ صاحِبَ بِدْعةٍ ، وبعضهم كان مُتَّهماً في
الحديثِ ، وبعضَهم كانوا أصحابَ غَفْلةٍ وكثرةٍ خطأ ، فأرادَ
هؤلاءِ الأئمةُ أن يُبيِّوا أحوالَهم شَفَقَةً على الدِّينِ وتبييناً ، لأن
الشَّهادةَ في الدِّينِ أَحَقُّ أن يُتَثَبَّتَ فيها من الشَّهادَةِ في الحقوقِ
والأموالِ ) .
مقصودُ التِّرمذيِّ - رحمهُ اللهُ - أن يبيِّن أَنَّ الكلامَ في الجرحِ
والتَّعديلِ جائزٌ قد أجمعَ عليه سلفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها ، لما فيهِ من تمييزِ
ما يجبُ قَبُولُه من السُّنَنِ مما لا يجوزُ قَبُولُه(١) .
وقد ظَنَّ بعضُ من لا عِلْمَ عندَه أَنَّ ذلكَ من بابِ الغيبةِ ، وليسَ
كذلكَ ، فإِنَّ ذِكْرَ عيبِ الرَّجلِ إِذا كان فيه مصلحةٌ ولو كانتْ خاصَّةً ،
كالقَدْحِ في شَهادةِ شاهدِ الزُّورِ ، جائزٌ بغيرِ نِزَاعٍ ، فما كانَ فيه مصلحةٌ
عامَّةٌ للمسلمينَ أولى(٢).
(١) وقد نَصَّ على انعقادِ الإِجماع على مشروعيَّة الجرح والتعديلِ الإِمامُ الغزالي في
(( إِحياء علوم الدين)) ج٣ ص١٤٨َ - ١٥٠، والنوويُّ في ((رياضِ الصَّالحين))
( ما يباح من الغيبة) ص٥٨١ -٥٨٢ وغيرُهما في غيرِهما. انظر ((الرفع
والتكميل )» للكنْوَيّ ص ٤٤ وما بعد .
(٢) بل هو واجبٌ، قال النووي: ((وهو - يعني الجرحَ - جائزٌ بالإِجماعِ بل واجبٌ
للحاجَةِ)) .

٤٥
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وروى ابنُ أبي حَاتِم (١) بِإِسناده عن بَهْزِ بن أسد قال: ((لو أَنَّ
لرجلٍ على رجلٍ عَشَرَةَ دراهِمَ ثم جَحَدَهُ لم يستَطِعْ أخْذَها منهُ إِلا
بشاهدينِ عَدْلينٍ ، فَدِينُ اللهِ أَحَقُّ أن يُؤْخَذَ فيه بالعُدُولِ )).
وكذلكَ يجوزُ ذكرُ العَيْبِ إِذا كانَ فيه مصلحةٌ خاصَّةٌ ، كمَنْ
يستشيرُ في نِكاح أو مُعاملةٍ، وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ وَّ لفاطمةَ بنتِ
قيسٍ : ((أمَّا معاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جَهْمٍ فلا يضعُ
العصا عن عاتقه)) (٢). وكذلكَ استشارَ النبيُّ نَّهِ عليّاً وأسامةَ في
فراقٍ أهلِهِ لمّا قالَ أهلُ الإِفكِ ما قالوا(٣).
ولهذا كان شعبةُ يقولُ: (( تعالَوْا حتى نَغْتَابَ في اللهِ ساعةً)).
يعني نذكرُ الجرحَ والتَّعديلَ .
(١) في كتابه العظيم ((الجرح والتعديل)) ج١ قسم ١ ص١٦. ويتمِّمُ الاستدلالَ
بهذا الأثرِ قولُ الكَنْكُوهي في شرحِه (( الكوكب الدّيّ )» على الترمذيِّ ج٢
ص٣٤٧ : (( وظاهرٌ أن التزكيةَ للشهودِ من أحكامِ الشَّرعِ حقٌّ على القاضي
ولا يمكنُ أن يعابَ بها ، فكذلك ههنا )) .
قال نورُ الدينِ : بل أولى لأنَّ مصلحةَ الدينِ أقوى من مصلحةِ الدنيا .
(٢) قال لها وَّ نحوَ ذلكَ لما استشارتْهُ في خِطَبَتهما إِيَّاها ثم قالَ لها: ((انكِحي
أسامةَ بنَ زيدٍ )) قالتْ: فكرهْتُه. ثم قال: ((انكحي أسامة))، ((فنكَخْتُهُ
فجعلَ الله فيه خيراً واغتبطتُ به )) أخرجهُ مسلمٌ وفيه قصة ( باب المطلقة ثلاثاً
لا نفقة لها) ج٤ ص١٩٥. قوله صُعْلُوك: أي فقيرٌ. وقوله: (( لا يضعُ
العصا عن عاتقه»: فُسِّر بأَنَّه كثيرُ الضَّربِ للنساء، وفُشِّر بأَنَّهُ كثيرُ السَّفرِ .
(٣) كما ثَبَتَ في حديثِ الإِفكِ الطويل . أخرجه البخاري ج٥ ص١١٨ ، ومسلم
أواخر التوبة ج٨ ص ١١٢ -١١٨.

٤٦
شرح علل الترمذي
وذكرَ ابنُ المباركِ رجلاً فقال : ((يَكْذِبُ )) ، فقال له رجلٌ :
يا أبا عبد الرحمن ((تَغْتَاب!))، قال: ((أَسكُتْ، إِذا لم نُبيِّن كيف
يُعرفُ الحقُّ من الباطلِ)).
وكذا رُوي عن ابنِ عُلَيَّةِ أنه قال في الجَرْحِ: ((إِنَّ هذا أمانةٌ ليسَ
بغيبةٍ )) .
وقال أبو زُرْعَةَ الدمشقيُّ: (( سمعتُ أبا مُسْهِر يُسأل عن الرجلِ
يَغْلَطُ وَيَهِمُ ويُصَحِّفُ ؟ فقال: بَيِّن أمرَه . فقلتُ لأبي مُسْهر : أترى
ذلك غيبةً ؟ قال : لا)).
وروى أحمدُ بن مروانَ المالكيُّ ثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل
قال : جاءَ أبو ترابِ النَّخْشَيُّ إِلى أبي، فجعل أبي يقولُ: ((فلانٌ
ضعيفٌ وفلانٌ ثقةٌ))، فقال أبو تراب: [آ_٩] « يا شَيْخ لا تغتَب
العلماءَ)) قال: فالتفتَ أبي إِليه وقال: (( وَيْحَكَ! هذا نصيحَةٌ ، ليسَ
هذا غيبةً )).
وقال محمدُ بن بُندار السَّبَّاكُ الجُرْجَانيُّ : قلتُ لأحمدَ بن
حنبل : إِنه ليشتدُّ عليَّ أن أقولَ : فلانٌ ضعيفٌ فلانٌ كذَّابٌ ؟ قال
أحمدُ : ((إِذا سَكَتَّ أنتَ وسكتُ أنا فمتى يَعرفُ الجاهلُ الصَّحيحَ من
السَّقيمِ )) .
وقال إِسماعيلُ الخُطَبي : ثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ قلتُ لأبي: (( ما
تقولُ في أصحابِ الحديثِ يأتونَ الشيخَ لعلّه أن يكونَ مُرْجِئاً أو شِيْعِيّاً
أو فيهِ شيءٌ من خلافِ السُّنَّةِ ، أيسعُني أن أسكتَ عنه أم أحذّر عنه ؟
فقال أبي : ((إِنْ كان يدعو إِلى بدعةٍ وهو إِمامٌ فيها ويدعُو إِليها ،
قال : نَعَمْ تُحذَّرُ عَنْه )).

٤٧
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وقَدْ خَرَّجَ ذلكَ كلَّه أبو بكر الخطيبُ في كتابِ ((الكفايةِ)) (١) .
،
وغيرُه من أئمَّةِ الحفاظِ ، وكلامُ السَّلفِ في هذا يطولُ ذِكْره جداً .
وذكرَ الخلَّلُ عن الحسنِ بن عليِّ الإِسكافيِّ قال : سألتُ أبا
عبد الله يعني أحمدَ بنَ حنبل عن معنى الغيبة؟ قال: (( إِذا لم تُرِد
عَيْبَ الرجلِ))، قلت: ((فالرجلُ يقول: ((فلانٌ لم يَسْمَع وفلانٌ
يخطىءُ))؟ قال: ((لو تَرَكَ الناسُ هذا لم يُعْرَف الصحيحُ من
غيره )) .
وخرَّج البيهقيّ(٢) من طريقِ الحسنِ بن الرَّبيع قال : قالَ ابنُ
المباركِ : ((المعَلّى بن هلالٍ هو، إِلا أَنَّهُ إذا جاءَ الحديثُ يكذِبُ))
فقال لهُ بعضُ الصُّوفيَّةِ: (( يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟)) قال :
اسكُتْ إِذا لم نُبِيِّن كيفَ يُعرَفُ الحقُّ من الباطلِ ؟! أو نحو هذا .
وما ذَكَرَهُ الترمذيُّ رحمه الله من تكلُّم الحسنِ وطاوس في مَعْبَد
فقد روى مرحومُ بنُ عبد العزيز عن أبيه وعمِّه سمعا الحسنَ يقول :
((إِيّاكم ومَعْبَداً الجُهَنِيَّ فإِنَّه ضالٌّ مُضِلٌّ)). ورواه أيضاً حَمَّادُ بن زَيدٍ
عن أبي طلحةَ عن غَيْلان بن جَرير سمعتُ الحسنَ يقول: (( لا
تُجالسوا معبداً ، فإِنَّه ضالٌّ مُضِلٌّ))، وروى نُعَيمُ بن حَمَّادٍ عن ابنِ
المباركِ نا رباحُ بن زيدِ الصَّنعانيُّ عن جعفرِ بن محمد بن عَبّاد عن
طاوس أنه قال لمعبدِ الجُهنيِّ : (( أنتَ الذي تفتري على اللهِ عَزَّ
(١) ((الكفاية في علم الرواية)) طبع الهند ص ٤٣ و٤٥-٤٦ بتصرف يسير من الشارح
في سِياقٍ بعض الألفاظ. وانظر آثاراً أُخرى في (( الكفاية)) وفي ((مقدمة
صحيح مسلم )) ج١ ص١٦-٢١ .
(٢) هذا الأثرُ أخرجَهُ أيضاً الخطيبُ في ((الكفاية)) ص ٤٥ .

٤٨
شرح علل الترمذي
وجَلَّ؟ فقال مَعْبَد: ((كُذِبَ عليَّ))(١) .
وأما تكلّمُ سعيدٍ بن جبير في طَلْقٍ : فمن طريق حَمّادٍ بن زَيْدٍ عن
أيوبَ قال : رآني سعيدُ بنُ جبير مع طَلْقٍ بن حبيب فقال: ((ألم أرَكَ
مع طَلَق! لا تُجالِسْه))، وكان طَلْق رجلاً صَالحاً لكنَّه كان يُرُمى
بالإِزجاء (٢).
وأما تكلُّم الشَّعْبي والنَّخَعِي في الحارثِ الأعورِ : فقد ذكرهُ مسلمٌ
في ((مقدِّمةِ كتابهِ))(٣) من طريقِ زائدةً عن منصورٍ والمغيرةِ عن
إِبراهيمَ ((أن الحارثَ اتّهم)). ومن طريقِ مغيرةً عن الشَّعبيِّ قال :
((حَدَّثني الحارثُ الأعورُ وكان كذَّاباً )).
(١) مَعْبد الجهني تابعي كانَ رأسَ القَدَريّة ، وأوَّلَ من تكلّم في نفي القَدَر بالبصرة ،
لكنه صدوقٌ . وقوله ((كُذِبَ عليَّ)) ليس يصحّ سنده إِليه. انظر ترجمته في
أول كتاب الإِيمان من ((صحيح مسلم))، و(( شرح النووي)) ص١٥٣ ،
و(الميزان)) ج٤ ص١٤١، و((التهذيب)) ج١٠ ص٢٢٥- ٢٢٦ ، وغيرها .
(٢) طَلْقُ بن حبيب العَنَزِي البَصْري، من جِلةِ التابعين، عابد، ثقة، إلا أنه
مرجىءٌ. ماتَ بعد سنة تسعين، روى له بخ م عه. انظر (( المغني)) برقم
٩٦٨، وتعليقنا عليه، وراجع ((التهذيب)) و((التقريب))، والمقصودُ هنا
بالإِرجاءِ بدعةٌ يزعُمُ أصحابُها أن الإِيمانَ قولٌ بلا عمل ، ولا يضرُّ معه ذنب .
وهو رأيٌّ خبيثٌ مصادمٌ لنصوص القرآنِ والسنةِ والإِجماعِ .
انظر تعريف الإِرجاء في ((الملل والنِّحَل)) للشَّهْرَسْتاني ج١ ص١٨٦،
و((الفِصَل)) لابن حزم ج٤ ص٢٠٤ -٢٠٥، و((المذاهب الإِسلامية)) للشيخ
محمد أبي زهرة ٢٠٢ -٢٠٤ .
(٣) ص١٤ _١٥ . والحارثُ هو ابنُ عبدِ اللهِ الأعورُ من علماءِ التابعين وحديثُه
ضعيف ، وليس المرادُ من رميه بالكَذبِ الكذبَ في الحديثِ بل كَذِبَ الرأيٍ ،
لأنَّه كان من الرافضةِ ، ماتَ في خلافةِ ابنِ الزبير ، روى له/عه . انظر
((التهذيب))، و((التقريب))، و((الميزان))، و((الجرح والتعديل))، وغيرها .

٤٩
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
قال أبو عيسى التِّرمذيُّ رحمهُ الله :
( أنا محمدُ بن إسماعيلَ نا محمدُ بن يحيى بن سعيدٍ
القطّان ، حدَّثني أبي قال : سألتُ سفيانَ الثوريَّ، وشعبةً ،
ومالك بنَ أنسٍ ، وسفيانَ بن عُيَيْنَةً ، عن الرَّجُلِ يكونُ فيه تُهمةٌ أو
ضَعْفٌ أسكُتُ أو أُبيِّن ؟ قالوا : بَيِّنْ ) .
هذا الأثرُ خَرَّجهُ البخاريُّ في أوَّلِ كتابهِ ((الضعفاءِ))، كما خرَّجه
التِّرمذيُّ ههنا عنه، وخَرَّجه مسلمٌ في ((مقدِّمة كتابه )) عن عمرو بن
عليٍّ الفلَّس عن يحيى بن سعيد قال: «سألتُ الثوريَّ وشعبةَ ومالكاً
وابنَ عُيينةَ عنِ الرَّجُلِ لا يكونُ ثَبتاً في الحديثِ فيأتيني الرَّجلُ فيسألُني
عنه؟ قالوا ((أَخبرْ عنه أَنَّهُ ليسَ بِثَبْتٍ)).
ورواهُ أبو بكر النَّجَّاد نا جعفر بن محمد الصَّائغ نا عَفان نا يحيى
ابنُ سعيد قال : سألتُ شعبةً وسفيانَ ومالكَ بن أنس وسفيانَ بن عيينة
عن الرَّجل يتَّهم في الحديثِ أو لا يحفظُ ؟ قالوا: [آ_١٠] « بيِّن أمرَهُ
للنَّاسِ)). ورواه الإِمامُ أحمدُ عن عَمَّان أيضاً بنحوه(١).
وقال يعقوبُ بن شيبة ثنا موسى بن منصور حدَّثني أبو سلمةً
الخُزَاعِيُّ قال : سمعتُ حَمّادَ بن سلمةَ ومالكَ بن أنسٍ وشريكَ بنَ
عبد الله يقولون في الرَّجل يُحدِثُ: ((تخبرُ بأمرهِ)).
يعنون ضعفَهُ من قوَّته ، وصدقَه من كذبه . قال : وقال شريك :
(( كيف نعرفُ الضَّعيفَ من القويِّ إِذا لم نُخْبَرْ به)).
(١) انظر ((مقدمة صحيح مسلم)) ص١٣، و((الكفاية)) ص٤٣.

٥٠
شرح علل الترمذي
قال التِّرمذيُّ رحمهُ الله :
( حدثنا محمدُ بنُ رافع النيسابوريُّ ثنا محمدُ بن يحيى قال :
قيل لأبي بكرِ بنِ عَيَّش: ((إِنَّ ناساً يجلسون ويجْلِسُ إِليهم الناسُ
ولا يَستأهِلون؟)) قال: فقال أبو بكر: ((كلُّ مَنْ جَلَسَ جلسَ
الناسُ إِليه ، وصاحبُ السنة إِذا ماتَ أحْبَى اللهُ ذِكْرَهُ ، والمبتَدِعُ
لا يُذكَرُ ) .
قال ابنُ أبي الدنيا : نا أبو صالح المَزوزيُّ سمعتُ رافعَ بنَ أشرس
قال : كان يقال: ((مِن عقوبةِ الكذَّابِ أن لا يقبلَ صِدْقُه)). وأنا
أقولُ: ((مِن عُقوبةِ الفاسِقِ المبتدع أن لا تُذكَر محاسِنُه))(١) (٢).
(١) أخرجهُ الخطيبُ من طريقٍ ابن أبي الدنيا أيضاً في ((الكفاية)) ص ١١٧ .
والمقصودُ مما أورَدَهُ التِّرمذيُّ ثم الشارح : الاستدلالُ على جواز الجرح .
والشاهد فيه كما قال الكّنكُوهي في (( الكوكب الدري)) ج٢ ص٣٤٧: (( أنه
صاحبُ بدعةٍ لا ينبغي أن يَأْخُذَ العلماءُ منهُ ، ولا أن يتركُوا العامَّة يسألونَ عنه
ويجلِسون إِليه ، فلما كانَ كذلك لا يتحدَّث عنه أحدٌ فيموتُ ذِكْرِه ولا يَشْتَهِرُ
أمرُه ، فعُلِمَ أن العلماءَ يجوزُ لهم بل يجبُ أن يُظهِرُوا للناسِ عَيْبَه ، ويمنعوهُم
عن الأخذِ عنه )) اهـ .
(٢) وانظر بحثاً مهما في شروط مشروعية الجرح وخطأ من جاوزها من العصريين
في كتابنا (أصول الجرح والتعديل) ص ٣٠ - ٣٧ .

٥١
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
0 بدء التَّفْتِيْشِ عن الأسانيدِ ٥
قال رحمهُ اللهُ :
( حدَّثنا محمدُ بن عَلىٍّ بن الحسنِ بن شقيقٍ أنا النَّضْرُ بنُ
عبدِ الله الأصمُّ أنا إسماعيلُ بنُ زكريّا عن عاصم عن ابن سيرينَ
قال: ((كانَ في الزَّمانِ الأوَّلِ لا يسألونَ عن الإِسنَادِ ، فلما وقعت
الفتنةُ سألوا عن الإِسنادِ ، لكي يأخُذُوا حديثَ أهلِ السنةِ ،
ويَدعوا حديثَ أهلِ البِدَعِ ) .
هذا الأثرُ خرَّجهُ مسلمٌ في ((مقدمة كتابهِ )) عن محمدٍ بن الصَّبَّاح
البَزَّاز عن إسماعيل بن زكريا به ولفظه: (( قال : لم يكونوا يسألونَ
عن الإِسنادِ ، فلما وقعت الفتنةُ قالوا : سمّوا لنا رجالَكم ، فيُنظَرُ إِلى
أهلِ السنةِ فيؤخذُ حديثُهم ، ويُظَرُ إِلى أهلِ البِدَع فلا يؤخذُ حديثُهم)).
وخَرَّجه أبو بكر الخطيبُ من طريقِ أحمدَ بن سيَّار ثنا النَّضر بن
عبدِ الله المديني من مدينةِ الدَّاخِلة أبو عبدِ الله الأصمُّ ثنا إسماعيلُ بن
زكريا فذكرَهُ. وخَرَّجه أيضاً من طريقٍ محمد بن حُميدِ الرَّازي عن
جَرير عن عاصمٍ عن ابنِ سيرينَ بنحوه(١).
(١) ((مقدمة مسلم)) ص١١، و((الكفاية)) ص١٢٢. وفيه ((النصر)) بصاد مهملة
وهو تصحيف .

٥٢
شرح علل الترمذي
وابنُ سِيرينَ رضي الله عنهُ هو أوَّلُ من انتقدَ الرجالَ(١)، وميَّزَ
الثقاتِ من غيرِهم ، وقد رُوِيَ عنه من غيرِ وجهٍ أنه قالَ: ((إِنَّ هذا
العلمَ دينٌ فانظروا عمَّنْ تأخذونَ دينكم)» وفي روايةٍ عنه أنه قال :
(((إِنَّ هذا الحديثَ دينٌ فلينظر الرجلُ عمّن يأخذُ دينَه)).
قال يعقوب بن شيبةَ : (( قلتُ ليحيى بن مَعِين : تعرِفُ أحداً من
التَّابعينَ كان ينتقي الرجالَ كما كان ابنُ سيرينَ ينتقيهم ؟ فقالَ برأسِهِ ،
أي : لا )).
قال يعقوبُ: ((وسمعتُ عليَّ بنَ المديني يقول: ((كان مِمَّنْ
ينظرُ في الحديثِ ويفتِّشُ عن الإِسنادِ ، لا نعلمُ أحداً أوَّلَ منه ، محمدٌ
بنُ سيرين . ثم كان أيوبُ ، وابنُ عَوْن ، ثم كان شعبةُ ، ثم كان
يحيى بنُ سعيد وعبدُ الرحمن)). قلت لعليٍّ: فمالكُ بن أنس؟ فقال:
أخبرني سفيانُ بن عُيَينة قال: (( ما كان أشدَّ انتقاءَ مالكِ الرجالَ)).
وروى الإِمامُ أحمدُ عن جابرِ بن نوح عن الأعمشِ عن إِبراهيمَ
قال: ((إِنما سُئِلَ عن الإِسنادِ أيَّامَ المُخْتَارِ)).
وسببُ هذا أنه كَثُرَ الكذبُ على عليٍّ في تلكَ الأيام ، كما روى
شَرِيكٌ عن أبي إِسحاقَ سمعت خزيمَةَ بن نصر العَبْسِيَّ أيامَ المختارِ
وهم يقولونَ ما يقولونَ من الكَذِبِ ، وكان من أصحابِ عليٍّ قال :
(( ما لهم، قاتلهم الله، أيَّ عصابةٍ شانوا، وأيَّ حديثٍ أفسدوا!)).
وروى يونسُ عن أبي إِسحاقَ عن صِلَةَ بن زُفَرَ العبسيِّ قال :
(١) أي أنه أوّلُ من تفرّغ وتخصَّص بهذا، بدليل ما سيأتي من تطبيقِ الصَّحابةِ
والتابعين لهذه القاعدة: ((انظروا عمَّن تأخذونَ دينكم)) ولما يلي من قول ابن
مَعِين .

٥٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
((قاتلَ اللهُ المختارَ ، أيَّ شِيعةٍ أفسدَ، وأيَّ حديثٍ شَانَ)). خرّجه
الجُوزَجاني، وقال: (( كانَ المختارُ يعطي الرجلَ الألفَ دينار
والألفين على أن يروي له في تقويةٍ أمرٍه حَديثاً)) (١).
٥ مسألةٌ في روايةِ المبتَدِعِ ٥
وهذهِ المسألةُ قد اختلف العلماءُ فيها قديماً وحديثاً ، وهي
الرِّوايةُ عن أهلِ الأهواءِ والبدع .
فمنعتْ طائفةٌ من الروايةِ عنهم كما ذكرهُ ابنُ سيرينَ ، وحُكي
نحوُهُ عن مالكِ وابن عيينةَ والحميديِّ ويونسَ بن أبي إسحاقَ
وعليٍّ بن حرب وغيرِهم، وروى أبو إِسحاقَ الفَزَارِيّ عن زائدةً عن
هشام عن الحسنِ قال: ((لا تسمَعُوا من أهلِ الأهواءِ )) خَرَّجه ابنُ أبي
(٢)
حاتم (٢).
ورخَّصَتْ طائفةٌ في الرِّواية عنهم إِذا لم يُتَّهموا بالكذبِ ، منهم
أبو حنيفةَ والشافعيُّ ويحيى بن سعيد وعليُّ بن المدينيِّ ، وقال ابن
المديني: [١١] ((لو تركتُ أهلَ البصرةِ للقَدَرِ ، وتركتُ أهلَ
الكوفةِ للتَّشَيُّع لخرِبتِ الكُتُبُ))(٣).
وفَرَّقتْ طائفةٌ أخرى بينَ الدَّاعيةِ وغيرِهِ ، فمنعوا الروايةَ عن
(١) المختارُ بن أبي عبيد الثَّقفي، كذابُ ثقيف، تظاهرَ بميلِهِ لأهلِ البيتِ ، وسَلَكَ
طريقَ وضعِ الحديثِ لترويجِ دعوتِهِ، ثم ادَّعى النبوةَ، قُتِلَ سنة ٦٧ هـ . وقال
الذهبيُّ فيَ (الميزان)): ((لا ينبغي أن يُروى عنه شيءٌ، لأنه ضالٌ مضِلٌّ،
كان يزعُمُ أن جبرائيل يَنْزِلُ عليه ».
(٢) في ((الجرح والتعديل)) ج٣٢/١/١.
(٣) يعني لذهبَ الحديثُ. ((الكفاية)) ص١٢٩ .