النص المفهرس
صفحات 81-100
١٤ شرح علل الترمذي ومنها : أحاديثُ ((النَّهي عن كِرى الأرضِ))، وهي أحاديثُ صحيحةٌ ثابتة (١) . ومنها: أحاديثُ ((المسح على الثَّعلينِ))(٢) ذكرهُ الطَّحاويُّ وغيرُه . (١) في ((الصَّحيحين)) وغيرهما. وقد قال بظاهرها طاوسٌ والحسنُ وابنُ حزم ، فقالوا : لا يجوزُ كِراءُ الأرضِ بكلِّ حالٍ سواء أكراها بطعام أو ذهبٍ أو فضَّةٍ ، أو بجزء من زرعها ، لإِطلاقِ حديثِ النَّهى عن كِراءِ الأرضِ . وذهبَ الجمهورُ إِلى جوازٍ ذلك، عملاً بالأحاديث الصَّحيحةِ المستفيضةِ في ذلك بشروطِه المقرَّرة ، وهو مذهبُ البخاريِّ ، وقد عُنِيَ بإثباته في تراجمه في ( المزارعة ). وأُجيبَ عن النهي بجوابين : الأول : حَمْلُ ( أي تفسير ) النهي عن كراءِ الأرضِ بأَنَّ المرادَ به الكراءُ المفضي إلى الغَرَرِ والجهالة ، كما كانوا يفعلونَ في الجاهلية ، وقد وقعَ ذلك صريحاً في أحاديثَ صحيحةٍ . الثاني : حَملُ النهي على التنزيه ، إِرشاداً إِلى إِعارتها ، لكي يواسيّ المسلمونَ بعضُهم بعضاً، انظر التوسّع في ذلك في (( شرح مسلم )) للنووي ج١٠ ص١٩٦ وما بعد، و( فتح الباري )) ج٥ ص٧ و ١٥ و١٨. (٢) ابنُ عَدِيٍ ومن طريقه البيهقي ج١ ص٢٨٦ عن ابن عباس ، وضعَّفه الحافظُ ابنُ حجر بأَنَّهُ شاذٌ لمخالفته روايةَ الأثباتِ ، وقد وقع في البخاريِّ في هذا الحديثِ : (( ثم رَشَّ على رجليه وهما في النَّعْل حتّى غسلهما)). وعن علي موقوفاً عند النسائي ج١ ص ٨٥، وأحمد ج١ ص١٢٠ وانظره مختصراً في ص١٥٨، وفيه قوله: ((هكذا وضوءُ رسولِ اللهِ وَّرَ للطاهِرِ ما لم يُحدث)) وصحَّحه أحمد شاكر ، وليس عند النسائي ذكر النعلين . وعن أوس بن أوس أخرجه أحمد ج٤ ص٩ ، وأبو داود ج١ ص٤١، والطَّحاوي ج١ ص٩٧ ٩٨، والبيهقي ج١ ص٢٨٦، ولفظ أبي داود (( ومسح على نعليه وقدمیه )) . ويُروى عن إِبراهيمَ النَّخَعي الأخذُ بالمسحِ على النَّعلينِ ، فقد أَخرِجَ عنه ابنُ أبي شيبة ج١ ورقة ٣٠/ ٢ أنه قال: ((النعلانِ بمنزلةِ الخفين)). = ١٥ فصل في سرد أحاديث اتفق العلماء على عدم العمل بها ومنها: حديثُ أَنَّ ((في خمسٍ وعشرينَ من الإِبلِ خمسُ شياٍ))(١). ومنها: حديثُ توريثِ المولى من أسفلَ(٢). وقد ذكرنا الكلامَ عليه. ويُجابُ عنه من حيثُ السَّندُ والمتنُ . أما السَّندُ : فإِنَّ هذه الأحاديثَ لا تقاوِمُ = الأدلةَ القاطعةَ على وجوبِ غَسْلِ القَدمينِ في الوضوءِ . وأما المتنُ : فأجيبَ عنه بأجوبة ، منها : أن هذا المسحَ كان في وضوء النَفْلِ للطَّاهِرِ ، كما وردَ في أكثرَ من رواية . ومنها أن المقصودَ أنه مسحَ على الجوربين والنَّعلِينِ مع استيفاءِ الجَوربين شروطَ المسح لكونِهما على نحو صِفةِ الخُفين كما ذكرَ الطَّحاوي . وهذا جوابٌ قويٌَّ، دليلهُ الأحاديثُ المصرِّحةُ بالمسح على الجوربينِ ، والنَّعلينِ ، وقد بحثنا مسألةَ المسح على الجوربين في كتابَنا (( إعلام الأنام)) ١٨٥/١-١٨٨، وانظر تخريجَ وَبحثَ سندِها في (( نصب الراية)) ج١ ص١٨٨ -١٨٩، و((الدراية)) ج١ ص ٨٢-٨٣. (١) رُويَ هذا عن عليٍّ رضي الله عنه، قال الحافظُ في ((الفتح)) ج٣ ص٢٠٥ : (( أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ وغيرهُ عنه موقوفاً ومرفوعاً، وإِسنادُ المرفوع ضعيفٌ)). انتهى . وجماهيرُ العلماءِ على خلافِ هذا، لما صَحّ من الأحاديثِ الكثيرةِ أَنَّ ((في خمسٍ وعشرين من الإِبلِ إِلى خمسٍ وثلاثين بنت مخاض أنثى)) . وهي التي استكملت السنةَ الأولى ودخلَتْ في الثانيةِ ، فيكونُ حديثُ الخمسِ شياه شاذاً . (٢) أخرجه أبو داود ( ميراث ذوي الأرحام) ج٣ ص١٢٤، والترمذيُّ ( ميراث المولى الأسفل) ج٤ ص ٤٢٣ ، وابن ماجَهْ ص٩١٥ عن عوسجةَ عن ابن عبّاس أن رجلاً ماتَ على عهدٍ رِسِولِ اللهِ وَّهَ ولم يدَعْ وارثاً إِلا عبداً هو أعتَقَه ، فأعطاهُ النبيُّ بِّهِ ميراثه)) واللَّفظ للترمذي. قال أبو عيسى : (( هذا حديثٌ حسنٌ والعملُ عندَ أهلِ العلم في هذا البابِ : إِذا ماتَ الرَّجلُ ولم يترُكْ عصبةً أن ميراثَه يُجْعلُ في بيتِ مالِ المسلمين )) انتهى . وقال ابنُ قُتيبةَ في (( تأويل مختلِفِ الحديثِ )) ص٢٦٢ . (( والفقهاءُ على خلافِ ذلكَ، إِما لاتّهامهم عوسجةَ بهذا، وأنه ممن لا يثبتُ به فَرْض أو سُنّة، وإِما لتحريفٍ في التأويلِ، كأَنَّ تأويله: ((لم يَدَغْ وارثاً إِلا مولى هو أعتقَ الميت)) ، فيجوزُ على هذا التأويلِ أن يكونَ وارثاً ، لأنه مولى المتوَفَّى. وإِمّا النسخ)). انتهى. = ١٦ شرح علل الترمذي ومنها : حديثُ الرَّضاع: ((أَنَّهُ لا يُحرِّمُ إِلا عشرُ رَضَعات))(١). ومنها : حديثُ جَمْع الطَّلاقِ الثَّلاثِ(٢). (١) أخرجه مسلمٌ عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: (( كانَ فيما أُنزل من القرآنِ : عَشْرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يحرِّمْنَ، ثم نُسخْنَ بخَمسِ معلومات، فَتُوفِّي رسولُ اللهَ بَّرُ وهُنّ فيما يُقرأ من القرآنِ)). أي أَنَّ نزولَ الْتَّحريم بالخمس تأخّرُ حتى إنه ◌َّ تُوفي وبعضُ الناسِ يجعلُها قرآناً لكونه لم يبلغه أَنَّها منسوخةُ التِّلاوة ، وقد انعقدَ إِجماعُ الأُمَّةِ عَلى أن هذا ليس قُرآناً يُلى . ولا خلافَ في تركِ العملِ بالعشرِ رضعات ، وعملُ الشَّافعية والحنبلية بالخمس . وقال الحنفيةُ والمالكيةُ : قَليلُ الرَّضاع وكثيرُه يحرِّمُ النَّكاح ، ولم يعملوا بحديثِ الخمس رَضَعات لما فيه من الإِشكَالِ ، وللأدلةِ الصَّحيحة التي جاءت مطلقةً في التَّحريم بالرَّضاع كقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. (٢) أخرجهُ مسلم ج٤ ص١٨٤. عن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قال: ((كانَ الطَّلاقُ على عهدِ رسولِ اللهِّهِ وأبي بكرٍ وسنتينٍ من خلافةِ عمر طلاقُ الثلاثِ واحدةً ، فقال عمرُ بن الخطاب : إِنَّ النَّاسَ قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أَنَاةٌ فلو أمضيناهُ عليهم . فأمضاهُ عليهم)) . وهذا دليلُ إِجماع الصَّحابةِ على وقوعِهِ ثلاثاً . وقد أخذَ بظاهِرِهِ من المتقدمينَ طاوس وذهبَ إِليهِ ابنُ حزم الظَّاهري ، وهو روايةٌ عن الحجّاجِ بنِ أرطاة ومحمدٍ بن إسحاق . لكنْ تظاهرتْ الروايات عن الصَّحابة باجتماعهم على إِيقاعِهِ ثلاثاً . وأجيبَ عن الحديثِ بأجوبةٍ ، منها : أن ما عمد إِليه النَّاسُ من جمع الطَّلاقِ ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ كانوا يفرِّقونه من قبلُ ، فلما استعجلوا في عهدِ عمَرَ عاملهم بمقتضى صنيعِهم . وقد وسَّعنا الإِجابةَ عن الحديثِ وأوضحنا الأدلةَ على وقوعِهِ ثلاثاً من الكتابِ والسُّنَّةِ والإِجماعِ في كتابٍ خاصٍّ أفردناه بالبحث هو (( أبغض الحلال)) . ١٧ فصل في سرد أحاديث اتفق العلماء على عدم العمل بها ومنها : حديثُ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ في إِحدادِ المتوفَّى عنها ثلاثةَ (١) أيامٍ (١) . ومنها : حديثُ سَلَمة بن المُحبِّق فيمن وَقَعَ على جاريةٍ امرأتِهِ(٢). (١) أخرجه أحمدُ عن أسماء بنتِ عُمَيْس قالت: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِوَلَه اليومَ الثالثَ من قتلٍ جعفر فقال: ((لا تُحِدِّي بعدَ يومك هذا)). وفي لفظ آخر قال : ((أمي، الْبَسِي ثوبَ الحدادِ ثلاثاً ثم اصنعي ما شئتٍ)). المسند ج٦ ص٣٦٩ و٤٣٨ . وكانت أسماءُ زوجَ سيدنا جعفر بن أبي طالب الذي قُتِل في غَزوةٍ مؤتةَ رضي الله عنه . وأجابَ الحافظُ العراقيُ بأَنَّ هذا الحديثَ شاذٌّ مخالفٌ للأحاديثِ الصَّحيحةِ ، وقد أجمعوا على خِلافه . وأجابَ الطَّحاويُّ بأَنَّهُ منسوٌ .. وقيل : ((المرادُ بالإِحداد المقيّد بالثَّلاثِ قَدْرٌ زائدٌ على الإِحدادِ المعروفِ فعلَتْهُ أسماءُ مبالغةً في حُزنها على جعفر ، فنهاها عن ذلكَ بعد الثَّلاثِ )). ((نيل الأوطار)) ج٦ ص٢٩٣ -٢٩٤، وانظر البحثَ كلَّه في (( شرحٍ معاني الآثار للطّحاوي )» ج٣ ص٧٨ . (٢) أخرجه أبو داود ج٤ ص١٥٨ والنسائي ج٦ ص١٢٤ و١٢٥ وابن ماجه ص ٨٥٣ وأحمد ج٣ ص٤٧٦ وج٥ ص٦ وابن المديني في العلل ص ٦٣ -٦٤ عن سلمة بن المحبِّق أنَّ رسولَ الله ێ قضی في رجلٍ وقع على جارية امرأته إِن كان استكرَهَها فهي حُرّة ، وعليه لسيدتها مثلَها ، فإن كانت طاوَعتْه فهي له وعليه لسيِّدتها مثلها)» . والحديثُ ضعيفٌ متكلمٌ فيه: وهو مرويٌّ من طرقٍ عن الحسنِ عن سَلَمة ولم يسمع منه ، فهو منقطعٌ ، وعن الحسنِ عن قَبِيصَةَ بن حُرَيثُ عن سلمةَ بن المحبِّق وعليه يُجمل الطريقُ الأولُ كما يشيرُ ابنُ المديني ص٦٤ . قال النسائيُ: ((لا تصحُ هذه الأحاديثُ)). وقال البيهقيُّ: ((قَبِيصَةُ بن حُرِيث غيرُ معروفٍ)). وقال الحافظُ ابنُ حجر: ((صدوقٌ)). وقال ابنُ المنذر: ((لا يثبتُ خبرُ سلمةَ بن المحبّق)) ((نيل الأوطار)) ج٧ ص١٧٠. وقال الخطَّابي في ((معالم السنن)): ج٤ ص٣٣١ -٣٣٢: ((هذا= ١٨ شرح علل الترمذي ومنها : حديثُ الذي تزوَّج امرأة فوجدها حُبْلى ، فجعل النبيُّ وََّ لها المَهر، وقال: ((الولدُ عَبْدٌ)). لكن قال الخطّابيُّ: ((لا أعلمُ أحداً قال باسترقاق ولدِ الزِّنا))(١). ومنها أحاديثُ متعددةٌ في الحجِّ : مثلُ حديثِ : النَّهي عن التَّمَثُعِ (٢). حديثٌ مُنكَر ، وقَبِيصَة بن حُريثٍ غيرُ معروفٍ ، والحُجَّةُ لا تقومُ بمثلِهِ ، وكان الحسنُ = لا يبالي أن يرويَ الحديثَ ممن سَمِعَ ». وقال السِّندِيُّ في حاشيته على النسائي ج٦ ص ١٢٥ : ((وبين رواياتِهِ تعارضٌ لا يخفى)) وهذا طعن آخر في الحديث بالاضطرابِ . وفي ((الاعتبار)) عن البخاريِّ: «أنا أتَّقي هذا الحديثَ)). وأما المتن : فأحسنَ الخطابيُّ الجوابَ عنه بما حاصِلُه : أن أحداً من الفقهاءِ لم يقلْ به . وأنه يخالفُ الأصولَ الشرعيةَ في عدَّةِ أمورٍ ، لذلكَ قال : ((وخليقٌ أن يكونَ الحديثُ منسوخاً إِن كان له أصلٌ في الرواية)». انظر (( معالم السنن)) للتوسّع، وانظر (( الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) للحازمي ففيه ما يدُلُّ على نسخهِ من الأثر ص٢١٦-٢١٨ بتحقيق أستاذِنا الشيخ محمد راغب الطََّّاخ رحمهُ اللهُ تعالى . (١) أبو داود في ( النكاح) ج٢ ص٢٤١ -٢٤٢، وأشار إلى ترجيح إِرساله. وأعلَّهُ ابنُ القيِّم بالاضطرابِ والإِرسال أيضاً ، انظر ((تعليقه على السنن)) ج٣ ص٦٠-٦٣ ففيه تحقيقٌ جيّد. وقال الخطابيُّ في ((المعالم)) ج٣ ص٢١٨ : (( هذا الحديثُ لا أعلمُ أحداً من الفقهاء قالَ به ، وهو مرسَلٌ ، ولا أعلمُ أحداً من العلماءِ اختلفَ في أن ولدَ الزنا حُرِّ إِذا كان من حُرَّة ، فكيف يستعبده! ويشبه أن يكونَ معناه - إِن ثبتَ الخبرُ - أنه أوصاهُ به خيراً ، أو أمرَه باصطناعِه وتربيته واقتنائِه لينتفعَ بخدمته إِذا بلغَ ، فيكون كالعبدِ له في الطّاعةِ مكافأةً له على إِحسانِهِ وجزاءً لمعروفِهِ )). (٢) يعني التَّمتّعَ بالعمرةِ إِلى الحِجِّ، وهو أن يُخْرِمَ بالعمرة في أشهرِ الحِّ ، ثم بعد أن يتحلَّلَ منها يمكثَ بمكةَ حلالاً، ثم يحرِمَ بالحجِّ، وهو مشروعٌ بصریحٍ نصِّ القرآنِ: ﴿ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدَيَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] . = ١٩ فصل في سرد أحاديث اتفق العلماء على عدم العمل بها وحديثٍ : أَنَّ المعتمرَ إِذا مسحَ الرُّكنَ حَلَّ(١) . والنهيُّ عن التَّمتُّعِ جاءَ مرفوعاً من حديثِ معاوية بن أبي سفيان أخرجه أحمد = ج٤ ص ٩٥ ٩٩٬، وأبو داود ج٢ ص ١٠٧، والنسائي ج٨ ص ١٦١ -١٦٣، ومن حديثٍ سعيد بن المسيّب مرسلاً عند أبي داود . لكنهما ضعيفانِ سَنداً ومتناً ، انظر ((معالمَ السنن))، و((مختصرَ المنذريِّ))، و((تعليقَ ابن القيم)) ج٢ ص٣١٦_٣١٩، و((المجموع)) ج٧ ص١٣٩-١٤٠ و١٤٦، و((زاد المعاد )) ج١ ص ٢١٣ -٢١٤ . وقد نهى عن التَّمتُّعِ عمرُ، وتابعه عثمانُ كما في (( الصَّحيح)). وقد خالفهما في ذلكَ الصَّحابةُ ، كما في ((الصَّحيحين )). وقد انعقدَ الإِجماعُ على جوازٍ كلِّ من التمتّعِ والقِرانِ والإِفرادِ ، كما نبَّهنا على ذلكَ في كتابنا (( الحج والعمرة في الفقه الإسلامي)) (فقرة ١٣١) وبيَّنا الآراءَ في أيها أفضل ، فارجع إليه . (١) الحديثُ متفقٌ عليه عن عروة بن الزُبيرِ في حديثٍ طويلٍ قال فيهِ عروةُ: ((وقد أخبرتني أمي أنها أقبلتْ هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرةٍ قَطّ ، فلما مَسحوا الرُكْنَ حَلّوا)». البخاري ج٢ ص١٥٢، ومسلم ج٤ ص٥٤ ، وبنحوه في ص ٥٥ مختصراً ، والمراد بمسحِ الرُّكنِ : استلامُ الحَجرِ الأسودِ . وهذا الظَّاهرُ ليسَ مراداً بدليلِ الدلائلِ القاطعةِ من السُّنَّةِ الثابتةِ في (( الصَّحيحين)» وغيرهما ، والإِجماع على أَنَّ المعتمِرَ لا يَحلُّ بمجردٍ مسحِهِ للُكْنِ . قال النوويُّ : ((وقولُها : فلما مَسحوا الرُكْنَ حَلُّوا. هذا مُتَأَوَّلٌ عن ظاهره لأنَّ الركنَ هو الحجرُ الأسودُ ، ومسحُه يكونُ في أوَّل الطَّوافِ ، ولا يحصلُ التَّحَلُّلُ بمجرَّدٍ مَسْحِهِ بإجماع المسلمين ، وتقديره : فلما مسحوا الزُّكنَ وأتمّوا طوافَهم وسَعيَهم وحَلقَوا أو قصَّروا حَلّوا ، ولا بُدّ منِ تقديرِ هذا المحذوفِ ، وإِنَّما حَذْفَتْهُ للعلمِ به . وقد أجمعوا على أَنَّهُ لا يتحلَّلُ قبلَ إِتمامِ الطَّوافِ ، ومذهبُنا ومذهبُ الجمهورِ أنه لا بُدَّ أيضاً من السَّعْىٍ بعدَه ثم الحلقِ أو التقصير .. )). ( شرح صحيح مسلم ، ج٨ ص٢٢٢ . = ٢٠ شرح علل الترمذي وحديثِ: ((أَنَّ الوقوفَ بعرفةَ لا يفوتُ إِلا بطلوعِ الشمسِ يومَ النَّخْر))(١) وحديثٍ: «أَنَّ التحلُّلَ الأولَ برمي الجمْرةِ مشروطٌ [أ-٣] بطوافٍ الإِفاضةِ في بقيَّةِ يوم النَّخْرِ))(٢). وقد حُكي عن عُزوة القولُ بِهِ. وقال الحافظُ ابنُ حجر في (( الفتح)) ج٣ ص٣١٠: (( قلتُ: وأرادَ بمسح = الزُّكنِ هنا استلامَه بعد فراغِ الطَّوافِ والرَّكعتين ، كما وَقَعَ في حديثِ جابرٍ ، فحينئذٍ لا يبقى إلا تقدير: وَسَعَوا .. )). (١) أخرجهُ الطبرانيُّ في ((الأوسط)) في روايةٍ لحديثِ ابن عباس. قال الهيثميُّ في ((المجمع)) ج٣ ص ٢٥٤ -٢٥٥: ((وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال: قال رسول الله وَيَدِ: ((مَنْ أَدَرَكَ عرفَةَ قبلَ طلوعِ الفجرِ فقد أدركَ الحجّ)) رواهُ الطبرانيُّ في ((الكبيرِ)) و ((الأوسطِ))، وفيه عمروَ بن قيسِ المكيُّ، وهو ضعيفٌ متروكٌ، وفي روايةٍ في ((الأوسط)): ((قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمسُ))، ولكنَّ النسخةَ سقيمةٌ)) انتهى. وبهذا عُلِمَ سقوطُ هذه الروايةِ مع نَكَارتها ، لمخالفَتها الأحاديثَ الثابتةَ باتِّفاقِ المحدِّثين ، والواردةَ في تحديدِ نهايةِ وقتِ الوقوفِ بعرفةً بطلوعِ فجرِ يومٍ النَّحرِ، ولإِجماع العلماءِ على ذلك، انظر كتابنا (( الحج والعمرة في الفقه الإِسلامي )) فقرة - ٤٣/ ب . (٢) أخرجه أبو داود ( الإِفاضة في الحج ) ج٢ ص ٢٠٧ ، والبيهقي ج٥ ص١٣٦ -١٣٧ عن أمّ سلمةَ في حديثٍ طويلٍ، وفيه قولُه وَّر: ((إِنَّ هذا يومٌ رُخِّصَ لكم إِذا أنتم رميتمُ الجَمْرةَ أن تَحِلوا ، فإِذا أمسيتُم قبلَ أن تطوفُوا هذا البيتَ صِرْتم حُرُماً كهيئَتكم قبل أن تَرمُوا الجمرةَ حتى تطوفوا به )) . وفي سنده كما قال المنذريُّ في ((تهذيب السنن)) ج٣٢ ص٤٢٨ ((محمدُ بن إِسحاق)). قلتُ: هو إِمامُ المغازي ، اختلفَ فيه كثيراً ، والتحقيقُ أنه صدوقٌ يدلِّسُ ، ورُمي بالتَّشُّعِ والقَدَرِ ، روى له البخاريُّ تعليقاً ، ومسلمٌ استشهاداً في خمسةِ أحاديثَ فقطَ. وأصحابُ ((السننِ)) الأربعةِ . وقال الذهبيُّ: ((ما انفردَ به ففيه نكارةٌ، فإِنَّ في حفظه شيئاً)) وهذا مناسبٌ لما= ٢١ فصل في سرد أحاديث اتفق العلماء على عدم العمل بها وحديثِ : الاضطباع في السَّغْي بين الصَّفا والمروة(١). هنا . انظر (( المغني في الضعفاء )) وتعليقنا عليه رقم ٥٢٧٥ . = وقال ابنُ القيّم: ((وقد استشكلَهُ النَّاسُ، قال البيهقيُّ: وهذا حكمٌ لا أعلم أحداً من الفقهاءِ يقول بذلكَ ». قلتُ : ومما يدُلُّ على ضعفِهِ أَنَّ ابنَ إِسحاقَ رواهُ عن أبي عُبيدةَ بن عبد الله ابن زَمْعة عن أبيهِ وعن أَمِّه عن أمِّ سلمة ، ورواهُ أبو عبيدةَ عن أمّ قیسٍ بنت مِحصن وكانت جارةً لهم .. فاختلف سندهُ مما يدُلُّ على أنَّهُ غيرُ محفوظٍ . (١) قال الشَّافعيَّةُ بسنِّيّةِ الاضطباع في السَّعي على القولِ الصَّحيحِ في مذهبهم قياساً على الطَّوافِ ، بجامعٍ قَطعِ مَسافةٍ مأمورٍ بتكوُّرها سبعاً ، وفي قولٍ آخرَ عندهم كالجمهورِ لا يُضطَبَعَُ في السَّغْي، ((المنهاج))، و (( شرحه)) للمحلي ج٢ ص١٠٨ . وانظر (( المغني)) لابن قدامة ج٣ ص٣٧٣ . ولم نجدْ لهمُ استدلالاً من السُّنَّةِ . ٢٢ شرح علل الترمذي ٥ فصلٌ في أحاديثَ ادُعِيَ تركُ العملِ بها ٥ 0 ولیس کذلك ٥ وقد ادَّعى بعضُهم تركَ العملِ بأحاديثَ أُخَرَ ، وهو خطأٌ ظاهرٌ ، كدعوى ابن قتيبةً(١) الإِجماعَ على تركِ العملِ بأحاديثِ المسحِ على العِمَامَةِ (٢). (١) في كتابه ((تأويل مختلف الحديث)) ص ٢٦٢. (٢) أحاديثُ المسح على العِمامَةِ منها ما ذكَّرَ المسحَ على العِمامةِ مع بعضِ الرأسِ ، مثل حديث المغيرة بن شعبة: ((أَنَّ النبيَّ وَّ توضأ فمسحَ بناصيتِهِ وعلى العِمامةِ وعلى الخُفَّين )). أخرجه مسلم: ١ : ١٥٩ . ومنها ما أفردَ المسحَ على العِمامة مثل حديث عمرو بن أُميَّةِ الضَّمْري في إِحدى روايتي البخاري ( باب المسح على الخفين) ولفظه: ((رأيتُ النبيَّ وَُّ يمسحُ على عِمامته وخُفَّيْه )) . وحديثٍ بلال : ((أَنَّ رسولَ الله ◌َّهِ مسحَ على الخُفَّين والخمار)) . أخرجه مسلم ج١ ص١٥٩ ، والمرادُ بالخمار العِمامة ، لأنها تخمِّر الرأس . وحديث ثوبانَ رضي الله عنه قال: ((بعثَ رسولُ اللهِ لَّهَ سَرِيَةً فأصابهم البَرْدُ ، فلما قدِموا على رسولِ اللهِ وَّرَ أمرهم أن يمسحوا على العصائبِ والتَّساخين»، أخرجه أبو داود ج١ ص٣٦ . العصائب : العَمائِم ، والتَّساخين : الخِفاف. وقد عَمِلَ بالحديثِ الإِمامُ أحمد ، لكنْ بشروطِ خلافاً لما تُوهمِهُ عباراتُ الشُّرَّاحِ من الإِطلاقِ ، وهي شروطٌ دقيقةٌ لا تنطبقُ على كثيرٍ مما يُسمَّى عِمامة في زمننا ، فوجب على من تَبعَ هذا المذهبَ أن يعرِفها . انظر بحثها مفصلاً في ((المغني)) لابن قدامة ج١ ص ٣٠٠-٣٠٦، وانظر ((المجموع)) ج١ ص٤٤٨. وأما الجمهور فلم يُجيزوا المسحَ على العِمامة ، وتأوَّلوا الحديثَ في ذلكَ بأَنَّهُ مَسحها مع جُزءٍ من الرَّأس ، كما في الرواياتِ الأخرى . كما أوضحه = ٢٣ فصل في أحاديث ادعي ترك العمل بها وليس كذلك ودعوى بعضِهم الإِجماعَ على تركِ العملِ بأحاديثِ فسخِ الحجِّ إِلى العُمرة(١). ودعوى بعضهم الإِجماع على ترك العمل بحديث: (( إِذا اختلفَ المتبايعان والسِّلعةُ قائمةٌ فالقولُ ما قال البائعُ أو يترادَانِ البيعَ))(٢). الخطّابُّ في (( المعالم ، ج١ ص٥٧ . (١) هو أن يدخُلَ المحرمُ بالحجِّ مكَّةَ وليس معه هَذي ، فيِطوفَ ويسعى ، ثم ينوي فسخَ الحِجِّ إِلى عمرةٍ، أي جَعْلَ الحجِّ عمرةً ، فيتحلَّلَ بهذه الأعمالِ التي هي أعمالُ الْعُمرةِ. وقد أمرَ النبيُّ نَّهِ بذلكَ الصَّحابةَ الذين كانوا معه ، ولم يسوقوا الهديَ ، كما ثبتَ في حديثٍ جابرٍ الطويل في (( صحيح مسلم )) ج٤ ص٤٠ ، وغيره من أحاديث (( الصَّحيحين)). وقد أجازَ الإِمامُ أحمدُ فسخَ الحِّ إِلى عمرةٍ لمن لم يسق الهديَ . وذهبَ جمهورُ العلماءِ ومنهم أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ إِلى أنه لا يجوزُ لمن أحرمَ بالحجِّ أن يفسَخَه إِلى عمرة، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِنَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والفسخُ ضدُّ الإِتمامِ. وأجابوا عن أحاديثِ الفَسخِ بأَنَّهُ كان خاصّاً بأصحابِ النّبِيِّ نَِّ في تلكَ الَسَّنةِ لِحكمةٍ عظيمةٍ هي إِبطالٌ ما كانت تزعُمُه الجاهليةُ ((أَنَّ العمرةَ في أشهرِ الحِجِّ من أفجرِ الفجورِ )) وكانوا لا يُسيغونَ العمرةَ إِلا بعدَ موسمِ الحجِّ كي تستمرَّ أسواقُ مكَّةَ في شغلٍ ورواجٍ ، فأمرَ النبيُّ ◌ََّ أصحابَه بفسخِ الحجِّ لإِبطالِ مزاعمِ الجاهليين على أبلغ الوجوهِ ، وقد ثبتَ بالأسانيدِ الصَّحيحةِ عن بعضٍ منَ كبارِ الصَّحابةِ أَنَّ فسخَّ الحجِّ إِلى العمرةِ كان خاصاً لأصحابِ النبيِّ نَّ في ذلكَ العامِ . (٢) الحديث أخرجه أصحابُ ((السُّننِ)) الأربعةِ وغيرُهم من طَرقٍ كثيرة بألفاظِ متعددة عن ابن مسعود رضي الله عنه : أبو داود ج ٣ ص ٢٨٥ ، والترمذي ج٣ ص٥٧٠، والنسائي ج٧ ص٢٦٦ بنحوه، وليسَ عندَهم «والسِّلعة قائمة))، وابن ماجه ج٢ ص ٧٣٧ باللَّفظ الذي ذكره الحافظُ ابن رجب لكن عنده (وليسَ بينهما بيِّنةٌ والبيعُ قائم بعيْنِهِ)). وأخرجه الحاكمُ في (( المستدرك » ج٢ ص٤٥، وصححه في ص٤٨. والبيهقي ج٥ ص٣٣٣ . = ٢٤ شرح علل الترمذي قال ابن المُنْذرِ : (( ما علمتُ أحداً قال بظاهرِهِ غيرَ الشَّعْبي)). وكحديثِ ابن عبّاسٍ في دِية المكاتَب(١). قال الخطّابيُّ: ((لم قال الإِمامُ المنذريُّ ج٥ ص١٦٤ : = (( وقد رُويَ هذا الحديثُ من طرقٍ عن عبدِ اللهِبن مسعودٍ كلّها لا يثبُتُ، وقد وَقَعَ في بعضِها (( إِذا اختلفَ البيِّعانِ والمبيع قائمٌ بعينه))، وفي لفظ (( والسِّلعة قائمة)) ولا يصِح وإِن جاءَتْ - يعني هذه الزيادة - من رواية ابن أبي ليلى ، وقد تقدَّم أنه لا يُحتجُّ به . وقيل : إِنها من قولِ بعضِ الرّواة)) . وقال ابنُ الجوزي : ((أحاديثُ هذا البابِ فيها مقالٌ فإِنها مراسيلُ وضعافٌ)) ((نصب الراية)) ج٤ ص١٠٧ . لكنَّ النَّاظرَ في أسانيدِ الحديثِ يجدُ أنها قد تعدَّدتْ وليست شديدةَ الضَّعفِ ، فيمكن أن تتقوى ببعضِها ويكون الحديثُ من درجةِ الحَسَن لغيره ، لذلك قال صاحبُ ((التَّنقيحِ )) كما في ((نصب الراية)): ((والذي يظهرُ أن حديثَ ابن مسعود بمجموعٍ طَرُقه له أصلٌ، بل هو حديثٌ حَسَنٌ يُحتجُّ به ، لكنْ في لفظِ اختلافَّ ، والله أعلم )) . وانظر نحوَه في تعليق ابن القيم على ((السنن)»: ٥ : ١٦٢ . وأما العملُ بالحديثِ فنوجِزُ القولَ فيه بهذا التَّلخيصِ الذيِ لخَّصه الشَّوكانيُّ في ((نَيْلِ الأوطار)) ج٥ ص٢٢٥ قال الشوكانيُّ: ((فاعلم أنَّه لم يُذْهَبْ إِلى العملِ به في جميع صور الاختلاف فيما أعلم ، بل اختلفوا في ذلكَ اختلافاً طويلاً .. ، ووقع الاتفاقُ في بعضِ الصُّورِ والاختلافُ في بعضٍ .. )) إِلى آخر ما ذكره فانظره، وانظر ((المغني)) ج٤ ص١٩١، و((المصنَّف)) لعبد الرزاق ج٨ ص٢٧١-٢٧٣ . (١) عن ابن عبَّاسٍ قال: ((قضى رسولُ اللهِوَّله في ديّةِ المُكاتب يقتل يؤدّي ما أدى من مكاتبته دية الحرّ، وما بقي دية المملوك)). أبو داود ج ٤ ص ١٩٣ -١٩٤، = ٢٥ فصل في أحاديث ادعي ترك العمل بها وليس كذلك يذهبْ إِليه أحدٌ سوى النَّخَعي، وقد رُوي في ذلكَ شيءٌ عن علي)). وذكر الطَّحاويُّ الإِجماعَ على تركِ العملِ بحديثٍ: ((إِذا انتصَفَ شعبانُ فلا تصومُوا، حتى رَمَضان)) (١) . والنسائي ج٨ ص ٤٥ و٤٦ من أوجهٍ عديدةٍ من طرقٍ تدورُ على ◌ِكرمةَ عن ابنِ = عَبّاس . قال الخطَّبيُّ: ((أجمعَ عامَّةُ الفقهاءِ على أَنَّ المكاتب عبدٌ ما بقي عليه دِرْهَم في جنايتهِ والجنايةِ عليهِ ، ولم يذهبْ إِلى هذا الحديثِ من العلماءِ فيما بلغنا إِلا إِبراهيم النخعي . وقد رُوي في ذلكَ أيضاً شيءٌ عن عَليٍّ بن أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجههُ . وإِذا صَحَّ الحديثُ وجبَ القولُ به إِذا لم يكنْ منسوخاً أو معارضاً بما هو أولى منه، والله أعلم)). انتهى من (( معالم السنن)) ج٤ ص٣٧. وقارن بـ((المغني )) ج٧ ص٧٩٩ . (١) أخرجه الترمذيُّ ج٣ ص١١٥ عن أبي هريرةَ قال قالَ رسولُ الله ◌ِّ: ((إِذا بَقِيَ نصفٌ من شعبانَ فلا تصُوموا )) وأبو داود ج٢ ص٣٠١ بلفظ (( إِذا انتصفَ شعبانُ فلا تَصُوموا)) . وابن ماجه ج١ ص٥٢٨ بنحو لفظ أبي داود . قال التِّرمذيُّ: (( حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجهِ على هذا اللفظِ ». وقد بحثَ الحافظُ ابنُ رجب في هذا الحديث بحثاً جَيِّداً في كتابه القيم ((لطائف المعارف)» ص ١٤٢ من حيثُ السندُ والمتنُ فقال : (( واختلفَ العلماءُ في صِحَّة هذا الحديثِ ثم في العملِ به : فأمّا تصحيحُه فصخَحَهُ غيرُ واحد ، منهِم الترمذيُّ ، وابنُ حبَّانَ ، والحاكمُ ، والطّحاويُّ، وابنُ عبد البرِّ ، وتكلّم فيه مَنْ هو أكبرُ مِنْ هؤلاء وأعلمُ ، وقالوا : هو حديثٌ منكَر ، منهم : عبدُ الرَّحمن بنُ مَهْدِي ، والإِمامُ أحمدُ، وأبو زُرعةَ الرازي، والأثرمُ، وقال الإِمامُ أحمدُ: ((لم يرو العلاءُ حديثاً أنكَرَ منه)) وردَّه بحديث: ((لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ أو پٍومينٍ )) فإِن مفهومَهُ جوازُ الَّقدم بأكثرَ من يومين. وقالِ الأثرمُ: ((الأحاديثُ كلَّها تخالفهُ » يشير إِلى أحاديثٍ صيامِ النبيِّ وَ ﴿ شعبانَ كلَّه ووصلِه برمضان ، ونهِهِ عن التَّقدُّم ٢٦ شرح علل الترمذي على رمضان بيومين ، فصارَ الحديثُ حينئذ شاذّاً مخالفاً للأحاديثِ = الصَّحيحة )). هذا كلامُ الحافظِ ابن رجب على تصحيح الحديث . وقد سبقَ التِّرمذيُّ فأشارَ إِلى اندفاعِ التَّعارضِ بين الحديثِ والأَحاديثِ التي أشارَ إِليها ، قال التِّرمذيُّ في ((جامعه)): ((ومعنى هذا الحديثِ عندَ بعضِ أهلِ العلمِ أن يكونَ الرجلُ مفطراً ، فإِذا بقيَ من شعبانَ شيءٌ أخذَ في الصَّوم لحالِ رمضان . وقد رُوي عن أبي هريرة عن النبيِّنَّهِ ما يُشْبِهُ قولهم حيث قالِوَ لهُ: ((لا تَقَدَّموا شهرَ رمضانَ بصيامٍ إِلا أن يوافقَ ذلكَ صوماً كان يصومهُ أحدُكم » وقد دَلَّ في هذا الحديثِ إِنما الكراهيةُ على من يتعمَّدُ الصيامَ لحالِ رمضانَ )) . انتهى كلامُ التِّرمذيِّ، وفيه رفعٌ لإِشكالِ التعارضِ الذي استندَ إِليه مَنْ قَدَحَ في صِحَّة الحديثِ فسَلَم الحكمُ عليه بالصِّحة. وانظر (( نصب الراية )» ج٢ ص ٤٤٠ -٤٤١، ففيه فوائدُ أخرى وموازنةٌ قيّمة بين روايتي التِّرمذيِّ وأبي داود . ثم قالَ الحافظُ ابنُ رجب : ((وقال الطَّحاويُّ هو منسوخٌ. وحكى الإِجماعَ على تركِ العملِ به . وأكثرُ العلماءِ على أنه لا يُعْمَلُ به . وقد أخذَ به آخرونَ منهم الشَّافعيُّ وأصحابُه ، ونهوا عن ابتداءِ التَّطَوعِ بالصِّيام بعدَ نصفِ شعبانَ لمن ليسَ له عادَةٌ ، ووافقهم بعضُ المتأخرينَ من أصحابنا)) انتهى. لكن يبقى معنا إِشكالٌ فيما نقله ابن رجب عن الإِمام الطَّحَاوي ، فإِنَّ الطَّحاوي في كتابه ((شرح معاني الآثار)) ج٢ ص ٨٢-٨٣ لم يذكر الإِجماعَ على تركِ العملِ بالحديثِ ، بل ذكرَ الخلافَ فيهِ، ثم اختارَ تفسيرَه بأَنَّ المرادَ به (( من كانَ الصَّومُ بقربٍ من رمضانَ يدْخُلُه به ضعفٌ يمنعُه من صَومِ رمضانَ )) ثم استشهدَ لذلكَ بأحاديثَ استخرجَ منها هذا المعنى ، فارجِعِ إِليه لَزاماً . فلعلَّ الشارعَ أخذَ النَّقلَ الذي ذكره عن الطَّحاوي من مرجعٍ غيرِ مُتحرُّ في النَّقْلِ ، والله أعلم . ٢٧ فصل في أحاديث ادعي ترك العمل بها وليس كذلك وعلى تركِ العملِ بحديثٍ ((تحريقِ مَتاع الغَالُ)) إِلا عن مَكحول (١) . (١) أخرجه أبو داودَ في ( الجهاد) ج٣ ص٦٩ ، والترمذيُّ في (الحدود) ج٤ ص٦١ عن صالح بن محمد بن زائدة قال : دخلتُ مع مَسْلَمة أرضَ الرُّومِ فأِيَ برجلٍ قد غلَّ فسألَ سالماً عنه؟ فقال : سمعتُ أبي يحدِّثُ عن عمرَ بن الخطّاب عن النبيِّ ◌َِّ قال: (( إِذا وجدتمُ الرجلَ قد غَلَّ فأخرقوا متاعَه واضرِبُوه )) . وأخرجه الطَّحاويُّ في ((مُشْكلِ الآثار)» بلفظ «فاضربوا عُنُقُه وأحرقُوا متاعَهُ))، وذكر روايةً أخرى مثل أبي داودَ ثم قال: ((والأُولى - يعني روايةَ فاضربوا عنقه - أصحُ وأكثرُ)). ((المعتصر)) ج١ ص٢٣٨ . الغلول : السَّرقة من الغنيمة . وفي روايةٍ عندَ أبي داودَ عن صالحٍ بن محمدٍ قال : غزونا مع الوليدِ بن هشامٍ، ومعنا سالمُ بن عبدِ اللهِبن عُمَرَ ، وعمرُ بن عبد العزيز، فغَلَّ رجلٌ متاعاً، فأمرَ الوليدُ بمتاعِهِ فأُخْرق، وطِيفَ بِهِ، ولم يعطِهِ سَهْمه)). هكذا أخرجه مَقْطوعاً من فِعْل الوليدِ بن هشام ولم يَرْفَعْه إِلى النبيِّ نَّه. وقد رَجَّحَ أبو داود هذه الرواية على الرّوايةِ المرفوعةِ فقال: ((وهذا أصحُ الحديثين .. )) . والحديثُ من جميعِ رِواياته يدورُ على صالحٍ بن محمدِ بن زائدةً ، وقد طُعِنَ فيه وفي حديثهِ هَذا : قال الترمذيُّ: (( وَسألتُ محمداً - يعني ابنَ إِسماعيلَ البخاريَّ - عن هذا الحديثِ فقال: إِنما رَوى هذا صالحُ بنُ محمدٍ بن زائدة وهو أبو واقدٍ الليثي، وهو منكرُ الحديثِ . قال محمد : وقد رُوي في غيرِ حديثٍ عن النبيِّ ◌َّ﴿ في الغالُ فلم يأمر بحرقِ متاعِهِ . قال أبو عيسى : هذا حديثٌ غريبٌ)). وتكلَّم فيه غيرُه أيضاً. انظر (( مختصر المنذري )) ٤ ص ٤٠ و ((تعليق ابن القيم )) ص٣٩. فالحديثُ ضعيفٌ جِدّاً لضعفٍ راويِهِ والشذوذِه سنداً ومتناً : أما السَّندُ : فلأِنَّ الراجحَ عدمُ رفعِه فتكونُ روايةُ الرَّفعِ شاذّةً . وأما المتنُ : فِلِمَا ذكرَ الإِمامُ = ٢٨ شرح علل الترمذي = البخاريُّ أنه رُوي في غيرِ حديثٍ عن النبي ◌َّرَ في الغالِّ فلم يأمر بحرقٍ متاعه)) . وقد يُستشكلُ تضعيفُ الحديثِ بأنَّهُ وَرَدَ له شاهدٌ أخرجَهُ أبو داود عن زهير بن محمدٍ عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ ((أَنَّ رسولَ اللهِو ◌َآلِ﴾ وأبا بكرٍ وعمرَ حَرَّقوا متاعَ الغالِّ وَضَرَبوه ». فزهيرُ بنُ محمد هذا ضعيفٌ ، وقد تُكُلِّم فيه ، ويقال : إِنه هو الخُراساني نزيلُ مكَّةَ ، ويقال : إِنه غيرُه وإِنه مجهول . فإن كان هو الخراسانيَّ فحديثه ضعيفٌ أيضاً ، لأنه قد اختلطَ حديثُه الذي رواه بالشَّامِ ، قال الإِمامُ أحمدُ : (( كأَنَّ زهيراً الذي يروي عنه الشَّاميون آخَرُ)). انظر ((التهذيب))، و((التقريب))، و((المغني في الضعفاء)). وهذا من روايةِ أهلِ الشَّام رواه عنه الوليدُ بن مسلمٍ الدمشقيُّ . وقد اضطربتْ روايةُ الحديثِ فأخرجه أبو داودَ مقطوعاً عن زهيرٍ عن عمرو بن شعيبٍ قولَه، لم يرفعه. وقال البيهقيُّ في (( السنن)) ج٩ ص١٠٢ بعد أن أخرجَه موصولاً مرفوعاً: (( هكذا رواهُ غيرُ واحدٍ عن الوليدِ بن مُسْلم ، وقد قيلَ عنه مرسلاً )). ومع شدَّة الضَّعِفِ في الحديثِ السابقِ لا يصلُح أن يتقوَّى بهذا لما هو مقررٌ في علومِ الحديثِ أَنَّ الضعيفَ الشَّديدَ الضعف لا يصلُح للتقويةِ من وجهٍ آخر ، كما أوضحنا ذلكَ في كتابنا ((منهج النقد في علوم الحديث)) فانظره ص٢٥١ . وأما عملُ العلماءِ فقد ذَكَرَ الطحاويُّ أنه لم يعملْ به غيرُ مكحولٍ ، لكنْ وَجدنَا مِنْ عَمِلَ به من الأئمةِ المشهورينَ غيرَ مكحول ، فقال الترمذيُّ : ((والعملُ على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قولُ الأوزاعيِّ وأحمدَ وإِسحاقَ )) . وذكر الخطابيُّ نحوَ ذلك بتفصيلٍ قيِّم لا نُطيلُ به ، فانظره في ((معالم السنن)) ج٢ ص٢٩٩ - ٣٠٠ . ووردَ أيضاً عن الحسنِ البصريِّ وعمرَ بن عبد العزيز، انظر ((المصنّف)) لعبد الرزاق رقم ٩٥٠٨ وما بعده، و((المغني )) ج٨ ص ٤٧٠ وما بعد . ٢٩ فصل في أحاديث ادعي ترك العمل بها وليس كذلك والطَّحاوِيُّ من أكثرِ الناسِ دعوىّ لتركِ العملِ بأحاديثَ كثيرةٍ (١). وعامَّةُ هذِهِ الأحاديثِ قد ذكرناها في مواضِعِها من هذا الكِتابِ مع بَسْطِ الكلام عليها ، فمن أرادَ الوقوفَ عليها فليتَّبِعها من مَظانِّها من (٢) الكتابِ (٢). وقد ذُكِرَ للثوريِّ ما رُوي عن عُمر قال: (( من لم يُدْرِكْ الصَّلاةَ بِجَمْعٍ مع الإِمامِ فلا حَجَّ له )). فقال الثوريُّ: (( قد جاءتْ أحاديثُ لا يؤخذ بها)). وسنذكُرُ هذا المعنى مستوفى عند الكلام على الحديثِ الغريبِ إِن شاء اللهُ تعالى . (١) يجابُ عن هذا بأجوبةٍ ، منها : ١ - أنْ يكونَ النَّقلُ عن الطَّحاويّ معتمداً على مرجعٍ غيرِ موثوقٍ به ، كما مَرّ قبلَ قليل في حديثٍ : ((إِذا انتصفَ شعبان)). ٢ - أن تكونَ عبارةُ الإِجماع على غير معناها الاصطلاحيِّ عندَ الأصوليينَ ، بل يستعملُها على معنى إِجماعَ خاصٌّ هو اتفاقُ أئمةِ فقهاءِ الحنفيةِ ، ويقعُ مثلُ هذا التعبيرِ في كُتُبِ المذهبِ الحنفيِّ . ٣- أن تكونَ عبارةُ الطحاويُّ موهمةً للإِجماع وليستْ نَصّاً فيه ، مثلُ قوله : اثَّفقَ العلماءُ ، أو : لا أعلمُ أحداً من العلماءِ عَمِلَ بهذا . (٢) وقد عَوّضنا القارىءَ عما فاته من ذلكَ، بما علّقناهُ من تخريج الأحاديثِ التي ذكرها الحافظُ ههنا، مع الكلام عليها صحةً وسقماً ، وبيانَ موقفِ العلماءِ منها ، وبذلك تمَّت الفائدةُ الجليلَةُ لهذا الإِحصاءِ العلميِّ المهمِّ لهذا النوعِ من الأحاديثِ ، ولله الحمدُ . ٣٠ شرح علل الترمذي. · فَصْلٌ في مَصَادِرِ التِّرْمِذِيِّ بأقْوالِ العُلَمَاءِ ٥ ٥ في الفِقْهِ وَعِلَلِ الحَديثِ ٥ قال أبو عيسى التِّرمذيُّ رحمهُ الله : ( وما ذَكَرنا في هذا الكتابِ من اختيارِ الفُقَهاءِ : فما كان فيه من قَولِ سفيانَ الثوريّ فأكثرهُ ما حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عثمانَ الكوفيُّ ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى عن سفيانَ الثوريِّ . ومنهُ ما حَدّثني أبو الفضل مَكْتُوم بن العَبَّاس التِّرمذيُّ ثنا محمدُ بنُ يوسفَ الفِرِيْابي عن سفيانَ . وما كان فيه من قولِ مالكِ بن أَنَسٍ فأكثرهُ ما حدَّثني به إِسحاقُ بن موسى الأنصاريُّ ثنا مَعنُ بن عيسى القَزَّاز عن مالكِ بن أنس . وما كان فيه من أبوابِ الصَّوم فأخبرنا به أبو مُصْعَب المدنيُّ عن مالكِ بن أنسٍ . وبعضُ كلامَ مالكٍ ما أنا به موسى بن حزام أنا عبدُ [آ_٤] الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ عن مالكِ بن أنسٍ . وما كان فيه من قولِ ابن المُباركِ فهو ما حَدَّثنا به أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الآمُلِيُّ عن أصحابِ ابنِ المباركِ . ومنه ما رُوِيَ عن أبي وَهْبٍ محمدٍ بن مُزاحم عن ابنِ المباركِ ، ومنه ما رُوي عن ٣١ فصل في مصادر الترمذي بأقوال العلماء في الفقه وعلل الحديث عليٍّ بن الحسنِ بن شقيقٍ عن عبدِ الله ، ومنه ما رُوي عن عبدانَ عن سفيانَ بن عبدِ الملكِ عن ابنِ المبارك ، ومنه ما رُوي عن حِبَّان بن موسى عن عبدِ الله بن المبارك . وله رِجالٌ مُسَمَّون سوى من ذكرنا عن عبدِ الله بن المبارك . وما كان فيه من قَوْل الشَّافعيِّ فأكثرُه ما أخبرني به الحسنُ بن محمدٍ الزعفرانيُّ عن الشَّافعيِّ . وما كانَ من الوضوءِ والصَّلاةِ فثنا به أبو الوليد المكيُّ عن الشَّافعيِّ ، ومنه ما ثنا به أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ ثنا يوسفُ بنُ يحيى القرشيُّ البُوَيْطِيّ عن الشافعيِّ ، وذكر منه أشياء عن الرَّبيع عن الشافعيِّ ، وقد أجازَ لنا الربيعُ ذلك و کَتَبَ به إِلينا . وما كان فيه من قولِ أحمدَ بن حنبل وإِسحاقَ بن رَاهُوْيَهْ فهو ما أنا به إِسحاقُ بن منصورِ الكَوسَجُ عن أحمدَ وإسحاقَ ، إِلا ما في أبوابِ الحجِّ والدِّياتِ والحُدودِ فإِني لم أسمعهُ من إِسحاقَ بنِ منصور ، وأخبرني به محمدُ بن موسى الأصمُّ عن إِسحاقَ بن منصور عن أحمدَ وإِسحاقَ . وبعضُ كلام إِسحاقَ بن إِبراهيمَ أنا به محمدُ بن أفلحَ عن إِسحاقَ ، وقد بيَّنَّا هذا على وجهه في الكتابِ الذي فيه الموقوفُ . وما كانَ فيه من ذِكر العِلَلِ في الأحاديثِ والرِّجالِ والتَّاريخ فهوَ ما استخرجتُهُ من كتابِ ((التَّاريخ)) ، وأكثرُ ذلك ما ناظرتُ به محمدَ بنَ إِسماعيلَ ، ومنه ما نَاظرتُ به عبدَ الله بن عبد الرحمنِ وأبا زُرْعَة ، وأكثرُ ذلكَ عن محمدٍ ، وأقلُّ شيءٍ فيه عن عبدِ الله وأبي زُرْعَة . ٣٢ شرح علل الترمذي. ولم أَرَ أحداً بالعراقِ ولا بخُراسانَ في معنى العِلَلِ والتَّارِيخِ ومعرفةٍ الأسانيدِ كبيرَ أحدٍ أعلمَ من محمدِ بنِ إسماعيلَ رحمهُ اللهُ) . إِعلمْ أن أبا عيسى رحمهُ اللهُ ذكَرَ في هذا الكتابِ مذاهبَ كثيرٍ من فقهاءِ أهلِ الحديثِ المشهورينَ ، كسفيانَ وابنِ المباركِ ومالكِ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ، وذكرَ فيه كثيراً من العِللِ والتواريخ والتراجِمٍ ولم يذكر أسانيدَ أكثرٍ ذلك، فذكرَ ههنا أسانيدَه مجملةٌ(١) وإِن كانَ لم يحصلْ بها الوقوفُ على حقيقةِ أسانيدِ ذلكَ ، حيثُ ذكَرَ أَنَّ بعضَهُ عن فلانٍ وبعضَه عن فلانٍ ، ولم يبيِّنْ ذلكَ البعضَ ولم يميِّزْه(٢). وقد ذكَرَ أَنَّهُ بَيَّن ذلكَ على وجهه في كتابِهِ الذي فيهِ الموقوفُ ، وكأَنَّهُ رحمهُ اللهُ له كتابٌ مصنَّفٌ أكبرُ من هذا فيه الأحاديثُ المرفوعةُ والآثارُ الموقُوفةُ مذكورةً كلَّها بالأسانيدِ ، وهذا الكتابُ وضعَه (١) لم يبيِّن الشارعُ رحمه الله درجةَ هذه الأسانيدِ من حيثُ القَبولُ أو الردُ ، وقد استوفينا دراستها في بحثٍ خاصٍّ في كتابنا («الإِمامُ الترمذيُّ والموازنة بين جامعه وبين الصحيحن )) وأسفرَ البحثُ والمناقشةُ عن صلاحيتها للاحتجاج بها فِي نَقْلِ المذاهبِ الفقهيَّةِ عن الأئمَّةِ الذين نقلتْ مذاهبهم بالأسانيدِ المذكورةِ إِلَيهم . فارجع إلى ذلك ص ٣٩٢ ٤٠٨ . (٢) لا ضَيْرَ في ذلكَ ما دامت الأسانيدُ حُجَّة في كلِّ ما رواهُ بها . نعم هناكَ إِشكالٌ من ناحيةِ الفتوى في المذاهبِ المذكورةِ ، وهو أَنَّ بعض الأسانيدِ يروي القولَ القدِيمَ في المذهبِ ، وبعضها يروي القولَ الجديدَ ، أو نحو ذلك . والجواب : أَنَّ الترمذيّ لم يقصِدْ تدوينَ المذاهبِ تدويناً مذهبياً ، بل قصدَ بيانَ عَمَلِ الأئمةِ بالحديثِ الذي أخرجَهُ في كتابِهِ ، وهذا القَدْرُ يكفي فيه صِحَّةُ الإِسنادِ ، وقد تحقّق ذلك كما ذكرنا . ٣٣ فصل في مصادر الترمذي بأقوال العلماء في الفقه وعلل الحديث للأحاديثِ المرفوعةِ ، وإِنما يذكرُ فيه قليلاً من الموقوفاتِ . وأما التواريخُ والعِللُ [آ_٥] والأسماءُ ونحوُ ذلك، فقد ذكرَ أَنَّ أكثرَ كلامِه فيه استخرجَهُ من كتابٍ ((تاريخ البُخاريِّ)»، وهو كتابٌ جليلٌ لم يُسبقْ إِلى مثلِهِ ، رحمهُ الله ورضي اللهُ عنه ، وهو جامعٌ لذلكَ كلِّه . ثم لما وقفَ عليه أبو زرعةَ وأبو حاتم الرَّازِيَّانِ رحمهما الله صنَّفا على منواله كتابين : أحدَهما : كتابُ ((الجرح والتَّعديل))، وفيه ذكرُ الأسماءِ فقط، وزادَ على ما ذكَّرَه البخاريُّ أشياءَ من الجرح والتعديلِ ، وفي كتابهما من ذلكَ شيءٌ كثيرٌ لم يذكره البخاريُّ . والثاني : كتابُ ((العِلَل)) ، أفردا فيه الكلامَ في العِلَل. وقد ذكرَ الترمذيُّ رحمهُ اللهُ أنه لم يَرَ بخُراسانَ ولا بالعراقِ في معنى هذه العلوم كبيرَ أحدٍ أعلمَ بها من البخاريِّ ، مع أنَّهُ رأى أبا زُرعة وعبدَ الله بن عبد الرَّحمن الدَّراميَّ وذاكَرَهما ، ولكنَّ أكثرَ علمه في ذلك مستفادٌ من البخاريِّ ، وكلامُه كالصَّريح في تفضيلِ البخاريِّ في هذا العلمٍ على أبي زُزعة والدارميِّ وغيرهما . وقد صُنّف في هذا العلم كُتُبٌ كثيرةٌ غيرُ مرَّبةٍ كترتيبِ كتابٍ البخاريِّ وأبي حَاتِم وأبي زُرْعة ، منها ما هو منقولٌ عن يحيى بن سعيدِ القطَّانِ ، ومنها عن عليٍّ بن المديني وابن مَعِيْن ، ومنها عن أحمدَ بن حنبل رحمه الله. وقد رتَّبَ أبو بكرِ الخلَّل ((العِللَ)) المنقولةَ عن أحمدَ على أبوابِ الفِقه وأفردها ، فجاءت عدَّةً مجلداتٍ .