النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠ تصدير المحقق لـ((شرح علل الترمذي) أحدُهما: ((العِلَلُ الكبير))، ويسمى أيضاً ((العِلَلَ المفردَ)). وقد دَرَجَ الترمذيُّ في كتابِ (( العللِ الكبيرِ » هذا على الأصلِ الذي ذكرناهُ في التَّصنيفِ على العِللِ أنه يجمعُ الأحاديثَ المعلَّلة، ويبيّن علَّة كلِّ حديثٍ . وقد ظَفِرنا بنسخةٍ خطيَّةٍ من هذا الكتابِ بترتيبِ أبي طالبٍ القاضي ، أتمَّ ترتيبَه على الأبوابِ ، وأفردَ الكلامَ على الرُّواةِ الذي لا يتعلَّقُ ببابٍ معيَّنٍ ، أفردَه في فصولٍ في آخرِ الكتابِ ، فجاء مستكمَلَ الترتيبِ (١). الثاني: هو ((عللُ جامع الترمذيِّ)» الذي نقصِدُه، ونعرِّفُ به فيما يأتي : ((عِلَلُ جامعِ التِّرمذيِّ)» : ويسمَّى أيضاً ((العلل الصغير )) وهو موضوعُ بحثِنا ، وموضوعُ شرحٍ الحافظِ ابنِ رَجَب . وقد وَقَعَ خلافٌ في شأنِ ((العللِ الصغيرِ )) هذا : فرأى بعضُ الشُّراحِ أَنَّهُ كتابٌ مستقِلٌ كُتِبَ مع الجامعِ ، كما طُبعَ كتابُ ((الشَّمائلِ)) مع الجامع في طبعةِ الهند (٢). حيث إِن بعضَ رواةِ الجامعِ رواهُ عن الإِمامِ التِّر مذيِّ مُفرداً عن الجامع . ورأى بعضُ الشُّرَّاحِ أنَّهُ بحثٌ تابعٌ للجامع كالخاتمةِ له للتعريفِ بمصطلحاتِهِ . (١) وقد قُمنا بدراسةٍ لهذا الكتاب في فصل خاص في كتابنا ((الإِمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصَّحیحین » فارجغ إليه . (٢) المطبع المجتبائي سنة ١٣٤١ . ٢١ العلل للإمام الترمذي والرأيُ الراجحُ أن هذا الكتابَ ((العللَ الصغير)» تأليفٌ تابعٌ لكتابٍ الجامعِ ، بدليلِ ما في أوَّلِهِ وأثنائِهِ من عباراتٍ تربطُه بالجامعِ ، مثل هذه العبارات : ((جميعُ ما في هذا الكتابِ من الحديثِ فهو معمولٌ به »(١) . ((وإِنَّما حَمَلَنا على ما بَيَّنَّا في هذا الكتابِ من قولِ الفقهاءِ وعِلَلٍ الحديثِ .. ))(٢). (( وما ذَكَرْنا في هذا الكتابِ حديث حسن فإِنما أردنا به حُسْنَ إِسناده عندنا .. ))(٣). وهي عباراتٌ واضحٌ في ربْطِ كتابٍ ((العللِ )) بالجامعِ . غايةُ الأمرِ أَنَّ كتابَ ((العلل الصغير )) هذا لما استقلَّ بموضوعٍ جديد اختصَّ به ليس من نوع أبوابِ الجامعِ ، ولاختصاصهِ بتلكَ الفوائِدِ التي تضمَّنها في أصولِ علَمِ الحديثِ تلقَّاهُ بعضُ الزُّواةِ عن التِّرمذي مُستقلاً عن كتابٍ ((الجامع))، وعُنيَ الناسُ به عنايةً خاصةً، فبدا كأنَّهُ كتابٌ مُفْرَدٌ . وكأَنَّهُ لهذا المعنى أطلقَ عليه الترمذيُّ ((كتابَ العِلَلِ)) فترجَمَه بكلمةٍ ((كتاب ))، مع أنه لم يستعمل في أثناء الجامع هذا اللفظ ، بل استعملَ ((أبواب)). موضعها، كقوله: ((أبوابُ الطهارةِ .. ))، ((أبوابُ الصلاةِ .. )) . (١) ص٤ من نسخة (( شرح ابن رجب )) هذه. (٢) ص٣٥ . (٣) ص٣٤٠ . ٢٢ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) موضوعُ عِلَلِ جامع التّرمِذيِّ : أطلقَ التِّرمذيُّ هذا الاسمَ : ((كتاب العلل )) على كتابِهِ هذا بمعنى غيرِ المعنى المتعارَفِ لهذهِ التَّسميةِ وغيرِ المشهورِ عند المُحَدِّثين من معنى العِلَّةِ أنها «سببٌ خفيٌّ قادحٌ في صحَّة الحديثِ والظَّاهرُ السَّلامةُ منه )). إنما أرادَ التّرمذيُّ ههنا من ((العِلَل)» المعنى اللُّغويَّ، وهو ((السَّبَب)). وذلك لأنّه إِنما يبيِّن في كتابه ((العلل الصغير )) هذا قواعدَ وأصولاً عامَّةً وهامَّةً في قَبُول الرِّواياتِ ورَدِّها ، مما يدُلُّ على أَنَّهُ لم يطلقْ كلمةَ العللِ بالمعنى المشتَهَر بين المُحَدِّثين ، بل أرادَ المعنى الأعمَّ ، أي عِلَلَ قُبُولِ الرواياتِ ورَدِّها ، لما أن المذكورَ في هذا الكتابِ - كما قال العلامة الكَنْكُوهي -(١): ((فيه ما يدُلُّ على التوثيقِ والصِّحَّةِ)). وقد أودعَ الإِمامُ أبو عيسى التِّرمذيُّ كتابَ ((العللِ الصغير )) هذا أصولاً حديثيةً ومسائلَ جعلها مَثابةً يرجِعُ إِليها قارىءُ كتابهِ (( الجامعِ )) ، كما أَنَّها قواعدُ وأصولٌ عامَّةٌ في علمِ الحديثِ . ويمكننا بالسَّبْرِ والدِّراسةِ أن نُرجِعَ هذه الأصولَ والمسائلَ إِلى مقاصدَ أساسيةٍ نبيِّتها فيما يأتي : أولاً : بيانُ حالٍ أحاديثِ كتابِ ((الجامع )) من حيثُ العملُ بها إِجمالاً : قال أبو عيسى: (( جميعُ ما في هذا الكتابِ من الحديثِ معمولٌ به ، وقد أخذَ به بعضُ أهلِ العلمِ، ما خلا حديثين .. )) (٢). (١) في شرحه على الترمذي المسمى (( الكوكب الدري)) بحاشيته ج٢ ص٣٤٦ طبع الهند . (٢) ص٤ . وانظر الكلام على هذين الحديثين هناك في الشرح . ٢٣ العلل للإمام الترمذي وفي هذا فائدةٌ كبيرةٌ تلقي الضَّوءَ على قوَّة أحاديثِ الكِتابِ ، وتنفَعُ الفقيهَ في العملِ بها . كما فصَّلناه في تعليقنا على ((الشَّرح))(١). ثانياً : بيانُ مأخذِ ما ذكرهُ من الفِقْه والصِّناعَةِ الحديثيّة : قال أبو عيسى : (( وما ذكرنا في هذا الكتابِ من اختيارِ الفُقَهاءِ .. فما كانَ من قولِ سُفْيانَ الثَّورِيِّ فأكثرُه ما حدَّثنا به محمدُ بن عثمانَ الكوفيُّ ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى عن سفيانَ الثوريِّ .. )). إِلى آخرِ ما ذكرهُ من الأسانيدِ التي نقلَ بها عن الفقهاءِ فقهَهُم وآراءَهُم التي أوردَهَا في كتابه(٢) . وهي فائدةٌ جليلةٌ في معرفةٍ صحَّةِ الأقوالِ ، وموقع آراءِ كلِّ إِمامٍ في مَذْهبه . وقال التّرمذيُّ: ((وما كان فيه من ذِكْرِ العِلَل في الأحاديثِ والرِّجالِ والتَّاريخ فهو ما استخرجتُه من كتاب ((التَّاريخ)) ، وأكثرُ ذلك ما ناظرتُ به محمدَّ بن إسماعيل ، ومنه ما ناظرتُ به عبدَ الله بن عبد الرّحمن ، وأبا زُرْعَةَ))(٣). وهذا بيانٌ هامٌ يدُلُّ على قوَّةٍ مُحتوى كتابِهِ (( الجامع )) من هذه العلومِ والمعارفِ لقوَّة مراجعها ، وهي هنا مراجعُ من كبارِ أئمَّةِ العِلْم . ثالثاً : بيانُ أصولٍ في علومِ الرُّواة : بَيَّن التِّرمذيُّ مشروعيَّة الجرحِ والتَّعديلِ ، وردّ على الذين انتقدُوا كلامَ المحدِّثين في ذلك ، بسَبَبِ تحرُّجهم من الغيبة التي توهَّمُوها في جَرْحٍ (١) ص٥ . (٢) انظر ص ٣٠-٣١. (٣) ص٣١ . ٢٤ تصدير المحقق لـ((شرح علل الترمذي) الضُّعفاء . وقد شدَّدَ التِّرمذيُّ النَّكيرَ عليهم، وعبَّرَ بقوله: ((وقد عابَ بعضُ من لا يفْهم .. ))(١). وبيَّن التِّرمذيُّ أقسامَ الرُّواةِ وأحوالَهم ، وحالَ كلِّ قسم . فمنهم من هو مُتَّهمٌ بالكذبِ أو كانَ مُغَفّلاً يخطىءُ الكثيرَ ، كما عبَّرَ التِّر مذيُّ (٢) . ومنهم من يتَّهمُ أو يضعَّفُ لغفْلته وكثْرةِ خطئِهِ ، ... ومنهم أهلُ صدقٍ وجَلالةٍ قد زكّاهم قومٌ بجلالتهم وصدقهم ، وتكلّم فيهم آخرونَ من قِبَلٍ حفْظِهم .. (٣) وأوضحَ التِّرمذيُّ حُكمَ كلِّ طبقةٍ مما سيأتيكَ بشرحِ الحافظِ ابن رجبٍ ، وأغفلَ طبقةً رابعةً هي طبقةُ الحفّاظِ المتقنين المثَّفْقِ على الاحتجاج بحديثهم ، فسكتَ عن هذا القسمِ للعلمِ به ووضوحِه ... ونبّه على اختلافِ العلماءِ في جرحٍ بعضِ الرواةِ وتعديلِهِم .. وبذلِكَ تناولَ في كتابه الأصلَ الأصيلَ لمقاصدِ علومِ الزُّواة . رابعاً : بيانُ أصولِ علمٍ الرِّواية : وقد بَيَّن التِّرمذيُّ في كتابِ ((العِلَلِ)): ١ - الرِّوايةَ بالمعنى: فحكى جوازَهَا عن أهلِ العِلْم، بشرطِ إِقامَةٍ الإِسنادِ وحِفظِهِ ، والإِتِيانِ بالمعنى دونَ تغييرٍ فيه ، ثم أشارَ إِلى تفاضُلٍ العُلماءِ في الرِّواية ، وأَنَّ خيرهم من يَروي الحديثَ بلفظِهِ ، أو بما يقرُب منه ، ثم مَنْ يروي بالمعنى (٤) . (١) ص٤٣-٤٤ ومواضع أخرى تليها . (٢) ص ٧٧ -٧٩ . (٣) ص ١٠٣ -١٠٤ . (٤) ص ١٤٥ - ١٤٦ . ٢٥ العلل للإمام الترمذي ٢- جوازَ التحمُّلِ بالعَرْضِ، وهو ((القراءة على الشَّيخ))، وجوازَ التحمُّل بالسَّماع منه. وذكر أَنَّ كلّ منهما جائزٌ عند أهلِ الحديثِ(١). ٣- كيفيةَ الأداءِ لمن تحمَّل بالعَرْض، وأَنَّهُ يجوزُ له عندَ الرِّوايةِ أن يقولَ: ((حَذَّثنا))، وأن يقولَ: ((أخبرَنَا)) عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ، وأَنَّ مِنْ أهلِ العلمِ من يمنعُ الرِّوايةَ بكلمةِ (« حدَّثنا)» ، ويخصُّها بالسَّماعِ من الشَّيخ(٢). ٤ - الإِجازةَ، وقد ذكرَ الخلافَ في جوازِ التحمُّلِ بها ، قال: (( وقد أجازَ بعضُ أهلِ الحديثِ الإِجازةَ ، إِذا أجازَ العالمُ لأحدٍ أن يرويَ لأحدٍ عنهُ شيئاً من حديثه فله أن یرویهُ عنه : حدَّثنا محمودُ بن غَيْلانَ حدثنا وَكِيْعٌ عن عمرانَ بن حُدَير عن أبي مِجْلَزْ عن بَشير بن نَهِيْك قال : كتبتُ كتاباً عن أبي هُريرةَ ، فقلتُ : أرويه عنكَ ؟ قال نعم )) فروى عدداً من الآثارِ في جوازها ، ثم ذكر مذهبَ المانعين فقال: (( قال عليٌّ - يعني ابنَ عبد الله المدینیَّ - سألتُ یحیی بن سعيدٍ عن حديثٍ ابن جريج عن عطاءِ الخراساني ؟ فقال : ضعيف ، فقلت إِنه يقول : أخبرني . فقال : لا شيء ؛ إِنما هو كتابٌ دَفَعَهُ إِليه )) انتهى . خامساً : التَّنبيهُ على أنواعٍ من الحديثِ من حيثُ القَبُولُ أو الرَّدُ : بَيَّن فيه : ١- الحديثَ الحَسَن : وقد ضبطَه بتعريفٍ بَيَّن فيه اصطلاحَهُ في الحَسَنِ(٣) وهو أليَقُ التعاريفِ بالحديثِ الحَسَن. (١) ص ٢٣٣ . (٢) ص٢٣٤_٢٣٥ . (٣) ص ٣٤٠ . ٢٦ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) ٢- حُكْمَ زيادةِ الثَّقةِ: وقد بيَّن قَبُولَها إِذا كانتْ من ثقةٍ يعتمدُ على حفظِهِ ، وقد أفادَ بهذا التنبيه فائدةً هامةً ، وأنه ليس كلُّ ثقةٍ تُقْبَلُ زيادتهُ . وانظر مزيداً من التفصيلٍ في ((الشَّرحِ)) وتعليقِنا عليه(١). ٣- وهناك الحديث الصَّحيح: لم يعرِّفه التِّرمذيُّ، اعتماداً على شُهْرتِهِ وظهورِ أمرهِ . ٤- الحديثَ المرسَلَ : ومرادُه بالمرسلِ ما يشمَل المنقطعَ ، كما هو اصطلاحُ التّرمذيِّ في ((جامعهِ))، واستعماله فيه . وقد بيَّن حُكمَه أنه لا يُحتجُّ به عندَ أكثرِ أهلِ الحديثِ (٢). ٥- الحديثَ المنكرَ : وقد ذكرَه في ضمنِ الغريبِ ، لأنه تفرَّدَ به الراوي الضعيفُ(٣). وبهذا وبما سبقَ يكونُ قد بيَّن ردَّ الحديثِ لثلاثةِ أسبابٍ هي : الطعنُ في الراوي كما سبق في أحكامِ الرُّواةِ ، وتمثيلهِ للحديثِ المنكرِ . والانقطاعُ في السَّندِ . والشُّذوذُ، كما يشير إِليه تعريفُه الحديثَ الحَسَنَ، وقولهُ فيه (( لم يكنْ شاذاً )). كما يكونُ قد بيَّن قَبُولَ الحديثِ لاستيفائِهِ صفاتِ القَبُولِ بغيرهِ كما في تعريف الحسن ، وبنفسِهِ بالأَوْلَى . سادساً : الكلامُ على الحديثِ الفَرْدِ : وسمَّاه : الحديثَ الغريبَ ، وقد تناولَ في بحثه كلَّ أنواعِ التَّفْرُّدِ ، (١) ص٤١٨ وما بعد . (٢) ص ٢٧٣ -٢٧٧ . (٣) ص٤٤٨ . ٢٧ العلل للإمام الترمذي وكيفيَّاتِهِ (١)، وجاء تقسيمُهُ له مناسِباً صحيحاً جامعاً لما فصَّله غيرُه، كما أشرنا في تعليقنا(٢) . ومِن هذا العَرْض نجدُ كتابَ ((العِلَلِ)) من ((جامع التِّرمذيِّ)» كتاباً جامعاً لأصولٍ هامَّةٍ لـ((جامع التِّرمذيِّ)) خاصةً، ولعلومِ الحديثِ بصفةٍ عامَّةٍ ، فإِنَّها مسائلُ تتناوَلُ أركاناً من أصولِ هذا العِلمِ ، أثنى عليها الأئمَّةُ، وذكروها في محاسنِ ((جامعِ التِّرمذيِّ))، كما قال ابنُ الأثيرِ : ((وفي آخرِهِ كتابُ ((العِلَلِ)» قد جمعَ فَه فوائدَ حسنةً لا يخفى قدرُها على من وَقَفَ عليها )) . العللُ أوَّلُ تأليفٍ في علوم الحديثِ : وبهذا كان الإِمامُ التِّرمذيُّ من السابقينَ إِلى التأليفِ في علومٍ الحديثِ ، قَبْلَ الإِمامِ أبي محمدِ الحسنِ بنِ عبد الرَّحمن الرَّامَهُزْمُزيِّ (المتوفى نحو سنة ٣٦٥) صاحبِ كتابٍ ((المُحدِّث الفاصِل بين الرَّاوي والواعي )) . وقد جاء في ((تذريبِ الرَّاوي)) (٣) للشُّيوطي قولُه: (( قال شيخُ الإِسلام - يعني الحافظَ ابنَ حجر - «أوَّلُ من صنَّفَ في الاصطلاحِ القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُزْمُزُّ فعملَ كتابَه «المحدِّث الفاصل))، لكنَّه لم يستوعِب ، والحاكمُ أبو عبد الله النَّيسابُوريُّ، لكنَّه لم يهذِّب ولم يرتِّب .. إلخ)» . ويظهر أنه وقع سَقَطْ للسُّيوطي في هذا النَّقْلِ عن الحافظِ ابنِ حجر ، (١) ص ٣٤٠-٣٤١ . (٢) ص ٤٠٦- ٤٠٧ . (٣) ص١٣ . ٢٨ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) أو سَقَطْ من نسخةِ ((التَّدريب))، وأصلُ الكلام (( فَمِنْ أوَّلِ مَنْ صنَّف .. )). يشهدُ لذلكَ كلامُ الحافظِ ابنِ حجرٍ نفسهِ في مطالِعِ (( شرحٍ نُخْبةٍ الفِكَرِ )) ، فقد قال - كما في طبعتنا عن أصلٍ وثيقٍ مقروءٍ على المؤلف - : (( فمِنْ أوَّلِ من صنَّفَ في ذلكَ : القاضِي أبو محمَّدِ الرَّامَهُزمُزِيُّ في كتابٍ (( المُحَدِّث الفَاصِل)) ، لكنه لم يستوعِبْ، والحاكمُ أبو عبدِ اللهِ النايسابوريُّ لكنه لم يهذِّبْ ولم يرتِّبْ .. )) إِلى آخرِ كلامه، مثل الكلامِ الذي نقلهُ عنهُ السيوطيُّ سواء . وفي نسخةٍ ((شرحِ النُّخْبة)) ، وشرحِه لعليٍّ القارِي(١) ما نصُّه: ((فمِمَّن صنَّ))، وفي نسخة: فمِنْ أوَّل من صنَّ ((في ذلكَ)) أي : في اصطلاحِ أهلِ الحديثِ (( القاضي أبو محمدٍ )) أي الحسن بن عبد الرّحمن بن خلَّ الرَّامَهُزْمُزِيُّ بفَتْح الميمِ الأولى ، وضمِّ الهاءِ ، وسكون الرَّاء ، وضمِّ الميم الثانية بعدَها زاي : بلدٌ بخُوزستان . وفي الكلام إِشعارٌ بوجودِ تعدّدِ التَّصنيف في قرنِ القاضي ، وعدمِ تحقّقٍ الأوَّلية )) انتهى كلامُ القارِي . ولو صحَّ النقلُ عن الحافظ أنه قال: ((أوّلُ من صنَّف)) لوجبَ ـ في رأينا - تفسيرُ كلامِه بأَنَّ مرادَه ((مِنْ أوَّلِ مَن صنَّف )) توفيقاً بين كلامِ الحافظِ نفسِهِ ، ثم توفيقاً بينه وبين الواقع أيضاً . وهذا الإِمامُ ابنُ المُلَقْنِ ( المتوفى سنة ٨٠٤هـ) يذكرُ التِّرمذيَّ في (١) ص٩ طبع الآستانة . وفي مطبوعة لبنان تحقيق الأخوين تميم : ١٣٧ (( فَمِنْ أوَّل مَنْ صنَّف في ذلك - أي: في اصطلاح أهل الحديث القاضي أبو محمد .. إلخ )) . ٢٩ العلل للإمام الترمذي مقدِّمة مَن صنَّفَ في هذا العلم ، فيقولُ في مُستهلِّ كتابهِ ((المقنعُ في علومِ الحديثِ))(١): ((وقد صنَّفَ فيه - يعني علومَ الحديثِ - من الأئمَّةِ : التِّرمذيُّ في ((جامعِهِ)) و((علله))، والحاكمُ في ((أصولِهِ)) و((مَدْخله)) ، والخطيبُ في ((كفايته)) وجامعهِ .. )). وهذا نصٌ واضحٌ، يتيحُ لنا أن نقولَ: إِنَّ كتابَ «العِللِ الصغير» للإِمام التِّر مذيِّ هو أوَّلُ كتابٍ صُنِّفَ في علوم الحديث ، فيما بَلَغَنا عِلمُه من التأليفِ في هذا الفنِّ ، والله تعالى أعلم . (١) لوحة ٢ من المصورة المحفوظة فى دار الكتب المصرية. ٣٠ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) الإِمامُ ابنُ رَجَب هو الإِمامُ الحافظُ العلاَّمةُ زينُ الدِّينِ عبدُ الرحمنِ بنُ أحمَدَ بنِ عبد الرّحمن الملقَّب رَجَب بنِ الحسنِ بنِ محمدِ بن أبي البَرَكاتِ مسعودٍ السَّلاميُّ البغداديُّ ثم الدمشقيُّ الحنبليُّ(١). الشهيرُ بابن رَجَب ، وهو لقبُ جدِّه عبدِ الرَّحمن ، واشتَهَرَت نسبةُ الحافظِ عبدِ الرَّحمن الحفيدِ إِليه ، فقيل (( ابنُ رَجَب)) . وُلدَ الحافظُ عبدُ الرَّحمن بنُ رَجَبٍ في بغدادَ ((سنة ٧٣٦هـ)). على التحقيقِ في تاريخ ولادته . وأما ما وَقَعَ في ((الدُّرَرِ الكَامِنَةِ)) أَنَّهُ ولد ((سنة ٧٠٦ )) فلعلَّه من سهو النَّسخ(٢)، لأنَّهم نصُوا على أَنَّ والدَهُ (( قَدِمَ به من بغدادَ إِلى دمشقَ وهو صغيرٌ سنة أربع وأربعين وسبعمائة)) ، ومن يولدُ سنة ستٍ وسبعمائة فوق أن يقال عنه : إِنه كبيرٌ في سنة ٤٤ فضلاً أن يقال : صغير . (١) كذا ذكر نسبَه الحافظُ ابن حجر في ((الدُّررِ الكامنة في أعيان المائة الثامنة ) ج٢ ص٤٢٨ وابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ١٨٠ والسُّيوطي في (( ذيل تذكرة الحفاظ)) ص٣٦٧ ومنه أثبتنا النِّسبة ((السلامي)) دون سابقيه. واقتصر ابنُ العماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) ج٦ ص٣٣٩ وابنُ حجر في (( إِنباء الغمر بأنباء العمر )) ج١ ص ٤٦٠ على نسبه إلى جده رجب عبد الرحمن فقط. ووقع في نسخة ((لحظ الألحاظ)) هكذا (( .. رجب بن عبد الرحمن))، وهو خطأ، الصوابُ ((رجب عبد الرحمن)) بدون ((ابن)) لأن رجباً لقبٌ لـ ((عبد الرحمن )) الجد . (٢) وقد سرى هذا إلى السيوطي في ((ذيله على التذكرة)) !!. ٣١ ترجمة الإمام ابن رجب ومما يدُلُّ على ذلك أَنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ أثبتَ التاريخَ في ((الدُّررِ الكامنةِ)) هكذا (٧٠٦) بالرّقم، وهذا يحتَمِلُ السَّهوَ والتَّصْحِيفَ كثيراً . وقد أثبتَ ابنُ حجر نفسُه تاريخَ ولادةِ ابنِ رجب (( سنة ستِّ وثلاثين وسبعمائة)) هكذا بالكتابة في (( إِنباءِ الغُمْر)) ، وهو نصٌّ في المطلوبِ ، لا يقبلُ النِّزاعَ ، فتعيَّنَ المصيرُ إِليه . وينحدرُ الحافظُ زينُ الدِّينِ بنُ رَجَبٍ من عائلةٍ علميةٍ عريقةٍ في العلمِ ، بل عريقةٍ في الإِمامةِ العلميةِ . فوالدهُ هو (( الشَّيخُ الإِمامُ المقرىءُ المحدِّثُ شهابُ الدينِ أحمد )» كما وصفه في (( شذَرَاتِ الذَّهبِ)) (١)، وقال الحافظُ ابنُ حجر في ((إِنباءِ الغُمْرِ))(٢): «ولدَ ببغدادَ ونشأ بها وقرأ بالرِّواياتِ وسمعَ من مشايخها ، ورحَلَ إِلى دمشقَ بأولاده ، فأسمَعهم بها وبالحجازِ والقدسِ ، وجلس للإِقراءِ بدمشقَ وانتُفْعَ به ، وكان ذا خيرٍ ودينٍ وعفاف ، ومات في هذه السنة - يعني أربع وسبعين وسبعمائة - أو التي قَبَلها)). كذلك جدُّهُ وُصِفَ بـ (( الشيخِ الإِمامِ المحدِّثِ أبي أحمد رجب عبد الرحمن))(٣). ومن هنا نستطيعُ القولَ : إِنَّ ابتداءَ طلبِ الحافظِ زينِ الدين للعلمِ والحديثِ بصفةٍ خاصَّةٍ كان منذُ نعومة أظفارهِ على جدِّه الإِمامِ المحدثِ ((رجب))، ثم على والده الإِمام المقرىء المحدِّث ((أحمد))، بل إِن توجيهاتِ هذا الوالدِ كانت ذاتَ أثرٍ كبيرٍ في تكوينِ الابنِ ، فقد نصُوا على أَنَّهُ (( اشتغلَ بسماعِ الحديثِ باعتناءِ والدِهِ )) . (١) ج٦ ص٣٣٩ . (٢) ج١ ص٣٧ . (٣) (( شذرات الذهب)) الموضع السابق. ٣٢ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) ويلوحُ لنا أَنَّ سَبَبَ رحلةٍ والدهِ من بغدادَ هو إِيثارُ الانتقالِ من بغدادَ التي فَقَدتْ منزلتها كعاصمةٍ للإِسلامِ ، حتى قد غادرتِ الخلافةُ بغداد (( سنة ٦٥٦ هـ)) بعد اجتياح التتار ثم نقلت إِلى القاهرة، وصارَ أمرُ الأقطارِ الإِسلاميَّة - قبل ذلك - إِلى الولاةِ الذين تَسمَّى بعضُهم باسم سلطان ، وبعضُهم باسم مَلِك ، وصارَ مقامُ الخليفةِ مطمعَ الطَّامعين والمتربِّصين .. حيث تكثرُ الهزَّاتُ والتغيراتُ مما لا يسمحُ بالاستقرارِ والتَّقدم العلمي ، فانتقلَ إِلى دمشقَ حيثُ كانتْ ألويةُ العلوم مرفوعةً ، ولاسيَّما علوم الحديثِ والتفسيرِ ، كما تسجّل ذلك تواريخُ تلكَ الفترةِ، وتشهدُ به كثرةُ دورِ العلمِ ودورِ الحديثِ التي ازدهرتْ في بلادِ الشَّام في ذلك العصرِ . وقد أسعَفَهُ الحظُّ بالتَّلقي عن كبارِ الأئمةِ في عصرِه ، فسمع بدمشقَ من محمد بن الخبَّازِ ، وإِبراهيمَ بن داودَ العطارِ ، وأجازَهُ ابن النَّيبِ صاحبُ الإِمام النَّووي(١) . وسمعَ من أبي الحرمِ محمَّد بن القلانِسي، وسمع بمكةَ الفخرَ عثمان بن يوسف ، وبمصرَ من صدرِ الدينِ أبي الفتح الميدوميِّ، ومن جماعةٍ من أصحاب ابن النَّجَّارِ ، ومن خلقٍ من رواة الآثار ، كما عبّروا في تأريخهم له . مما يدُلُّ على توسُّعه في التَّلقي عن الشيوخ ، وخصوصاً من أهلِ الحديثِ ونخصُّ بالذكر هنا مرافقَتَه في السَّماعِ للإِمامِ العراقيِّ عبدِ الرحيم بنِ الحسينِ ، وهو مَنْ هو ، وقد قال (١) ووقع في ((شذرات الذهب)) ج٦ ص٣٣٩: ((وأجازه ابن النقيب والنووي)). وهذا غيرُ معقولٍ، لأنَّ النوويَّ توفي ( سنة ٦٧٦ ) أي قبلَ ولادة الحافظِ ابن رجبٍ صاحب هذه الترجمة بستينَ سنة ، فالظاهرُ أنه وقع في النسخة سَقَط وتحريف . وقد تلقَّف هذا الغلطَ الأستاذُ سامي الدهان في ترجمته للحافظ ابن رجب ص١٧ من تقديمه (( لذيل طبقاتِ الحنابلةِ))، ولم يتنبّه لما فيه من الاستحالة . . ٣٣ ترجمة الإمام ابن رجب الحافظُ ابن حجر في (( إِنباء الغُمْر )) (١): ((ورافقَ شيخَنَا زينَ الدينِ العراقيَّ في السَّماعِ كثيراً)). وفي ((الدُّررِ الكامنةِ))(٢): ((وأكثرَ من المسموع وأكثرَ الاشتغالَ حتى مَهَرَ )) . وهذا التلقي عن العلماءِ، ومشافهتهم أساسٌ لا يعرفُ أسلافُنا طلبَ العلمِ بدونِهِ (٣)، وقد أتيحَ للحافظِ ابنِ رجب أعلى رتبةٍ منْهُ ، ووافقَ منه ألمعيةً ونبوغاً . نبوغُ ابن رجب ونباهةُ شأنه : وهكذا - بما أتيحَ للحافظِ ابنِ رجب من الغَرْسِ الأوَّل ومن تحصيلِهِ على أكابر أهلٍ عصرهِ - نبغَ بين أقرانِهِ نُبوغاً عظيماً ، ونَبَه شأنُه في العلمِ بصفةٍ عامةٍ ، وفي الحديثِ والفقهِ بصورةٍ خاصةٍ . أما في علمِ الحديثِ : فقد بلغَ درجةَ الإِمامةِ في فُنونِهِ ، بل في أَعْمَقِها وأجَلُّها ، وهو علمُ صناعةِ الأسانيدِ وفنِّ العِلَلِ ، حتى صارَ موئلَ طلّبٍ الحديثِ ومقصدَهُم ، لما ذاعَ له من صِيْتٍ وشُهرة ، وحسبُنا في هذا شهادةُ إِمام عصره الذي أدركَه وعاصَره وهو الحافظُ ابن حجرٍ العسقلانيُّ، فقد شهد له في ((إِنباء الغُمر)) فقال (٤): ((ومَهَرَ في فنونِ الحديثِ أسماءً ورِجالاً وعِلَلاً وطُرُقاً ، وإِطلاعاً على معانيه)) . (١) ج١ ص ٤٦٠. (٢) ج٢ ص٤٢٨ . (٣) بل لا يعدّونه عالماً بدون ذلك، مهما عَنْعَنَ ودَنْدَنَ، وإِن جهل ذلك للأسف كثيرٌ من شبابنا المثقَّفِ في هذا العصرِ ، أو تجاهلهُ بعضُ من له إلمامٌ بشروطٍ التكوينِ العلميِّ ، وخصوصاً علم الحديث . (٤) ج١ ص ٤٦٠ . ٣٤ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) وقال ابن حَجي(١): ((أتقنَ الفنَّ - يعني فنَّ الحديثِ -، وصارَ أعرفَ أهلٍ عصرهِ بالعِلل وتتبُّع الطُّرُقِ)). وأما في الفقه : فقدْ بَرَعَ فيهِ حتى صارَ من أعلامِ المذهبِ الحنبليِّ ، وهذا كتابُه ((القواعدُ الفقهيّة)) يدُلُّ على معرفةٍ تامةٍ بالمذهبِ ، كما شهدَ بذلكَ مؤرِّخوه ، ونضيفُ لذلك علمَه برجالِ المذهبِ وطبقاتِهِم وتراجمهم ، حتى ألَّفَ في ذلكَ كتاباً قيِّماً هو ((ذيلُ طبقاتِ الحنابلة)). وهكذا جمعَ الحافظُ ابنُ رجب بين الحديثِ والفقهِ ، ولم يفْصِلْ بينهما ، وهذا السَّبيلُ هو طريقُ المحدِّثين الكِبار ، قلَّما تجدُ واحداً منهم إِلا وهو متفقٌّهُ بل مَرْجِعٌ في الفِقه على أحدِ المذاهبِ المعمولِ بها ، خلافاً لما ابتدَعَهُ بعضُ مَنْ نصَبَ نفسَهُ مُحدِّثاً في هذا العصرِ من فَصْلِ الحديثِ عن الفقه ، حتى راحَ يتمادى في الشُّذوذاتِ المصادِمَةِ لصرائح الأَدلّة ، والمخالفةِ للإِجماع ، بدعوى الاجتهادِ والعملِ بالحديث .. ؟! ولا حولَ ولا قوة إلا بالله . وقد نذرَ الحافظُ ابن رجبٍ نفسَه للعلمِ والعملِ والدَّعوةِ ، فاعتزلَ الناسَ ومجتمعاتهم، كما قالوا: ((وكانَ لا يعرفُ شيئاً من أمورِ النَّاسِ ، ولا يترددُ إِلى أحدٍ من ذَوي الولاياتٍ))(٢) . ولعل ذلكَ من جملةِ أسبابِ ما اختصَّ بِهِ واشتَهَرَ من الصَّفاءِ ونفاذِ الرُّوحِ ، وتأثيرِ الكلمةِ ، كما قالوا : (( وكانتْ مجالسُ تذكيرِهِ للقلوبِ صادعةً ، وللنَّاسِ عامةً مباركةً نافعةً ، اجتمعتْ الفِرَقُ عليهِ ، ومالت القلوبُ بالمحبَّة إِليه )) . (١) فيما نقله الحافظ ابن حجر أيضاً في ((إِنباء الغمر)) ج١ ص١٦١. (٢) المرجع السابق و((شذرات الذهب)) ج٦ ص٣٣٩. ٣٥ ترجمة الإمام ابن رجب كما أَنَّ من العواملِ المؤثّرةِ في ذلكَ ثروتَه العلميَّة النَّقْليَّة ، بعلِمه في القرآنِ ، وتمكُّنه وتوسُّعه في علمِ الحديثِ بما فيه من الأخبارِ المرفوعةِ ، والسيرةِ والفضائلِ والمناقبِ ، وأخبارِ الصَّحابةِ وحياتِهِم والسَّلَفِ عامةً ، وتلكَ موادٍّ هامةٌ في دروسِ الوعظِ والتذكيرِ العام ، وقد قال الحافظُ أبو عُمر بنُ عبد البَر(١): ((ولا خلافَ علمتُه بين العلماءِ أن الوقوفَ على معرفةِ أصحابِ رسولِ الله ◌َِّ من أوكَدِ علمِ الخاصَّةِ ، وأرفعٍ علمِ الخَبَرِ ، وبه سادَ أهلُ السِّيرِ )). ثناءُ العلماءِ عليه : نالَ الحافظُ ابنُ رجب من ثناءِ العلماءِ أعلا عباراتِهم وأوفاها ، نذكرُ طائفةً من كلماتِهم هنا ، وإِن ذكرنا منها في أثناءِ دراستنا : قال ابن فَهْدٍ في صفة ابنِ رجب(٢) «الإِمامُ الحافظُ الحجَّةُ ، والفقيهُ العُمدة ، أحدُ العلماءِ الزُّهاد ، والأئمةِ العبَّادِ ، مفيدُ المحدثين ، واعظُ المسلمين .. )) . وقال السُّيوطيُّ(٣): ((الإِمامُ الحافظُ، المحدِّثُ الواعظُ ، زينُ الدين عبدُ الرحمن .. )). وقال ابنُ فَهْد أيضاً(٤): (( كان رحمه الله تعالى إِماماً وَرِعاً زاهداً ، مالتِ القلوبُ بالمحبَّة إِليه ، وأجمعتِ الفِرَقُ عليه ، كانتْ مجالسُ تذكيرهِ النَّاسَ عامةً نافعةً ، وللقلوبِ صادعةً )). (١) في مطلع كتابه ((الاستيعاب بمعرفة الأصحاب)) ج١ ص٨ بذيل ((الإِصابة)). (٢) في (( لحظ الألحاظ )) ص ١٨٠ . في (( ذيل تذكرة الحفاظ)» ص ٣٦٧ . (٣) (٤) ((لحظ الألحاظ)) ص١٨١. ٣٦ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)» وقال ابنُ العمادِ الحنبليّ(١): ((الحافظُ زينُ الدِّين وجمالُ الدِّين أبو الفرج عبدُ الرحمن الشيخُ الإِمامُ العالِمُ العلَّمَةُ ، الزَّاهِدُ القدوةُ البركةُ ، الحافظُ العمدةُ، الثِّقةُ الحجةُ .. )). (( وكانتْ مجالسُ تذكيرهِ للقلوبِ صادعةً ، وللناس عامةً مباركةً نافعةً ، اجتمعتِ الفِرَقُ عليه ، ومالتِ القلوبُ بالمحبَّةِ إِليه ، وله مصنفاتٌ مفيدةٌ ، ومؤلفاتٌ عديدة)). وقال ابن العمادِ أيضاً (٢): ((وكانَ لا يعرفُ شيئاً من أمورِ النَّاسِ، ولا يتردَدُ إِلى أحدٍ من ذوي الولايات ، وكان يسكنُ بالمدرسةِ السُّكَّرِيَّةِ بالقَصَّاعين)). وقال الحافظُ ابن حَجَر في (( إِنباء الغُمْرِ))(٣): ((وكانَ صاحِبَ عبادةٍ وتهجُّد، ونُقِمَ عليه إِفتاؤُه بمقالاتِ ابن تَيْمِيَّةَ، ثم أظهرَ الرجوعَ عن ذلكَ ، فنافَرَهُ التَّيمُّون ، فلم يكن مَعَ هؤلاءِ ولا هؤلاءِ ، وكان قد تَركَ الإِفتاء بآخرة )) اهـ . ونقول : إِنه تركَ الإِفتاءَ لكونه آثرَ قطعَ أسبابِ الَّشويشِ من بعضٍ الذين لا يعقلونَ مصلحةَ الإِسلام ، كما نراه في زَمننا ، وقد تركَ من الأكابرِ التدريسَ والإِفتاءَ لمثلِ ذَلكَ من الأسبابِ ، كما فعله الإِمامُ السيوطيُّ، وصنَّفَ في ذلك رسالةً خاصة شرحَ سَبَبَ صنيعِهِ هذا . مؤلفاتُ الحافظِ ابنِ رجب : ذكر لنا مؤرِّخو الإِمام ابنِ رجب مجموعةً قيِّمةً من المؤلّفَاتِ ، كلُّها مفيدٌ نافعٌ : (١) في ((شذرات الذهب)) ج٦ ص٣٣٩. (٢) المرجع السابق . (٣) ج١ ص٤٦٠ . ٣٧ ترجمة الإمام ابن رجب قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: صنَّفَ ((شرحَ التِّرمذيِّ)) فأجادَ فيه نحو عشرينَ مجلَّدة، وشرحَ قطعةً كبيرةً من (( البخاريِّ))، وعَمِلَ وظائفَ الأيَّام وسمَّاه ((اللطائف)) بطريق الوعظ، وفيه فوائد، و((القواعد الفقهيّة)) أجادَ فيه .. وخرَّجَ لنفسه مَشْيَخَةً مفيدةً)) (١). وقال ابن العماد الحنبليّ(٢): (( له مصنفاتٌ مفيدة، ومؤلفاتٌ عديدة .. )) . وقال ابن فَهْد (٣): («له المؤلفاتُ السَّديدة ، والمصنفاتُ المفيدة .. )) . وقد ذكروا له من مؤلفاته جملةً قيّمة على سبيل التَّذكرة ، لا على سبيل الاستيعاب ، ثم أسفرَ البحثُ عن مجموعةٍ كبيرةٍ من التّآليفِ تُقارِبُ الأربعينَ(٤) ما بين مجلداتٍ كثيرة مثل (( شرح الترمذي)) إِلى الأجزاءِ الصغيرةِ . ونجدُ مؤلفاتِهِ متنوعةً في فنونِ الفقهِ ، والحديثِ ، والتَّاريخ ، والوعظِ والتثقيفِ العام ، وكلُّها مسدّدٌ مفيدٌ : فمِنْ كُتبهِ في الفقْهِ : ١ - (( الاستخراجُ لأحكامِ الخَرَاجِ )) طُبع بمصرَ بتصحيحِ الشيخ عبد الله الصِّدیق في نحو عشر كراريس . ٢ - ((القواعدُ الفقهيَّة)) مطبوع، وقد سمعتَ ثناءَ العلماءِ عليه. (١) عن ((الدرر الكامنة)) ج ٢ ص٤٢٩، و((إِنباء الغمر)) ج١ ص ٤٦٠. (٢) في (( شذرات الذهب)) ج٦ ص٣٣٩. في (( لحظ الألحاظ )) ص١٨١ . (٣) (٤) انظر مقدمة سامي الدهان على ((ذيل طبقات الحنابلة)) ص ٢٢ -٢٣. ٣٨ تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)) ٣ - ((مسألةُ الصلاةِ يومَ الجمعةِ بعد الزَّوالِ وقَبْلَ الصَّلاة)). ٤ - ((القولُ في تزويج أمَّهات أولادِ الغياب)). ٥ - (( الكشفُ والبيان عن حقيقة النذورِ والأَيمان)). ٦ - رسالة قيمة في الرد على مَن تبع غير المذاهب الأربعة . ط . ومن کُتبه في التّاريخ : كتابُه القيِّم: (( ذيلُ طبقاتِ الحنابلة)) المطبوعُ في مجلّدين . وهو سِجِلٌّ حافل لأعلام المذهب ، ذيّلَ به على طبقاتِ الحنابلةِ لابن أبي يعلى (١). ومن مؤلفاتِهِ في الوعظِ والتَّثقيفِ العام : ١ - (( فَضْلُ علمِ السَّلفِ على علم الخلفِ)) مطبوعٌ . ٢ - (( لطائِفُ المعارفِ فيما لمواسِم العام من الوظائف)) (مطبوعٌ) . وقد سمعتَ الثناءَ عليه . ٣- ((صفةُ النار والتحذيرُ من دار البوار)). وقد طُبع له كتاب باسم ((التخويف من النار)) فلعله هو ، وهو بحجم الاستخراج . ٤ - (( أهوالُ يوم القيامة)) (٢). (١) وأما نسبتهُ إِلى أبي يعلى كما وقع في ((إِنباء الغُمْر)) فتساهُلٌ أو سهو، وقد ذهل محققُ ((إِنباء الغُمْر)) عن ذلك، على الرغم من التنبيه عليه في ((ذيل تذكرةٍ الحفّاظ)» ، فتأمل . (٢) قال محققُ ذيلِ ((طبقات الحنابلة)) في تقديمه: ((لعله كتابُ أهوال القبور .. )) وهذا فيه بُعدٌ كثيرٌ، وهو يدُلُّ على اختلاط الأمرِ على كاتبِ التَّقديم ، وأنه لُتُسَ عليه عذاب القبر بأهوال موقفِ الحشر ..!! . ٣٩ ترجمة الإمام ابن رجب ٥ - ((أهوالُ القبور)) مطبوعٌ في نحو عشرِ كراريس . ٦ - ((الفَرْقُ بين النُصْح والتَّعيير)). وأما مؤلَّفاتُه في الحديث : فتشغَلُ الحيِّزَ الأكبرَ ، وكثيرٌ منها شرحٌ لحديثٍ أو أحاديثَ في الوعظِ والتذكيرِ ، ومنها كتبٌ ضخمَةٌ جامعةٌ . فمن ذلك : ١ - (( شَرْحُ جامع التِّرمذيِّ)) في عشرينَ مجلداً ، وقد مرَّ بكَ الثناءُ عليه ، ولم نعثُر منه إِلا على هذه القِطعة، التي هي ((شرحُ عِلْلِ التِّرمذيِّ)). ٢ - (( شرحُ البخاريِّ)) لم يكملْ، وصل فيه إِلى الجنائزِ، وسمَّاه ((فَتْح الباري)) قال ابن العماد: ((ينقلُ فيه كثيراً من كلام المتقدِّمين)). طبع مؤخراً طبعتين كل منهما بتحقيق مستقل . ٣- ((اختيارُ الأَوْلَى شرحُ حديث اختصام الملأ الأعلى)» مطبوعٌ. ٤ - (( شرحُ الأربعينَ النوويّةِ))، وهو شرحٌ حافلٌ لا مثيل له ، وقد أضافَ فيه ثمانيةَ أحاديث فكملتْ خمسينَ حديثاً ، وهو مطبوعٌ بعنوان : (( جامعُ العلومِ والحِكَم في شرحٍ خمسينَ حديثاً من جَوامِعِ الكَلِم ». ٥- شرحُ حديث: (( ما ذئبانِ جائعانِ)). طَبعَ مع ((جامع بيانِ العلمِ وفضلهِ)) لابن عبد البَر. ولعله هو كتاب ((ذمّ المالِ والجاه )) الذي ذكروه ، لأن موضوعه هو هو . ٦- شرحُ حديث: (( من سَلَكَ طريقاً يلتمسُ فيه علماً)). طبعه محبُّ الدينِ الخطيبُ باسم ((شرحُ حديث أبي الدَّرداء)). ٧- (( نورُ الاقتباسِ من مشكاةٍ وصيَّ النبي ◌َّرَ لابن عباسٍ))، طبع أيضاً بمصر .