النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
وأوضح الترمذي حكم كل طبقة مما سيأتيك بشرح الحافظ ابن رجب ،
وأغفل طبقة رابعة هي طبقة الحفاظ المتقنين المتفق على الاحتجاج بحديثهم ،
فسكت عن هذا القسم للعلم به. ووضوحه ... ونبه على اختلاف العلماء في جرح
بعض الرواة وتعديلهم ...
وبذلك تناول في كتابه الأصل الأصيل لمقاصد علوم الرواة .
رابعاً : بيان أصول علم الرواية :
وقد بين الترمذي في كتاب العلل :
١ - الرواية بالمعنى: فحكى جوازها عن أهل العلم، بشرط إقامة الإسناد
وحفظه، والإتيان بالمعنى دون تغيير فيه، ثم أشار إلى تفاضل العلماء في الرواية
وأن خيرهم من يروي الحديث بلفظه، أوبما يقرب منه، ثم من يروي بالمعنى(١).
٢ - جواز التحمل بالعرض، وهو ((القراءة على الشيخ))، وجواز التحمل
بالسماع منه . وذكر أن كلا منهما جائز عند أهل الحديث (٣).
٣ - كيفية الأداء لمن تحمل بالعرض وأنه يجوز له عند الرواية أن يقول:
(((حدثنا))، وأن يقول: ((أخبرنا)» عند أكثر أهل العلم، وأن من أهل العلم
من يمنع الرواية بكلمة ((حدثنا)) ويخصها بالسماع من الشيخ (٣).
٤ - الإجازة، وقد ذكر الخلاف في جواز التحمل بها، قال: ((وقد أجاز
بعض أهل الحديث الإجازة ، إذا أجاز العالم لأحد أن يروي لأحد عنه شيئاًمن
حديثه فله أن يرويه عنه :
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع عن عمران بن حدير عن أبي مجلز عن
(١) ص ١٤٥ - ١٤٦.
(٢) م. ٢٣٣.
(٣) ص ٢٣٤ - ٢٣٥.

- ٢٢ -
بشير بن نهيك قال: كتبت كتاباً عن أبي هريرة، فقلت: أرويه عنك ؟ قال
نعم)) فروى عدداً من الآثار في جوازها، ثم ذكر مذهب المانعين فقال: ((قال
علي - يعني ابن عبد الله المديني - سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج
عن عطاء الخراساني ؟ فقال: ضعيف، فقلت إنه يقول: أخبرني . فقال:
لاشيء؛ إنما هو كتاب دفعه إليه)) انتهى .
خامساً : التنبيه على أنواع من الحديث من حيث القبول أو الرد :
بين فيه :
١ - الحديث الحسن: وقد ضبطه بتعريف بين فيه اصطلاحه في الحسن ١٧)
وهو أليق التعاريف بالحديث الحسن .
٢ - حكم زيادة الثقة وقد بين قبولها إذا كانت من ثقة يعتمد على حفظه،
وقد أفاد بهذا التنبيه فائدة هامة، وأنه ليس كل ثقة تقبل زيادته وانظر مزيداً
من التفصيل في الشرح وتعليقنا عليه (٢) .
٣ - وهناك الحديث الصحيح، لم يعرفه الترمذي، اعتماداً على شهرته
وظهور أمره .
٤ - الحديث المرسل، ومراده بالمرسل مايشمل المنقطع ، كما هو اصطلاح
الترمذي في جامعه، واستعماله فيه. وقد بين حكمه أنه لا يحتج به عند أكثر
أهل الحديث (٣).
٥ - الحديث المنكر: وقد ذكره في ضمن الغريب ، لأنه تفرد به الراوي
الضعف (٤) .
(١) ص ٣٤٠.
(٢) ص ٤١٨ وما يعد .
(٣) ص ٢٧٣ - ٢٧٧.
( ٤) ص ٤٤٨ .

- ٢٣ -
وبهذا وبما سبق يكون قد بين رد الحديث لثلاثة أسباب هي : الطعن في
الراوي كما سبق في أحكام الرواة، وتمثيله للحديث المنكر. والانقطاع في السند.
والشذوذ، كما يشير إليه تعريفه الحديث الحسن، وقوله فيه ((لم يكن شاذاً)
كما يكون قد بين قبول الحديث لاستيفائه صفات القبول بغيره كما في تعريف
الحسن ، وبنفسه بالأولى .
سادساً : الكلام على الحديث الفرد :
وسماء الحديث الغريب ، وقد تناول في بحثه كل أنواع التفرد، وكيفياته (١)،
.وجاء تقسيمه له مناسباً صحيحاً جامعاً لما فصله غيره، كما أشرنا في تعليقنا (٢).
ومن هذا العرض نجد كتاب العدل من جامع الترمذي كتاباً جامعاً لأصول
هامة لجامع الترمذى خاصة ولعلوم الحديث بصفة عامة ، فإنها مسائل
تتناول أركاناً من أصول هذا العلم، أثنى عليها الأئمة ، وذكروها في
محاسن جامع الترمذى، كما قال ابن الأثير: ((وفي آخره كتاب العلل قد جمع
فيه فوائد حسنة لايخفى قدرها على من وقف عليها)).
العلل أول تأليف في علوم الحديث :
وبهذا كان الإمام الترمذي من السابقين إلى التأليف في علوم الحديث،
قبل الإمام أبي محمد الحن بن عبد الرحمن الرامَهْرْ مُزي المتوفى نحو سنة ٣٦٥
صاحب كتاب ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي.)).
وقد جاء في تدريب الراوي (٣) للسيوطي قوله :
(١) ص ٣٤٠-٠٣٤١
(٢) ص ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٣) ص ١٣.

- ٢٤ -
(((قال شيخ الإسلام - يعني الحافظ ابن حجر - ((أول من صنف في
الاصطلاح القاضي أبو محمد الرامهرمزي فعمل كتابه المحدث الفاصل ، لكنه لم
يستوعب، والحام أبو عبد الله النيسابوري، لكنه لم يذب ولم
يرتب ... الخ )).
ويظهر أنه وقع سقط للسيوطي في هذا النقل عن الحافظ ابن حجر ،
أو سقط من نسخة التدريب، وأصل الكلام ((فمن أول من صنف ... )).
يشهد لذلك كلام الحافظ ابن حجر نفسه في شرح نخبة الفكر حيث قال كما
في طبعة مصر (١) :
(« فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهر مزي في كتاب
(((المحدث الفاصل))، لكنه لم يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه
لم يهذب ولم يرتب ... )) إلى آخر كلامه، مثل الكلام الذى نقله عنه السيوطي
سواء .
وفي نسخة شرح النخبة وشرحه لعلي القاري (٢) ما نصه:
((فمن صنف))، وفي نسخة: فمن أول من صنف ((في ذلك)) أي في
اصطلاح أهل الحديث (القاضي أبو محمد)) أى الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد
الرامَهْر مُزي بفتح الميم الأولى وضم الهاءوسكون الراء وضم الميم الثانية بعدها:
زاي : بلد بخوزستان ، وفي الكلام إشعار بوجود تعدد التصنيف في قرن
القاضي وعدم تحقق الأولية)، انتهى كلام القاري .
ولو صح النقل عن الحافظ أنه قال: ((أول من صنف الوجب ـ في رأينا -
تفسير كلامه بأن مراده ((من أول من صنف)) توفيقاً بين كلام الحافظ نفسه، ثم
(١) ص ٣ تحقيق الشيخ رضوان محمد رضوان .
(٢) ص ٩ طبخ الأستانة.
۔۔

- ٢٥ -
توفيقاً بينه وبين الواقع أيضاً .
وهذا الإمام ابن الملقن ( المتوفي سنة ٨٠٤ هـ) يذكر الترمذي في مقدمة
مَن صنف في هذا العلم، فيقول في مستهل كتابه ((المقنع في علوم الحديث)) (١):
((وقد صنف فيه - بعني علوم الحديث - من الأئمة: الترمذي في جامعه وعلله،
والحاكم في اصوله ومدخله، والخطيب في كفايته وجامعه ... )
وهذا نص واضح، يتيح لنا أن نقول: إن كتاب ((العلل الصغير)) للامام
الترمذي هو أول كتاب صنف في علوم الحديث ، فيما بلغنا علمه من التآليف في
هذا الفن، واشتعالى أعلم .
(١) لوحة ٢ من المصورة المحفوظة في دار الكتب المصرية،

- ٢٦ -
الإمام ابن رجب
هو الامام الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن
الملقب رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي ثم:
الدمشقي الحنبلي (١). الشهير بابن رجب، وهو لقب جده عبد الرحمن، واشتهرت
نسبة الحافظ عبد الرحمن الحفيد إليه، فقيل ((ابن رجب)).
ولد الحافظ عبد الرحمن بن رجب في بغداد سنة ٧٣٦هـ. على التحقيق في
تاريخ ولادته .
وأما ماوقع في الدرر الكامنة أنه ولد (سنة ٧٠٦)) فلعله من مهو النسخ(١٢)
لأنهم نصوا على أن والده ((قدم به من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة أربع
وأربعين وسبعمائة))، ومن يولد سنة سنة ست وسبعمائة فوق ان يقال عنه إنه
كبير في سنة ٤٤ فضلا أن يقال : صغير .
ومما يدل على ذلك أن الحافظ ابن حجراثبت التاريخ في الدرر الكامنة هكذا
(٧٠٦) بالرقم، وهذا يحتمل السهو والتصحيف كثيراً. وقد اثبت ابن حجر
(١) كذا ذكر نسبه الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ج ٢
ص ٤٢٨ وابن فهد في لحظ الألحاظ س ١٨٠ والسيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٦٧
ومنه أثبتنا النسبة ((السلامي)) دون سابقيه. واقتصر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب
ج ٦ ص ٣٣٩ وابن حجر في إنباء الغمر بأنباء العمرج ١ ص ٤٦٠ على نسبه الى جده
رجب عبد الرحمن فقط .
ووقع في نسخة لحظ الألحاظ هكذا (( .. رجب بن عبد الرحمن)»، وهو خطأ،.
الصواب ((رجب عبد الرحمن)) بدون ((ابن)) لأن رجباً لقب لـ ((عبد الرحمن)) الجد.
(٢) وقد سرى هذا إلى السيوطي في ذيله على التذكرة ! !.

- ٢٧ -
نفسه تاريخ ولادة ابن رجب ( سنة ست وثلاثين وسبعمائة)» هكذا بالكتابة
في إنياء الغُمْر، وهو نص في المطلوب، لا يقبل النزاع، فتعين المصير إليه.
وينحدر الحافظ زين الدين بن رجب من عائلة علمية عريقة في العلم ، بل
عريقة في الامامة العلمية .
فوالده هو ((الشيخ الأمام المقرىء المحدث شهاب الدين أحمد)، كما وصفه
في شذرات الذهب (١)، وقال الحافظ ابن حجر في إنباء الغُمْر (٢): "ولد
ببغداد ونشأ بها وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده،
فأسمعهم بها وبالحجاز والقدس ، وجلس للإقراء بدمشق وانتفع به ، و كان ذا
خير ودين وعفاف، ومات في هذه السنة - يعني أربع وسبعين وسبعمائة -
أو التي قبلها » .
كذلك جده وصف بأنه «الشيخ الامام المحدث أبي أحمد رجب عبد الرحمن»(١٣
ومن هنا نستطيع القول : إن ابتداء طلب الحافظ زين الدين للعلم والحديث
بصفة خاصة كان منذ نعومة أظفاره على جده الإمام المحدث ((رجب،، ثم
على والده الامام المقرىء المحدث ((أحمد)، بل إن توجيهات هذا الوالد كانت
ذات أثر كبير في تكوين الابن ، فقد نصوا على أنه «اشتغل بسماع الحديث
باعتناء والده ».
وبلوح لنا أن سبب رحلة والده من بغداد هو إيثار الانتقال من بغداد التي
فقدت منزلتها كعاصمة حقيقية الاسلام ، وصارت فيها الخلافة هيكلاً لاروح
فيه ، ولاقوة، وصار أمر الأقطار الإسلامية إلى الولاة الذين تسمى بعضهم
باسم سلطان، وبعضهم باسم ملك، وصار مقام الخليفه مطمع الطامعين
(١) ج ٦ ص ٠٣٣٩
(٢) ج ١ ص ٣٧.
(٣) شذرات الذهب الموضع السابق .

- ٢٨ -
والمتربصين ... حيث تكثر الهزات والتغيرات مما لايسمح بالاستقرار والتقدم
العلمي، فانتقل إلى دمشق حيث كانت ألوية العلوم مرفوعة، ولاسيما علوم.
الحديث والتفسير ، كما تسجل ذلك تواريخ تلك الفترة، وتشهد به كثرة دور العلم
ودور الحديث التي ازدهرت في بلاد الشام في ذلك العصر .
وقد أسعفه الحظ بالتلقي عن كبار الأئمة في عصره ، فمع بدمشق من
محمد بن الخباز ، وإبراهيم بن داود العطار، وأجازه ابن النقيب صاحب الامام
النووي (١). وسمع من أبي الحرم محمد بن القلانسي، وسمع بمكة الفخر عثمان
بن يوسف ، وبمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي، ومن جماعة من أصحاب
ابن النجار ، ومن خلق من رواة الآثار ، كما عبروا في تأريخهم له . مما يدل على
توسعه في التلقي عن الشيوخ، وخصوصاً من أهل الحديث ونخص بالذكر هنا:
مرافقته في السماع للامام العراقي عبد الرحيم بن الحسين، وهو من هو، وقد
قال الحافظ ابن حجر في إنباء الغُمْر (٢): ((ورافق شيخنا زين الدين العراقي.
في السماع كثيراً)). وفي الدرر الكامنة (٢): «وأكثر من المسموع وأكثر
الاشتغال حتى مهر » :
وهذا التلقي عن العلماء، ومشافهتهم أساس لا يعرف أسلافنا طلب العلم
بدونه (٤)، وقد أتيح للحافظ ابن رجب أعلى رتبة منه ، ووافق منه
المعية ونبوغاً .
(١) ووقع في شذرات الذهب ج ٦ ص ٣٣٩: ((وأجازه ابن النقيب والنووي)).
وهذا غير معقول، لأن النووي توفي سنة ٦٧٦ أي قبل ولادة الحافظ ابن رجب
صاحب هذه الترجمة بستين سنة، فالظاهر أنه وقع في النسخة سقط وتحريف .
وقد للقف هذا الغلط الاستاذ سامي الدهان في ترجمته للحافظ ابن رجب ص ١٧ من
تقديمه لذيل طبقات الحنابلة ، ولم يتنبه لما فيه من الاستحالة ..
(٢) ج ١ ص ٤٦٠.
(٣) ج ٢ ص ٤٢٨.
(٤) بل لا يعدونه عالماً بدون ذلك، مها عنعن ودندن ، وإن جهل ذلك للأسف كثير.
من شبابنا المثقف في هذا العصر، أو تجاهله بعض من له إلام بشروط التكوين العلمي،
وخصوصاً علم الحديث .

- ٢٩ -
نبوغ ابن رجب ونباهة شأنه :
وهكذا - بما أتيح للحافظ ابن رجب من الغرس الأول ومن تحصيل على أكابر
أهل عصره - نبغ بين أقرانه نبوغاً عظيماً ، ونبه شأنه في العلم بصفة عامة ،
وفي الحديث والفقه بصورة خاصة .
أما في علم الحديث: فقد بلغ درجة الامامة في فنونه، بل في أعمقها وأجلها،
وهو علم صناعة الأسانيد وفن العلل، حتى صارموئل طلاب الحديث ومقصدهم،
لما ذاع له من صيت وشهرة، وحسبنا في هذا شهادة امام عصره الذي أدركه
وعاصره وهو الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد شهد له في إنباء الغمر فقال (١):
((( ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعلاً وطرقاً، وإطلاعاً على معانيه)».
وقال ابن حجي (٢) : أتقن الفن - يعني من الحديث - ، وصار أعرف
أهل عصره بالعدل وتتبع الطرق ) .
وأما في الفقه: فقد برع فيه حتى صار من أعلام المذهب الحنبلي، وهذا
كتابه ((القواعد الفقهية)» يدل على معرفة تامة بالمذهب، كما شهد بذلك
مؤرخوه، ونضيف لذلك علمه برجال المذهب وطبقاتهم وتراجمهم، حتى ألف
في ذلك كتاباً قيماً هو ((ذيل طبقات الحنابلة)».
وهكذا جمع الحافظ ابن رجب بين الحديث والفقه ، ولم يفصل بينهما ،
وهذا السبيل هو طريق المحدثين الكبار ، قلما تجد واحداً منهم إلا وهو
متفقه بل مرجع في الفقه على أحد المذاهب المعمول بها ، خلافاً لما ابتدعه بعض
من نصَبَ نفسه محدثاً في هذا العصر من فصل الحديث عن الفقه ، حقراح يتمادى
(١) ج ١ ص ٤٦٠.
(٢) فيما نقله الحافظ ابن حجر أيضاً في إنباء الغمر ج ١ ص ٤٦١.

- ٣٠ -
في الشذوذات المصادمة لصرائح الأدلة ، والمخالفة للاجماع ، بدعوى الاجتهاد
والعمل بالحديث .. ؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ابن رجب نفسه للعلم والعمل والدعوة ، فاعتزل التناس
وقد نذر الحافظ
ومجتمعاتهم، كما قالوا: ((وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحد
من ذوي الولايات (١))).
ولعل ذلك من جملة أسباب ما اختص به واشتهر من الصفاء ونفاذ الروح،
وتأثير الكلمة، كما قالوا: ((وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، والناس:
عامة مباركة نافعة، اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه))
كما أن من العوامل المؤثرة في ذلك ثروته العلمية النقلية، بعلمه في القرآن ،
وتمكنه وتوسعه في علم الحديث بما فيه من الأخبار المرفوعة، والسيرة والفضائل
والمناقب ، وأخبار الصحابة وحياتهم، والسلف عامة ، وتلك مواد هامة في
دروس الوعظ والتذكير العام، وقد قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر (٢) .
((ولا خلاف علمته بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب رسول الله
من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم الخبر، وبه ساد أهل السَّيْرٍ».
ثناء العلماء عليه :
قال الحافظ ابن رجب من ثناء العلماء أعلا عباراتهم وأوفاها، نذكر طائفة
من كلماتهم هنا، وإن ذكرنا منها في أثناء دراستنا :
قال ابن فهد في صفة ابن رجب (٢): «الامام الحافظ الحجة، والفقيه
(١) المرجع السابق وشذرات الفهما ج ٦ ص ٣٣٩.
(٢) في مطلع كتابه الاستيعاب بمعرفة الأصحاب ج ١ ص ٨ بذيل الاصابة.
(٣) في لحظ الألحافظ ص ١٨٠.

- ٣١ -
العمدة، أحد العلماء الزهاد. والأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين .. »
وقال السيوطي (١): الامام الحافظ، المحدث الواعظ ، زين الدين عبد
الرحمن . .».
وقال ابن فهد أيضاً (٢): ((كان رحمه الله تعالى إماماً ورعاً زاهداً، مالت
القلوب بالمحبة إليه ، وأجمعت الفرق عليه ، كانت مجالس تذكيره الناس عامة
نافعة، وللقلوب صادعة )).
وقال ابن العماد الحنبلي (٢): ((الحافظ زين الدين وجمال الدين أبو الفرج عبد
الرحمن الشيخ الإمام العالم العلامة ، الزاهد القدوة البركة ، الحافظ العمدة ،
الثقة الحجة . .).
(( وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة،
اجتمعت الفرق عليه ، ومالت القلوب بالمحبة إليه ، وله مصنفات مفيدة ،
ومؤلفات عديدة )) .
وقال ابن العماد أيضاً (٤): «وكان لا يعرف شيئاً من أمور الناس، ولا يترد.
إلى أحد من ذوي الولايات ، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين)).
وقال الحافظ ابن حجر في إنباء الغُمْر (٥): ((وكان صاحب عبادة وتهجد،
ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ، ثم أظهر الرجوع عن ذلك، فنافره
التيميون ، فلم يكن مع هؤلاء ولا هؤلاء، وكان قد ترك الافتاء بآخرة ، اهـ.
ونقول : إنه ترك الافتاء لكونه آئر قطع أسباب التشويش من بعض الذين
(١) في ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٦٧.
(٢) لحظ الألحاظ ص ١٨١.
(٣) في شذرات الذهب ج ٦ ص ٠٣٣٩
(٤) المرجع السابق .
(٥) ج ١ ص ٤٦٠.

- ٣٣ -
لا يعقلون مصلحة الاسلام، كما نراه في زمننا، وقد ترك من الأكابر التدريس
والافتاء لمثل ذلك من الأسباب، كما فعله الامام السيوطي ، وصنف في ذلك
رسالة خاصة شرح سبب صنيعه هذا .
مؤلفات الحافظ ابن رجب :
ذكر لنا مؤرخو الإمام ابن رجب مجموعة قيمة من المؤلفات، كلها
مفيد نافع :
قال الحافظ ابن حجر : ((صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو
عشرين مجلدة، وشرح قطعة كبيرة من البخاري ، وعمل وظائف الأيام وسماء
((اللطائف)) بطريق الوعظ، وفيه فوائد، والقواعد الفقهية أجاد فيه ...
وخرج لنفسه مشيخة مفيدة » (١).
وقال ابن العماد الحنبلي (١٢: ((له مصنفات مفيدة، ومؤلفات عديدة .. »
وقال ابن فهد (٣): «له المؤلفات السديدة، والمصنفات المفيدة .. )).
وقد ذكروا له من مؤلفاته جملة قيمة على سبيل التذكرة ، لاعلى سبيل
الاستيعاب، ثم أسفر البحث عن مجموعة كبيرة من النا ليف تقارب الأربعين (٤)
ما بين مجلدات كثيرة مثل شرح الترمذي إلى الاجزاء الصغيرة .
ونجد مؤلفاته متنوعة في فنون الفقه، والحديث ، والتاريخ ، والوعظ
والتثقيف العام ، وكلها مسدد مفيد :
(١) عن الدرر الكامنة اج ٢ ص ٤٢٩ وأنباء الغمرج ١ ص ٠٤٦٠
(٢) في شذرات الذهب: ج ٦ ص ٣٣٩.
(٣) في لحظ الألحاظ ص ١٨١.
( ٤) انظر مقدمة سامي الدهان على ذيل طبقات الحنابلة ص ٢٢ - ٠٢٣

- ٣٣ -
ثمن كتبه في الفقه :
١ - ((الاستخراج لأحكام الخراج)) طبع بمصر بتصحيح الشيخ عبد الله
الصديق في نحو عشر كراريس .
٢ - ((القواعد الفقهية، مطبوع، وقد سمعت ثناء العلماء عليه.
٣ - ((مسألة الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة)).
٤ - ((القول في تزويج أمهات أولاد الغياب)).
٥ - (( الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان)).
ومن كتبه في التاريخ .
كتابه القيم: ((ذيل طبقات الحنابلة)) المطبوع في مجلدين. وهو سجل
حافل لأعلام المذهب ، ذيل به على طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١) .
ومن مؤلفاته في الوعظ والتثقيف العام :
١ - ((فضل علم السلف على علم الخلف)» مطبوع.
٢ - ((لطائف المعارف فيالمواسم العام من الوظائف)) (مطبوع). وقد
سمعت الثناء عليه .
٣ - « صفة النار والتحذير من دار البوار)). وقد طبع له كتاب باسم
((التخويف من النار)) فلعله هو، وهو بحجم الاستخراج.
٤ - ((أهوال يوم القيامة)) (٢).
(١) وأما نسبته إلى أبي يعلى كما وقع في إنباء الغمر فتساهل أو مهو، وقد ذهل محقق
إنباء الغمر عن ذلك ، على الرغم من التنبيه عليه في ذيل تذكرة الحفاظ ، فتأمل .
(٢) قال محقق ذيل طبقات الحنابلة في تقديمه: ((لعله كتاب أموال القبور ... ))
وهذا فيه بعد كثير ، وهو يدل على اختلاط الأمر على كاتب التقديم، وأنه لابِسَ عليه عذاب
القبر بأهوال موقف الخشر ..!! .

- ٣٤ -
٥ - ((أهوال القبور)) مطبوع في نحو عشر كراريس .
٦ - (( الفرق بين النصح والتعمير)).
وأما مؤلفاته في الحديث :
فتشغل الحيز الأكبر، وكثير منها شرح الحديث أو أحاديث في الوعظ
والتذكير، ومنها كتب ضخمة جامعة . فمن ذلك :
١ - (( شرح جامع الترمذي)) في عشرين مجلداً، وقد مر بك الثناء عليه ،
ولم نعثر منه إلا على هذه القطعة ، التي هي شرح علل الترمذي .
٢ - ((شرح البخاري)) لم يكمل، وصل فيه إلى الجنائز، وسماه («فتح
الباري)) قال ابن العماد: ((ينقل فيه كثيراً من كلام المتقدمين)).
٣ - ((اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى » مطبوع.
٤ - (شرح الأربعين النووية))، وهو شرح حافل لامثيل له ، وقد أضاف
فيه ثمانية أحاديث فكملت خمسين حديثاً، وهو مطبوع بعنوان: ((جامع
العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم ».
٥ - شرح حديث: ((ماذئبان جائعان)) طبع مع «جامع بيان العلم
ولعل هو كتاب (( ذم المال والجاه)) الذي ذكروه ،
وفضله )) لابن عبد البر
لأن موضوعه هو هو .
٦ - شرح حديث: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)). طبعه محب الذين
الخطيب باسم شرح حديث أبي الدرداء .
٧ - ((نور الاقتباس من مشكاة وصية النبي ◌َ ◌ّةٍ لابن عباس»، طبع
أيضاً بمصر .
٨ - ((كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة)) شرح حديث ((إن
...

- ٣٥ -
الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدا)). ( مطبوع).
٩ - ((فضائل الشام)).
١٠ - ((شرح علل الترمذي)) وهو قطعة من شرح جامع الترمذي،
أفرده السيوطي بالذكر، لكون العدل قد يعتبر كتاباً مفرداً.
وفاة الحافظ ابن رجب:
هكذا قضى الحافظ ابن رجب حياته في علم وعمل ودعوة ، وعبادة
وتهجد، ووعظ وإرشاد ، وزهد وورع، وعزلة عن أهل السلطة وعن
الناس ، كي يتفرغ لما نذر نفسه له ، حتى كان يسكن في المدرسة التي يعلم
فيها، حتى وافته منيته ولبى نداء ربه، فتوفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين رابع
شهر رمضان، وقيل في شهر رجب (١)، سنة خمس وتسعين وسبعمائة. بأرض
الخيرية في بستان كان استأجره، وصلي عليه من الغد، ودفن بالباب الصغير جوار
فبر الشيخ الفقيه أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي ثم المقدسي الدمشقي،
المتوفي سنة ٤٨٦، والذي يرجع الفضل إليه في نشر مذهب الامام احمد بالقدس
ودمشق ، وكان دفن الحافظ ابن رجب هنا بناء على وصيته ، بل واعداده
لذلك ، مما يدل على مزيد وفائه وتعلقه بأمة هذا المذهب الجليل، حتى اختار
هذا الجوار المبارك .
(١) تاريخ وفاته بشهر رجب وقع في الدرر الكامنة للحافظ ابن حجر ج ٢ ص٤٢٩،
وقبعه في ذلك السيوطي في ذيل التذكرة ص ٣٦٨.
وأرخ الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر ج ١ ص ٤٦١ وفاته بشهر رمضان ، وقال ابن
فهد في لحظ الألحاظ ص ١٨١ (( في شهر رجب أو شهر رمضان ».
ويبدو لنا ترجيح تأريخ ابن العماد الحنبلي أنه في رابع شهر رمضان ، لمزيد اختصاص
ابن العماد بالحنابة، ولأنه أتى في تاريخه بمزيد ضبط وفائدة وهي تعيين رابع شهر رمضان .

- ٣٦ -
وقد ظهر له في وفاتهمن صفاءالروح وشفافیتها مما يؤكد علو منز لته ومقامه.
قال ابن ناصر الدين الدمشقي: ((ولقد حدثني من حفر لحد ابن رجب أن
الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام، فقال: احفر لي هاهنا
لحداً)، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها . قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في
القبر واضطجع فيه، فأعجبه وقال: هذا جيد، ثم خرج. فوالله ماشعرت
بعد أيام إلا وقد أتي به ميتاً محمولاً في نفشه، فوضعته في ذلك اللحد (١))).
رحم الله الحافظ ابن رجب ورضي عنه ونفعنا والمسلمين بعلمه وهديه آمين.
(١) شذرات الذهب ج ٦ ص ٣٤٠، وأنظر الدرر الكامنة ج ٢ ص ٤٢٩ ولحظ
الألحاظ ص ٠١٨٢

- ٣٧ -
شرح علل الترمذي لابن رَحْبُ
هذا الشرح لعلل الترمذي جزء من شرح صنفه الحافظ ابن رجب لجامع
الترمذى بأكمله، كما بينا، وكما صرح الحافظ ابن رجب في ختام هذا الشرح
للعلل حيث قال (١) «وقد انتهى الكلام على كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي
رحمه الله ورضي عنه)). وهذا الشرح لجامع الترمذي من الشروح القليلة
التي استُكْمليت، وهو شرح حافل غزير، لذلك نجد في أثناء شرح العلل
إحالات كثيرة إلى ماسبق في شرح الكتاب .
وهذا القسم الذي ظفرنا به من شرح جامع الترمذي نموذج دال على علو
كعب الحافظ ابن رجب في الحديث وأصوله، وعلى مكانة شرحه للجامع .
ويتبين المناظر أن شرح العلل هذا يتجزأ إلى جزءين يمكن أن يُعْتبرا كتابين:
الجزء الأول : شرح نص كتاب العلل الصغير :
ويتناول هذا الشرح كتاب العلل من جميع الجوانب ، كما أنه يستكمل
أبحاثه بدراسات متممة ، غدا بها الكتاب مرجعاً حافلاً في علوم الحديث .
ولفت النظر فيما يلي إلى بعض من أهم خصائص هذا الشرح وفوائده
العاميـة :
فمن ذلك :
١ - ما استهل به الحافظ ابن رجب شرحه العلل من ذلك السرد الأحاديث
اتفق على عدم العمل بها، ثم ثنى عليه بفصل آخر في أحاديث ادعي الاتفاق
(١) س ٨٠٨

- ٣٨ -
على عدم العمل بها وليس الأمر كذلك، وقد أتى الحافظ في الفصلين بسرد
بديع عظيم الفائدة لطالب الحديث والفقه، وهي أحاديث يعوزها البحث
لخصوصيتها في حال السند والمتن ، وقد وفينا ذلك في تعليقنا بحمد الله تعالى.
٢ - الفوائد التي أوردها في أبحاث الإسناد والرواة وأقسام الرواة وأحكامها
فقد وسع البحث فيما أورده الترمذي وكمل فوائده بتحقيق علمي على غاية من
الأهمية والفائدة ، ونذكر هنا على سبيل المثال بحثه في رواية المبتدع، وبيان
الغلط الذي يرد به الحديث أو بترك . وغير ذلك .
٣ - اشتماله على جملة من الرواة الضعفاء الذين كثرت الرواية عنهم وخصوصاً
من اشتهر منهم بالعبادة، مما قد يفتر به، وإن الدراسات المستفيضة التي قدمها
الحافظ ابن رجب في هذا المضمار ذات فوائد على غاية من الأهمية .
٤ - دراسته لطائفة من جلة أهل الحديث تكلم فيهم من جهة حفظهم.
وقد جاء هذا الفصل تطبيقاً جيداً لبحث أقسام الرواة وأحكامها الذي سبقه،
وأفاد فائدة جليلة بترجمته للذين ذكرهم الترمذي، ثم استكمل هذه الأسماء
بمجموعة أخرى أصبح بها أمام القارئ بيان بالرواة الذين م أكثررواية ووروداً
في كتب الحديث، مما له أثره الكبير في تنمية موهبة طالب الحديث .
وأنوه ههنا بهذه اللفتة البارعة التي ختم بها ابن رجب دراسة
هؤلاء الرواة في اختلاف الرجل الواحد في إسناد الحديث (١) حيث نيه
على ضابط هام جداًغيز به بين تعددرواية السند عن الراوي بسبب الوهم وخلطه
في الرواية، كما وقع من هؤلاء الذين ترجم لهم ، وبين تعدد الرواية عنه لكونه
حافظاً للحديث من أكثر منوجه كما يقع للحفاظ المتقنين المتوسعين في الرواية.
٥ - اشتماله على تراجم من أعيان حفاظ الحديث، وثقاته المتقنين. وقد
(١) س ١٤٣ - ١٤٤.

- ٣٩ -
اشتمل على جملة منهم كثيرة الرواية والذكر في كتب الحديث ، وأطال في ذلك
حتى شفى قلب القارىء بما ذكره من تراجم لهؤلاء الرواة الذين يدور عليهم الكثير
من الحديث الصحيح ، وبماذكره من فضائلهم ، مما يؤثر تأثيراً تربوياً عظيماً، كيف
و الحافظ ابن رجب من خيار أولئك الصفوة التي تحيي القلوب بمجالسها وحديثها.
٦ - إفادته في قوانين الرواية، كما في موضوع العرض، والإجازة،
والإجازة مع المناولة، ولاسيما تنبيهه على رواية المحدث الذي لا يحفظ إذا حدث
من كتاب غيره (١) .
٧ - تحقيقه في الحديث المرسل، وخصوصاً في هاتين المسألتين :
الأولى: تفاوت درجات المراسيل مع التوضيح بالنماذج، وكلام العلماء
فيها (٢)، وهذا بحث مهم لاغنى لأهل الحديث عنه، فإن الشائع بينهم أن
المراسيل كلها على حد سواء .
المسألة الثانية: التوفيق بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في الحديث
المرسل(٣). وهو مذهب جيد اعتمدنا عليه في أبحاثنا في كتاب: الإمام الترمذي
والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين .
٨ - التقسيم البديع للرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتفصيله بالأمثلة،
وهو بحث مبتكر في الرجال والجرح والتعديل .
٩ - بحثه في أنواع الحديث عند الترمذي ولفت الأنظار إلى تقسيم الترمذي
للحديث وشرح اصطلاحاته، واستكماله ذلك ببحث الحديث الصحيح بحثاً
موسعاً أتى فيه بفوائد جليلة لمناسبة شرح شروط الحديث الصحيح .
١٠ - بحثه في اصطلاحات الترمذي المركبة: ((حسن صحيح)»، « حسن
(١) انظر ص ٢٥١ - ٢٥٣.
(٢) انظر ص ٢٨١-٢٩٣.
(٣) انظر ص ٢٩٧.

- ٤٠ -
صحيح غريب))، (حسن غريب) ((صحيح غريب»، وهو بحث معقد ذو أوجه،
كثرت فيه الأقوال، وقد حقق الحافظ ابن رجب البحث فيه تحقيقاً متيناً وقد
استلهمنا من هذا التحقيق في إطروحتنا، وتابعنا بحث الموضوع واستكملنا دراسته
حتى استوفيناه في أطروحتنا من جميع جوانبه ودلائله.
الجزء الثاني : في أصول علم العلل :
وهو بحث جليل أتبع به الحافظ شرح علل الترمذي لتقريب علم العلل على
من ينظر فيه كما ذكر هو ذلك (١)، أتى فيه بفوائد مهمة وقواعد كاية .
ويمتاز هذا الجزء بمزايا عظيمة أذكر من أهمها :
١ - ان عامة ما ذكره في هذا الجزء فوائد نادرة، قل من يعرفها من أهل
هذا الشأن ، كما ذكر الحافظ، ولا تحصل أيضاً من كتب أصول الحديث ، أو
ما شاكلها من المصنفات الحديثية ، أو كتب الدراسات الحديثية بصورة عامة ،
إلا ماقد يحده المطلع المشتغل كثيراً من متفرقات هنا وهناك .
٢ - القسم الأول من هذا الجزء في معرفة مراتب أعيان الثقات الذين يدور
عليهم غالب الأحاديث الصحيحة .
وبهذا أكمل فائدة ما ذكره في الجزء الأول من التعريف بالآثمة والحفاظ،
:
وقدم للقارىء مجموعة تغنيه غناء في معرفة الرجال ، وتسهل عليه سبيل النظر
في الحديث .
٣ - اعتناؤه في هذا القسم ببيان مراتب هؤلاء الثقات في الحفظ، وذكر
من ترجح روايته منهم عند الاختلاف .
وهذا بحث مهم لايوجد كثير منه في كتب الرجال ولا يستغني عنه باحث
في نقد الأحاديث ، يبرز دقة بحث المحدثين وعمق علم العلل، وقد وسع الحافظ
(١) في ص ٠٤٦٧