النص المفهرس

صفحات 1-20

٧٥
شَرَ عْلَزِ التَّرْدُ
باركي
لِلإِمَام العَالِ العَلَّامَة الْحَافِظِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِن أَخَدِ بنِ رَجَب الحَلِيّ
ولد سنة ٧٣٦ و توفي سنة ٧٩٥ هـ
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَ
حَقَّقَهُ
وكَل فوائده بتعليقات حافلة
نور الدين عير
أستاذ التفسير وعلومه والحديث وعلومه
فى جامعَة دمشق
الجزء الأول
في شرط نص كتاب العلل للترمذي
دار الملاح للطباعة والنشر

شرح علَِالتَدُ

حُقوق الطَبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م

تصدير
شَرِّقَ اعِلَِّالترمذيُ
بقَكَ أَلْحُقِقُ
نُورِ آَلَّذِيْنِ عْتِرُ

◌ِلَهُ الرَّهِ الرَّم
الحمد لله الموفق إلى ما فيه الخير، الفاتح لما استغلق، والميسر لكل أمر،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد :
فإن ((شرح علل الترمذي)) للامام الحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي
( المتوفى سنة ٧٩٥ هـ) مرجع فريد بين كتب هذا العلم علم الحديث الذي
اختص الله به هذه الأمة ، فحفظت بواسطته الحديث النبوي من الخلط فيه
أو الدس ، سواء في ذلك متنه ((كتاب العلل)) للامام الترمذي ، أو شرحه
للامام ابن رجب .
ذلك لأن الامام الترمذي هو أحد أعلام الرواد لهذا العلم، وكتابه
((العلل)) هذا هو أول تأليف يصل إلينا في ذلك، مما يجعل نشره وكشف
النقاب عن معانيه ومعارفه عملاً علمياً على غاية من الأهمية .
وأما شرح العلل الحافظ ابن رجب فيمتاز على كل ما عرفناه من الشروح
ببحثه العلمي الشامل ، ونفسه الطويل في جلاء علوم كتاب العلل ومقاصده،
وبنهجه العلمي الفريد ، الذي لا يكتفي ببيان القواعد وتفصيلها وتحريرها ، كما

- ٨ -
درج عليه المتأخرون، بل يدعمها بالشواهد من أقوال أئمة العلم، كالامام أحمد،
وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأمثالهم .. كما يُكثر من
الاستشهاد بتصرفاتهم التي يطبقون فيها تلك الأصول.
كذلك متاز شرح الحافظ ابن رجب بما أتْبَعَ به شرحه للعلل من قواعد كلية
في نقد الحديث تفرد بها الكتاب، كما تفردبما أتى به من أصول في علم العلل ، هذا
العلم الذي هو قمة البحث النقدي في فن الحديث ، مما يجعل هذه الاصول تقع
من علم الحديث موقع الرأس من الجسد ، لما اشتملت عليه من الفوائد الجليلة .
وهكذا أصبح الكتاب بشرحه نص الترمذي وبيانه تلك القواعد في
أصول العلل: ((أحسن شرح صنفه العلماء، لأول تأليف في هذا الفن الجليل»،
واحتل مكانة على غاية قصوى من الأهمية ، لمبتفي هذا العلم ، حتى إنه - ولسنا
تغالي ولانبالغ ـ لا غنى الطالب الحديث عن أن يودع فوائد هذا الكتاب -ويداء
قلبه ، ليكون على استحضار لها في عمله العلمي.
ويرجع عهدي بهذا الشرح إلى أمد بعيد ، حيث كنت أفدت منه في إعداد
اطروحتي عن الإمام الترمذي (١)، فيما يتعلق بشرح مصطلحات الترمذي ،
وذكرت هذا الشرح في ضمن المراجع الأساسية التي سردتها في مقدمة
مؤلفي ذاك .
غير أني - في إفادتي هذه - إنما أخذت بما هدى إليه البحث العلمي ،
واقتبست من شرح العلل في ضوء ذلك، كما يلاحظه المنصف الذي له خبرة
وذوقٍ في هذا العلم .
(١) وهي ((طريقة الترمذي في جامعه والموازنة بينه وبين الصحيحين))، وقمد وسع
المؤلف هذه الأطروحة ، وزاد فيها دراسات عن مؤلفات الترمذي، وطبعت بعنوان: (الامام
الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين » .

- ٩ -
كما يلاحظ أن في اطروحتي أبواباً كاملة مبتكرة في دراسة الترمذي لم يسبق
أن عقدت في أي تأليف سابق أُلْف عن الإمام الترمذي أو شرح صنف على جامعه.
ومن أمثلة هذه الأبواب: ((صنعة الاسناد في جامع الترمذي)) و((الفوائد
الاسنادية))، و((فقه الترمذي))، وغير ذلك مما يشكل القسم الأكبر
من الأطروحة .
وقد حرصت في عملي في تحقيق هذا الكتاب الجليل ((شرح علل الترمذي)) على
ضبط نصه مصححاً جداً، وعلى استكمال فوائد الكتاب في التعليق عليه ،
وذلك لأهميته البالغة، ورجعت في كل ذلك إلى المراجع المعتبرة والمصادر
الاصلية ، كما يجده القارئ . .
ولكن لما أني توسعت في أطروحتي في دراسة الموضوعات المشتركة بينها
وبين شرح العلل ثم قمت بدراسة محققة لكل أصول علم الحديث في كتابي (منهج
النقد في علوم الحديث))، فقد اعتمدت على أمجاني في كتابيّ هذين، وأحلت
القارىء عليهما، وذلك لاستكمال الفائدة ، مع مراعاة الاختصار .
كذلك اعتمدت في الرواة على المراجع عامة، واعتمدت في الرواة المتكلم
فيهم على كتاب ((المغني في الضعفاء)) للامام الذهبي، وعلى تعليقاتي عليه، التي
حققت فيها الحكم في مواضع الخلاف .
ولو أننا أطلقنا العنان للتطويل في التعليق، لجاء التعليق شرحاً على شرح العلل
يفوقه بأكثر من ضعفه، لكن راعينا الاختصار مع الاحالة على المراجع لمن أراد
التوسع ، حتى نستوفي خدمة الكتاب دون تطويل .
وإننا إذ نقدم ((شرح العلل)) هذا لعلماء الحديث وطلابه، نكون قد تابعنا
خطونا في خدمة جامع الترمذي ، التي قدمناها في أطروحتنا، فقد خدمته
اطروحتنا من حيث طريقته وخصائصها الفنية، وفقهه والدفاع عن حجية

- ١٠ -
أحكامه على الاحاديث بالقبول أو الرد ، وشرح مصطلحاته ، وتحقيق موقعها
بين مصطلحات المحدثين، وهو أول بحث حديثي مقارن . وقدمنا شرح العلل
هذا مرجعاً جليلاً في خدمة جامع الترمذي من جانب القواعد العلمية وشرح
المصطلحات .
كذلك فانا نقدم بعملنا هذا مرجعاً فريداً في أصول علم العلل ، كثير
القواعد الهامة، غزير الفوائد التي لاتوجد في غيره، ممايثري مكتبة علم الحديث،
ويزيد غناها .
والله تعالى هو ولي التوفيق ، ومنه كل هداية وإكرام .
وكتبه
نور الدين عقر
خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه
كلمة الشريعة - جامعة دمشق

- ١١ -
الإمام أبو عيسى الترمذي
هو محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى السُّلَمِي
الضرير البوغي الترمذي ، الحافظ الامام المجمع عليه .
ولد سنة (٢٠٩) تسع ومائتين، وتوفي سنة (٢٧٩) تسع وسبعين ومائتين،
ومناقيه كثيرة، والبحث في تاريخه وعلمه وطريقته العلمية وأثره الكبير في هذا
العلم طويل متعدد الجوانب، وقد درسناه في كتابنا «الامام الترمذي والموازنة
بين جامعه وبين الصحيحين)). فنكتفي هنا بنيذة مختصرة في على قدمه في علم
الحديث والعلل ، بمناسبة كتابة مقدمة شرح علله .
فنقول وبالله التوفيق :
أوتي الترمذي من الموهبة والصفات والاخلاق والفضائل ماجعله من أفذاذ
العلماء وأئمة علم الحديث .
كان قوي الحافظة، حاضر الذهن، يُضْرَبُ به المثل في الحفظ
والضبط(١)، وقد حدث هو عن نفسه أن أحد الشيوخ ألقى عليه أربعين حديثاً
من غرائب حديثه امتحاناً له، قال الترمذي: ((فقرأتُ عليه من أوله إلى
"آخره كما قرأ، ما أخطأت في حرف، فقال لي: ما رأيت مثلك، (٢).
(١) شروط الأئمة الستة المقدسي ص ١٧، وتذكرة الحفاظ للذهي ص ٦٣١ وتهذيب
التهذيب ج ٩ ص ٣٨٨.
(٢) انظر التذكرة ص ٦٣٥ وشروط الأئمة الستة ص ١٧ - ١٨ وتهذيب التهذيب
ج ٩ ص ٣٨٨ - ٠٢٨٩

- ١٢ -
طاف الترمذي في البلاد ، وسمع خلقاً كثيراً من الخراسانيين والعراقيين
والحجازيين وغيرهم ، وشارك شيخه البخاري في كثير من شيوخه، كما عيسى
بلقي الائمة الكبار ، الذين إليهم المنتهى في حفظ الحديث ودرايته ونقده ،
فأخذ عنهم وتعمق في البحث، وأخذ يناظرهم ويباحثهم ، كما ذكر هو ذلك :
في إفادته من الامام البخاري والدارمي (١).
فبرز بذلك نبوغه وتقدم إلى محراب الامامة في الحديث وعلله غير مدافع.
وقد أثنى العلماء عليه بالامامة في علم الحديث وعلله :
قال فيه السمعاني (٢): ((إمام عصره بلا مدافعة، صاحب التصانيف)).
وقال ابن خلكان (٣): ((وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
وشاركه في بعض شيوخه )).
وقال الصلاح الصفدي(٤): ((وأخذعلم الحديث عن أبي عبد الله البخاري)).
وقال الذهبي (٥): ((وتفقه في الحديث بالبخاري)).
ولا يخفى رسوخ البخاري في علل الحديث وتقدمه على أهل عصره في ذلك
وقد ورث ذلك عنه الترمذي، بالاضافة إلى ما تلقاه عن غيره من الأئمة، حتى
كان خير مَنْ خلف البخاري.
قال الحافظ عمر بن علك ٦١): «مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي
عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي وبقي ضريراً سنين)».
(١) في كتاب العلل ص ٣١.
(٢) في الأنساب ورقة٥ ١٩.
(٣) في وفيات الأعيان ج ٣ ص ٤٠٧.
(٤) في تكت الحميات في نكت العميان ص ١٧٠.
(٥) في تذكرة الحفاظ ص ٦٣٤.
. (٦) المرجع السابق.

- ١٣ -
وقال الحافظ العالم أبو سعيد الادريسي (١): ((أحد الأئمة الذين يُقتدى
بهم في علم الحديث، صنف الجامع والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم متقن،
كان يضرب به المثل في الحفظ ».
وقال علي بن محمد بن الأثير المؤرخ (٢): ((أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في
علم الحديث )).
وقال الحافظ المزي (٣): ((أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله
به المسلمين )) .
وقال الذهبي (٤): ((محمد بن عيسى بن سورة الحافظ العَّم ، أبو عيسى
الترمذي، صاحب الجامع ، ثقة مجمع عليه)).
وقال المبارك بن الأثير في جامع الأصول(٥) وطاش كبري زاده في مفتاح
السعادة (٦): ((وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة)).
وهذه كتبه التي ألفها تشهد له بذلك، وقد سمعت ثناء العلماء عليها ،
والشهادة للترمذي بها .
وقد وجدنا له بعد التتبع المؤلفات الآتية :
١ - كتابه العظيم ((الجامع))، المشتهر باسم ((سنن الترمذي)).
٢ - الشمائل النبوية المعروف بشمائل الترمذي .
: ٣ - ((العلل المفرد)) أو ((العلل الكبير)).
(١) شروط الأئمة التة ص ١٧ وتهذيب التهذيب ج ٩ ص ٣٨٨.
(٢) في كتابه ((اللباب في تهذيب الانساب)) ج ١ ص ١٧٤.
(٣) في ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)» ج.١ ورقة /٢٢/ وجه ٠١
(٤) في ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال) ج ٣ ص ٦٧٨.
(٥) ج ١ ص ١٩٣.
(٦) ج ٢ ص ١١.

2
- ١٤ -
٤ - العلل الذي في آخر الجامع .
٥ - ((الزهد)) (المفرد)، قال الحافظ ابن حجر: ((ولم يقع لنا (١))).
٦ - (( التاريخ (٢))).
٧ -((أسماء الصحابة (٣))).
٨ - ((الأسماء والكنى)) (٤).
٩ - كتاب في الآثار الموقوفة، أشار إليه الترمذي في آخر الجامع (٥).
(١) تهذيب التهذيب ج ٩ ص ٣٨٩.
(٢) الفهرست لابن النديم ج ١ ص ٢٣٣ وهدية العارفين للبغدادى ج ٢ ص ١٩.
(٣) البداية لابن كثير ج ١١ ص ٠٦٧.
(٤) تهذيب التهذيب الموضع السابق .
(٥) في مطلع كتاب العلل ص ٣١ حيث قال بعد أن ذكر أسانيده في نقل مذاهب
الفقهاء: (وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف».

- ١٥ -
العلل للإمَام الترمذي
تعريف العلة :
العلمّة: مفرد، جمعه: علل . (والعِلمَّةُ). بكسر العين وتشديد اللام
المفتوحة تطلق في اللغة على معان متعددة ، يمكن إرجاعها إلى أصل واحد ،
هو: (( معنى يحمل بالمحل فيتغير به حال المحل)).
ومنه سمي المرض علة، لأن يحلوله يتغير الحال من القوة إلى الضعف ،
( علىَّ) الرجل (يَعِيلُ) بكسر العين (عَلا) فهو عليل.
وتطلق العلة أيضاً على الحَدَث يشغل صاحبه عن حاجته ، فيقال: لم
أفعل كذا لعلة كذا ..
وتطلق العلة على السبب. فيقال: هذه علته أي سببه، وهذا بعلة لهذا
أي سبب له (١) .
وأما في اصطلاح المحدثين: فالعلة: ((سبب خفي يقدح في صحة الحديث
وظاهره السلامة منه» .
وقد تُطْلَق العلة عندهم على سبب غير قادح، كما نبهوا عليه . في مصادر،
علوم الحديث (٢).
(١) انظر مادة (علل) في القاموس المحيط للفيروزابادي وشرحه تاج العروس للزبيدي
ج ٨ ص ٣٢ - ٣٣ ولسان العرب ج ١١ ص ٤٧١ طبع بيروت ويختار الصحاح للرازي
ص ٤٥١ والمعجم الوسيط ج ٢ ص ٦٢٣ - ٠٦٢٤
(٢) كما في علوم الحديث لابن الصلاح ص ٨٤ وشرحي الالفية للعراقي والانصاري
ج١ ص ٢٣٧ - ٢٣٨ وتدريب الراوي ص ١٦١ وشرح شرح النخبة لعلي القاري
ض ١٣٠ - ١٣١، وغيرها .

-١٦-
تصنيف العلل :
كتاب العلل هو الكتاب الذي يجمع الأحاديث المعللة ، ويبين فيه علة كل
حديث، ثم قد يكون على ترتيب الأبواب الفقهية ، وقد يصنف على ترتيب
المسند مع بيان علل الأحاديث .
قال في التقريب وشرحه (١): ((ومن أحسنه - أي التصنيف في الحديث
تصنيفه أي الحدیث مطللا ، بأن يجمع في کل حدیث أو باب طرقه ، واختلاف
رواته، فإن معرفة الملل من أجَلِّ أنواع الحديث، والأولى جعله على الأبواب
ليسهل تناوله ، وقد صنف يعقوب بن شيبة مسنده معللاً فلم يتم. قيل ولم يتم
مسند معلل قط، وقد صنف بعضهم مسند أبي هريرة معللا في مائتي جزء)».
وقال الحافظ ابن رجب في أواخر شرحه هذا لعلل الترمذي (٢):
((فصل: قد ذكرنا في كتاب العلم فضل علم علل الحديث وشرفّه وعزته،
وقلة أهله المتحققين به من بين الحفاظ والمحدثين، وقد سُنَّفَت فيه كتب
كثيرة مفردة ، بعضها غير مرتبة كالعلل المنقولة عن يحيى القطان وعلي بن المديني:
وأحمد ويحيى وغيرهم، وبعضها مرتبة. ثم منها مارُتب على المسانيد كعلل الدار قطني،
وكذلك مسند علي بن المديني ومسند يعقوب بن شيبة هما في الحقيقة موضوعان
لعلل الحديث ، ومنها ما هو مرتب على الأبواب كعلل ابن أبي حاتم ، والملل
لأبي بكر الخلال الحنبلي، وكتاب العلل للترمذي أوله مرتب وأواخره غير
مرتب )». انتهى .
إلى آخر ما هنالك مما لا نطيل به ههنا، فإنه ليس هو موضوع كتاب العلل
الذي نقدم له ، كما ستعرفه بيّنًا إن شاء اله تعالى.
(١) التقريب النووي وشرحه تدريب الراوي السيوطي ص ٣٠٠.
(٢) ص ٨٠٥ - ٠٨٠٫٦

.**
- ١٧ -
كتابا العلل للحمام الترمذي :
أبحاث الترمذي في العلل أبحاث جليلة دقيقة، هي شاهد صدق على
إمامته ، وتقدمه في علم الحديث عامة وفي الملل خاصة ، حتى اشاد العلماء بها،
وأثنوا عليها .
وللامام الترمذي كتابان في العلل :
أحدهما: ((العلل الكبير))، ويسمى أيضاً العلل المفرد.
وقد درج الترمذي في كتاب العلل الكبير هذا على الأصل الذي ذكرناه
في التصنيف على العلل أنه يجمع الأحاديث المعلمة، ويبين علة كل حديث. وقد
ظفرنا بنسخة خطية من هذا الكتاب بترتيب أبي طالب القاضي ، أتم ترتيبه
على الأبواب ، وأفرد الكلام على الرواة الذي لا يتعلق بباب معين ، أفرده في
فصول في آخر الكتاب ، فجاء مستكمل الترتيب (١) .
الثاني: هو (( علل جامع الترمذي)) الذي نقصده ، ونعرف به فيمايلي :
علل جامع الترمذي :
ويسمى أيضاً ((العلل الصغير)) وهو موضوع بحثنا، وموضوع شرح الحافظ
ابن رجب .
وقد وقع خلاف في شأن (( العلل الصغير)) هذا :
فرأى بعض الشراح أنه كتاب مستقل كتب مع الجامع، كما طبع كتاب الشمائل
مع الجامع في طبعة الهند ٢١). حيث إن بعض رواة الجامع رواء عن الامام الترمذي
مفرداً عن الجامع.
(١) وقد قمنا بدراسة لهذا الكتاب في فصل خاص في كتابنا («الإمام الترمذي
والموازنة بين جامعة وبين الصحيحين) فارجع إليه. ونرجو من الله تيسير إخراج هذا
الترتيب الملل الكبير .
(٢) المطبع المجتبائي سنة ١٣٤١.
1
1
.
٠
٠

- ١٨ -
ورأى بعض الشراح أنه بحث تابع للجامع كالخاتمة له للتعريف بمصطلحاته .
والرأي الراجح أن هذا الكتاب ((العلل الصغير)) تأليف تابع لكتاب
الجامع ، بدليل ما في أوله وأثنائه من عبارات تربطه بالجامع، مثل هذه
السيارات :
((جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به)) (١).
(((وإنما حملنا على مابينا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعلل الحديث ... ))(٣]
۔۔
(( وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حن فإنما أردنا به عن إسناده
عندنا ... ) (٣) .
وهي عبارات واضحة في ربط كتاب العلل بالجامع .
غاية الأمر أن كتاب (العلل الصغير)) هذا لما استقل بموضوع جديد اختص
به ليس من نوع أبواب الجامع ، ولاختصاصه بتلك الفوائد التي تضمنها في
أصول علم الحديث تلقاء بعض الرواة عن الترمذي مستقلاً عن كتاب الجامع ،
وعني الناس به عناية خاصة ، فبدا كأنه كتاب مفرد .
وكأنه لهذا المعنى أطلق عليه الترمذي ((كتاب العلل)»، فترجمه بكلمة
((كتاب))، مع أنه لم يستعمل في أثناء الجامع هذا اللفظ، بل استعمل ((أبواب)).
موضعها، كقوله: (أبواب الطهارة ... )، ((أبواب الصلاة ... )).
موضوع علل جامع الترمذي :
أطلق الترمذي هذا الاسم: ((كتاب العلل)) على كتابه هذا:
بمعنى غير المعنى المتعارف لهذه التسمية وغير المشهور عند المحدثين من معنى العلة
(١) ص. ٤ من نسخة شرح ابن رجب هذه.
(٢) ص ٣٥ .
(٣) ص ٣٤٠.

- ١٩ -
انها ((سبب خفي قادح في صحة الحديث والظاهر السلامة منه)).
إنما أراد الترمذي ههنا من ((العلل)) المعنى اللغوي، وهو ((السبب)).
وذلك لأنه إنما يبين في كتابه ((العلل الصغير)) هذا قواعد وأصولاً عامة
وهامة في قبول الروايات وردها، مما يدل على أنه لم يطلق كلمة العلل بالمعنى المشتهر
بين المحدثين، بل أراد المعنى الأعم، أي علل قبول الروايات وردها، لما أن
المذكور في هذا الكتاب - كما قال العلامة الكنكوهي - (١): «فيه مايدل على
التوثيق والصحة)).
وقد أودع الامام أبو عيسى الترمذي كتاب العلل الصغير هذا أصولا
حديثية ومسائل جعلها مثابة يرجع إليها قارىء كتابه ((الجامع))، كما أنها قواعد
وأصول عامة في علم الحديث .
ويمكننا بالبر والدراسة أن ترجع هذه الأصول والمسائل إلى مقاصد
أساسية نبينها فيما يلي:
أولاً: بيان حال أحاديث كتاب ((الجامع)) من حيث العمل بها إجمالاً:
قال أبو عيسى: ((جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به ، وقد
أخذ به بعض أهل العلم، ماخلا حديثين ... )) (٢) .
وفي هذا فائدة كبيرة تلقي الضوء على قوة أحاديث الكتاب ، وتنفع
الفقيه في العمل بها. كما فصلناه في تعليقنا على الشرح (٣).
ثانياً : بيان مأخذ ماذكره من الفقه والصناعة الحديثية :
قال أبو عيسى : وماذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء ...
(١) في شرحه على الترمذي المسمى ((الكوكب الدري)» بحاشيته ج ٢ ص ٣٤٦
طبع الهند .
(٢) ص ٤ . وانظر الكلام على هذين الحديثين هناك فى الشرح.
(٣) م ..

- ٢٠ -
فما كان من قول سفيان الثوري فأكثره ماحدثنا به محمد بن عثمان الكوفي
ثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان الثوري ... )).
إلى آخر ما ذكره من الاسانيد التي نقل بها عن الفقهاء فقههم وآراءهم التي
أوردها في كتابه (١).
وهي فائدة جليلة في معرفة صحة الأقوال، وموقع آراء كل إمام في مذهبه.
وقال الترمذي: ((وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ
فهو ما استخرجته من كتاب ((التاريخ))، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن
إسماعيل ، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن وأبا زرعة (١٣).
وهذا بيان هام يدل على قوة محتوى كتابه الجامع من هذه العلوم والمعارف
لقوة مراجعها، وهي هنا مراجع من كبار أئمة العلم .
ثالثاً : بيان أصول في علوم الرواة :
بين الترمذي مشروعية الجرح والتعديل ، ورد على الذين انتقدوا كلام
المحدثين في ذلك، بسبب تحرجهم من الغيبة التي توهموها في جرح الضعفاء. وقد
شدد الترمذي النكير عليهم، وعبر بقوله: ((وقدعاب بعض من لايفهم .. ))(٣).
وبين الترمذي أقسام الرواة وأحوالهم ، وحال كل قسم .
فمنهم من هومتهم بالكذب أو كان مغفلا يخطىء الكثير، كما عبرالترمذي(٤).
ومنهم من يتهم أو يضعف لغفلته وكثرة خطئه، ... ومنهم أهل صدق وجلالة
قد زكاهم قوم يحلالتهم وصدقهم ، وتكلم فيهم آخرون من قبل حفظهم ... (٥)
(١) انظر ص ٣٠ - ٣١.
(٢) ص ٣١.
(٣) ص ٤٣ - ٤٤ ومواضع أخرى تليها .
(٤). ص ٢٧ - ٧٩ ١
(٥) ص ١٠٣ - ١٠٤.