النص المفهرس
صفحات 701-720
قال أبو حاتم (١): ((لم يسمعه ابن جريج من حبيب، فأرى أن ابن جريج أخذه عن الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب)). وقال ابن المديني: ((أحاديث حبيب عن عاصم بن ضمرة لاتصح، إنما هي مأخوذة عن عمرو بن خالد الواسطي » . ولكن ذكر يعقوب بن شيبة عن ابن المديني أنه قال في حديث ابن ابن جريج: «هذا رأيته في كتب ابن جريج أخبرني إسماعيل بن مسلم عن حبيب )). وحبيب قال أبو حاتم (٢): ((لا تثبت له رواية عن عاصم)). وقد سبق ذكر حديث الفخذ في أبواب الأدب . ومنها: أحاديث ير ويها عبد الرحمن بن زياد الافريقي (٢): فضلا عما في حفظ عاصم من الكلام على أنه كما اخترنا «صدوق)) انظر المغني في الضعفاء رقم ٢٩٨٤ وانظر مايأتي في كلام الحافظ ابن رجب . نعم يرقى الحديث الحسن بتقويته بحديث ((الفخذ عورة)) الذي أخرجه الترمذي في الأدب ج ٥ ص ١١٠ - ١١١ من حديث ابن عباس، وحديث جرهد الأسلمي ، وحسنهما . وأخرجه الحاكم وصححه والله تعالى أعلم . (١) في علل الحديث ج ٢ ص ٢٧١ بنحوه. (٢) في العلل ج ٢ ص ٢٧١، ولفظه ((ولا يثبت لحسن رواية عن عاصم)). (٣) قاضي إفريقية، ((مشهور جليل، ضعفه ابن معين والنسائي، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ، ووهاء أحمد » كما في المغني رقم ٣٥٦٦ وقال الحافظ في التقريب: ((ضعيف في حفظه، من السابعة، مات سنة ست وخمسين - ومائة - ، وقيل بعدها. وقيل جاوز المائة، ولم يصح. وكان رجلاً صالحاً/بخ دت ق )). - ٧٠١ - عن عتبة بن حُميد عن عبادة بن نُسَيٍّ عن عبد الرحمن بن غَنْمِ عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم . قد قيل : إنها كلها مأخوذة عن محمد بن سعيد المصلوب في الزندقة، المشهور بالكذب والوضع ، وأنه أسقط اسمه من الاسناد بين عُتْبَة وعبادة . ومن جملتها حديث المنديل بعد الوضوء (١)، وقد سبق في كتاب الطهارة . (١) أخرجه الترمذي ج ١ ص ٧٥ - ٧٦: (( حدثنا قتيبة حدثنا رشدين ابن سعد عن عبد الرحمن بن أذمُم ... » وهو الافريقي فذكر الحديث بالسند المذكور ولفظه: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه» . قال أبو عيسى: ( هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف. ورشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أثْمُمِ الإفريقي يضعَّفان في الحديث)) انتهى. وقد حاول أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي دفع الضعف عن رشدين بن سعد والافريقي بما خالف به جماعة المحدثين ...! - ٧٠٢ - ذكر من سمع من ثقة مع ضعيف فأفسد حديثه وهو لايشعر [٦-١٣٧] منهم: عثمان بن صالح (١) المصري (٣): قال البرذعي عن أبي زرعة : (( لم يكن عثمان عندي من يكذب ، لكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح ، فكان خالد إذا سمعوا من الشيخ أملى عليهم ما لم يسمعوا ، فبلوا به، وقد بُلِيّ به أبو صالح أيضاً - يعني كاتب الليث- في حديث زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن جابر . ليس له أصل، إنما هو من حديث خالد بن نجيح . قلت : وهذا الحديث قد ذكرناه في فضائل الصحابة ، وذكرنا قول أحمد فيه : إنه موضوع . وكذا ذكر أبو زرعة وأبو حاتم في : (١) «عثمان بن صالح بن صفوان السهمي مولاهم أبو يحيى المصري، صدوق من كبار العاشرة، ... ، مات سنة تسع عشرة، ومائتين، وله خمس وسبعون سنة/خس ق )) . قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري: ((والحكم في أمثال هؤلاء الشيوخ الذين لقيهم البخاري وميز صحيح حديثهم من سقيمه وتكلم فيهم غيره أنه لا يدعى أن جميع أحاديثهم من شرطه، فانه لا يخرج لهم إلا ماتبين له صحته، والدليل على ذلك أنه ما أخرج لعثمان هذا في صحيحه سوى ثلاثة أحاديث، أحدها متابعة في تفسير سورة البقرة). وهذه فائدة جليلة ينبغي استحضارها في مثل هذا الموضع . (٢) وقع في التقريب ((البصري)). وهو تصحيف. - ٧٠٣ - عبد الله بن صالح أبي صالح (١) أن خالد بن نجيح كان يدس له في كتبه احاديث(٢) . ومنهم: يحيى بن بكيرٍ (٢) : وغيره، ممن سمع من مالك بعرض حبيب(٤) كاتبه ، قال عباس وغيره عن ابن معين: « حبيب كان يقرأ على مالك ، وكان يُخَطْرِف (١) في ب ((عبد الله بن صالح بن أبي صالح)) بزيادة ((أبي)، وهو خطأ (٢) الجرح والتعديل ج ٢ /٨٧/٢ ذكر هذا عن أبي حاتم ،ثم ذكر عن أبي زوعة قوله (( لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب، وكان حسن الحديث)) وكأنه. يشير إلى ذلك ، ويرد على من اتهمه بالكذب انظر المغني رقم ٣٢١٨. وعبد الله بنصالح هذا هو أبو صالح كاتب الليث بن سعد « صدوق، کثیر الغلط ، قَبْتُ في كتابه، وكانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين -ومائتین - وله خمس و ثمانون سنة/ختدتق)) . وظاهر كلام الأثمة أن حديثه في الأول كان مستقيماً، ثم طرأ عليه فيه تخليط ، ومقتضى ذلك أن مايجىء من روايته عن أهل الحذق كيحيى بن معين والبخاري فهو من صحيح حديثة، وما يجيىء من رواية الشيوخ عنه فيتوقف فيه ، هدي الساري ج ٢ ص ١٣٨ قلت : البخاري روى له استشهاداً . انظر التهذيب . (٣) هو («يحيي بن عبد الله بن بُكَيْر المخزومي، مولام، المصري، وقد ينسب إلى جده ، ثقة في الليث ، وتكلموا في سماعه من مالك ، من كبار العاشرة، مات سنة إحدى وثلاثين - ومائتين - وله سبع وسبعون/خم ق)). (٤) هو ((حبيب بن أبي حبيب المصري ، كاتب مالك ، يُكني أبا محمد، واسم أبيه ابراهيم ، وقيل مرزوق . متروك ، كذبه أبو داود وجماعة، مات سنة ثماني عشرة ومائتين ، من التاسعة/ق )) . - ٧٠٤ - للناس(١) وَيُصَفْحُ ورقتين وثلاثة. قال يحيى. سألوني عنه بمصر؟ فقلت : ليس بشيء، قال : وكان يحيى بن بكير سمع بعرض حبيب، وهو شر العرض » . قال الأثرم عن أحمد: ((كان مالك إذا حدث من حفظه كان أحسن مما يعرضون عليه، يقرأون عليه الخطأ، وهو شبه النائم)). (و) قال ابن حبان (٢): ((امتحن أهل المدينة بحبيب بن أبي حبيب الوراق كان يُدْخِلُ عليهم الحديث ، فمن سمع بقراءته عليهم فسماعه لاشيء )، انتهى . وعمن كان يستملي استملاء سيئاً ، ابراهيم بن بشار الرمادي (٢) . (١) ((الناس)) ظ. (٢) في المجروحين ج١ ص ٢٦٠ بمعنى ماذكره الحافظ ابن رجب لا بلفظه. وأورد بعد هذا عن قتيبة بن سعيد قال: «سمعت هذه الأحاديث من مالك وحبيب يقرأ فلما فرغ قلت يا أبا عبد الله هذه أحاديثك تعرفها أرويها عنك، فقال نعم ، وربما قال له غيري ) انتهى ، فتأمل . (٣) ((أبو إسحاق البصري، حافظ له أوهام، من العاشرة، مات في حدود الثلاثين - ومائتين - /دت)). انظر التوسع في ترجمته تهذيب التهذيب ج ١ ص ١٠٩ - ١١٠ وفيه مايؤكد إساءه الاستملاء غير أنه ذكر أنه كان صحب ابن عيينة سنين كثيرة ، وأنه سمن أحاديثه مراراً وأنه كان ينام في مجلس ابن عيينة . ولعل ذلك من كثرة تكرار ماسمعه منه . قلنا: لعل تغييره في الاستملاء كان لغفلته عن سماع ما يملى فيعتمد على حافظته والله أعلم . - ٧٠٥ - ٤٠ - شرح العلل كان يُملي على الناس مايحدث به سفيان بن عيينة بزيادة وتغير ، قاله أحمد ويحيى . ولكن لا أعلم من كتب باملائه . وقد روى قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد حديث الجمع بين الصلاتين في السفر (١)، وهو غريب جداً، فاستنكره الحفاظ . (١) أخرجه الترمذي من هذا الوجه والسياق له ج ٢ ص ٤٣٨ - ٤٣٩ وأبو داود ج ٢ ص ٧ - ٨ قالا حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: ((ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحمل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر، فيصليها جميعاً . وإذ ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعاً ، ثم سار . وكان إِذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإِذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب». والحديث محفوظ من طريق أبي الزبير عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ . اخرجه من هذا الوجه مختصراً مسلم ج ٢ ص ١٥١ - ١٥٢ وأبو داود ج ٢ ص ٤ - • بلفظ « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً)). وأخرجه أيضاًابو داود مطولاً: حدثنا يزيد بن خالدبن يزيد بن عبد الثهين موهب الرملي الهمداني ثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ فذكر الحديث بنحو حديث قتيبة بن سعيد . فقد خالف قتيبة بن سعيد في إسناد الحديث، فتكلم في سنده بسبب ذلك :- - ٧٠٦ - ويقال: إنه سمعه مع١/ خالد بن الهيثم . فأدخله على الليث ، وهو لايشعر، كذا ذكره الحاكم في علوم الحديث (٢) . وقد سبق الكلام عليه مستوفى في كتاب الصلاة . = قال الترمذي ج ٢ ص ٤٤٠: ((وحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة ، لانعرف أحداً رواء عن الليث غيره. وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب . والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جَمَع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء)). انتهى كلام الترمذي . وقال أبو سعيد بن يونس: ((لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال إنه غلط فيه )) . (١) ((إنه سمع منه)، ظ. وهو خطأ. (٢) في كلام طويل ص ١١٩ - ١٢١، وقد ذكرنا من كلامه ما يتعلق بالشاذ فيما سبق ص٤٥٨ - ٤٦١، ونذكر نص كلامه هنا فيما يتعلق بإدخال خالد بن الهيثم الحديث على قتيبة ، وليس على الليث كما ذكر ابن رجب : (( قال أبو عبد الله: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجباً من إسناده ومتنه ، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة ، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب ، وحدثنا به عن أبي عبد الرحمن النسائي ، وهو إمام عصره عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي الحديث علة. فنظرنا فإذا الحديث موضوع ، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون : حدثنا أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه ، قال ثنا محمد بن إسحاق = - ٧٠٧ - تلبيه إعلم [ب - ٢٠] أنه قد يخرج في الصحيح لبعض من تُكُلْمِ فيه . إما متابعة واستشهاداً ، وذلك معلوم(١). =ابن خزيمة قال سمعت صالح بن حَفْصُويَه النيسابوري - قال : أبو بكر وهو صاحب حديث - يقول سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع مَنْ كبتبْت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ؟ . فقال : كتبته مع خالد المدائني . قال البخاري: ((وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ)) انتهى. لكنا نجد في هذا النقل عن البخاري توقفاً، وقتيبة بن سعيد من الثقات الأثبات أهل التيقظ ، والترمذي وهو حامل علم البخاري في العلل تكلم : على الحديث كما سبق أن نقلتًا كلامه، ولميذكر عن البخاري شيئاً مما أورده الحاكم لا في الجامع ولا في كتاب العلل الكبير في جمع الصلاتين ورقة ١٩ وجه ٢. فالله أعلم . (١) قال ابن الصلاح في علوم الحديث ص٧٦: (( ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتجُ بحديثه وحده، بل يكون معدوداً: في الضعفاء ، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد .. وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدار قطني وغيره في الضعفاء: فلان يُعْتَبر به، وفلان لا يُعتبر به)) انتهى. ونحو هذا تجده في سائر مصادر علوم الحديث . أما ضابط من يصلح الاعتبار والاستشهاد به ومن لا يصلح ، فهو : من: كان من المراتب التي لا يحتج بها لكن يعتبر بها، ولم ينزل إلى مراتب الضعف الشديد، التي نص العلماء على أن من قيلت فيه لا يعتبر به . - ٢٠٨ - وقد يخرج من حديث بعضهم ما هو معروف عن شيوخه من طرق أخرى، ولكن لم يكن وقع لصاحب الصحيح ذلك الحديث إلا من طريقه ، إما مطلقاً، أو بعلو . فإذا كان الحديث معروفاً عن الأعمش صحيحاً (عنه)، ولم يقع لصاحب الصحيح عنه بعلو إلا من طريق بعض من تْكُلّم فيه من أصحابه خرجه عنه . قال أبو عثمان سعيد بن عثمان البرذعي: ((شهدتُ أبا زُرعة ، وأنكر على مسلم تخريجه لحديث أسباط بن نصر ، وقطن بن نُسَيْرٍ، وروايته عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه الصحيح ... )، [٤- ٢٠١ ] في حكاية طويلة ذكرها . قال: ((فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت ذلك لمسلم فقال: ((إنما أدخلتُ من حديث أسباط، وقطَن بن ثُمَير ، وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي (١) عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقْتَصِيرُ على أولئك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات)) (٢) انتهى . (١) ((أي)) ب، تصحيف. (٢) وانظر هذا في شروط الأئمة الخمسة للحازمي . ونحو هذا ما قاله الإمام أبو داودالسجستاني في رسالته إلى أهل مكة ص٤ ((سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصحٌ" ماعرفتُ في الباب ؟ ووقفت على جميع ماذكرتم : = - ٧٠٩ - وهذا قسم آخر ممن خرج له في الصحيح على غير وجه المتابعة والاستشهاد ودرجته تقصر عن درجة رجال الصحيح عند الاطلاق . فاعلموا أنه كذلك كله ، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين ، = فأحدهما أقدم إسناداً ( يعني أعلى إسناداً)، والآخر صاحبه قدّم في الحفظ، فربما كتبت ذلك (يعني إلاقدم). ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث .. )). - ٧١٠ - ولنختم هَذا الكِتابُ بكلمات مختصرات من كلام الأئمة النقاد، الحفاظ الأثبات ، هي في هذا العلم كالقواعد الكليات ، يدخل تحتها كثير من الجزئيات، والله الموفق للخير والمعين عليه في كل الحالات : قاعدة: الصالحون غير العلماء، يغلب على حديثهم الوهم والغلط: وقد قال أبو عبد الله بن منده: [آ -١٣٨] ((إذا رأيت في حديث ثنا فلان الزاهد فاغسل يدك منه » . وقال يحيى بن سعيد: ((ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث)). وقد ذكرنا ذلك مستوفى فيما تقدم، والحفاظ منهم قليل، فإذا جاء الحديث من جهة أحدٍ منهم فَلْيُتوقّف فيه حتى يتبين أمره. قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به: لايكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولايقيمون أسانيده ، ولا متونه ، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً، ويروون المتون بالمعنى ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم . - ٧١١ - وقد اختصر شريك (١) حديث رافع في المزارعة ، فأتى به بعبارة أخرى، فقال : « من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته)) (٢). (١) هو شريك بن عبد الله النخعي . تقدمت ترجمته ص ١١٧ (٢) أخرجه من طريق شريك أبو داود في البيوع (زرع الأرض بغير إذن صاحبها) ج ٣ ص ٢٦١ - ٢٦٢ والترمذي في الأحكام ج ٣ ص ٦٤٨ - ٦٤٩ وابن ماجه ص ٨٢٤ . قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب ، لانعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه ، من حديث شريك بن عبد الله . والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم ، وهو قول أحمد وإسحاق . وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: «هو حديث حسن، وقال : لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك )». قال محمد: (( حدثنا معقل بن مالك البصري حدثنا عقبة بن الأسم عن عطاء عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه)) .. قال الخطابي في مختصر السنن ج ٥ ص ٦٤ - ٦٥: «هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث . وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال : أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا عن عطاء غير أبي إسحاق ، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً، وضعفه البخاري أيضاً ، وقال: تفرد بذلك عن أبي إسحاق ، وشريك بهم كثيراً أو أحياناً )) ... وحكى ابن المنذر عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن حديث رافع؟ فقال: (( عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه ((زرع بغير إذنه))، وليس غيره. ينكر هذا الحرف)). - ٧١٢ - وهذا يشبه كلام الفقهاء . وكذلك روى حديث أنس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ برطلين من ماء)) (١). قال ابن القيم في تعليقه على مختصر المنذري ج ٥ ص ٦٤ (( وليس مع من ضعف الحديث حجة ، فإن رواته محتج بهم في الصحيح ، وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم. وقد حسنه إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري، والترمذي بعده ، وذكره أبو داود ولم يضعفه، فهو حسن عنده. واحتج به الامام أحمد وأبو عبيد . وقد تقدم شاهده من حديث رافع بن خديج في قصة «الذي زرع في أرض ◌ُظهَيْر بن رافع، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته)). وقال فيه لأصحاب الأرض: ((خذوا زرعكم )). فجعله زرعاً لهم، لأنه تولد من منفعة أرضهم، فتولده في الأرض كتولد الجنين في بطن أمه . ولو غصب رجل فحلا فأنزاء على ناقته أو رمكته - يعني الفرس - لكان الولد لصاحب الأنثى دون صاحب الفحل، لأنه إنما يكون حيواناً من حرثها، ومَنيء الأبلمالميكن له قيمة أهدره الشارع، لأن عنب الفحل لا يقابل بالعوض. ولما كان البذر مالاً متقوماً رُدٌ على صاحبه قيمته ، ولم يذهب عليه باطلا، وُجعل الزرع لمن يكون في أرضه، كما يكون الولد لمن يكون في بطن أمه ، ورمكته وناقته . فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث . فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السمنة على مثله ، وقد تأيد بالقياس الصحيح ، من حجج الشريعة ، وبالله التوفيق ، انتهى . (١) أخرجه الترمذي في أواخر الصلاة ج ٢ ص ٥٠٧ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يجزىء في الوضوء رطلان من ماء)). قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لانعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ » . - ٧١٣ - وهذا رواء بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث ((انه كان يتوضأ بالمُدّ)) (١)، والمُدُ عند أهل الكوفة رطلان. وكذلك سليمان(٣) بن موسى الدمشقي (٢): الفقيه ، يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة . وكذلك فقهاء الكوفة ، ورأسهم : حماد بن أبي سليمان (٤) وأصحابه وأتباعهم وكذلك : الحكم بن عتيبة(٥) (١) تمامه ((ويغتسل بالصاح إلى خمسة أمداد)) متفق عليه. البخاري ج ١ ص ٤٧ ومسلم بلفظه ج ١ ص ١٧٧ . (٢) في ظ ((سليم)). وهو تصحيف. (٣) ((صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل ، من الخامسة/م عه » . (٤) هو حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري ، سبقت ترجمته في ص ٥٩٢- ٥٩٣، واختيارنا فيه أنه ((ثقة، ربما وهم))، خلافاً لقول الحافظ ابن حجر «مدوق ، له أوهام )) . وسيأتي له ذكر ، وكلام فيه عند الحافظ ابن رجب في الصفحتين التاليتين مع تعليق لنا عليه . (٥) « الحكم بن عتيبة - بالمثناة ثم الموحدة مصغراً - أبو محمد الكندي، الكوفي ، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلتس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة - ومائة - ، أو بعدها، وله نيف وستون /ع)). وقع في ب (( الحكم بن عيينة)) وهو تصحيف . - ٧١٤ - وعبد الله بن نافع الصايغ (١) : صاحب مالك ، وغيرهم. قال شعبة: «كان حماد بن أبي سليمان لا يحفظ » . قال ابن أبي حاتم: (٢) ((كان الغالب عليه الفقه، ولم يُرزقَ حِفْظَ الآثار » . وقال شعبة أيضاً: ((كان حماد ومغيرة أحفظ من الحكم)» يعني مع سوء حفظ (٣) حماد للآثار كان أحفظ من الحكم. وقال عثمان البتي: «كان حماد إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال : قال إبراهيم أخطأ )). قال أبو حاتم الرازي: ((حماد صدوق لايحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء [ ب - ١٢١] الآثار شوش. وكان حماد إذا سئل عن شيء من الرأي سُرّ به ، فإذا سئل عن الرواية ثقلت عليه ، وربما كان يُسأل عن شيء من حديث إبراهيم فيقول : قد طال العهد بإبراهيم)) . قال حماد بن سلمة: « كنت أسال حماد بن أبي سليمان عن أحاديث مسنده، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال : لاجاء الله بك ». قال حماد بن زيد، ((قدم علينا حماد(٤) البصرة ، فجعل فتيان (١) المخزومي: مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه لين، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومائتين ، وقيل بعدها / بخ معه)). (٢) في الجرح والتعديل ج ٠١٤٧/٢/١ وانظر فيه الأقوال الأخري . (٣) ((حفظه)» ب. (٤) ((قدم حماد علينا البصرة)، ب، وليس في ظ ((حماد)). - ٧١٥ - البصرة يسخرون به، فقال له رجل: ما تقول في رجل وطيء دجاجة ميتة فخرج منها بيضة؟ ، وقال له آخر : ماتقول في رجل مطلق امرأته مِلِءَ (١) سُكُرُجَةٍ(٢)؟)). قال ابن حبان (٣)، ((الفقيه إذا حدث من حفظه وهو ثقة في روايته لايجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد . وهكذا رأينا أكثر من جالسناه من أهل الفقه ، كانوا إذا حفظوا الخبر لايحفظون إلا متنه، وإذا ذكروه أول أسانيدهم يكون قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكرون بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحداً ». (١) ((من سكرجة)) ب، وهو تصحيف. والسُّكُرُجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم ، وأيضاً : كل ما يوضع فيه الكوامخ ونحوها على المائدة حول الأطعمة ، للتشهي والهضم . (٢) ماذكره الحافظ ابن رجب فيه إسراف وغلو في حق حماد بن أبي سليمان ، وبعض ذلك ناشيء عن اختلاف المشرب العلمي بين أهل الحديث وأهل الرأي الذين كان حماد من كبارهم ، وبعض ذلك لا صحة له والله تعالى أعلم . وقد وثق حماداً كثير من أئمة الحديث، وقدرأيت قول شعبة: ((كان حماد ومغيرة أحفظ من الحكم ». والحكم ثقة ثبت فقيه ، كما مر قبل قليل جداً، فليعلم .. . وكان من طريقة جماد وهي طريقة أبي حنيفة ومن جاء على طريقته التحرج الشديد في الرواية، لذلك كانت الرواية تثقل على حماد، ويتوقف فيها، وذلك آية تثبته وتحريه رضي الله عنه . (٣) في كتاب المجروحين ج ١ ص ٧٨ - ٧٩. - ٧١٦ - فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحف الأسماء، وأقلب الأسانيد١١) ورفع الموقوف، وأوقف المرسل ، وهو لا يعلم ، لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه ، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب أو يوافق الثقات في الأسانيد» . قلت : هذا إن كان الفقيه حافظاً للمتن ، فأما من لايحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، فإنما (٢) يروي الحديث بالمعنى ، فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون ، إلا بما يوافق الثقات في المتون ، أو يحدث به من كتاب موثوق به . والأغلب أن الفقيه يروي الحديث بما يفهمه من المعنى ، وأفهام الناس [آ - ١٣٩] تختلف، ولهذا ترى كثيراً من الفقهاء يتأولون الأحاديث (الصحيحة) بتأويلات مستبعدة جداً بحيث يجزم العارف المنصف بأن ذلك المعنى الذي [ظ - ٢٠٢] تأوله ( به ) غير مراد بالكلية ، فقد يروي الحديث على هذا المعنى الذي فهمه . وقد سبق (٣) أن شريكاً روى حديث الوضوء بالمد بما فهمه من المعنى ، وأكثر فقهاء الأمصار يخالفونه في ذلك . قاعدة: الثقات الحفاظ اذا حدثوا من حفظهم، وليسوا بفقهاء: (١) في الأصل ((وأقلب الاسناد)). وفي ظ ((وقلب الأسانيد)). والمثبت من ب موافق للمجروحين . (٢) ((وإنما ) ظ وب. (٣) في ص ٧١٣-٧١٤. - ٢١٧ - قال ابن حبان(١)، (( عندي لا يجوز الاحتجاج بحديثهم ، لأن ممتهم حفظ الأسانيد والطرق دون المتون)) . قال: ((وأكثر من رأينا من الحفاظ كانوا يحفظون الطرق، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة ، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة پشیرون إليها. قال، ومن كانت هذه صفته وليس بفقيه، فربما يقلب المتن ويغير المعنى إلى غيره وهو لايعلم ، فلايجوز الاحتجاج به إلا أن يحدث من كتابه أو يوافق الثقات)). وقد ذكرنا هذا عن ابن حبان فيا تقدم (٢)، وبينا أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو مختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، أو (٣) لعله يختص بالمتأخرين من الحفاظ، نحو مَن كان في عصر ابن حبان . فأما المتقدمون كشعبة والأعمش وأبي إسحاق ونحوهم فلا يقول ذلك أحد في حقهم (٤)، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن "حفظ (٥) الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على خلاف ذلك، والله أعلم . وقد سبق قول الشافعي أن من حدث بالمعنى ولم يحفظ لفظ الحديث (١) في المجروحين ح ١ ص ٧٨ والحافظ ابن رجب يسوق كلام ابن حبان بمعناه . (٢) ص ١٥٠ - ١٥١ وانظر تعليقنا عليه هناك. (٣) ((ولعله)» ظ وب. (٤) ((فلا يقول أحد ذلك في حفظهم، ظ وب. (٥) ((لحفظ)) ب، وهو خطأ. فإن قوله ((حفظ)) خبر إن. - ٧١٨ - أنه (١) يشترط فيه أن يكون عاقلاً لما(٢) يحدث به من المعاني عالما بما يحيل المعنى [ب - ١٢٢] من الألفاظ، وإن من حدث بالألفاظ فإنه يشترط أن يكون حافظاً للفظ الحديث متقناً له، والله أعلم . قاعدة: إذا روی الحفاظ الأثبات حديثاً باسناد واحد وانفرد واحد منهم باسناد آخر : فإن كان المنفرد ثقة حافظً فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة في الأسانيد أو في المتون ، وقد تقدم الكلام على ذلك . وقد تردد الحفاظ كثيراً في مثل هذا، هل يرد قول من تفرد بذلك الإسناد لمخالفته الأكثرين له ؟ أم يقبل قوله لثقته وحفظه ؟ ويقوى قبول قوله إن كان المروي عنه واسع الحديث يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة، كالزهري، والثوري ، وشعبة ، والأعمش (٣). ومثال ذلك : ما روى أصحاب الأعمش ، مثل : وكيع ، وعيسى بن يونس ، وعلي ابن مسهر، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم ، عن الأعمش عن إبراهيم (١) ((أن)، ب، وليس في ظ . (٢) ((ما) ظ وب وانظر ما سبق ص ١٤٧ و ٣٤٥ و ٣٤٧-٠٣٥١ (٣) انظر ماسبق في ص ١٤٣ - ١٤٤ - ٧١٩ - عن علقمة عن عبد الله أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في حَرْثٍ (١). بالمدينة فمر على نفر من اليهود فسألوه عن الروح الحديث (٢). وخالفهم ابن إدريس فرواه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله ، ولم يتابَعْ عليه ، فصححت طائفة الروايتين عن الأعمش، وخرجه مسلم من الوجهين (٣). وقال الدار قطني : (( لعلهما محفوظان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابع على هذا القول». ٠٠ قلت : ومما يشهد لصحة ذلك أن ابن إدريس روى الحديث بالإسعاد الأول أيضاً، وهذا مما يستدل به الأئمة كثيراً على صحة رواية من (١) كذا في الأصول. وضبط في الأصل أيضا ((خرب)) وفوقه كلمة « معاً)) أي تقرأ على الوجهين . (٢) تمام الحديث: ((وقال بعضهم لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم لنسألنه ، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه فقال: ((ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ، وما أوتوا من العلم إلا قليلاً)). قال الأعمش : هكذا في قراءتنا . (٣) الحديث متفق عليه: البخاري في العلم ج ١ ص ٣٣ وتفسير سورة الإسراء ج ٦ ص ٨٧ والاعتصام ( مايكره من كثرة السؤال .. ) ج ٩ ص٩٦ والتوحيد ( ولقد سبقت كلمتنا) ص ١٣٥ و (باب قول الله تعالى انما أمرنا. لشيء .. )) ص ١٣٦ بأسانيده عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: في هذه المواضع كلها. وأخرجه مسلم على الوجهين كما ذكر الشارح في القيامة وصفة الجنة ج ٨ ص ١٢٨ و ١٢٩. وقد تبين لك ما يصحح صنيع مسلم ، وعرفت تقرير القاعدة في ذلك . - ٧٢٠ -