النص المفهرس

صفحات 401-420

ويخرج لبعضهم ابن ماجه ، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية
الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين (١).
أصحاب نافع : قسمهم ابن المديني تسع طبقات :
الطبقة (٢) الأولى: أيوب، وعبيد الله بن عمر، ومالك ، وعمر
ابن نافع. قال : «فهؤلاء أثبت أصحابه ، وأثبتهم عندي أيوب)).
قال: وسمعت يحيى يقول: ((ليس ابن جريج بدونهم فيما سمع
من نافع » .
الطبقة الثانية : عبد الله بن عون ، ويحيى الأنصاري ، وابن جريج .
الطبقة الثالثة : أيوب بن موسى ، وإسماعيل بن أمية ، وسليمان
ابن موسى ، وسعد بن إبراهيم .
الطبقة [ ب - ٦٨] الرابعة: موسى بن عقبه، ومحمد بن
إسحاق ، وداود بن الحصين .
الطبقة الخامسة : محمد بن عجلان ، والضحاك بن عثمان ، وأسامة
ابن زيد الليثي ، ومالك بن مِغْوَل .
الطبقة السادسة : ليث بن سعد، وإسماعيل بن إبراهيم بن
(١) انظر هذا المثال في الطبقات في شروط الأئمة الخمسة للامام الحازمي ص
٤٣ - ٤٧ ففيه مزيد بيان مفيد .
(٢) قوله ((الطبقة)) اختصر هذا اللفظ في ظ هنا وفيما يلي، سوى الطبقة
الثانية والسابعة وما بعدها فقد ثبت فيها لفظ ((الطبقة)).
- ٤٠١ -
٢٦ - شرح العلل

عقبة، وسليمان بن مساحق، وابن عَنْج (١) المصري .
:
الطبقة السابعة : عبد الرحمن (٢) السراج، وسعيد بن عبد الله
ابن حرب ، وسابة بن علقمة، وعلي بن الحكم ، والوليد بن أبي هشام .
الطبقة الثامنة: أبو بكر بن نافع، وخليفة بن غلاب (٣) [ظ -١٦٣]،
ويونس بن يزيد ، وجويرية (٤) بن أسماء ، وعبد العزيز بن أبي
"رَوّاد، ومحمد بن ثابت العبدي، وأبو علقمة الفَرْوِيّ، وعطاف
ابن خالد، وعبد الله بن عمر ، وحجاج بن أرطأة ، وأشعث بن
سوار ، وثور بن يزيد .
وطبقة تاسعة لا يكتب عنهم : عبد الله بن نافع ، وأبو أمية
ابن يعلى ، وعثمان الُبرِّي، وعمر بن قيس مندل . انتهى .
وقد خولف في بعض هذا الترتيب ، فمن ذلك تقديم سليمان بن
موسى على موسى بن عقبة ، والليث والضحاك بن عثمان ومالك بن
مِفْوَل وجويرية ، ويونس .
(١) بالعين المهملة المفتوحة والنون الساكنة. وكذا ضبطه الذهبي بالقلم في المغني
في الضعفاء رقم ٥٧٢٨. وضبطه الحافظ في التقريب (( بفتح الغين المعجمة
والنون ، بعدها جيم » .
(٢) عبد الرحمن بن السراج ظ. وهو عبد الرحمن بن عبد الله السراج
البصري (( ثقة، من الثامنة م س)).
(٣) «علان » ب .
(٤) ((جويرية))، رسم هنا في الأصل وفيما يلي ((جويرة)) ورسم على
الدقة في سائر المواضع ، فأثبتناه على الصواب في كل المواضع. وكذا الضطربت
النسخة ظ في رسمه .
- ٤٠٢ -

وحديث جويرية والليث بن سعد عن نافع مخرج في الصحيحين.
وسليمان بن موسى قد تكلم فيه غير واحد ولم يخرجا له شيئاً.
وقد قسم النساني أصحاب نافع تسع طبقات أيضاً ، وخالف
ابن المديني في بعض ما ذكره ، ووافقه في بعضه .
فوافقه في ذكر الطبقة الأولى .
وزاد في الطبقة الثانية : صالح بن كيسان .
وزاد في الثالثة: موسى بن عقبة، وكثير بن فرقد، وأسقط منها
سعد بن إبراهيم [ وسليمان بن موسى ] .
وذكر : الطبقة الرابعة : الليث بن سعد ، وجويرية بن أسماء ،
وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، ويونس بن يزيد . لم يذكر غيرم.
وزاد في الخامسة: ابن أبي ذنب ، وحنظلة بن أبي سفيان (١)، وابن
عنج ، وأسقط ذكر أسامة وابن مغول .
وذكر الطبقة السادسة : سليان بن موسى ، وبُرْد بن سنان ،
وهشام بن الغاز ، وابن أبي رَوَّاد .
وزاد في السابعة : عبيد الله بن الأخنس ، وأسقط منها سعيداً
وعلي بن الحكم .
وقال : الطبقة الثامنة: عمر بن محمد بن زيد ، وأسامة بن زيد ،
(١) في ظ ((حنظلة بن سفيان)) وعليها ضبة. إشارة إلى أنها هكذا في
الأصل، لكنها مشكلة . وانظر معنى ((ضبة)) و((تضبيب)) وصورة الضبة
في كتابنا (« معجم المصطلحات الحديثية)).
- ٤٠٣ -

ومحمد بن إسحاق (١)، وصخر بن جويرية ، وهمام بن يحيى،
وهشام [ آ - ٨٧] بن سعد .
قال : والتاسعة: الضعفاء: عبد الكريم أبو أمية، وليث بن أبي
سُلَيْم ، وحجاج بن أرطأة، وأشعث بن سَوّار ، وعبد الله
ابن عمر .
وذكر طبقة عاشرة ، وقال : هم المتروك حديثهم: إسحاق بن
أبي فروة ، وعبد الله بن نافع، وعمر بن قيس، ونجيح أبو
معشر، وعثمان البُرِّي، وأبو أمية بن يعلى ، ومحمد بن عبد
الرحمن بن مُجَبّر (٢)، وعبد العزيز بن عبيد الله.
أصحاب الاعمش : قال النسائي هم سبع طبقات.
الأولى: يحيى القطان، والثوري ، وشعبة.
الثانية : زائدة ، وابن أبي زائدة ، وحفص بن غياث.
الثالثة : أبو معاوية ، وجرير بن عبد الحميد ، وأبو عوانة .
الرابعة : قُطْبّة بن عبد العزيز ، ومفضل بن مهلهل ، وداود
الطائي ، وفُصَيْل بن عِياض، وابن المبارك .
الخامسة : ابن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، واحمَيْد
(١) في ظ و ب ( وابن إسحاق ».
(٢) يفتح الموحدة الثقيلة. كما ضبط في المغني رغم ٥٧٣٥ ونص عليه في
اللان ج ٥ ص ٢٤٦ فانظر ترجمته .

۔
الرّؤاسي، وعبد الله بن داود، والفضل بن موسى ، وزهير بن
معاوية .
السادسة : أبو أسامة ، وابن نمير، وعبد الواحد بن زياد .
السابعة : عَبيدة بن حميد ، وعبدة بن سليمان .
- ٤٠٥ -

فصل في الحديث الغريب وأنواع الحديث
من حيث تفرد الراوي به
وأما الحديث الغريب : فهو ضد المشهور (١) .
وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه
في الجملة :
(١) الغريب: لغة هو المنفرد أو البعيد عن أقاربه. وفي اصطلاح المحدثين:
(هو الحديث الذي تفرد راوٍ بروايته مطلقاً، سواء تفرد به عن إمام يجمع حديثه،
أو عن راو غير إمام، أو انفرد بزيادة في متنه أو إسناد.)). سمي بذلك لأنه
كالغريب الوحيد الذي لا أهل عنده، أو لبعده عن مرتبة الشهرة فضلاً عن
التواتر. قواعد التحديث ص ١٢٥ وانظر علوم الحديث ص ٢٤٣ -٢٤٤ , شرح العراقي
على ألفيته ج ٤ ص ٢ - ٣ وفتح المغيث للسخاوي ص ٣٤٣.
وقد قسم العلماء الحديث الغريب بحسب موضع الغرابة فيه أقساماً بلغ بها
الحافظ ابن سيد الناس خمسة أقسام نذكرها باختصار، لتطبيق تقسيم الترمذي
والحافظ ابن رجب عليها ، وهي :
١ - غريب سنداً ومتناً
٢ - غريب متناً لا سنداً
٣ - غريب سنداً لا متنا
٤ - غريب بعض السند فقط
- ٤٠٦-

ومنه قول ابن المبارك: ((العلم هو الذي يجبينك من ههنا ومن
ههنا )) يعني المشهور . خرجه البيهقي من طريق الترمذي عن أحمد
ابن عَبدة عن أبي وهب (١) عنه .
وخرج أيضاً من طريق الزهري عن علي بن حسين قال: « ليس من
العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن)).
وبإسناده عن مالك قال : ((شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر
الذي قد رواه الناس» .
وروى محمد بن جابر عن الأعمش عن إبراهيم قال: ((كانوا
يكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام)» .
وعن [ ب - ٦٩] أبي يوسف قال: ((من طلب غرائب
الحديث كُذِّبَ».
وقال أبو نعيم : ((كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة،
سقط حديثه في الضرائب».
وقال عمرو (٢) بن خالد سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى
ابن يونس (٣): ((ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث فإني
٥ - غريب بعض المتن فقط
وهذه الأقسام الخمسة داخلة في كلام الترمذي ، لا تخرج عنه ، كما يظهر
للمتأمل . وانظر بيان ذلك في كتابنا الامام الترمذي ص ١٨٢ - ١٨٤.
(١) ((عن ابن وهب)» ظ ، وهو سمو .
(٢) ((عمر)) ظ وب. والمثبت هو الصواب.
(٣) ((ابن يونس)) ليس في ظ
- ٤٠٧ -

. أعرف رجلاً كان يصلي في اليوم منتي ركعة ما أفسده عند الناس
إلا رواية غريب الحديث )).
وذكر مسلم في مقدمة كتابه (١) من طريق حماد بن زيد أن
أيوب قال الرجل: ((لزمتَ عمراً؟ قال: نعم، إنه يجيننا
بأشياء غرائب !! قال : يقول له أيوب: إنما نَفِرُ أَو نَفْرَقُ
تلك الغرائب
من
وقال رجل لخالد بن الحارث: ((أخرج لي حديث الأشعث (٢)
تَعَلّي أجد فيه شيئا غريباً)). فقال: (( لو كان فيه شيء غريب
لحوته )).
ونقل علي بن عثمان التنفيلي عن أحمد قال : «شر الحديث الغرائب
التي لا يُعمل بها ولا يُعتمد عليها)).
وقال المروذي سمعت أحمد يقول: ((تركوا الحديث وأقبلوا على
الغرائب، ما أقل الفقه فيهم؟!)).
ونقل محمد بن سهل بن عسكر عن أحمد قال: ((إذا سمعت أصحاب
الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة، فاعلم أنه خطأ أو
دخل حديث في حديث ، أو خطأ من المحدث ، أو ليس له إسناد ،
وإن كان قد روى شعبة، وسفيان . وإذا سمعتهم يقولون: لاشيء
فاعلم أنه حديث صحيح) .
لاتكتبوا
وقال أحمد بن يحيى سمعت أحمد غير مرة يقول :
(١) ص ١٧ - ١٨ وعمرو هو ابن عبيد، من رؤوس الاعتزال. انظر
المغني ٤٦٧٨
(٢) في ب ((في حديث حديث الأشعث)) وهو تصحيف وسقط
- ٤٠٨ -

هذه الأحاديث الغرائب (١) فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء».
قال أبو بكر الخطيب (٢): ((أكثر طالبي الحديث [ ظـ - ١٦٤ ]
في هذا الزمان يغلب عليهم كَتْب الغريب دون المشهور ، وسماع
المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية
المجروحين والضعفاء ، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرم مجتنباً ،
والثابت مُصدُوفاً عنه مُطَّرحاً، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال
الرواة ونحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز ، وزهدهم في تعلمه (٣)، وهذا
خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين ، والأعلام من أسلافنا الماضين » .
وهذا الذي ذكره الخطيب حق ، ونجد كثيراً من ينتسب إلى
الحديث لا يمتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها ، ويعتني
بالأجزاء الغريبة وبمثل مسند [ أ - ٨٨] البزار، ومعاجم
الطبراني، أو أفراد الدار قطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير ١٤١.
(١) ((والغرائب)» ظ بزيادة الواو، ولا محل لها فيما يبدو.
(٢) في الكفاية ص ١٤١. وانظر فيه ما سبق أن أورده الشارح من الآثار
أيضاً .
(٣) ((ونقله، ظ و ب.
(٤) وهذا عبرة عظيمة لمن أراد سبيل العلم وكأن هذا التنبيه من أكابر
العلماء في مختلف العصور لم يقع في علم أو قناعه بعض من نصب نفسه للحديث
في زماننا حتى إنه ليهجر الفتوى المجمع عليها من جماعة أئمة الإسلام المعتمدين
والمدعمة بصريح الكتاب أو السنة المتواترة أو الصحيحة يهجر مثل هذا، ليفتي
بقول شاذ مستند إلى حديث شاذ أو شبه شاذ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
- ٤٠٩ -

ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة
وهي نوعان
ما هو شاذ الاسناد، وسيذكر الترمذي فيما بعد بعضَ أمثلته .
وما هو شاذ المتن : كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها ،
أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها .
وهذا كما قاله أحمد - في حديث أسماء بنت عميس: ((تسلبي ثلاثا
ثم استعي ما بدا لك)) -: ((إنه من الشاذ المطرح». مع أنه قد
قال به شذوذ من العلماء : إن المتوفى عنها لا إحداد عليها بالكلية ،
كما سبق ذكره في موضعه (١) .
وكذلك حديث طاوس عن ابن عباس في الطلاق الثلاث ، وقد
تقدم في كتاب الطلاق كلام أحمد وغيره من الأئمة فيه وأنه شاذا
مُطَرَحٌ(٢).
قال إبراهيم بن أبي عبلة: ((من حمل شاذ" العلماء (٣) حمل شرا
كثيراً)). وقال معاوية بن قرَّةَ: ((إياك والشاذ من العلم)).
وقال شعبة: ((لا يجينك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ)).
قال صالح بن محمد الحافظ: (( الشاذ الحديث المنكر الذي لا
(١) انظر ص ١٧ وتعليقنا عليها.
(٢) انظر تعليقنا على ص ١٦
(٣) في ظ وب ((العلم)). وفي ظ ((كبيراً).
- ٤١٠ -

يُعرف (١))). وقد تقدم قول ابن مهدي: ((لا يكون إماما في العلم
من يحدث بالشاذ من العلم)» .
وقد اعتُرض على الترمذي رحمه الله :
بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الاسناد غالباً ؟
وليس ذلك بعيب، فإنه رحمه الله يبين مافيها من العلل، ثم يبين
الصحيح في الإسناد ، وكان قصدُه رحمه الله ذكر العلل ، ولهذا
تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط ، ثم يذكر
بعد ذلك الصواب المخالف له .
خطة أبي داود في سننه : #
وأما أبو داود رحمه الله فكانت عنايته بالمتون أكثر :
ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات [ ب - ٧٠ ]
المذكورة في بعضها دون بعض ، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر
من عنايته بالأسانيد ، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد ، وربما لم
يذكر الإسناد المعلل بالكلية .
ولهذا قال في رسالته إلى أهل مكة (٢): ((سألتم أن أذكر لكم
الاحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب ؟
فاعلموا أنه كذلك ، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين ،
(١) انظر هذه الآثار في الكفاية ص ١٤٠ و ١٤١.
(٢) انظر النصوص في مطلعها ص ٤ وص ٦ و ٧. وهي زبدة الرسالة .
- ٤١١ -

وأحدهما أقوى إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبتُ ذلك،
ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث ، ولم أكتب في الباب إلا
حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح ، فإنه يكثر)) .
((( وإذا أعدتُ الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من
زيادة كلام فيه ، وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما
اختصرت الحديث الطويل ، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعضُ من
سمعه، ولا يفهم موضع الفقه منه ، فاختصرته لذلك)».
إلى أن قال: ((وما كان في كتابي من حديث فيه وهنّ شديد فقد:
بيئَّئْتُه ومنه مالا (١) يصح مسنداً، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح ،
وبعضها أصح من بعض » .
إلى أن قال: (( والأحاديث التي وضعتُها في كتاب السنن أكثرها
مشاهير ، وهو عند كل مَن كتب شيئاً من الأحاديث، إلا أن تمييزها
لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج
بحديث غريب ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات
من أئمة العلم )) .
(((ولو احْتُجَّ بحديث غريب وجدتَ (٢) من يطعن فيه، ولا
يحتج بالحديث الذي قد اخْتُجَّ به إذا كان الحديث غريباً شاذاً)).
(( فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده
علينا أحد )) .
(١) في ظ وب ((ما لم)). ولفظ الرسالة ((وفيه مالا يصح سنده)).
(٣) في ب ((ولم احتج بحديث وجدت)) وفيه سقط وتصحيف.
- ٤١٢ -

وقال إبراهيم النخعي: ((كانوا [ أ - ٨٩] يكرهون الغريب
من الحديث )) .
وقال يزيد بن أبي حبيب : إذا سمعتَ الحديث فانشُدْه كما تنشد
الضالّة، فإن 'عُرفٍَ وإلا فدعه)). وذكر بقية الرسالة.
وخرج البيهقي باسناده عن ابن وهب قال : ((لولا مالك بن
أنس والليث بن سعد لهلكت ، كنت أظن أن كل ما جاء عن النبي
صلى الله عليه وسلم يعمل به)).
وقال ابن أبي خيثمة ثنا ابن الأصبهاني ثنا عيسى بن يونس
عن الأعمش عن إبراهيم قال: ( إني لأسمع الحديث فآخذ منه ما يؤخذ
به ، وأدع سائره » .
* الغريب سنداً ومتنا عند الترمذي : *
ثم لنرجع إلى ما ذكره الترمذي رحمه الله فنقول :
ذكر الترمذي رحمه الله: ((ان الغريب عند أهل الحديث يطلق
بمعانٍ: أحدها: أن يكون الحديث لا يُرْوى إلا من وجه واحد (١))).
ثم مَثّله بمثالين، وهما في الحقيقة نوعان :
(١) ويسميه علماء أصول الحديث: ((الغريب متنا وإسناداً))، وسماه الحافظ
ابن حجر ((الفرد المطلق)). انظر علوم الحديث ص ٢٤٤ وشرح الألفية ج ٤
ص ٤ والتدريب ص ٣٧٦ وشرح النخبة بشرحه للقاري ص ٤٨. وحكم هذا
القسم أنه يحتج به إذا توفرت فيه شروط الصحيح . ويقول فيه الترمذي :
((صحيح غريب)). أو كان حسناً ويعبر عنه الترمذي بقوله: ((حسن غريب)).
وإلا فهو مردود، وهو الغالب على الغرائب، كما عرفت من تحذير العلماء منها
ص ٤٠٦ - ٤١٠ .
- ٤١٣ -

أحدهما : أن يكون ذلك الإسناد لا يُرْوَى به إلا ذلك الحديث
أيضاً .
وهذا (١) مثل حديث حماد بن سلمة عن أبي المُشَراءِ الدارمي عن
أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذكاة .
فهذا حديث غريب ، لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة
عن أبي الْعشَراء ثم اشتهر عن حماد ، ورواه عنه "خلْقُ ، فهو في
أصل إسناده غريب، ثم صار [ ظ - ١٦٥] مشهوراً عن حماد.
قال الترمذي: ((ولا يُعرف لأبي العُشراء عن أبيه غير هذا
الحديث » .
وقد خَرَج الترمذي (٢) في كتاب الصيد والذبائح هذا الحديث"
(٣)
وقال : (( غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا يُعْرِقُ
لأبي الُعَشراء عن أبيه غيره» .
ولم يقل: إنه حسن، لما ذكر ههنا أن شرطه في الحسن أن يروى
نحوه من غير وجه ، وهذا ليس كذلك، فإنه لم يُرْوَ في الذكاة
(١) قوله (( وهذا )، ليس في ظ .
(٢) قوله ((ولا يعرف .. )) إلى هنا سقط من ظ.
(٣) ج ٤ ص ٧٥ ووقع فيه قوله ((ولا نعرف لأبي العشراء .. )).
وأخرجه أبو داود في الأضاحي ( ذبيحة المتردية) ج ٣ ص ١٠٣ والنسائي في
الأضاحي (ذكر المتردية ... ) ج ٧ ص ٢٢٨ وابن ماجه في الذبائح ص١٠٦٣ .
وقد اتفقوا على تأويل الحديث بحال الضرورة، أو فيما كان متوحشاً، كما
تفيده عباراتهم صراحة، وتفيده إشارة تراجمهم للحديث . وانظر التلخيص
الحبير ص ٣٨٢ .
- ٤١٤ --

في غير الحلق واللبة إلا في حال الضرورة غيره (١" .
وحكى أيضاً في كتاب العلل عن البخاري أنه قال: ((لا نعرف
لأبي العشراء شيئاً غير هذا )) .
وقد ذكرنا هناك أن بعضهم ذكر لحماد بن سلمة عن أبي العشراء
عن أبيه نحو عشرة أحاديث ، لكن كل أسانيدها إلى حماد ضعيفة
لا يكاد يصح منها شيء عنه، ووَهْن أحمد حديث أبي الُعَشراء في
الذكاة أيضاً .
النوع الثاني : أن يكون الإستاد مشهوراً يرْوى به أحاديث
كثيرة ، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد .
ومَثّله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي
صلى الله عليه وسلم [ ب - ٧١ ] في النهي عن بيع الولاء وهبته ،
فإنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه ،
وَمَنْ رواه من غيره فقد وهم وغلط .
وقد خرجه الترمذي في كتاب البيوع . وسبق الكلام عليه هناك
مستوفى"، وهو معدود من غرائب الصحيح ، فإن الشيخين
خرجاء (٢)، ومع هذا فتكلم فيه الإمام أحمد، وقال: ((لم يتابَعْ
(١) ((غيره)) زيادة من ظ. والمعنى يقتضيها.
(٢) البخاري فى العتق ج ٣ ص ١٤٧ ومسلم ج ٤ ص ٢١٦ وقال: ((الناس
كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث)). والترمذي ج ٣ ص ٥٣٧-٥٣٨
وفيه تفيه على خطأ غير طريق ابن دينار، وأبو داود في الفرائض ج٣ص١٣٧
والنسائي في البيوع ج٧ص ٢٦٩ وانظر شرح القسطلاني على البخاري ج٤ ص٣٧٨.
- ٤١٥ -

عبد الله بن دينار عليه))، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع
عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الولاء لمن أعتق)).
لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته .
قلت : وروى نافع عن ابن عمر من قوله النهيّ عن بيع
الولاء وعن هبته، غير (١) مرفوع، وهذا مما يعلل به حديث عبد الله
ابن دينار . والله أعلم .
ومن غرائب الصحيح أيضاً حديث عمر عن النبي صلى الله عليه
وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات .. )) الحديث . وقد خرجه الترمذي
في الجهاد ، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى، فانه لم يصح إلا من
حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن
وقاص عن عمر (٢) .
ومنها [أيضاً ] حديث أنس ((دخل النبي صلى الله عليه وسلم
مكة وعلى رأسه المغْفَر'(٣)، فإنه لم (٤) يصح إلا من حديث
(١) قوله (( غير » ليس في ب وهو سقط مخل بالمعنى.
(٢) وقد أشار القسطلاني إلى تعدد طرقه، ثم قال: (وقد اتفق على أنه
لا يصح مسنداً إلا من رواية عمر)، ج ١ ص ٧٥ - ٢٦. وانظر تخريجه فيما
سبق ص ٣٨٦ .
(٣) البخاري في الحج ( باب دخول مكة والحرم بغير إحرام) ج ٣
ص١٧ وفي المغازي ( أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح) ج ٤
ص ١٤٨، ومسلم في الحج ج ٤ ص ١١١، والترمذي (باب المغفر) ج ٤
ص ٢٠٢، وقال: ((هذا حديث حسن صحح غريب لا نعرف كبير أحد
رواه غير مالك عن الزهري»، ومالك في الموطأ ج ١ ص ٢٩٢.
- ٤١٦ -

مالك عن ابن شهاب عن أنس ، وقد سبق ذكره في الجهاد أيضاً ،
وأمثلة ذلك كثيرة (١) .
= وكان ذلك يوم فتح مكة في الساعة التي أُحِلُتْ فيها لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، كما هو صريح لفظ الحديث. فلا يشكل على دليل وجوب دخول مكة
بإحرام . انظر كتابنا ((الحج والعمرة في الفقه الاسلامي)) ص ٤٩ - ٠٥٠
(٤) ( لا يصح)» ظ وب .
(١) ((وأمثلته كثيرة، ظ وب.
- ٤١٧ -
٢٧ - شرح العلل

:
* زيادات الثقات وتحقیق حكمها *
قال أبو عيسى رحمه الله: (ورب حديث إنما (١) استغربَ
لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن
يُعْتَّمَدُ على حفظه.
مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال :
(( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان
على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين صاعاً من تمر أو
صاعاً من شعير)) ..
فزاد مالك في هذا الحديث ((من المسلمين)).
وروى أيوب السختياني ، وعبيد الله بن عمر ، وغير واحد
[٢ - ٩] من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ، ولم يذكر
فيه (( من المسلمين،
وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد
على حفظه .
(١) ((إنما)) ليس في ظ وب.
- ٤١٨ -

وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك ، واحتحوا
ـ، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا : إذا كان الرجل عبيد
غير مسلمين لم يؤد زكاة الفطر [عنهم]، واحتجا بحديث مالك.
فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه ).
هذا أيضاً نوع من الغريب ، وهو أن يكون الحديث في نفسه
- مشهوراً لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تُستغرب(١).
وقد ذكر الترمذي ، أن الزيادة إن كانت من حافظ يُعْتَمدُ على حفظه
فإنها تُقْبَلُ، يعني وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه
لا تقبل زيادته .
وهذا أيضاً ظاهر كلام الإمام أحمد ، قال في رواية صالح : «قد
أُنكر على مالك هذا الحديث - يعني زيادته من المسلمين - ومالك إذا
انفرد بحديث هو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه)).
يعني في الحديث .
وقال: ((قد رواه العمري الصغير والجُمحي ومالك)».
فذكر أحمد أن مالكاً يقبل تفرده ، وعلل بزيادته في الثبت على
غيره ، وبأنه قد توبع على هذه الزيادة - وقد ذكرنا هذه الزيادة ومن
تابع مالكاً عليها في كتاب الزكاة - ولا يخرج بالمتابعة عن أن يكون
زيادة من بعض الرواة ، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها .
(١) وهو القسم الذي سماه ابن سيد الناس: ((غريب بعض المتن)) ..
وبحثه العلماء في فن ((زيادات الثقات)).
- ٤١٩ -

و[قد] قال أحمد في رواية عنه: ((كنت أتهيب حديث مالك:«من
المسلمين )) . يعني حتى وجده من حديث العمريين (١). قيل له :
(« أفمحفوظ (٢) هو عندك, من المسلمين))؟ قال نعم)).
وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ، ولو
كان مثل مالك حتى يُتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة
مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه
٠
الشذوذ والانكار
وسيأتي فيما بعد إن شاء الله عن يحيى القطان نحو ذلك أيضاً .
وكلام الترمذي هنا يدل على خلاف ذلك ، وأن العبرة برواية مالك،
وأنه لاعبرة بمن تابعه ممن لا يُعْتَمَدُ على حفظه .
(١) ((العمري، ظ وب. والعمريان مما عبد الله العمري، وعبيد الله
العمري. انظر تخريج روايتها في الفتح ج ٣ ص ٢٢٨.
(٢) ((أمحفوظ » ظ وب ..
(٣) الحديث أخرجه الشيخان من طريق عبيد الله قال : حدثني نافع عن
ابن عمر .. وأخرجاء أيضاً من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه
مسلم من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر كلهم بدون زيادة «من المسلمين».
وأخرجاه عن مالك عن نافع عن ابن عمر بزيادة ((من المسلمين»
وتابع مالكاً على هذه الزيادة عمر بن نافع عن أبيه عند البخاري، والضحاك
عن نافع عند مسلم البخاري ج٢ ص ١٣٠ - ١٣٢ ومسلم ج ٣ ص ٦٨ - ٦٩).
وعمر بن نافع وثقه بعض الأمة، وبعضهم نزل به إلى منزلة ((صدوق)) و(لا يأس
به)). وأما الضحاك فهو ((صدوق بهم ،، لذلك قال الترمذي: (( وقد روى
بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه)). فجعل الاعتماد في
الزيادة على الامام مالك .
٤٢ -
-٠