النص المفهرس

صفحات 221-240

ومنهم أبو زرعَة عُبَيْدُ الله بن عبد الكريم بن يزيد
الرازي (١) :
أحد الأعلام، وحفاظ الإسلام، [ ظ - ١٣٤] وكان من الصلاح
والعبادة والخشية بمحل عظيم .
قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي: ((لما انصرف قتيبة بن
سعيد إلى الري سألوه أن يحدثهم، فامتنع ، وقال : أحدثكم بعد أن
حضر بجالسي أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين،
وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو خيثمة ؟! فقالوا له : فإن عندنا
غلاماً يسرد كل ما حدثت به مجلساً مجلساً ! قم يا أبا زرعة ، فقام
أبو زرعة فسرد كل ما حدث به قتيبة ! فحدثهم قتيبة)) .
وقال محمد بن يحيى الذُّهْلِيّ: ((لا يزال المسلمون بخير ما أبقى
الله لهم مثلَ أبي زُرْعَة الرازي ! وما كان الله ليترك الأرض إلا
وفيها مثل أبي زُرْعَة يُعَلِّمُ الناس ما جهلوه ، .
وقال علي بن الحسين بن الجنيد: (( ما رأيت أحدأ أعلم
بحديث مالك - مسنده ومنقطعه - من أبي زرعة ! وكذلك سائر العلوم ،
ولكن خاصة حديث مالك . قيل له : ما في الموطأ والزيادات التي
(١) الإمام حافظ العصر، ((مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة
أربع وستين ومائتين، وله أربع وستون / م ت ص ق )).
له من الكتب ((مسند)) الأعلام ج ٤ ص ٣٥٠.
انظر تخريج الآثار عن العلماء فيه في تقدمة الجرح والتعديل ص ٣٢٨ - ٣٤٩
- ٢٢١ -

%,
ليست في الموطأ ؟ قال : نعم (١))).
وكان أحمد يعظم أبا زرْعَة، وإذا جالسه ترك أحمد نوافله
واشتغل عنها بمذاكرة أبي زرعة .
وروي عنه أنه قال: ((صح من الحديث سبعمائة ألف حديث،
وهذا الفتى يعني أبا زُرْعَة يحفظ ستمائة ألف حديث)).
وقال يونس بن عبد الأعلى: ((أبو زرعة وأبو حاتم إماما
خراسان ، وبقاؤهما صلاح للمسلمين » .
سمعت إسحاق بن راهويه يقول : « كل حديث
وقال ابن وارة
لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل)».
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: (( ما رأيت أحفظ من أبي
زرعة الرازي » .
وحلف رجل بالطلاق في زمن أبي زرعة : إن أبا زرعة يحفظ
مائة ألف حديث ! فسئل عن ذلك أبو زرعة؟ فقال : ((ليمسك
امرأته فإنها لم تطلق منه !» .
وقال أبو مصعب الزهري: ((لقيت مالك بن أنس وغيره، فما
[آ - ٥٠] رأت عيناي مثل أبي زُرْعَة الرازي!)).
وقال أبو حاتم الرازي : «ما خَلَفَ أبو زرعة بعده مثله ، علماً،
وفقها، وصيانة، وصدقاً! وهذا مما لا يرتابُ فيه، ولا أعلم بين المشرق
والمغرب مَن كان يفهم هذا الشأن مثله . ولقد كان من هذا الأمر
بسبيل (٢))).
(١) قوله ((قال: نعم)) سقط من ب.
(٢) في ظ (( لبسبيل)).
- ٢٢٢ -

وقال أبو حاتم أيضاً : ((الذي كان يعرف صحيح الحديث
وسقيمه ، وعنده تمييز ذلك ، ويحسن علل الحديث أحمد بن حنبل،
ويحيى بن معين، وعلي بن المديني ١١١، وبعدهم أبو زرعة كان
يحسن ذلك . قيل له : فغير هؤلاء تعرف اليوم أحدأ ؟ قال : لا)).
وذكر أبو حاتم شيئاً من معرفة الرجال فقال : «ذهب الذي كان
يحسن هذا - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق أحد
يحسن هذا !)) .
قال أبو حاتم: ((وجرى بيني وبين أبي زرعة يوما تمييز
الحديث ومعرفته ، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها ، وكنت أذكر
أحاديث خطأ وعللها (٢)، وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم
قَلّ من يفهم هذا ، ما أعزَّ هذا، إذا رفعت هذا عن واحد واثنين،
فما أقل ما تجد من يحسن هذا!)) .
وقال أبو يعلى المَوْصِلي: ((ما سمعنا يُذكرُ أحدٌ في الحفظ إلا
كان اسمه أكثر من رؤيته إلا أبا زرعة الرازي ، فإن مشاهدته كان
أعظم من اسمه ، وكان لا يري أحداً من هو دونه في الحفظ أنه
أعرف منه !. وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ والتفسير
وغير ذلك )) .
قال يحيى بن منده: ((قيل أحفظ الأمة ابو هريرة ، ثم أبو زرعة
الرازي . وقيل: ماولدت حواء قط أحفظَ من أبي زرعة)).
(١) ((وعلي بن المديني ويحيى بن معين)) ظ وب.
(٢) ((وخطأ عللها)» ظ وب، والمثبت أولى.
- ٢٢٣ -

قال: وبلغني باسناد هو لي مسموع أن أبا زرعة قال: ((أنا أحفظ
ستمائة ألف حديث صحيح، وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير
والقراءات، وعشرة آلاف حديث مزورة! قيل له : مابال المزورة
تحفظ ؟! قال: [ب-٣٤] إذا مرّبي منها (١) حديث عرفته)).
ومنهم محمد بن اسماعيل :
ابن ابراهيم بن المغيرة، الجعفي مولاهم، البخاري، الامام أبو عبد الله،
صاحب الصحيح ، وإمام المحدثين في وقته، وأستاذ هذه الصناعة(٢).
وعنه أخذها كثير من الأئمة ، منهم مسلم بن الحجاج ، وسماء أستاذ
الأستاذين ، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله ! وأبو عيسى
الترمذي .
وقد ذكر أبو عيسى في أول(٣) كتاب العلل: أنه لم يَرَ بالعراق.
(١) قوله (( منها » ليس في ظ وب .
(٢) الإمام البخاري: ((جبل الحفظ وإمام الدنيا، ثقة الحديث، من
الحادية عشرة، مات سنة ست وخمسين - ومائتين - وله اثنتان وستون
سنة / ت س )) .
البخاري مؤلفات كثيرة تبلغ خمسة وعشرين كتاباً، طبع كثير منها. ومن
كتبه المطبوعة: الجامع الصحيح ، التاريخ الكبير ، التاريخ الصغير، الضعفاء ،
خلق أفعال العباد، الأدب المفرد . القراءة خلف الإمام .
انظر إحصاء كتب البخاري في مقدمة الصحيح لفضيلة استاذنا الشيخ:
عبد الغني عبد الخالق، فَسَحّ الله في مدته .
(٣) قوله ((أول ) ليس في ظ، وانظر ماسبق في ص ٣١ -٣٢.
- ٢٢٤ -

ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحدٍ
أعلمّ من محمد بن إسماعيل رحمه الله )) .
وقال ابن خزيمة: «ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث
ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري!)).
ولما سأل مسلمُ البخاريَّ عن حديث سهيل عن أبيه عن أبي
هريرة في كفارة المجلس ؟ - فبين له علته - قال مسلم: ((لا يبغضك
إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك» .
وروي عن محمد بن الأزهر السجزي قال: ((كنت بالبصرة في
مجلس سليمان بن حرب، والبخاري جالس لا يكتب ، فقلت : ما لأبي
عبد الله لا يكتب ؟ قال: يرجع إلى"بخارى فيكتب من حفظه!)).
وقال محمد بن حمدويه : سمعت البخاري يقول: ((أحفظ مائة
ألف حديث صحيح ، وأعرف مائتي ألف حديث غير صحيح)» .
وقال أحمد بن حمدون: ((رأيت البخاري ومحمد بن يحيى يسأله
عن الأساسي والكنى والعلل ؟ ومحمد بن إسماعيل يمر فيه مثلَ السهم،
كأنه يقرأ: قل هو الله أحد!)).
وقال عبد الله الدارمي : ((قد رأيت العلماء بالحجاز، والعراق ،
فما رأيت فيم أجمع [ ظ - ١٣٥] من محمد بن إسماعيل!)).
وقال ابن المديني [ آ - ٥١] في البخاري: ( ما رأى
مثل نفسه! » .
وقال الفلاس: (( حديث ليس يعرفه محمد بن إسماعيل ليس
بحديث ) .
- ٢٢٥ -
١٠ - شرح العلل

وسئل صالح بن محمد الحافظ عن البخاري وأبي زرعة ؟ فقال :
(( أعلمهم بالحديث البخاري ، وأبو زرعة أحفظهم وأكثرهم حديثاً)).
وعن أبي حاتم الرازي قال (١): ((محمد بن إسماعيل أعلم مَنْ
دخل العراق » .
وقال علي بن حُجْرِ: ((أخرجت خراسان ثلاثة : أبا زرعة
بالري ، ومحمد بن إسماعيل ببخارى ، وعبد الله بن عبد الرحمن
السمرقندي بسمرقند . ومحمد بن إسماعيل عندي أبصرهم، وأعلمهم؛
وأفقههم )) .
وعن إسحاق بن راهويه قال: ((لو كان محمد بن إسماعيل في
زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه ، لمعرفته بالحديث
وفقيه )) .
وفضائل البخاري كثيرة جداً، وامتحن في آخر عمره بمسألة
اللفظ بالقرآن، فإنه قال: (( أفعال العباد مخلوقة)). فنسبه محمد بن
يحيى الذاهلِيَ إلى القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأمر بهجرء،
وضيَّق عليه ، فخرج البخاري من نيسابور إلى بخارى ، فكتب محمد
ابن يحيى إلى والي بخارى في أمره، فنفاء من بخارى ! فتوفي بقرية
من قراها .
وقد روي عنه أنه قال: ((مَنْ زعم أني قلت : لفظي بالقرآن
مخلوق فهو كذاب ، فإني لم أقل هذه المقالة ، إلا أني قلت : أفعال
العباد مخلوقة » .
(١) في ظ وب ( وقال أبو حاتم الرازي)).
- ٢٢٦ -

وروي عنه أنه قال: «هذه مسألة مشؤومة - بعني مسألة اللفظ -
رأيتُ أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة ! جعلت على نفسي
أن لا أتكلم فيها)) (١).
(١) مسألة الكلام وخلق القرآن مسألة دقيقة خطيرة، أثرت على الفكر
الاسلامي تأثيراً كبيراً وأثارت خلافاً اتسعت فيه الشقة جداً، واستبد المعتزلة
برأيهم حتى لم يُبْقٍ لهم الاستبداد رَويّة في النظر، ولا حكمة في معالجة المسألة.
واستيفاء بحث الموضوع يطول كثيراً، لكنا نكتفي بتحقيقٍ مُلَخْصٍ،
يلقي الضوء على المسألة، وعلى موقف الامام البخاري رضي الله تعالى عنه .
وذلك أننا يجب أن نفرق وميز بين أمرين، أدى عدم التمييز بينها إلى الخلط
والتطرف الذي أشرنا إليه من المعتزلة ، حيث أطلقوا القول بخلق القرآن دون
تمييز . وهذان الأمران هما :
2- الذي هو عين التعـ
من كليات المنتدى
أولاً: الكلام النفسي: أى الذى هو صفته تعالى، وهذا وصفه ١٠ من طريق: قا
لا یقول عاقل : إنه مخلوق ، فضلاً عن مؤمن فاضل .
الأمر الثاني : القرآن الذي هو قراءتنا، وكتابتنا وطبعنا لمصاحفه ، وهذا
الذي قال الامام البخاري فيه مخلوق، حيث قال: ((قراءتنا من أفعالنا،
وأفعالنا مخلوقة» .
وما بهذا الرأي من عيب ، لايشك في ذلك من له نظر، ولكن
القوم كانوا على عصبية شديدة وتهيب عظيم في هذا الموضوع، لما قال أهل السنة
والحديث وإمامهم أحمدبن حنبل من الفتنة الشديدة فشغب الناس على البخاري وانفضوا
عنه، وخشي البخاري على نفسه فترك مدينة نيسابور - وكان استقر بها زمناً -
فذهب إلى بلدته بخارى، حيث استُقْبِيلَ أحسن استقبال ، ولكنه لم يلبث
أن اضطر للخروج منها، فذهب إلى بيكند، ثم اتجه إلى مدينة سمرقند، ولكنه
مرض في الطريق فليت عند أقربائه بقرية خرتنك ، حيث انتقل إلى جوارية
- ٢٢٧ -
حدر

وللبخاري تصانيف كثيرة ، وقد سبق الناس إلى تصنيف الصحيح
والتاريخ، والناسُ بعده تبع له في هذين الكتابين، إذ كل مَنْ
صنَّف في هذين العلمين يحتاج إلى كتابه . وقد كان أبو أحمد الحاكم
يعيب من صنف فيهما بعده، ويزم أنهم إنما أخذوا كتابي البخاري ،
ولا ريب أنهم استعانوا بها، وزادوا عليها، والله يغفر لنا ولهم
أجمعين. آمين (١).
ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام (٢)
۔۔
تتربه راضياً مرضياً، وذلك يوم السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين.
رضي الله عنه وأجزل مئويته آمين .
انظر تاريخ بغداد ج ٢ ص ٣٢ - ٣٤ وطبقات الشافعية الكبرى للسنبكي
ج ٢ ص ١٣ - ١٥ ٠ والبداية لابن كثير ج ١١ ص ٢٧ ، والتهذيب ج ٩ ص ٥٤ ،
وهدي الساري ج ٢ ص ٢٠٤ - ٢٠٦.
٠٠
وقد عُنِي السبكي بتحليل محنة البخاري بسبب قضية القول بخلق القرآن في ترجمته
للكرابيسي ج ١ ص ٢٥٢ - ٢٥٣، وأحسن حيث نبه في ترجمته للبخاري على
تهويل كثير من المؤرخين ومبالغتهم فيها، فاعلم ذلك فإنه مهم .
(١) قوله (( آمين)) ليس في ظ وب.
(٢) الإمام الحافظ ((ثقة فاضل متقن، من الحادية عشرة، مات سنة
خمس وخمسين - ومائتين - وله أربع وسبعون / م د ت)).
له : السنن، والمسند، والتفسير .
وكتاب السنن مطبوع، وهو من مصادر السنة الجليلة، يمتاز بانتقاء أحاديثه،
حتى عدّ سادس الكتب الستة بدلاً من ابن ماجه.
قال الحافظ السخاوي في فتح المغيث ج ١ ص ٨٤ ( طبع مصر ) :
- ٢٢٨ -

ابن عبد السمد السمرقندي الدارمي ، يكنى أبا محمد أحد الأئمة
الحفاظ المبرزين ، والعلماء العاملين، وقد صنف المسند والجامع والتفسير.
وامتحن في مسألة القرآن فلم يجب . وألَحَّ عليه السلطان في
قضاء سمرقند، فتقلده [ ب - ٣٥] وقضى قضية واحدة ثم
استعفى (١) فأعْفِي .
= ((وأما كتاب ابن ماجه فإنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب ،
وسرقة الأحاديث ، مما حكيم عليها بالبطلان أو السقوط أو الشكارة ، حتى
كان العلائي يقول: «ينبغي أن يكون كتاب الدارمي سادساً للخمسة بدله ،
فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة ، وإن كانت فيه
أحاديث مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه ، انتهى .
وقال السيوطي في تدريب الراوي (ج١ ص١٧٣ - ١٧٤ الطبعة الثانية):
((قيل: ومسند الدارمي ليس بمسند، بل هو مرتب على الأبواب، وقد
سماء بعضهم بالصحيح .
قال شيخ الاسلام: ((ولم أر لمغلطاي سلفاً في تسمية الدارمي صحيحاً إلا
قوله إنه رآه بخط المنذري ، وكذا قال العلائي)).
وقال شيخ الاسلام: ((ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضُمَّ إلى الخمسة
لكان أمثلَ من ابن ماجه، فإنه أمثلُ منه بكثير)).
وقال العراقي: ((اشتهر تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند،
لكون أحاديثه مسندة. قال: إلا أن فيه المرسل والمعضل والمنقطع والمقطوع
كثيراً . على أنهم ذكروا في ترجمة الدارمي أن له الجامع والمسند والتفسير وغير
ذلك، فلعل الموجود الآن هو الجامع، والمسندُ فُقْدَ)). انتهى.
وانظر نكت العراقي علي ابن الصلاح . وشرحه للألفية ج١ ص ٥٠ .
(١) من قوله: ((وألَّحْ)) إلى هنا سقط من ظ.
- ٢٢٩ -

وكان الإمام أحمد إذا ذكره (١) قال: ((ذاك السيد عُرضَ على
الكفر فلم يقبل ؛ وعُرضتْ عليه الدنيا فلم يقبل).
وقال أحمد . ((هو إمام)).
قال محمد بن بشار بُندار: ((حُفَّاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة
بالري ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور ، وعبد الله بن عبد الرحمن
الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى . قال بندار : وهم
غِلِماني، خرجوا من تحت كرسيًّ)).
ورُويَ عن الإمام أحمد قال: (( انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل
خراسان : أبي زرعة الرازي ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وعبدالله
ابن عبد الرحمن السمرقندي، والحسن بن شجاع البلخي)).
ثم قال: (( أبو زرعة أحفظهم، والبخاري أعرفهم ، وابن
شجاع أجمعهم للأبواب، والسمرقندي أتقنهم)). ذكره يحيى بن
منده بإسناده .
وقال محمد (٢) بن عبد الله بن مَيْر: ((غلبَنا عبدُ الله بن
عبد الرحمن بالحفظ والورع».
وعن أبي حاتم الرازي قال: ((محمد بن إسماعيل [١ - ٥٢ ]
أعلم مَنْ دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم مَنْ بخراسان اليوم ،
(١) قوله: ((إذا ذكره)) سقط من ب.
(٢) في ظ ((عبد الله بن عبد الله)) وهو سهو. وفي ب (( عبد الله بن غير)
سقط اسم الابن .
- ٢٣٠ -

ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم (١)).
وعنه قال: ((عبد الله بن عبد الرحمن إمام أهل زمانه)).
وعن رجاء بن المُرَجًا قال: ((رأيت أحمد، وإسحاق ، وابن
المديني ، والشاذكُوني ، فما رأيت أحفظ من عبد الله »
- يعني الدارمي - .
وعن رجاء أيضا قال: « ما رأيت أحداً أعلم بحديث النبي
صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن عبد الرحمن)).
وعن أبي حامد بن الشرقي (٢) قال: (( إنما أخرجت خراسان
من أئمة الحديث خمسة رجال : محمد بن يحيى ، ومحمد بن إسماعيل،
وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجاج ، وإبراهيم بن
أبي طالب )) .
وقال ابن حبان: ((كان عبد الله بن عبد الرحمن من الحفاظ
المتقنين ، وأهل الورع في الدين، من حفظ وجمع ، وتفقه وصنف
وحدث ، وأظهر السنة في بلده ودعا إليها ، وذب عن حريمها ، وقمع
من خالفها )).
وقال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي: ((كان عبد الله
ابن عبد الرحمن على غاية من العقل والديانة، مَنْ يُضْرَبُ به المَحَل
(١) في ظ ((أتقاهم)). وكانت في النسخة الأصل كذلك، ثم غيرت إلى
ما أثبتناه، وفي ب (( أتقنهم)).
(٢) السرمي » ب، وهو تصحيف.
- ٢٣١ -

في الحلم والرزانة ، والحفظ والعبادة والزهادة ، أظهر علم الحديث :
والآثار (١) بسمر قند ، وذب عنها الكذب ، وكان مفسراً كاملاً ، وفقها
عالماً . رحمه الله تعالى )).
(١) في ب ((علم الآثار))
.
- ٢٣٢ -

فصل من قوانسين روايت الحديث*
#
قال أبو عيسى رحمه الله :
( والقراءة على العالم إذا كان يحفظ مايُقْرَأُ عليه، أو يمسك أصله
فيما يُقْرَأُ عليه إذا لم يحفظ، هو صحيح عند أهل الحديث، مثلُ
السماع .
حدثنا حسين بن مهدي البصري ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج
قرأت على عطاء بن أبي رباح ، فقلتُ له: كيف أقول ؟ قال :
(قل : ثناء .
حدثنا سويد بن نصر أنا على بن الحسين بن واقد عن أبي
عصمة عن يزيد النحوي عن عكرمة أن نفراً قدموا على ابن عباس
من أهل الطائف بكُتُب من كتبه، فجعل يقرأ عليهم (١)، فيقدم
ويؤخر ، فقال: ((إنيُ بِليتُ بهذه (٢) المصيبة، فاقرأوا عليَّ، فإن
(١) تكرر هنا ((فجعل)) في النسخة الأصل، وهو سهو قلم .
(٢) في طبعة بولاق للترمذي ((بلهت لهذه .. )). وفي الكفاية ((قد تلمت
من مصيبتي هذه). ومعنى تلهت تحيرت ، كذا فسره الخطيب البغدادي ، نقلاً
عن ابن فارس . وكان ابن عباس رضي الله عنهما قد كُفَّ بصرُه في آخر عمره.
وانظر الكفاية ص ٠٢٦٣
- ٢٣٣ -

إقراري بها كفراءتي عليكم )
حدثنا سويد بن نصر أنا على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن
منصور بن المعتمر قال: (( إذا ناول الرجل كتابه آخر فقال : ارْو
هذا عني فله أن يرويه » .
قال أبوعيسى: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: (( سألتُ
أبا عاصم النبيل عن حديث قال: إقرأ علي، فأحببتُ أن يقرأ هو،
فقال : أنت لا تجيز القراءة ، وكان سفيان الثوري ومالك بن أنس
يجيزان القراءة ؟ !.
حدثنا أحمد بن الحسن (١) ثنا يحيى بن سليمان الجعفي المصري قال:
قال عبد الله بن وهب: ((ما قلتُ: ثنا، فهو ما سمعت مع
الناس ، وما قلت : حدثني فهو ما سمعت وحدي ، وما قلت : أنا
فهو ما قريء على العالم وأنا شاهد، وما قلت: أخبرني فهو ما قرأتُ
على العالم « يعني أنا وحدي)).
سمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول سمعت يحيى بن سعيد
القطان يقول: (( ئنا وأنا واحد)».
(١) ((أحمد بن الحسين)، ب. وهو تصحيف.
- ٢٣٤ -

قال أبو عيسى: «وكنا عند أبي مصعب المديني، فقرىء عليه بعض
حديثه ، فلمافرغ منه، قلت: كيف نقول؟ قال قل: ثنا أبو مصعب».
قال أبو عيسى: وقد أجاز بعض أهل العلم الإجازة. [ب-٣٦]
وإذا أجاز العالم لأحد (١) أن يروي عنه شيئاً من حديثه فله أن
يروي عنه .
٠٠
حدثنا محمود بن غيلان أنا وكيع عن عمران بن حدير عن
أبي يُجْلَزَ عن بشير بن نَهيك قال: ((كتبت كتاباً عن [آ-٥٣]
أبي هريرة ، فقلت: أرويه عنك؟ قال نعم ))
أخبرنا محمد بن إسماعيل الواسطي ثنا محمد بن الحسن الواسطي
عن عَوْف الأعرابي قال قال رجل للحسن : ((عندي بعض
حديثك، أرويه عنك ؟ قال: نعم)).
قال أبو عيسى: ومحمد بن الحسن الواسطي إنما يُعْرَفُ
بمحبوب بن الحسن ، وقد حدث عنه غير واحد من الأئمة .
حدثنا الجارود نا أنس بن عياض عن عبيد الله(٢) بن عمر قال:
(١) ((لآخر)) ظ.
(٢) («عبد الله » ب .
- ٢٣٥ -

أتيتُ الزهريِّ بكتاب، فقلتُ: هذا من حديثك ، أرويه عنك؟
قال : نعم ».
حدثنا أبو بكر عن على بن عبد الله عن يحيى بن سعيد قال :
((جاء ابن جريج إلى هشام بن عروة بكتاب ، فقال: هذا
حديثك، أرويه عنك ؟ قال: نعم ..
قال يحيى فقلت في نفسي: ((لا أدري أيهما أعجب أمراً)).
قال على: «سألت يحيى عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني؟
فقال: ضعيف. فقلت: إنه يقول: أخبرني؟ قال: لاشيء، إنما
هو كتاب دفعه إليه))).
ذكر الترمذي رحمه الله تعالى ههنا مسائل من مسائل تحَمُّلٍ
الحديث وروايته .
المسألة الأولى : مسألةُ العرض
وهو القراءة على العالم
وقد ذكر (١) أنه صحيح عند أهل الحديث ، مثل السماع من
لفظ العالم، وهذا يشعر بحكاية الإجماع على ذلك . وقد ذكر جَواز.
(١) (( ذكرنا)» ب، وهو غلط .
- ٢٣٦ -

عن عطاء، وسفيان الثوري (١)، ومالك، وابن وهب.
وأما الأثر الذي أسنده عن ابن عباس فلا يصح . وأبو عصمة
- في إسناده - هو نوح بن أبي مريم .
وقد خرجه عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدّث
والمحدَّث من طريق ثُعَيْمِ بن حماد ثنا نوح بن أبي مريم عن يزيد
النحوي، به (٢)، فذكره.
وخرّج أيضاً من طريق نعيم بن حماد (٣) ثنا نوح بن أبي مريم
عن أبي إسحاق عن هبيرة عن علي قال: «القراءة على العالم
والسماع منه بمنزلة (٤))).
ونوح بن أبي مريم مشهور بالكذب ووضع الحديث .
وخرجه أبو بكر الخطيب (٥) من طريق سَلْم بن سالم عن
نوح بن أبي مريم، به (٦) .
وخرج أيضاً حديث ابن عباس من طريق الحسين بن الحسن
الأشقر عن سلم بن سالم عن زياد بن أبي مريم عن يزيد النحوي به،
ثم قال: ((هكذا قال : عن زياد بن أبي مريم، والصواب : نوح
ابن أبي مريم)).
(١) قوله ((الثوري)) زيادة من ظ .
(٢) قوله ((به)) ليس في ظ وب. ومعنى ((به)) أي بسنده المذكور سابقاً.
(٣) قوله (( بن حماد ، ليس في ظ .
(٤) يعني بمنزلة واحدة .
(٥) في الكفاية ص ٠٢٦٣
(٦) أي بسنده السابق.
- ٢٣٧ -

وخرج الخطيب أيضاً (١) من طريق أبي مقاتل السمرقندي عن
سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن علي قال: «القراءة على
العالم أصح من قراءة العالم بعد ما أقَوّ أنَّه حديثه )).
وهذا أيضاً كذب على سفيان، وأبو مقاتل قد تقدم (٣) أنه
متَّهم بالكذب .
وخرج الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل (٣) من طريق
محمد بن منصور الجوّاز عن يحيى بن سُلَيْم عن ابن جريج عن
عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ((اقرؤا عليَّ، فإن قراءتكم عليّ
كقراءتي عليكم )».
ويحيى بن سُلَيْم تركه أحمد (٤) .
ولعل ابن جريج دلسه عن غير ثقة .
وخرج الخطيب (٥) من طريق إسحاق بن الضيف عن إبراهيم بن
الحكم حدثني أبي عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ((اقرؤا عليّ،
فإن قراءتكم عليَّ كقراءتي عليكم)).
و (٦) إبراهيم بن الحَكَم ضعيف.
(١) في الكفاية ص ٢٧٤.
(٢) في صفحة ٩٩-١٠٢. وقوله ((قد)» ليس في ظ وب.
(٣) ص ٤٢٩.
(٤) يحيى بن سُليم ((صدوق صاحب كتاب، منكر الحديث عن عبيد الله
ابن عمر .. ، انظر المغني ٦٩٨٦° وغيره.
(٥) في الكفاية ص ٢٦٤.
(٦) الواو من ظ وب
- ٢٣٨ -
---

ورواه أيضاً حفص بن عمر (١) المدني - وهو ضعيف - عن
الحَكَم (٢) بن أبان بنحو سياق أبي عصمة نوح بن أبي مريم ،
خرجه البيهقي من طريقه [ آ - ٥٤ ] ولا يصح هذا عن علي،
ولا عن ابن عباسٍ .
وقد روي عن أبي هريرة من طريق علي بن معبد (٣) : ثنا
شعيب بن إسحاق الدمشقي عن سعيد بن أبي عَروبَةَ عن قتادة
إن شاء الله عن بشير (٤) بن نبيك قال: «كنت آتي أبا هريرة فأخذ
منه الكتب، فأنسخها ، ثم أقرؤها عليه ، فأقول : هذه سمعتها منك ؟
فيقول : نعم )) :
هذا إسناد مشكوك فيه ، والصحيح عن بشير بن نهيك خلاف
هذا اللفظ ، وسنذكره .
وقد روي عن طائفة من التابعين ومَنْ بعدهم .
قال مروان بن معاوية عن عاصم الأحول: ((قرأت على الشعبي
أحاديث ، فأجازها لي )) .
ورأوي أيضاً عن مروان عن إسماعيل عن الشعبي (٥) مثله.
(١) ((بن عمرو)) ظ وب، وهو تصحيف، وقد أعلم في ظ بالضبة فوق
الواو ، إشارة لذلك .
(٢) (( الحكم)» ليس في ظ وب.
(٣) ((سعيد)) ظ وب .
(٤) ((نسير) ب، وهو تصحيف .
(٥) من قوله ((أحاديث)) حتى هنا سقط من ظ.
- ٢٣٩ -
٥

وروى أبو حُمَه (١) حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب
عن ابن سيرين أنه كان يجيز العرض .
وروى داود بن عطاء المديني - وفيه ضعف - عن هشام بن (٢)
عروة عن أبيه قال: ((عرض الكتاب والحديث سواء)).
وعن جعفر بن [ ب - ٣٧] محمد عن أبيه مثله.
وروى حنبل بن إسحاق والأثرم قالا: نا(٣) أبو عبد الله نا (٣) محمد
ابن الحسن الواسطي ثنا عوف أن رجلاً قال للحسن: (( معي أحاديث
فإن لم تكن ترى بالقراءة بأساً قرأتُ عليك. قال: ما أبالي [ظ-١٣٧]
قرأتُ عليك، أوقرأتَ عليَّ وأخبرتُك أنه حديثي، أو حدثتك به.
قال: يا أبا سعيد، فأقول : حدثني الحسن ؟ قال: نعم)).
ورواه يحيى بن معين عن محمد بن الحسن الواسطي أيضاً .
وخرجه البخاري في صحيحه عن (٤) محمد بن سلام نا محمد
ابن الحسن الواسطي عن عوف (٥) عن الحسن قال: ((لا يأس
بالقراءة على العالم » .
(١) بياض في ظ. وفي ب (حمّه). وقد كتبت في الأصل كلمة ((خف))
فوق ((حمه)). أي انها ليست مشددة .
(٢) ((عن عروة، ظ. وهو سبق قلم.
(٣) في ظ وب (أنبا)).
(٤) في ظ ((وخرج البخاري في صحيحه عن محمد)). وانظر صحيح
البخاري كتاب العلم ( القراءة والعرض على الحدث ) ج ١ ص ١٨.
(٥) ((عون)» ظ ، وهو تصحيف.
- ٢٤٠ -