النص المفهرس

صفحات 21-40

وحديث : الاضطباع في السعي بين الصفا والمروة (١).
= بالتشيع والقدر، روى له البخاري تعليقاً ومسلم استشهاداً في خمسة أحاديث
فقط. وأصحاب السنن الأربعة. وقال الذهبي : « ما انفرد به ففيه نكارة ،
فإن في حفظه شيئاً» وهذا مناسب لماهنا. انظر المغني في الضعفاء وتعليقنا عليه
رقم ٥٢٧٥ ٠
وقال ابن القيم: ((وقد استشكله الناس، قال البيهقي: وهذا حكم لا أعلم
أحداً من الفقهاء يقول بذلك)).
قلت : ومما يدل على ضعفه أن ابن إسحاق رواء عن أبي عبيدة بن عبد الله
ابن زمعة عن أبيه وعن أمه عن أم سلمة ، ورواه أبو عبيدة عن أم قيس بنت
محصن وكانت جارة لهم ... فاختلف سنده مما يدل على أنه غير محفوظ .
(١) قال الشافعية بسنية الاضطباع في السعي على القول الصحيح في مذهبهم.
قياساً على الطواف، بجامع قطع مسافة مأمور بتكررها سبعاً، وفي قول آخر
عندهم كالجمهور لا يضطبع في السعي، المنهاج وشرحه المحلى ج ٢ ص ١٠٨ وانظر
المغني لابن قدامة ج ٣ ص ٣٧٣. ولم نجد لهم استدلالاً من السنة .
٢١٠٠ -

فصل في أحاديث اوعى تركت العمل بها
وليس كذلك
وقد ادعى بعضهم ترك العمل بأحاديث أُخَرَ ، وهو خطأ
ظاهر ، كدعوى ابن قتيبة (١) الاجماع على ترك العمل بأحاديث
المسح على العامة (٢) .
(١) في كتابه ((تأويل مختلف الحديث، ص ٢٦٢.
(٢) أحاديث المسح على العمامة منها ما ذكر المسح على العمامة مع بعض
الرأس مثل حديث المغيرة بن شعبة: ((أن النبي مجي توضأ فمح بناصيته وعلى
العمامة وعلى الخفين)). أخرجه مسلم : ١ : ١٥٩
ومنها ما أفرد المتح على العمامة مثل حديث عمرو بن أمية الضمري في
احدى روايتى البخاري (باب المسح على الخفين) ولفظه: ((رأيت النبي مش ويمسح
على عمامته وخفيه)).
وحديث بلال: (( أن رسول الله ي مسح على الخفين والخمار)) أخرجه
مسلم ج١ ص ١٥٩ والمراد بالخمار العمامة، لأنها تخمر الرأس .
وحديث ثوبان رضي الله عنه قال: بعث رسول الله في له سرية فأصابهم
البرد، فلما قدموا على رسول الله من اله أمرهم أن يمسحوا على المصائب والتساخين»
أخرجه أبو داودج ١ ص ٣٦ العصائب: العمائم ، والتساخين : الخفاف .
وقد عمل بالحديث الإمام أحمد لكن بشروط خلافاً لما توهم عبارات
الشراح من الإطلاق، وهي شروط دقيقة لا تنطبق على كثير مما يسمى عمامة في
زمننا ، فوجب على من تبع هذا المذهب أن يعرفها. انظر بحثها مفصلاً في
المغني لابن قدامه ج ١ ص ٣٠٠ - ٣٠٦ وانظر المجموع ج ١ ص ٤٤٨ .
وأما الجمهور فلم يجيزوا المسح على العمامة، وتأولوا الحديث في ذلك بأنه
مسحها مع جزء من الرأس ، كما في الروايات الأخرى. كما أوضحه الخطابي في
المعالم ج ١ ص ٥٧ .
- ٢٢ -
---

ودعوى بعضهم الاجماع على ترك العمل بأحاديث فسخ الحج
إلى العمرة (١) .
ودعوى بعضهم الاجماع على ترك العمل بحديث: « إذا اختلف
المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ماقال البائع أو يترادَانِ البيع)) (٢).
(١) هو أن يدخل المحرم بالحج مكة وليس معه هدي فيطوف ويسعى
ثم ينوي فسخ الحج إلى عمرة، أي جَعْلَ الحج عمرة فيتحلل بهذه الأعمال التي هي
أعمال العمرة . وقد أمر النبي قل بذلك الصحابة الذين كانوا معه ولم يسوقوا
الهدي ، كما ثبت في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم ج ٤ ص ٤٠ وغيره من
أحاديث الصحيحين .
وقد أجاز الإمام أحمد فخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهندي. وذهب
جمهور العلماء ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنه لا يجوز ان أحرم بالحج
أن يفسخه إلى عمرة، واستدلوا بقوله تعالى ((وأتموا الحج والعمرة لله)) والفسخ
ضد الإتمام . وأجابوا عن أحاديث الفخ بأنه كان خاصاً بأصحاب النبي وتبيان
في تلك السنة لحكمة عظيمة هي إبطال ما كانت تزعمه الجاهلية ((أن العمرة في
أشهر الحج من أفجر الفجور)، وكانوا لا يسيغون العمرة إلا بعد موسم الحج كي
تستمر أسواق مكة في شغل ورواج ، فأمر التي يعرف أصحابه بفسخ الحج
لابطال مزاعم الجاهليين على أبلغ الوجوه ، وقد ثبت بالأسانيد الصحيحة عن
كثير من كبار الصحابة أن فخ الحج إلى العمرة كان خاصة لأصحاب النبي عائلته
في ذلك العام .
(٢) الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم من طرق كثيرة
بألفاظ متعددة عن ابن مسعود رضي الله عنه: أبو داود ج ٣ ص ٢٨٥
والترمذي ج ٣ ص ٥٧٠ والنسائي ج ٧ ص ٢٦٦ بنحوه وليس عندهم ((والسلعة
قائمة )) وابن ماجه ج٢ ص ٧٣٧ باللفظ الذي ذكره الحافظ ابن رجب لكن عنده
((وليس بينهما بينَةٌ والبيع قائم بعينه)). وأخرجه الحاكم في المستدرك :=
- ٢٣ -

قال ابن المنذر: ((ما علمتُ أحدا قال بظاهره غير الشعبي)).
وكحديث ابن عباس في دية المكاتب (١). قال الخطابي: ((لم
-ج ٢ ص ٤٥ وصححه في ص ٤٨ ٠ والبيهقي ج ٥ ص ٠٣٣٣
قال الإمام المنذري ج ٥ ص ١٦٤ :
(( وقد روي هذا الحديث من طرق عن عبد الله بن مسعود كلها لا يثبت
وقد وقع في بعضها ((إذا اختلف البيعان والمبيع قائم بعينه)» وفي لفظ
((والسلعة قائمة)) ولا يصح وإن جاءت -يعني هذه الزيادة- من رواية ابن أبي
ليلى، وقد تقدم أنه لا يُجْتج به. وقيل إنها من قول بعض الرواة)).
وقال ابن الجوزي: ((أحاديث هذا الباب فيها مقال فإنها مراسيل
وضعاف،)) نصب الراية ج ٤ ص ١٠٧ . لكن الناظر في أسانيد الحديث يجد
أنها قد تعددت وليست شديدة الضعف ، فيمكن أن تتقوى ببعضها ويكون
الحديث من درجة الحسن لغيره، لذلك قال صاحب التنقيح كما في نصب الراية:
, والذي يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث
حسن يحتج به ، لكن في لفظه اختلاف، والله أعلم)).
وانظر نحوه في تعليق ابن القيم على السنن: ٥: ١٦٢.
وأما العمل بالحديث فتوجز القول فيه بهذا التلخيص الذي لخصه الشوكاني
في نيل الأوطارج ٥ ص ٢٢٥ قال الشوكاني: «فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل
به في جميع صور الاختلاف فيا أعلم ، بل اختلفوا في ذلك اختلافاً طويلا .. »
ووقع الاتفاق في بعض الصور والاختلاف في بعض .... إلى آخر ما ذكره
فانظره، وانظر المغني ج ٤ ص ١٩١ والمصنف لعبد الرزاق ج ٨ ص ٢٧١
- ٢٧٣ .
(١) عن ابن عباس قال: ((قضى رسول الله مع الله في دية المكاتب يقتل
يؤدى ما أدى من مكاتبته دية الحر، وما بقي دية المملوك)). أبو داود ج٤ ص=
- ٢٤ -

يذهب اليه أحد سوى النخعي، وقد رُوي في ذلك شيءٌ عن علي ».
وذكر الطحاوي الاجماع على ترك العمل بحديث: ((إذا انتصف
شعبان. فلا تصوموا حتى رمضان)) (١) .
١٩٣ - ١٩٤ والنسائي ج ٨ ص ٤٥ و ٤٦ من أوجه عديدة من طرق تدور على
عكرمة عن ابن عباس.
قال الخطابي: ((أجمع عامة الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم
في جنايته والجناية عليه، ولم يذهب إلى هذا الحديث من العلماء فيما بلغنا إلا ابراهيم
النخعي . وقد روي في ذلك أيضاً شيء عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وإذا صح الحديث وجب القول به إذا لم يكن منوخاً أو معارضاً بما هو أولى
منه، والله أعلم)) انتهى من معالم السنن ج ٤ ص ٣٧ وقارن بالمغني ج ٧ ص ٧٩٩.
(١) أخرجه الترمذي ج ٣ ص ١١٥ عن أبي هريرة قال قال رسول الله
مَله: ((إذا بقي نصفٌ من شعبانَ فلا تصوموا)) وأبو داود ج ٢ ص ٣٠١
بلفظ ((إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا)). وابن ماجه ج ١ ص ٥٢٨ بنحو
لفظ أبي داود . قال الترمذي: ((حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفه
إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ )» .
وقد بحث الحافظ ابن رجب في هذا الحديث بحثاً جيداً في كتابه القيم
((لطائف المعارف)» ص ١٤٢ من حيث السند والمتن فقال :
« واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به:
فأما تصحيحه فصححه غير واحد، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم
والطحاوي وابن عبد البر، وتكلم فيه مَنْ هو أكبرُ مِنْ هؤلاء وأعلمُ، وقالوا
هو حديث منكر، منهم: عبد الرحمن بن مَهْدِي والإمام أحمد وأبو زُرْعة
الرازي، والأثرم، وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه)، ورده
بحديث: (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين،، فإن مفهوم جواز=
- ٢٥ -

-التقدم بأكثر من يومين. وقال الأثرم: ((الأحاديث كلها تخالفه)) يشير إلى
أحاديث صيام النسبي ريج شعبان كله ووصله برمضان، ونهيه عن التقدم على
رمضان بيومين ، فصار الحديث حينئذ شاذاً مخالفاً الأحاديث الصحيحة)).
هذا كلام الحافظ ابن رجب على تصحيح الحديث . وقد سبق الترمذي:
فأشار إلى اندفاع التعارض بين الحديث والأحاديث التي أشار إليها ، قال:
الترمذي في جامعه: « ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون
الرجل مفطراً، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال رمضان . وقد
◌ُوي عن أبي هريرة عن النبي صَ الِه ما يُشْبِهُ قولهم حيث قال صَلِ:
(( لا تَقَدّ وا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم».
وقد دل في هذا الحديث إنما الكراهيةُ على من يتعمدُ الصيام لحال رمضان)).
انتهى كلام الترمذي، وفيه رفع لإشكال التعارض الذي استند إليه من قدح
في صحة الحديث فَسَلم الحكم عليه بالصحة. وانظر نصب الراية ج ٢ص: ٤٤٠
٤٤١، ففيه فوائد أخرى وموازنة قيمة بين روايتي الترمذي وأبي داود .
ثم قال الحافظ ابن رجب: ((وقال الطحاوي هو منسوخ. وحكى
الاجماع على ترك العمل به .
وأكثر العلماء على أنه لا يُعْمَلُ به. وقد أخذ به آخرون منهم الشافعي.
وأصحابه، ونهوا عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان من ليس له
عادة ، ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا)) انتهى .
لكن يبقى معنا إشكال فيا نقله ابن رجب عن الإمام الطحاوي ، فإن
الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثارج ٢ ص ٨٢ - ٨٣ لم يذكر الاجماع على
ترك العمل بالحديث ، بل ذكر الخلاف فيه ، ثم اختار تفسيره بأن المراد بــه
« من كان الصوم بقرب من رمضان يدخله به ضعف يمنعه من صوم رمضان)»
ثم استشهد لذلك بأحاديث استخرج منها هذا المعنى ، فارجع إليه لزاماً .
فلعل الشارح أخذ النقل الذي ذكره عن الطحاوي من مرجع غير مُتحرٍ في
النقل، والله أعلم .
- ٢٦ -

وعلى ترك العمل بحديث ((تحريق متاع الفال، إلا عن مكحول (١).
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد ج ٣ ص ٦٩ والترمذي في الحدودج ٤
ص٦١ عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأُ تي برجل
قد غلَ فسأل سالماً عنه ؟ فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي
صَّ له قال: ((إذا وجدتمُ الرجل قد غلَّ فأحْرقوا متاعه واضربوه)).
وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار بلفظ «فاضربوا عنقه وأحرقوا
متاعه)) وذكر رواية أخرى مثل أبي داود ثم قال: ((والأولى - يعني رواية
فاضربوا عنقه - أصح وأكثر)) . المعتصر ج ١ ص ٠٢٣٨
الغلول : السرقة من الغنيمة .
وفي رواية عند أبي داود عن صالح بن محمد قال : غزونا مع الوليد بن
هشام)، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز فعلَّ رجل متاءاً ،
فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، وطيف به، ولم يعطه سهمه)». هكذا أخرجه
مقطوعاً من فعل الوليد بن هشام ولم يرفعه إلى النبي عهّقفي، وقد رجح أبو
داود هذه الرواية على الرواية المرفوعة فقال: ((وهذا أصح الحديثين ... )).
والحديث من جميع رواياته يدور على صالح بن محمد بن زائدة، وقد طُمِنَ
فيه وفي حديثه هذا: قال الترمذي: ((وسألت محمداً- يعني ابن اسماعيل
البخاري - عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو
أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث . قال محمد: وقد روي في غير حديث
عن النبي ◌ّ في الغال فلم يأمر بحرق متاعه . قال أبو عيسى: هذا حديث
غريب)). وتكلم فيه غيره أيضاً. انظر مختصر المنذري ج ٤ ص ٤٠ وتعليق
ابن القيم ص ٣٩.
فالحديث ضعيف جداً لضعف راويه والشذوذه سنداً ومتناً : أما السند:
فلأن الراجح عدم رفعه فتكون رواية الرفع شاذة. وأما المتن: فلما ذكر الامام
البخاري أنه روي في غير حديث عن النبيلنَّ في الغال فلم يأمر بحرق متاعه» .=
- ٢٧ -

= وقد يستشكل تضعيف الحديث بأنه ورد له شاهد أخرجه أبو دارد عن
زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن رسول الله صَ ل٣ وأبا
بكر وعمر جرّقوا متاع الغال وضربوه».
فزهير بن محمد هذا ضعيف وقد تُكُلِّم فيه ، ويقال : إنه هو الخراساني
تزيل مكة، ويقال: إنه غيره وإنه مجهول . فإن كان هو الخراساني فحديثه
ضعيف أيضاً، لأنه قد اختلط حديثه الذي رواه بالشام قال الإمام أحمد .
((كأنّ زهيراً الذي يروي عنه الشاميون آخر)). انظر التهذيب والتقريب
والمغني في الضعفاء. وهذا من رواية أهل الشام رواه عنه الوليد بن مسلم الدمشقي:
وقد اضطربت رواية الحديث فأخرجه أبو داود مقطوعاً عن زهيرعن عمرو
ابن شعيب قوله، لم يرفعه . وقال البيهقي في السنن ج ٩ ص ١٠٢ بعد أن أخرجه
موصولاً مرفوعاً: ((هكذا رواه غير واحد عن الوليد بن مسلم، وقد قيل
عنه مرسلاً » .
ومع شدة الضعف في الحديث السابق لا يصلح أن يتقوى بهذا لما هو مقرر
في علوم الحديث أن الضعيف الشديد الضعف لا يصلح للتقوية من وجه آخر
كما أوضحنا ذلك في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث فانظره ص ٢٥١
وأَما عمل العلماء فقد ذكر الطحاوي أنه لم يعمل به غير مكحول ، لكن
وجدنا منْ عمل به من الأئمة المشهورين غير مكحول فقال الترمذي: ((والعمل
على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ». وذكر
الخطابي نحو ذلك بتفصيل قيم لا نطيل به، فانظره في معالم السنن ج ٢
ص ٢٩٩ - ٠٣٠٠ وورد أيضاً عن الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز، انظر
المصنف لعبد الرزاق رقم ٩٥٠٨ وما بعده ، والمغني ج ٨ ص ٤٧٠ وما بعد.
- ٢٨ -

والطحاوي من أكثر الناس دعوى لترك العمل بأحاديث كثيرة (١).
وعامة هذه الاحاديث قد ذكرناها في مواضعها من هذا الكتاب
مع بسط الكلام عليها ، فمن أراد الوقوف عليها فليتبعها من مظانها
من الكتاب (٢) .
وقد ذكر الثوري مارُوي عن عمر قال: ((من لم يدرك الصلاة
بجَمْعِ مع الامام فلا حج له)). فقال الثوري: ((قد جاءت أحاديث
لا يؤخذ بها)) .
وسنذكر هذا المعنى مستوفىّ عند الكلام على الحديث الغريب
إن شاء الله تعالى .
(١) يجاب عن هذا بأجوبة، منها :
١ - أن يكون النقل عن الطحاوي معتمداً على مرجع غير موثوقبه، کما مر
قبل قليل في حديث: (( إذا انتصف شعبان)).
٢ - أن تكون عبارة الإجماع على غير معناها الاصطلاحي عند الأصوليين،
بل يستعملها على معنى إجماع خاص هو اتفاق أئمة فقهاء الحنفية ، ويقع مثل
هذا التعبير في كتب المذهب الحنفي .
٣ - أن تكون عبارة الطحاوي موهمة للاجماع وليست نصاً فيه، مثل
قوله : اتفق العلماء ، أو لا أعلم أحداً من العلماء عمل بهذا .
(٢) وقد عوضنا القارىء عما فاته من ذلك، بما علقناه من تخريج الأحاديث
التي ذكرها الحافظ ههنا، مع الكلام عليها صحة وسقما، وبيان موقف العلماء منها،
وبذلك تمت الفائدة الجليلة لهذا الاحصاء العلمي الهام لهذا النوع من الأحاديث،
ولله الحمد .
٢٩٠ -

فصل في مصادر الترمذي بأقوال العلماء"
في الفقه وعلم الحديث
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله:
( وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء:
فما كان فيه من قول سفيان الثوريّ فأكثرُهُ ما حدثنا به محمدُ بن
عثمان الكوفي ثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان الثوري . ومنه
ما حدثني أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي ثنا محمد بن يوسف
الفر یابي عن سفيان
وما كان فيه من قول مالك بن أنس فأكثرُهُ ما حدثني به إسحاقُ
بن موسى الأنصاريُ ثنا مَعن بن عيسى الفَزَّاز عن مالك بن أنس .
وما كان فيه من أبواب الصوم فأخبرنا به أبو مُصْعَب المدنيّ عن مالك
بن أنس. وبعض كلام مالك ما أنا به موسى بن حزام أنا عبد الله
[آ- ٤] ابن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ عن مالك بن أنس.
وما كان فيه من قول ابن المبارك فهو ما حدثنا به أحمدُ بنُ عَبْدَة
الآمْلِيُّ عن أصحاب ابن المبارك. ومنه ما رُوِيّ عن أبي وهب محمد بن
مُزاحم عن ابن المبارك ومنه ما رُوي عن علي بن الحسن بن شقيق
- ٣٠ -

عن عبد الله ومنه ما روي عن عبدان عن سفيان بن عبد الملك عن
ابن المبارك ، ومنه ماروي عن حبان بن موسى عن عبد الله بن المبارك.
وله رجال مُسَمون سوى من ذكرنا عن عبد الله بن المبارك .
وما كان فيه من قول الشافعي فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد
الزعفراني عن الشافعي .
وما كان من الوضوء والصلاة فثنا به أبو الوليد المكي عن الشافعي،
ومنه ما ثنا به أبو إسماعيل الترمذي ثنا يوسف بن يحيى القرشي
البُويطِيّ عن الشافعي ، وذكر منه أشياء عن الربيع عن الشافعي،
وقد أجاز لنا الربيع ذلك وكتب به إلينا.
وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فهو
ما أنا به إسحاق بن منصور الكوسج عن أحمد وإسحاق ، إلا ما في
أبواب الحج والديات والحدود فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور ،
وأخبرني به محمد بن موسى الأصم عن إسحاق بن منصور عن أحمد
وإسحاق. وبعض كلام إسحاق بن ابراهيم أنا به محمد بن أفلح عن إسحاق،
وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف.
وما كان فيه من ذكر العلّل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو
ما استخرجتُهُ من كتاب «التاريخ))، وأكثرُ ذلك ما ناظرتُ به محمدَ
بن إسماعيل ، ومنه ما ناظرتُ به عبد الله بن عبد الرحمن وأبا زُرْعَة،
وأكثر ذلك عن محمد، وأقلُّ شيءٍ فيه عن عبدالله وأبي زُرْعَة .
- ٣١ -

ولم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفةٍ
الأسانيد كبير أحدأعلم من محمد بن إسماعيل رحمه الله).
إعلم أن أبا عيسى رحمه الله ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير
من فقهاء أهل الحديث المشهورين ، كسفيان وابن المبارك ومالك :
والشافعي وأحمد وإسحاق ، وذكر فيه كثيراً من العلل والتواريخ
والتراجم ولم يذكر أسانيد أكثر ذلك، فذكر ههنا أسانيده مجملة (١)؛
وإن كان لم يحصل بها الوقوف على حقيقة أسانيد ذلك ، حيث ذكر
أن بعضه عن فلان وبعضه عن فلان، ولم يبين ذلك البعض ولم يميزه ٢١).
وقد ذكر أنه بين ذلك على وجهه في كتابه الذي شيه الموقوف ،
وكأنه رحمه الله له كتاب مصنف أكبر من هذا فيه الأحاديث المرفوعة
والآثار الموقوفة مذكورة كلها بالأسانيد، وهذا الكتاب وضعه للأحاديث
المرفوعة ، وإنما يذكر فيه قليلاً من الموقوفات .
(١) لم يبين الشارح رحمه الله درجة هذه الأسانيد من حيث القبول أو الرد،
وقد استوفينا دراستها في بحث خاص في كتابنا («الإمام الترمذي والموازنة بين
جامعه وبين الصحيحين)» وأسفر البحث والمناقشة عن صلاحيتها للاحتجاج بها في
نقل المذاهب الفقهية عن الأئمة التي نقلت مذاهبهم بالأسانيد المذكورة إليهم .
فارجع إلى ذلك ص ٣٩٢-٠٤٠٨
(٢) لاضير في ذلك مادامت الأسانيد حجة في كل مارواه بها.
نعم هناك إشكال من ناحية الفتوى في المذاهب المذكورة ، وهو أن بعض
الأسانيد يروي القول القديم في المذهب، وبعضها يروي القول الجديد ، أو نجو
ذلك . والجواب: أن الترمذي لم يقصد تدوين المذاهب تدويناً مذهبياً، بل
قصد بيان عمل الأئمة بالحديث الذي أخرجه في كتابه ، وهذا القدر يكفي فيه.
صحة الاسناد ، وقد تحقق ذلك كما ذكرنا .
- ٣٢ -
٠

وأما التواريخ والعلل [ آ - ٥] والأسماء ونحو ذلك فقد ذكر أن
أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري ، وهو كتاب جليل
لم يُسبق إلى مثله رحمه الله ورضي الله عنه، وهو جامع لذلك كله.
ثم لما وقف عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله صنفا
على منواله كتابين :
أحدهما : كتاب ((الجرح والتعديل))، وفيه ذكر الأسماء فقط، وزاد على
ماذكره البخاري أشياء من الجرح والتعديل ، وفي كتابها من ذلك شيء
كثير لم يذكره البخاري .
والثاني: كتاب ((العلل))، أفرداً فيه الكلام في العلل .
وقد ذكر الترمذي رحمه الله أنه لم يَرَ بخُراسان ولا بالعراق في
معنى هذه العلوم كبير أحدٍ أعلمَ بها من البخاري ، مع أنه رأى
أبا زرعة وعبدَ الله بن عبد الرحمن الدارمي وذاكرهما، ولكنّ
أكثر" علمه في ذلك مستفاد من البخاري ، وكلامه كالصريح في تفضيل
البخاري في هذا العلم على أبي زراعة والدارمي وغيرهما .
وقد صُنْف في هذا العام كتب كثيرة غيرُ مرتبة كترتيب كتاب
البخاري وأبي حاتم وأبي زرعة ، منها ما هو منقول عن يحيى بن
سعيد القطان ، ومنها عن علي بن المديني وابن معين ، ومنها عن أحمد
ابن حنبل رحمه الله . وقد رتب أبو بكر الخلال العلل المنقولة عن
أحمد على أبواب الفقه وأفردها ، فجاءت عدة مجلدات .
وقد ذكرنا فيما تقدم في كتاب العلم شرف علم العلل وعِزَِّته ،
وأن أهله المتحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث .
وقد قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: ((إنما خص الله بمعرفة
٣ - شرح العلل
- ٣٣ -

هذه الأخبار نفرأ يسيراً من كثير من يدعي علم الحديث ، فأما سائر :
الناس ممن يدعي كثرة كتابة الحديث ، أو متفقه في علم الشافعي وأبي
حنيفة ، أو متبع لكلام الحارث المحاسبي والجنيد وذي النون وأهل
الخواطر فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث إلا من أخذه
عن أهله وأهل المعرفة به ، فحينئذ يتكلم بمعرفته» انتهى .
- ٣٤ -

*
سبب بيان الترمذي مذاهب الفقهاءوعلل الأحاديث
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله :
( وإنما حمَلَنا على ما بيَّنًا في هذا الكتاب من قول الفقهاء وعلل
الحديث ، لأنا سُئلنا عن ذلك فلم نفعله زماناً ، ثم فعلناه لما رَجونا فيه
من منفعة الناس، لأنا وجدنا غير واحد من الأئمة تكلفوا من التصنيف
ما لم يُسبَقوا إليه.
فمنهم : هشامُ بن حسان، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج،
وسعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس، وحمادُ بن سَلّمَةَ ، وعبد الله
ابن المبارك ، ويحيى بنُ ذكربا بنِ أبي زائدة، ووكيعُ بن الجَرَّاح،
وعبد الرحمن بن مَهْدِيٌ ، وغيرهم من أهل العلم والفضل، صنفوا
فجعل الله تبارك وتعالى في ذلك منفعة كثيرة. فنرجو لهم بذلك الثواب
الجزيل من عند الله تعالى لما نفع الله المسلمين به، فهمُ القُدْوة
فيما صنفوا).
- ٣٥ -

فصل هام في تدوين الحديث
أعلم أن العلم المتافى عن النبي ◌َّ من أقواله وأفعاله كان الصحابة
رضي الله عنهم في زمن نبيهم لت يتداولونه بينهم حفظاله ورواية ،
ومنهم من كان يكتب كما تقدم في كتاب العلم عن عبد الله بن عَمْرو
ابن العاصي رضي الله عنه (١) .
ثم بعد وفاة النبي ◌َّ كان بعض الصحابة يرخّص في كتابة العلم
[١ - ٦] عنه، وبعضهم لا يرخص في ذلك، ودَرَج التابعون
أيضاً على مثل هذا الاختلاف (٢). وقد ذكرنا كراهة كتابة الحديث
(١) أخرج البخاري (باب كتابة العلم ج ١ ص ٣٠) والترمذي ج ٥ص٤٠.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما من أصحاب النبي صَّ يج أحدٌ أكثر"
حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو)، فانه كان يكتب ولا أكتب)).
وأخرج أحمد ج ٢ ص ٢٠٥ وأبو داود ج ٣ ص ٣١٨ عن عبد الله بن عمرو
قال: ((كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله مع تل أريدُ حفظه، فنهتني
قريش وقالوا: أَتكتب كلَّ شيء ورسول اللّه ◌ُ لّوبشر يتكلم في الغضب والرضا ؟!
فأمسكتُ عن الكتابة؛ فذكرت ذلك لرسول الله معد له فأومأ بيده إلى فيه
فقال: ((أُكْتُبْ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق)).
(٢) وقد استقصى الخطيب البغدادي الأحاديث المرفوعة والآثار عن
الصحابة والتابعين في كراهة كتابة العلم وإباحتها في كتابه تقييد العلم ص ٢٩ -
٦١ و٦٤ - ١١٤)، وأخرج الحافظ ابن عبد البر نبذاً منها في كتابه جامع بيان
العلم وفضله ج ١ ص ٦٣ - ٧٧، وأبو خيثمة في كتاب العلم ص ١١٥ و ١٤١ -
١٤٦ . فارجع إليها .
- ٣٦ -

والرخصة فيه مستوفى فى كتاب العلم من هذا الكتاب (١).
والذي كان يُكتَب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفا
مرتبا مبوّبأ ، إنما كان يكتَب للحفظ والمراجعة فقط ، ثم إنه في
عصر تابعي التابعين صُنْفَت التصانيف، وجمَع طائفة من أهل العلم
كلام النبي ◌ُ التّ ، وبعضهم جمع كلام الصحابة . قال عبد الرزاق :
(( أول من صنف الكتب ابن جريج، وصنف الأوزاعي حين قدم
على يحيى بن أبي كثير كتبه )) خرجه ابن عدي وغيره .
وانقسم الذين صنفوا الكتب أقساماً :
منهم من صنف كلام النبي ◌َ ◌ِّ أو كلامه وكلام أصحابه على
الأبواب ، كما فعل مالك وابن المبارك وحماد بن سامة وابن أبي ليلى
ووكيع وعبد الرزاق ومن سلك سبيلهم في ذلك .
ومنهم من جمع الحديث على مسانيد الصحابة كما فعله أحمد وإسحاق
وعبدُ بن حُمَيد ، والدارمي ، ومن سلك مسلكهم في ذلك .
قال ابن أبي خيثمة: (( ثنا الزبير بن بكار أخبرني محمد بن الحسن
عن مالك بن أنس قال : (( أول من دوّن العلم ابن شهاب»، يعني
الزُهْري، ومحمد بن الحسن كأنه ابن زَبالة لا يعتمد عليه (٢). وقال
(١) تباينت الوجهات في هذه المسألة واتسعت الدراسات حتى صنفت فيها
التأليف في القديم والحديث . وقد بحثنا المسألة بتحقيق أتينا فيه على زبد
الموضوع وناقشنا ما أثاره المستشرقون من شبهات حول السنة بسبب ذلك في
كتابنا منهج النقد في علوم الحديث ص ٣٢ - ٤٣، فارجع إليه لزاما .
(٢) بل قال أبو داود: ((كذاب)). وقال الحافظ ابن حجر في التقريب:
(كذبوه، مات قبل المائتين / د)).
- ٣٧ -

ابن خِراش: ((يقال: إن أول من صنف الكتب سعيد بن أبي عَروبة ».
وقال يعقوب بن شيبة: (( يقولون: إن أول من صنف الكتب
بالكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وبالبصرة حماد بن سلمة)) .
وقال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي: (( أول من صنف الكتب
من هو ؟)) قال: ((ابن جُرَيْج، وابن أبي عروبة، يعني ونحو
هؤلاء)). وقال ابن جريج: ((ما صنف أحد العلم تصنيفي» قال:
وسمعت أبي يقول: (( قدم ابن جريج على أبي جعفر ، يعني
المنصور فقال له: ((إني قد جمعت حديث جدّك عبد الله بن عباس،
وما جمعه أحد جمعي)) ، أو نحو ذا ، فلم يعطه شيئاً .
وقال أبو محمد الرامهرمزي (١): ((أول من صَتّف وبوب فيا
أعلم الربيع بن صَّبيح بالبصرة ، ثم سعيد بن أبي عَروبة بها ؛
وخالد بن جميل الذي يقال له العبد ، ومعمر باليمن، وابن جُرّيج
بمكة ، ثم سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سَلَمة بالبصرة ، وصنف
ابن عُيَيْنَة بمكة، والوليد بن مسلم بالشام، وجَرير بن عبد الحميد
بالري ، وابن المبارك بمرو وخراسان ، وهُشَيْم بواسط ، وصنف
في هذا العصر بالكوفة ابن أبي زائدة ، وابن فُضَيْل ، ووكيع ، ثم
(١) في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ص ٦١١ - ٦١٣ بتحقيق
الزميل الاستاذ الدكتور محمد عجاج خطيب، وقارنه بالنص المثبت هاهنا.
وانظر في المحدث الفاصل كلام علي ابن المديني في أول من صنف أيضاً ،
ففيه تفصيل وفائدة قيمة في بيان من انتهى إليهم هذا العلم في عصور السلنب .
- ٣٨ -

صنف عبد الرزاق باليمن، وأبو قرة موسى بن طارقٍ)) (١).
أول من صنف المسند *
قال ابن عدي: ((يقال : إن أول من صنف المسند بالكوفة يحيى
الحِمَّاني، وأول من صنف المسند بالبصرة مُسَدَّد، وأول من صنف
المسند بمصر أسدُ السنة، وأسدُ قبلهما وأقدم موتاً)). وقال الحازمي: «إسحاق
ابن إدريس الأسواري يقال إنه أول من جمع المسند بالبصرة ،
ويقال : أول من صنف المسند موسى بن قُرّةَ الزبيدي)).
(١) يرد على أقوالهم في أول من صنف إشكالان نعالجها فيا يلي:
الاشكال الأول: كيف يكون هؤلاء الأعلام أول من دون وقد علمنا أن
كتابة الحديث وجدت في عهد الصحابة وفي عهد النبي مسح ، وكيف نوفق
بين هذا وبين ما اشتهر من أن أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري بأمر
الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى من الهجرة ؟.
والجواب أن كتابة الحديث والعلم في عهد الصحابة إنما كانت كتابة
خاصة بشخص معين، كمذكرة له، لا تتداول بين الناس ، ولا تسير على
ترتيب ما . وأما الكتابة التي أمر بها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فهي
الكتابة للتدوين العام الذي يتداول بين الناس أيضاً، لكنه لا يسير على
ترتيب معين غالباً، حتى جاء هؤلاء الأعلام فدونوا الحديث على ترتيب معين
حسب الموضوعات في المصنفات ، ثم حسب أسماء الصحابة في المسانيد .
الاشكال الثاني : كيف يصح أن يقال في كل هؤلاء إن كل واحد منهم أول
من دوّن الحديث ؟ .
والجواب انهم كانوا في عصر واحد هو سنة خمسين ومائة وما بعد،
فكتبوا على الأبواب في عصر واحد فنسب إلى كل واحد أنه أول من دون
بحسب المِصْرِ الذي كان فيه . والله أعلم .
- ٣٩ -

وقال الحاكم: (( أول من صنف المسند على تراجم الرجال في
الاسلام عبيد الله بن موسى العَبْسي، وأبو داود الطيالسي ، وبعدهما
أحمد [آ - ٧] وإسحاق، وأبو خيثمة والقواريري)).
وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور أن أبا جعفر، عبد الله بن محمد
المستدي شيخ البخارى إنما قيل له المستدي لأنه أول من جمع مسند
الصحابة على التراجم ، بما وراء النهر (١).
والذين صنفوا :
٠٠
منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم ومَنْ بعدهما ، كابن
خزيمة وابن حبان، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين .
ومنهم من لم يشترط الصحة ، وجَمَعَ الصحيح وما قاربه وما
فيه بعض لين وضعف، وأكثرهم لم يثبتوا ذلك ولم يتكلموا على
التصحيح والتضعيف .
(١) ظهر التدوين على المسانيد في رأس المائتين للهجرة، وهي مرتبة على
أسماء الصحابة، مثل (( حديث أبي بكر الصديق)) مثلاً، تجد في المسند تحت
هذا العنوان كل الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب عن أبي بكر الصديق ،
وهكذا .
وكانت المصنفات مرتبة على الأبواب ، لكنها تشمل الحديث المرفوع
وأقوال الصحابة والتابعين، قال الحافظ ابن حجر: ((إلى أن رأى بعض
الأئمة منهم أن ينمرد حديث النبي صّ ل خاصة، وذلك على رأس المائتين،
فصنف عُبَيْدُ الله بن موسى العَبْسي الكوفي مسنداً، وصنف مُصَدَّدُ بن
مُسَرْهَد البصري منذاً ... ثم اقتفى الأئمةُ بعد ذلك أثرهم، فقل إمام من
الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد ... )» هدي الساري ج ١ ص ٤ ..
- ٤٠ -