النص المفهرس

صفحات 481-500

العرش فلا أدري أکان فیمن صعق فأفاق قبلي ، أو کان فیمن استثنى
الله)) .
وفيه : أنس : قال النبي - عليه السلام -: (( المدينة يأتيها الدجال فيجد
الملائكة يحرسونها ، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله)) .
وفيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: « لكل نبي دعوة ، فأريد إن شاء
الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( بينا أنا نائم رأيتني
على قليب فنزعت ما شاء الله أن أنزع ... )) الحديث .
وفيه : أبو موسى : (( كان النبي - عليه السلام - إذا أتاه السائل أو
صاحب الحاجة، قال: (( اشفعوا فلتؤجروا [ وليقض ] (١) الله على لسان
نبیه ما شاء)) .
وفيه : ابن عباس : (( أن أبي بن كعب حدثه بحديث الخضر مع
موسى ... )) إلى قوله: ﴿فإني نسيت الحوت﴾ (٢) ... )) الحديث.
وفيه : أبو هريرة : قال عليه السلام: «ننزل غدًا إن شاء الله بخيف بني
كنانة [حيث ] (٣) تقاسموا على الكفر. يريد المحصب)).
وفيه: عبد الله بن عمر: ((حاصر النبي أهل الطائف فلم يفتحها،
فقال: إنا قافلون غداً إن شاء الله ... )) [ وذكر الحديث ] (٤).
معنى هذا الباب كمعنى الذي قبله في إثبات الإرادة لله -تعالى-
والمشيئة، وأن العباد لا يريدون شيئًا إلا وقد سبقت إرادة الله له،
(٢) الكهف : ٦٣ .
(١) في (( ن)): ويقضي.
(٣) في ((الأصل)): حين. والمثبت من (( هـ، ن)). (٤) من ( هـ)).
- ٤٨١ -

وأنه خالق لأعمالهم : طاعة كانت أو معصية ، وأما تعلقهم بقوله
تعالى : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (١) في أنه لا يريد
المعصية فليس على العموم ؛ وإنما هو خاص فيمن ذكر ، ولم يكلفه ما
لا يطيق .
مثل هذا للمؤمنين المفترض عليهم الصيام ، ومن هداه الله إلى دينه
فقد يسره وأراد به اليسر ، فكان المعنى : يريد الله بكم اليسر الذي هو
التخيير بين صومكم في السفر ، وإفطاركم فيه [ بشرط ] (٢) قضاء ما
أفطرتموه من أيام أخر ، ولا يريد بكم العسر ، الذي هو إلزامكم
الصوم في السفر على كل حال ؛ فبان من نفس الآية أن الله رفع هذا
العسر عنا ولم يرد وقوعه بنا، إذ لم يلزمنا الصيام في السفر على كل
حال ، رحمةً منه ورأفةً بنا ؛ فسقط تعلقهم بالآية ، وكذلك تأويل
قوله تعالى : ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (٣) هو على الخصوص في
المؤمنين الذين أراد منهم الإيمان ، فكان ما أراده من ذلك ، ولم يرد
منهم الكفر فلم يكن ، فلا تعلق لهم في هذه الآية أيضًا .
فإن قيل : قد تقدم من قولكم أن الله - تعالى - خالق لأعمال
العباد، فما وجه إضافة فتى موسى نسيان الحوت إلى نفسه مرةً، وإلى
الشيطان أخرى .
فالجواب : أن فتى موسى [ نبي ] (٤) وخادم نبي ، وقد تقدم من
قول موسى أن أفعاله مخلوقة لله تعالى : ﴿إن هي إلا فتنتك تضل بها.
من تشاء وتهدي من تشاء ﴾ (٥) فثبت أن إضافة النسيان إلى نفسه لأجل
قيامه به ، لا أنه مخترع له ، والعرب تضيف الفعل إلى
(١) البقرة : ١٨٥ .
(٣) الزمر : ٧ .
(٢) في ((الأصل)): فشرط. والمثبت من ((هـ)!
(٥) الأعراف : ١٥٥
(٤) من ( هـ)).
- ٤٨٢ -

من وجد منه ، وإن لم يكن مخترعًا له ، وقد نطق بذلك القرآن في
مواضع كثيرة ، وكذلك إضافته النسيان إلى الشيطان ، [فليس على
معنى أن الشيطان فاعل لنسيانه، وإنما ] (١) تأويله أنه وسوس [إليّ](٢)
حتى نسيت الحوت ؛ لأن فتى موسى إذ لم يمكنه أن يفعل نسيانه القائم
به كان الشيطان [ أبعد ] (٣) من أن يفعل فيه نسيانًا ، وكانت إضافته
إليه على سبيل المجاز والاتساع .
قال المهلب: وقوله عليه السلام: (( لا يقولن أحدكم، إن شئت
فأعطني)) فمعناه - والله أعلم - أن سؤاله الله على شرط المشيئة يوهم
أن إعطاءه تعالى يمكن على غير مشيئته ، وليس بعد المشيئة وجه إلا
الإكراه ؛ والله لا مكره له كما قال عليه السلام، والعبارة الموهمة في
صفات الله غير جائزة عند / [ أهل ] (١) السنة ؛ لما في ذلك من
الزيغ بأقل توهم يقع في نفس السامع لتلك العبارة [ ثم إن حقيقة
السؤال من الله - تعالى -، هو أن يكون السائل] (٤) محتاجًا إلى ما
سأل ، محققًا في سؤاله ، ومتى طلب بشرط لم يحقق الطلب ؛
فلذلك [أمره] (٥) بالعزم في طلب الحاجة .
[٤/ق٢٣٥-١]
وأما قول علي: ((إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا))
ففيه: أن إرادة العبد للعمل ولتركه لا يكون إلا عن إرادة الله ومشيئته ،
بخلاف قول القدرية أن للإنسان إرادةً ومشيئةً دون إرادة الله ، وقد تقدم
أن ذلك كله من عمل العبد مخلوق الله ، مراد له على حسب ما أراد
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( الأصل)): له. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أنفذ. والمثبت من ((هـ)).
(٤) بياض بالأصل. والمثبت من (( هـ)).
(٥) طمس بالأصل. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٨٣ -

من طاعة أو معصية، ومعنى قوله عليه السلام: (( المؤمن كخامة
الزرع)» في هذا الباب : أن المؤمن يألم في الدنيا بما يبتليه الله به من
الأمراض التي يمتحنه بها ، فييسره للصبر عليها والرضا بحكم ربه
واختياره له ؛ ليفرح بثواب ذلك في الآخرة ، والكافر كلما صح في
الدنيا وسلم من آفاتها كان موته أشد عذابًا عليه ، وأعظم ألما في
مفارقة الدنيا ، فثبت أن الله - تعالى - قد أراد بالمؤمن بكل عسر
يسرًّا، وأراد بكل ما آتاه الكافر من اليسر عسرًا ، وقد تقدم في أول
كتاب المرضى .
وقوله : ((فذلك فضلي أوتيه من أشاء)» فذلك بين في أن الإرادة
هي المشيئة على ما تقدم بيانه ؛ إذ الفضل عطاء من له أن يتفضل به ،
وله ألا يتفضل ، وليس من كان عليه حق فأداه أو فعل ما عليه فعله
يسمى متفضلا ، وإنما هو من باب الأداء والوفاء بحق ما لزمه .
وقوله : (( فلو قال إن شاء الله لقاتلوا فرسانًا أجمعون)) فوجهه أنه
لما نسي أن يرد الأمر الله الخالق العليم ، ويجعل المشيئة إليه كما شرط
في كتابه ، إذ يقول : ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله ﴾ (١) ﴿ ولا
تقولن لشيء ﴾ (٢). فأشبه قوله: ((لأطوفن الليلة)) قول من جعل
لنفسه الحول والقوة ؛ فحرمه الله - تعالى - مراده وما أمله .
١
وأما قوله للأعرابي: (( لا بأس عليك طهور إن شاء الله)) فإنما أراد
تأنيسه من مرضه بأن الله يكفر ذنوبه ، ويقيله ، ويؤخر وفاته فوقع
الاستثناء على ما رجًا له من الإقالة والفرج ؛ لأن المرض معلوم أنه
كفارة للذنوب ، وإن كان الاستثناء قد يكون بمعنى رد المشيئة [إلى:
(١) التكوير : ٢٩ .
-
(٢) الكهف : ٢٣ .
- ٤٨٤ -

الله تعالى ] (١) ، وفي جواب الأعرابي ما يدل على ما قلناه ، وهو
قوله : حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور. [ أي ] (٢) ليس كما
رجوت من الإقالة .
وقوله عليه السلام: ((فنعم إذًا)) دليل على أن قوله: (( لا بأس
عليك)) ، أنه على طريق الرجاء لا على طريق الخبر عن الغيب ،
وكذلك قوله: (( إن الله قبض أرواحنا حين شاء، وردها حين شاء)).
وحديث عبادة ، وحديث أبي هريرة في قصة موسى عليه السلام ،
وقوله عليه السلام : (( لا أدري أكان فيمن صعق ، فأفاق قبلي ، أو
ممن استثنى الله))، فيها كلها إثبات المشيئة الله تعالى ، وفيه فضيلة
موسى ؛ لأن الأمة أجمعت على أن النبي عليه السلام أفضل البشر ،
فإن كان لم يصعق موسى حين صعق الناس ، ففيه من الفقه أن
المفضول قد يكون فيه فضيلة خاصة لا تكون في الفاضل .
واستثناء النبي عليه السلام في دخول الدجال والطاعون المدينة ، هو
من باب التأدب لا على الشك الذي لا يجوز على الله - تعالى -
ووجهه التحريض على سكنى المدينة لأمته ؛ ليحترسوا بها من الفتنة في
الدين؛ لأن المدينة أصل دينه فلم يسلط الله على سكانها المعتصمين بها
فتنة الدجال ، ولا الطاعون لاعتصام سكانها بها من الفتنة الكبرى ،
وهي الكفر المستأصل عقوبته ، فكذلك [ لا يستأصلهم ] (٣) بالموت
بالطاعون الذي كان من عقوبات بني إسرائيل .
وأما قوله في الصديق (( أنه نزع من البئر ما شاء الله أن ينزع))،
فهذا استثناء صحيح ، وأن حركات العباد لا تكون إلا عن مشيئة الله
(١) من (( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): أو. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)) : لا يستأصل .
- ٤٨٥ -

وإرادته ، وكذلك قوله : ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء ، أي
أن الإنسان لا يتكلم إلا بمشيئة الله المحرك للسانه ، والمقلب لقلبه ،
وكذلك قوله: ((إنا قافلون غدا إن شاء الله)). فاستثنى فيما يستقبل
من الأفعال ، كما أمره الله برد الحول والقوة إليه في قوله : ﴿ولا
تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ﴾ (١).
باب : قوله تعالى: ﴿ ولقد سبقت كلمتنا
لعبادنا المرسلين﴾(٢)
فيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: (( لما قضى الله الخلق ، كتب عنده
فوق عرشه : إن رحمتي سبقت غضبي ) .
وفيه : ابن مسعود : حدثنا النبي عليه السلام ، وهو الصادق المصدوق:
[٤/ ٢٣٥٥-ب] ((إن أحدكم / يجمع في بطن أمه ... )) [ إلى قوله ](٣): « ثم يبعث الله.
إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات ... )) الحديث، (( [ فإن ] (٤) أحدكم
ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه
الكتاب ، فيعمل عمل أهل النار فيدخلها ... )) الحديث .
وفيه : ابن عباس : أن النبي عليه السلام قال : يا جبريل ، ما يمنعك أن
تزورنا أكثر مما تزورنا ، فنزلت : ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك ... ﴾ (٥)
الآية .
وفيه: ابن مسعود: كنت أمشي مع النبي ◌َّلتر، فمر بنفر من اليهود فقال
(١) الكهف : ٢٣ .
: (٢) الصافات: ١٧١. (٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) في ((الأصل)): وإن. والمثبت من (( هـ، ن)) (٥) مريم : ٦٤.
- ٤٨٦ -

بعضهم : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه ، فسألوه ، فقام
متوكئًا على العسيب ، وأنا خلفه وظننت أنه يوحى إليه ، فقال :
﴿ويسألونك عن الروح﴾ إلى ﴿قليلاً﴾ (١).
وفيه : أبو هريرة : قال عليه السلام : « تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا
يخرجه إلا الجهاد في سبيله ، وتصديق كلماته ، بأن يدخله الجنة ... ))
الحديث .
وفيه : أبو موسى : جاء رجل إلى النبي عليه السلام فقال : الرجل
يقاتل حميةً، وشجاعةً، ورياءً، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: (( من
قاتل لتكون كلمة الله [ هي ] (٢) العليا، فهو في سبيل الله)).
قال المهلب : الكلمة السابقة : هي كلمة الله بالقضاء المتقدم منه قبل
أن يخلق خلقه في أم الكتاب ؛ الذي جرى به القلم للمرسلين إنهم
لهم المنصورون في الدنيا والآخرة ، وقد تقدم في كتاب القدر ،
ومعنى هذا الباب إثبات الله متكلما وذا كلام ، خلافًا لمن يقول من
المعتزلة : أنه غير متكلم فيما مضى ، وكذلك هو فيما بقي . وهذا
كفر قد نص الله على إبطاله بقوله: ﴿ولقد سبقت كلمتنا﴾ (٣) في
آيات أخر ، وقد نص النبي عليه السلام على بيان هذا المعنى في
أحاديث هذا الباب، فقال: (( كتب عنده فوق عرشه))، وقال : ثم
يبعث [ الله إليه ] (٤) الملك فيؤذن بأربع كلمات يوحيها الله إلى الملك،
فيكتبها في أم الكتاب، وقال : فيسبق عليه الكتاب بالقضاء المتقدم في
سابق علمه ، والكتاب يقتضي كلامًا مكتوبًا ، ودل [ ذلك على ] (٥)
(١) الإسراء : ٨٥ .
(٢) من (( هـ ، ن )).
(٣) الصافات : ١٧١ .
(٤) في (( الأصل)): الثالثة. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): على ذلك. والمثبت من (( هـ )).
- ٤٨٧ -

أنه لم يزل عالمًا بما سيكون قبل كونه ، خلافًا لمن يقول : لا يعلم
الأشياء قبل كونها ، ووجه مشاكلة حديث ابن عباس للترجمة ، هو
أن الذي يتنزل به جبريل هو كلام الله ووحيه ، وكذلك قوله في
حديث ابن مسعود ﴿ قل الروح من أمر ربي﴾ (١) يريد أن الروح خلق
من خلقه تعالى ، خلقه بقوله : كن [ وكن ] (٢): كلامه الذي هو
أمره الذي لم يزل ولا يزال .
وقوله : ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ (٣) فيه دليل على أنه لا
تبلغ حقيقة العلم بالمخلوقات فضلا عن العلم بالخالق سبحانه ، وأن
من العلم ما يلزم التسليم فيه لله - تعالى - ويجب الإيمان بمشكله ،
وأن الراسخين في العلم لا [ يعلمون ] (٤) تأويل المتشابه كما يزعم
المتكلمون ، إذ قد أعلمنا الله أن السؤال عن الروح ابتغاء ما لم يؤته
من العلم ، مع أنه وصف قلوب المتبعين ما تشابه منه بالزيغ وابتغاء.
الفتنة ، ووصف الراسخين في العلم بالإيمان به ، وأن كله من عند
ربهم ، مستعيذين من الزيغ الذي وسم الله به من اتبع تأويل المتشابه
منه ، داعين إلى الله لا يزيغ قلوبهم بابتغاء تأويله ، بعد إذ هداهم إلى
الإيمان به .
وأما قوله : (( كتب عنده : إن رحمتي سبقت غضبي)) فهو - والله
أعلم - كتابه في أم الكتاب الذي قضى به وخطه القلم ، فكان من
رحمته تلك أن ابتدأ خلقه بالنعمة بإخراجهم من العدم إلى الوجود،
(١) الإسراء : ٨٥ .
.(٢) في (( الأصل)): وكان. والمثبت من (( هـ.))
(٣) في ((الأصل)): تعلم. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): النعمة. والمثبت من ((هـ).
- ٤٨٨ -

وبسط لهم من رحمته في قلوب الأبوين على الأبناء ، من الصبر على
تربيتهم ، ومباشرة [أقدارهم ] (١) ما إذا تدبره متدبر أيقن أن ذلك من
رحمته تعالى ، ومن رحمته السابقة أنه يرزق الكفار وينعمهم ، ويدفع
عنهم الآلام ثم ربما أدخلهم الإسلام رحمة منه لهم ، وقد بلغوا من
التمرد عليه والخلع لربوبيته غايات تغضبه ، فتغلب رحمته ويدخلهم
جنته ، ومن لم يتب عليه حتى توفاه فقد رحمه مدة عمره بتراخي
عقوبته عنه ، وقد كان له ألا يمهله بالعقوبة ساعة كفره به ومعصيته له،
لكنه أمهله رحمةً له ، ومع ذا إن رحمة الله السابقة أكثر من أن يحيط
بها الوصف .
باب : قوله تعالى : ﴿قل لو لكان البحر مدادًا لكلمات ربي ﴾
إلى قوله: ﴿مددًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿ولو أن ما في الأرض من
شجرة أقلام والبحر یمده من بعده سبعة أبحر /
[٤/ق٢٣٦-١]
ما نفدت كلمات الله ﴾ (٣)
فيه : أبو هريرة : قال عليه السلام: (( تكفل الله لمن جاهد في سبيله ، لا
يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته ؛ أن يدخله الجنة».
قال مجاهد : ﴿ قل لو كان البحر مدادًا﴾ (٢) للقلم يستمد منه
للكتاب ﴿لكلمات ربي﴾ (٢)، أي لعلم ربي.
وقال قتادة : لنفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام ربي وحكمه .
ومعنى هذا الباب إثبات الكلام لله صفةً لذاته ، وأنه لم يزل
(١) في ((الأصل)): ما قدارهم. والمثبت من ((هـ)).
(٢) الكهف : ١٠٩ .
(٣) لقمان : ٢٧ .
- ٤٨٩ -

متكلمًا ولا يزال ، كمعنى الباب الذي قبله ، وإن كان قد وصف كلامه
تعالى بأنه كلمات فإنه شيء واحد لا يتجزأ ولا يقسم ، وكذلك يعبر
عنه بعبارات مختلفة : تارةً عربيةً ، وتارةً سريانيةً ، وبجميع الألسنة
التي أنزلها الله على أنبيائه ، وجعلها عبارةً عن كلامه القديم الذي لا
يشبه كلام المخلوقين ، ولو كانت كلماته مخلوقة لنفدت كما تنفد
البحار والأشجار وجميع المحدثات ، فكما لا يحاط بوصفه تعالى ،
كذلك لا يحاط بكلماته وجميع صفاته .
باب : قوله تعالى: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾(١)
الآية : ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾
(١
ولم يقل ماذا خلق ربكم ، وقال تعالى :
أ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾(٢)
وقال مسروق عن ابن مسعود : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل
السماوات ، فإذا فزع عن قلوبهم ، وسكن الصوت ؛ عرفوا أنه الحق
ونادوا : ﴿ ماذا قال ربكم قالوا الحق ﴾ .
ويذكر عن جابر ، عن عبد الله بن أنيس سمعت النبي - عليه السلام -
يقول: « يحشر الله العباد ، فینادیھم بصوت یسمعه من بعد كما يسمعه
من قَرُّب : أنا الملك ، أنا الديان )) .
فيه: أبو هريرة يبلغ به النبي - عليه السلام -: (( إذا قضى الله الأمر في
السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على
۔۔
صفوان)».
(١) سبأ : ٢٣ .
(٢) البقرة : ٢٥٥ .
- ٤٩٠ -

قال علي بن المديني ، وقال غيره : صفوان ينفذهم ذلك ، فإذا فزع
عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : قال الحق، وهو العلي
الكبير .
وقال عكرمة [ مرةً عن أبي هريرة ] (١) يرفعه : أنه قرأ: فُرِّغَ .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام - : (( ما أذن الله لشيء
ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن )).
وفيه : أبو سعيد : قال النبي - عليه السلام -: (( يقول الله : يا
آدم . فيقول : لبيك وسعديك . فينادي بصوت : إن الله يأمرك أن
تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار)) .
وفيه: عائشة : (( ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ،
[ولقد] (٢) أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة)).
قال المهلب : استدل البخاري بقوله تعالى : ﴿ ماذا قال ربكم ﴾
ولم يقل : ماذا خلق ربكم . على أن قوله تعالى قديم قائم بذاته ،
صفة من صفاته ، لم يزل موجودًا ولا يزال ، وأنه لا يشبه كلام
المخلوقين ، وليس بذي حروف ، خلافًا للمعتزلة [ التي ] (٣) نفت
كلام الله - تعالى - ، وقالت : إن كلامه كناية عن الفعل والتكوين،
قالوا : وهذا سائغ في كلام العرب ، ألا ترى أن الرجل يعبر عن
حركته بيده فيقول : قلت بيدي هكذا ، وهم يريدون حركت يدي ،
ويحتجون بأن الكلام لا يعقل منا إلا بأعضاء ولسان ،
(١) من ((هـ)). (٢) في (( الأصل)): فلقد. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في (( الأصل)): الذي. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٩١ -

:
والباري - تعالى - لا يجوز أن يكون له أعضاء وآلات الكلام ؛ إذ
ليس بجسم .
فرد البخاري عليهم بقوله عليه السلام : ((إذا قضى الله الأمر في
السماء ، فزعت الملائكة وضربت بأجنحتها فكان لها صوت ، كأنه
سلسلة على صفوان خضعانًا)) لقوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن
قلوبهم﴾ (١) ، أي أذهب الفزع عن قلوبهم ، قالوا للذي فوقهم :
ماذا قال ربكم ؟ فدل ذلك على أنهم سمعوا قولا لم يفهموا معناه من
أجل فزعهم ، فقالوا : ماذا قال ربكم ؟ ولم يقولوا : ماذا خلق
ربكم ، وأكد ذلك بما حكاه عن الملائكة أيضًا ﴿ قالوا الحق﴾ والحق:
إحدى صفتي القول الذي لا يجوز على الله غيره ؛ لأنه لا يجوز على
كلامه الباطل .
ولو كان القول منه خلقًا وفعلا لقالوا حين سألوا ماذا قال ، أخلق
خلقًا كذا ، إنسانًا ، أو جبلا ، أو شيئًا من المخلوقات ، فلما وصفوا
قوله بما يوصف به الكلام من الحق ، لم يجز أن يكون القول بمعنى
الخلق والتكوين ، وكذلك قوله لآدم: يا آدم، [ وهو ] (٢) كلام
مسموع ، ولو كان بمعنى الخلق والتكوين ما أجاب بلبيك وسعديك ،
التي هي جواب المسموعات، وكذلك قول عائشة: (( ولقد أمره ربه
أن يبشرها)) هو كلام، وقول مسموع من الله - تعالى - ولو كان
خلقًا لما فهم [ منه ] (٣) عن ربه له بالبشرى .
: (٢) في ((الأصل)): هذا . والمثبت من ( هـ )
(١) سبأ : ٢٣ .
(٣) في (( الأصل)): عنه. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٩٢ -

[٤/ق٢٣٦-ب]
/ باب : كلام الرب تعالى مع جبريل ونداء الله تعالى الملائكة
وقال معمر : إنك لتلقى أي يلقى عليك ، وتلقاه أنت أي تأخذه
عنهم، ومثله : ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ (١)
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: ((إن الله إذا أحبَّ عبدًا،
نادى جبريل : إن الله قد أحب فلانًا فأحبه . فيحبه جبريل ثم ينادي
جبريل في السماء : إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه . فيحبه أهل السماء ،
ويوضع له القبول في أهل الأرض)) .
وفيه : أبو هريرة : قال عليه السلام : (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل،
وملائكة بالنهار يجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ، ثم يعرج
الذين باتوا [ فيكم ] (٢) فيسألهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم ... ))
الحديث .
وفيه : أبو ذر: قال النبي - عليه السلام - : (( أناني جبريل فبشرني أنه
من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة . قلت : وإن سرق وزنا ؟ قال :
وإن سرق وزنا )) .
هذا الباب كالباب الذي قبله في إثبات كلام الله وإسماعه إياه
جبريل والملائكة ، فيسمعون عند ذلك الكلام القديم القائم بذاته الذي
لا يشبه كلام المخلوقين ، إذ ليس بحرف (ولا تقطيع نغم ] (٣) وليس
من شرطه أن يكون بلسان وشفتين وآلات، وحقيقته أن يكون مسموعًا
مفهومًا ، ولا يليق بالباري - تعالى - أن يستعين في كلامه بالجوارح
والأدوات ، فمن قال لم أشاهد كلامًا إلا بأدوات، لزمه [التشبيه](٤)؛
إذ حكم على الله بحكم المخلوقين ، وخالف قوله تعالى : ﴿ ليس
كمثله شيء ﴾ (٥) .
(١) البقرة : ٣٧ .
(٢) من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): ولا يقطع بفم. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): الشبه. والمثبت من لا هـ)).
(٥) الشورى : ١١ .
- ٤٩٣ -

باب: ﴿أنزله بعلمه والملائكة یشهدون ﴾ (١)
قال مجاهد: ﴿يتنزل الأمر بينهن﴾ (٢): بين السماء السابعة
والأرض السابعة .
فيه: البراء : قال النبي - عليه اللام -: (( يا فلان ، إذا أويت إلى
فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك)) إلى قوله: (( آمنت بكتابك
الذي أنزلت ... )) الحديث .
وفيه : ابن أبي أوفى : قال النبي - عليه السلام - يوم الأحزاب :
((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، وزلزل بهم)).
وفيه ابن عباس : ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ (٣) نزلت
ورسول الله متوار بمكة ، وكان إذا رفع صوته سمعه المشركون ، فسبوا
القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ حتى
تسمع المشركين ﴿ولا تخافت بها﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم ﴿وابتغ
بين ذلك سبيلاً﴾ (٣) أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن .
ولا تعلق للقدرية في قوله تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾ أن القرآن
مخلوق ؛ لأن كلامه قديم قائم بذاته ، ولا يجوز أن تكون صفة ذات
القديم إلا قديمة ، فالمراد بالإنزال [ إفهام ] (٤) عباده المكلفين معاني
[كتابه وفرائضه ] (٥) التي افترضها عليهم ، وليس إنزاله كإنزال
الأجسام المخلوقة التي يجوز عليها الحركة والانتقال من مكان إلى
مكان؛ لأن القرآن ليس بجسم ولا مخلوق ، والأفعال التي يعبر بها
(١) النساء : ١٦٦ .
(٢) الطلاق: ١٢. (٣) الإسراء : ١١٠
(٤) في ((الأصل)): إبهام. والمثبت من ا( هـ )).
(٥) في ((الأصل)): عبادته وكتابه. والمثبت من ((هـ ).
- ٤٩٤ -

عن الأجسام كالحركة والانتقال من الأمكنة تستحيل على الله وعلى
كلامه وجميع صفاته .
قال المهلب : وفي حديث البراء الرد على القدرية الذين يزعمون أن
لهم قدرة على الخير والشر استحقوا عليها الثواب والعقاب لأمر النبي
- عليه السلام - من أوى إلى فراشه [ بالتبرؤ ] (١) عند نومه من
الحول والقوة والاستسلام لقدرة الله التي غليه بها النوم ، فلم يستطع
دفعه، فلو كان يملك لنفسه نفعاً أو ضرًا لدفع عن نفسه النوم الذي هو
موت إن أمسك الله نفسه فيه مات أبدًا ، وإن أرسلها بعد موته ساعة أو
ساعات جدد لها حياة .
وكيف يملك الإنسان لنفسه قدرة ، وقد أمره نبيه - عليه السلام - أن
يتبرأ من جميع وجوهها في هذا الحديث ، ثم عرفك أن هذه الفطرة
التي فطر الله الناس عليها يجب أن تكون آخر ما يقوله المرء الذي
[حضره ] (٢) أول الموت فيموت على الفطرة التي عليها خلقه، وإن
أحياه أصاب بتبرئه إليه خيرًا يريد أجرًا في الآخرة وخيراً من رزق
وكفاية وحفظ في الدنيا .
وفي حديث ابن أبي أوفى جواز الدعاء بالسجع ، إذا لم يكن
متكلفًا مصنوعًا تفكره ، وشغل بال بتهيئته ( فيضعف ) (٣) بذلك تحقيق
نية الداعي فلذلك كره السجع / في الدعاء ، وأما إذا تكلم به طبعًا
فهو حسن [ وقد أشرنا إلى هذا المعنى في كتاب الدعاء .
[٤/ ق٢٣٧-٢]
وفي حديث ابن ] (٤) عباس أن قطع الذرائع التي تنقص الباري
-تعالى - وتنقص كتابه واجب وإن كان المراد بها الخير [ لمنعه ] (٥) من
رفع الصوت بالقرآن لئلا يسمعه من يسبه ومن أنزله .
(١) في ((الأصل)): المتبرئ. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ذكره. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((هـ)): فضعف.
(٤) بياض في ((الأصل)). والمثبت من ( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): لمنفعة. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٩٥ -

باب : قوله تعالى : ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ (١)
لقول فصل﴾ (٢) الحق ﴿وما هو بالهزل﴾(٣) باللعب
فيه أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( قال الله - تعالى -:
[يؤذيني] (٤) ابن آدم سب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل
والنهار)).
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( يقول الله - تعالى - :
الصوم لي ، وأنا أجزي به ، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي ... ))
الحديث .
وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : (( بينما أبوب يغتسل
عريانًا خر عليه رجْلُ جراد من ذهب ، فجعل يحثي في ثوبه ، فناداه ربه :
يا أيوب ... )).
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( ينزل ربنا إلى سماء
الدنيا كل ليلة فيقول: من يدعوني فأستجيب له ... )) الحديث .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( قال الله -تعالى -:
أنّفق أُنّفق علیك )» .
وفيه : أبو هريرة ، قال: هذه خديجة تأتيك بإناء فيه طعام - أو شراب-
فأقرئها من ربها السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ... )) الحديث.
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( قال الله : أعددت
لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ... )) الحديث.
وفيه: ابن عباس: ((كان النبي ◌َّ إذا تهجد من الليل قال : اللهم لك
الحمد [ أنت نور السموات والأرض، أنت الحق وقولك الحق] (٥) ... ))
الحدیث .
(١) الفتح : ١٥ .
(٣) الطارق : ١٤.
(٢) الطارق : ١٣ .
(٤) في ((الأصل)): ويؤذبني. والمثبت من (( هـ، ن)). (٥) من ( هـ).
- ٤٩٦ -

وفيه: عائشة في حديث الإفك: (( ولشأني في نفسي كان أحقر من أن
يتكلم الله فيّ بأمر يتلى ... )) الحديث .
وفيه: أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( يقول الله: إذا أراد
عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ... )) الحديث .
وفيه أبو هريرة : قال عليه السلام : لما فرغ الله من الخلق قامت الرحم
فقال : مه . قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ! فقال : ألا ترضين
أن أصل من وصلك ... )) الحديث .
وفيه : زيد بن خالد: مطر النبي - عليه السلام - فقال: (( قال الله -
تعالى - : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي ... )) .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( قال الله -تعالى -: إذا
أحب عبدي لقائي ، أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه ... )).
وفيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: (( قال الله - تعالى - : أنا عند ظن
عبدي بي ... )) .
وفيه: أبو هريرة وأبو سعيد: قال النبي ◌َّل هو: ((قال رجل لأهله لم
يعمل خيرًا قط : احرقوني . فقال الله : لم فعلت ؟ قال : من خشيتك ،
فغفر له )) .
وفيه أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : (( إن عبدًا أصاب ذنبًا
فقال : [رب أذنبت ] (١) فاغفره، فقال ربه -جل ثناؤه - : علم عبدي
أن له ربا يغفر الذنب [و](٢) يأخذ به غفرت لعبدي ... )) الحديث .
قال المهلب : غرضه في هذا الباب كغرضه في الأبواب التي قبله ،
-
(١) في ((الأصل)): وما ذنب. والمثبت من (( هـ، ن).
(٢) في ((الأصل، هـ)): أو. والمثبت من (( ن)).
- ٤٩٧ -

ومعنى قوله تعالى: ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾(١) هو أن المنافقين
تخلفوا عن الخروج مع النبي - عليه السلام - إلى غزوة تبوك ،
واعتذروا فأعلم الله إفكهم فيه ، فأمر الله [ رسوله ] (٢) أن يقرأ عليهم
قوله تعالى : ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا﴾(٣)
فأعلمهم بذلك وقطع [ أطماعهم ] (٤) من الخروج معه . فلما رأوا
الفتوحات قد تهيأت للنبي - عليه السلام - أرادوا الخروج معه رغبة
منهم في المغانم ، فأنزل الله على: ﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى
مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾(١) أي أمره
لرسوله بأن لا يخرجوا [ معه ] (٥) بأن يخرجوا معه .
فقطع الله أطماعهم من ذلك مدة أيامه عليه السلام ؛ لقوله : ﴿ لن
[٢٢٧٥/٤- ب) تخرجوا معي أبدًا﴾ (٣) ثم قال / [آمراً لرسوله وَّة: ﴿قل
للمخلفين من الأعراب ﴾ يعني : المريدين تبديل كلام ] (٦) الله :
ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد [ تقاتلونهم أو يسلمون فإن
تطيعوا يؤتكم الله أجرًا حسنًا ] (٦) وإن تتولوا كما توليتم من قبل ﴾ ..
يعني : توليتم عن إجابته عليه السلام حين دعاهم إلى الخروج معه في
سورة براءة ﴿ يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ (٧) والداعي لهم غيره عليه السلام.
ممن يقوم بأمره من خلفائه ، فقيل : الداعي لهم بعده أبو بكر دعاهم.
لقتال أهل الردة ، وقيل : الداعي عمر ، دعاهم لقتال المشركين ..
:
وسائر الأحاديث فيها إثبات كلامه ، وقد مر القول على أنه صفة
قائمة به لا يصح مفارقتها له، وأنه لم يزل متكلمًا، ولا يزال كذلك .
(١) الفتح: ١٥. (٢) في ((الأصل)): لرسوله. والمثبت من (( هـ)).
(٣) التوبة : ٨٣.
(٤) فى ((الأصل)): أطعامهم. تحريف، والمثبت من ((هـ).
(٦) بياض بالأصل. والمثبت من (( هـ).
(٥) من (( هـ )).
(٧) الفتح : ١٦ .
- ٤٩٨ -

وأما قوله : (( يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر )) قد تقدم في
[باب] (١) قوله: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ (٢) [ أن] (٣)
الأذى لا يلحق بالله ، وإنما يلحق من تتعاقب عليه الحوادث، ويلحقه
العجز والتقصير عن الانتصار ، والله تعالى عن ذلك ، فوجب أن
يرجع الأذى المضاف إليه تعالى إلى أنبيائه ورسله ، والمعنى يؤذي ابن
آدم أنبيائي ورسلي بسب الدهر ؛ لأن ذلك ذريعة إلى سب خالق
الدهر ، ومصرف أقضيته وحوادثه .
وقوله: ((وأنا الدهر )» أي : أفعل ما يجري به الدهر من السراء
والضراء، ألا ترى قوله تعالى: ((بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)»
فالأيام والليالي ظروف للحوادث ، فإذا سببتم الدهر [ و] (١) هو لا
يفعل شيئًا فقد وقع السب على الله . وقد بينت هذا الحديث بأكثر من
هذا في كتاب الأدب في باب : لا تسبوا الدهر .
قال المهلب : وأما قوله تعالى: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا
عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)) [ فهو كقوله
تعالى : ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ (٤) مما لا عين رأت ، ولا أذن
سمعت ، ولا توهمه قلب بشر . هو على الحقيقة ما لا يعلمه بشر
ممن له الأذن والقلب والبصر ، فتخصيصه قلب بشر ] (١) بأن لا
يعلمه، يدل - والله أعلم - أنه يجوز أن يخطر على قلوب الملائكة ،
ألا ترى أنه إذا أفردنا بالمخاطبة بقوله: ﴿ويخلق ما لا تعلمون ﴾ (٤)
فدل على جواز أن يعلمه غيرنا .
وقوله في حديث أبي هريرة: (( لما فرغ الله من الخلق قامت الرحم
(١) من ( هـ )).
(٢) الذاريات: ٥٨. ووقع في ((الأصل، هـ)): إني أنا الرزاق ذو القوة المتين.
وما أثبتناه هو الصواب . وقد سبق .
(٣) في ((الأصل)): أي، والمثبت من (( هـ)).
(٤) النحل : ٨.
- ٤٩٩ -.

فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة . فقال تعالى: ألا
ترضين ... )) الحديث .
فلا تعلق فيه لمن يقول : بحدث كلامه تعالى من أجل أن الفاء في
قوله فقال : توجب في الظاهر كون قوله تعالى عقيب قول الرحم ،
وذلك مقتضٍ للحدث لقيام الدليل على أن الله لم يزل قائلا متكلمًا قبل
أن يخلق خلقه بما لا أول له من الأزمان ، وإذا كان ذلك كذلك وجب
حمل قوله تعالى على معنى إفهامه تعالى إياها معنى كلامه الذي لم
يزل به متكلمًا وقائلا ، وعلى هذا المعنى يحمل نحو هذا اللفظ إذا أتى
في الحديث .
وقد يحتمل أن يكون يأمر ملكًا من ملائكته بأن يقول للرحم هذا
القول عنه تعالى ، وأضافه إليه ، إذ كان قول الملك عن أمره تعالى:
له، ويدل على صحة هذا التأويل رواية من روى في حديث الشفاعة:
(( فأستأذن على ربي وأخر له ساجدًاً [فيقال ] (١): يا محمد، ارفع
رأسك ... )) بترك إسناد القول إلى الله تعالى جاءت هذه الرواية في
الباب بعد هذا .
وقوله للرحم : مه ، فمعنى مه في لسان العرب : الزجر والردع .
فمحال توجه ذلك إلى الله ، فوجب توجهه إلى من عاذت الرحم
بالله - تعالى - من قطعه إياها .
وقوله: ((أنا عند ظن عبدي بي)) لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة
أي : أنا عند ظن عبدي المؤمن بي ، وفي القرآن آيات تشهد أن عباده
المؤمنين وإن أسرفوا على أنفسهم أنه عند ظنهم به من المغفرة والرحمة،
(١) في ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ)).
-٥٠٠ -