النص المفهرس
صفحات 461-480
وصف [ أهل] (١) الجنة بغير ذلك وأن لهم فيها [ ما يشاءون] (٢). فبطل كون النظر في الآية بمعنى الاعتبار والتفكر؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار وتفكر؛ إذ ليست بدار محنة وعبادة؛ ولأن ذاته - تعالى- ليست مما يعتبر بها ؛ فبطل قولهم . ويبطل كون النظر في الآية بمعنى التعطف والرحمة ؛ لأن ذاته - تعالى - ليست مما يتعطف عليها وترحم . فإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة ؛ صح القسم الرابع وهو النظر إلى ربها بمعنى الرؤية بالأبصار له تعالى ، وهو ما ذهب إليه جمهور المسلمين قبل حدوث [ القائلين ] (٣) بهذه الضلالة، وشهدت له السنن الثابتة من الطرق المختلفة . " وما احتج به من نفى الرؤية من أنها توجب كون المرئي محدثًا فهو فاسد ؛ لقيام الدلائل على أن الله - تعالى - موجود وأن الرؤية منزلتها في تعلقها بالمرئي منزلة العلم في تعلقه بالمعلوم ، فكما أن العلم المتعلق بالموجود لا يختص بموجود دون موجود ، ولا توجب تعلقه به حدثه كذلك للرؤية في تعلقها بالمرئي لا يوجب حدثه . واحتج نفاة الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ (٤)، وبقوله تعالى لموسى : ﴿لن تراني﴾ (٥) في جواب سؤاله الرؤية ، وهذا لا تعلق لهم فيه ؛ لأن قوله : ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ (٤) وقوله: ﴿لن تراني﴾ (٥) لفظ عام، وقوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾(٦) خاص ، والخاص يقضي على العام ويبينه ، فمعنى الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا ؛ لأنه تعالى قد أشار إلى أن المراد بقوله : ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (٦) الآخرة ؛ لقوله : (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): ما يشاءوا. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): العالمين. والمثبت من (( هـ)). (٥) الأعراف : ١٤٣ . (٦) القيامة : ٢٢ - ٢٣ . (٤) الأنعام : ١٠٣ . - ٤٦١ - يومئذ ، وكذلك يكون معنى قوله لموسى: ﴿لن تراني﴾(١) في الدنيا، ولأنه قد ثبت أن نفي الشيء لا يقتضي إحالته ؛ بل قد يتناول المستحيل وجوده والجائز وجوده ، فلا تعلق لهم بالآيتين مع ما يشهد لصحة الرؤية لله - تعالى - من الأحاديث الثابتة التي تلقاها المسلمون بالقبول من عصر الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين إلى حدوث المارقين المنكرين للرؤية . وأما وصفه عليه السلام لله - تعالى - بالإتيان بقوله: (( فيأتيهم. الله)). فليس على معنى الإتيان المعهود [ فيما ] (٢) بيننا الذي هو انتقال وحركة ؛ لاستحالة وصفه بما توصف به الأجسام ، فوجب حمله على أنه يفعل فعلا يسميه إتيانًا وصف تعالى به نفسه ، ويحتمل أن يكون الإتيان المعهود فيما بيننا خلقه تعالى لغيره من ملائكة فأضافه إلى نفسه كما يقول القائل : قطع الأمير اللص، وهو لم يل ذلك بنفسه إنما أمر به . وأما وصفه تعالى بالصورة في قوله : [ فيأتيهم ] (٣) الله في صورته. ففيه إيهام للمجسمة أنه تعالى ذو صورة، ولا حجة لهم فيه؛ لأن الصورة هاهنا يحتمل أن تكون بمعنى العلامة وضعها الله -تعالى- دليلا لهم على معرفته والتفرقة بينه وبين مخلوقاته ، فسمى الدليل والعلامة صورة مجازًا كما تقول العرب : صورة حديثك كيت وکیت، وصورة أمرك كذا وكذا ، والحديث والأمر لا صورة لهما ، وإنما يريدون حقيقة حديثك وأمرك كذا وكذا . قال المهلب: وأما قوله: ((فإذا رأينا ربنا عرفناه)) فإنما ذلك أن الله- (١) الأعراف: ١٤٣. (٢) في ((الأصل)): مما. والمثبت من (( هـ )) (٣) في (( الأصل)): فيأتيكم، والمثبت من (( هـ)). - ٤٦٢ - تعالى - يبعث إليهم ملكًا ليفتنهم ويختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء فإذا قال لهم الملك : أنا ربكم ، رأوا عليه دليل الخلقة التي تشبه المخلوقات فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا عرفناه . أي أنك لست ربنا ، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون أي يظهر إليهم في ملك لا ينبغي لغيره وعظمة لا تشبه شيئًا من مخلوقاته، فيعرفون أن ذلك الجلال والعظمة لا تكون لغيره، فيقولون : أنت ربنا لا يشبهك شيء . فالصورة يعبر بها عن حقيقة الشيء . وأما قوله: (( فيقال : هل بينكم وبينه آية تعرفونها ؟ فيقولون : الساق)) فهذا يدل - والله أعلم - أن الله عرف المؤمنين على ألسنة الرسل يوم القيامة أو على ألسنة الملائكة المتلقين لهم بالبشرى أن الله قد جعل علامة تجليه لكم الساق / وعرفهم أنه سيبتلي المكذبين بأن يرسل [٢٣١٥/٤ -ب] إليهم من يقول : أنا ربكم . فتنة لهم ويدل على ذلك قوله تعالى : ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ (١) في سؤال القبر ، وفي هذا الموطن ، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ﴾ (٢) عن شدة الأمر، وروي عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى : ﴿والتفت الساق بالساق﴾ (٣) أي: أعمال الدنيا بمحاسبة الآخرة . وذلك أمر عظيم ، والعرب تقول : قامت الحرب على ساق. إذا كانت شديدة [ فيظهر] (٤) الله على الخلائق هذه الشدة التي لا يكون مثلها من مخلوق ليبكت بها الكافرين ، وينزع عنهم قدرتهم التي كانوا يدعونها ، فيعلمون حينئذ أنه الحق ، فيذهبون إلى السجود مع المؤمنين لما يرون من العظمة والشدة فلا (١) إبراهيم : ٢٧ . (٣) القيامة : ٢٩ . (٢) القلم : ٤٢ . (٤) في ((الأصل)): يظهر. والمثبت من (( هـ)). - ٤٦٣ - يستطيعون ؛ فيثبت الله المؤمنين فيسجدون له ، وذكر ابن فورك قال : روى أبو موسى الأشعري عن النبي - عليه السلام - في قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق﴾ (١) قال: عن [ نور ] (٢) عظيم قال: ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله - تعالى - من الفوائد والألطاف ، ويظهر لهم من فضل سرائرهم التي لم يطلع [ عليها غيره] (٣) تعالى . قال المهلب : هذا يدل أن كشف الساق للكافرين نقمة وعذاب ، وللمؤمنين نور ورحمة ونعمة ، والضحك منه تعالى بخلاف ما هو فينا وهو بمعنى إظهاره لعباده لطائف وكرامة لم تكن تظهر لهم قبل ذلك ، والضحك المعهود فيما بيننا هو إظهار الضاحك لمن شاهده ما لم يكن يظهر له منه قبل من كشره عن أسنانه . وأما قوله عليه السلام: ((ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا)) هذا استدل به من أجاز تكليف ما لا يطاق وهو مذهب الأشعرية قالوا : جائز في حكم الله أن يكلف عباده ما لا يطيقون ، واحتجوا على ذلك بأن الله - تعالى - قد كلف أبا لهب الإيمان به مع إعلامه تعالى له أنه لا يؤمن ، وأنه يموت على الكفر الذي له يصلى نارًا ذات لهب . ومنع الفقهاء من ذلك ، وقالوا : لا يجوز أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون واحتجوا بقوله تعالى : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٤) قالوا: وقدا أخبر فلا يجوز أن يقع بخلاف خبره ، وقالوا : ليس في (١) القلم : ٤٢ . (٢) فى ((الأصل)): ثور. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): عليه عنده. والمثبت من (( هـ )). (٤) البقرة : ٢٨٦ . - ٤٦٤ - قوله تعالى : ﴿ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ (١) حجة لمن خالفنا ؛ لأنهم إنما يدعون إلى السجود تبكيتًا لهم ؛ إذ أدخلوا أنفسهم بزعمهم في جملة المؤمنين الساجدين في الدنيا وعلم الله منهم الرياء في سجودهم ، فدعوا في الآخرة إلى السجود كما دعي المؤمنون المحقون ؛ فتعذر السجود عليهم وعادت ظهورهم طبقًا واحدًا ، وأظهر الله عليهم نفاقهم ؛ فأخزاهم وأوقع الحجة عليهم ، فلا حجة في هذه الآية لهم ، ومثل هذا من التبكيت قوله تعالى للكفار : ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسور ﴾ (٢) وليس في هذا شيء من تكليف ما لا يطاق، وإنما هو خزي وتوبيخ . ومثله قوله عليه السلام: (( من كذب في [ حلمه ] (٣) كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقدهما )) فهذه عقوبة وليس من تكليف ما لا يطاق . ء وأما قوله عليه السلام: ((فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون)) ففيه حجة لأهل السنة في إثباتهم الشفاعة ، وقد تقدم . وقوله: (( فأستأذن على ربي في داره )) فداره جنته ، ولا تعلق فيه للمجسمة أنه تعالى في مكان ؛ لأن قوله : ((في داره )» يحتمل أن تكون هذه الإضافة لله إضافة فعل كسائر ما أضافه إلى نفسه تعالى من أفعاله، ويحتمل أن يكون [ قوله ] (٤) في داره . راجعًا إلى النبي تأويله : فأستأذن على ربي وأنا في داره . فالظرف والمكان هاهنا للنبي وَالله لا الله - تعالى - لقيام الدليل على استحالة حلوله في المواضع. (١) القلم : ٤٢. (٢) الحديد : ١٣ . (٣) في ((الأصل)): منامه. والمثبت من ((هـ)). (٤) من ( هـ). - ٤٦٥ - وقوله : (( حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض )) ففيه إثبات الحوض له عليه السلام خلافًا لمنكريه من المعتزلة وغيرهم ممن يدفع أخبار الآحاد ، وجمهور الأمة على خلافهم مؤمنون بالحوض على ما: ثبت في السنن الصحاح . وقوله : ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان )) ففيه إثبات الرؤية لله - تعالى - وإثبات كلامه لعباده . ورفع الحجاب بینه تعالی وبین خلقه هو تجلیه لهم ، وليس ذلك بمعنى الظهور والخروج من سواتر وحجب حائلة بينه وبين عباده ؛ لأن [٤/ ٢٣٢٥-] ذلك من أوصاف الأجسام وهو / مستحيل على الله ، وإنما رفع الحجاب بمعنى إزالته [ الآفات من أبصار خلقه المانعة لهم من رؤيته ؛ فيرونه لارتفاعها ] (١) عنهم بخلق ضدها فيهم ، وهو الرؤية ، وبخلاف هذا وصف الله الكفار فقال : ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ المحجوبون﴾ (٢) فالحجاب هنا الآفة المانعة لهم من رؤيته التي لو فعل تعالى ضدها فيهم لرأوه ، وهي التي فعل في المؤمنين .. وقوله في الحديث الآخر: (( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) فلا تعلق فيه للمجسمة في إثبات الجسم والمكان لما تقدم من استحالة كونه جسمًا أو حالاً في مكان ؛ فوجب أن يكون تأويل الرداء مصروفًا إلى أن المراد به الآفة المانعة لهم من رؤيته الموجودة بأبصارهم ، وذلك فعل من أفعاله تعالى يفعله في محل رؤيتهم له بدلا من فعله الرؤية ، فلا يرونه ما دام ذلك المانع المسمى رداء موجودًا بمحل رؤيتهم له ، فإذا فعل الرؤية انتفى ذلك المانع لهم من رؤيته وسماه رداء مجازًا واتساعًا ؛ إذ منزلته في (١) بياض بالأصل. والمثبت من ( هـ). (٢) المطففين : ١٥ . - ٤٦٦ - المنع من رؤيته منزلة الرداء وسائر ما يحتجب به والله - تعالى - لا يليق به الحجب والأستار ؛ إذ ذاك من صفات الأجسام . وقوله . ((على وجهه)) المراد به: أن الآفة المانعة لهم من رؤية وجهه تعالى التي هي صفة من صفات ذاته كأنها على وجهه ؛ لكونها في أبصارهم ومانعة لهم من رؤيته ، فعبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ ، والمراد به غير ظاهره ؛ إذ يستحيل كون وجهه محجوبًا برداء أو غيره من الحجب ؛ إذ ذاك من صفات الأجسام . وقوله: (( في جنة عدن)) ليس بمكان له تعالى ، وإنما هو راجع إلى القوم كأنه قال : وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم وهم في جنة عدن إلا المانع المخلوق في محل رؤيتهم له من رؤيته فلا حجة لهم فيه . وقوله في حديث أبي سعيد: (( ونحن أحوج [ منا إليه ] (١) اليوم)). لا يخرج معناه إلا أن يكون بمعنى محتاجين ، وهذا موجود في القرآن قال تعالى: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله﴾ (٢) بمعنى عالم ، فسقط على هذا التأويل شيئًا من تقدير الكلام ، ومعناه : فارقناهم : يريد من لم يعبد الله . ونحن أحوج ما كنا إليه : يعنون الله . وقوله : (( فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار ، فإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم ) يريد أن المؤمنين إذا نجوا من الصراط يناشدون الله في إخوانهم ويشفعون فيهم فيقول الله - عز وجل -: (( اذهبوا فمن [ وجدتم ] (٣) في قلبه مثقال (١) فى ((الأصل)): إليه منه. والمثبت من (( هـ)). (٣) فى ((الأصل)): وجد. والمثبت من ((هـ ). (٢) النجم ٣٠ . . - ٤٦٧ - نصف دينار ... إلى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيخرجون من. عرفوا من النار )) وفي هذا إثبات شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض . وقوله : ((في جهنم كلاليب)) جمع كلوب ، وهو الذي يتناول به الحداد الحديد من النار ، والخطاطيف جمع خطاف ، والخطاف حديدة معوجة الطرف يجذب بها الأشياء ، قال النابغة : خطاطيف حجن في حبال متينة والحسك : معروف ، وهو شيء مضرس ذو شوك ينشب [ به ] (١). كل ما مر به . وقوله : [ مفلطحة فهو كل شيء عريض ] (٢) قال ابن دريد: فطحت العود إذا بريته ثم عرضته ، وفطح الأنف - بكسر الطاء - فطحًا : لصق بالوجه ، والبقر كلها فطح وخنس . وقوله : ((فمنهم الموبق بعمله)) يعني : الهالك بذنوبه . يقال : أوبقت فلانًا ذنوبه أي : أهلكته . وقوله: (( ومنهم المخردل )) قال صاحب العين : خردلت اللحم : فصلته ، وخردلت الطعام : أكلت خياره . وقال غيره : خردلته :. صرعته، وهذا الوجه يوافق معنى الحديث ، والجردلة - بالجيم - الإشراف على السقوط والهلكة .. وقوله: ((امتحشوا )) قال صاحب العين: المحش: إحراق الجلد ، وامتحش [الجلد ] (٣) احترق ، وألسنة المحوش : اليابسة. وقال صاحب الأفعال : محشت النار الشيء محشًا : أحرقته لغة، (١) في ((الأصل)): فيه (٢) في ((الأصل)): مطلحفة. والمثبت من (( هـ )) .. (٣) في (( الأصل)): الخبر. والمثبت من ( هـ)). - ٤٦٨ - والمعروف أمحشته، وكان أبو زيد ينكر محشته، وقعد يومًا إلى أبي حنيفة فسمعه يقول: قال رسول الله ول08: « يخرج من النار قوم قد محشتهم النار)) . فقال أبو زيد: ليس كذلك الحديث - يرحمك الله- إنما هو: ((أمحشتهم النار)) فقال أبو حنيفة : من أي موضع أنت ؟ قال أبو زيد: من البصرة . قال أبو حنيفة : أبالبصرة مثلك ؟ قال أبو زيد : إني لمن أخس أهلها . فقال أبو حنيفة: طوبى لبلد أنت أخس أهلها . والحبة : بزور البقل ، وقد ذكرته في كتاب الإيمان / [ في باب (٤/ ٢٣٢ -ب] تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ] (١) وقال أبو عبيد : وأما الحبة فكل ما ينبت له حب فاسم الحب منه الحبة . وقال الفراء : الحبة بزور البقل . وقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار . وقال الكسائي : الحبة حب الرياحين وواحد الحبة حبة . وأما الحنطة ونحوها فهو الحب لا غير . وقال الأصمعي : الحميل ما حمله السيل من كل شيء وكل محمول فهو حميل كما يقال للمقتول قتيل . وقوله: ((قشبني ريحها)) تقول العرب: قشبت الشيء : قذرته وقشبت الشيء - بكسر الشين - قشبًا قذر عن صاحب الأفعال . وقال ابن قتيبة : قشبني ريحها من القشب والقشب : السم كأنه قال: سمني ريحها ، ويقال لكل مسموم قشيب . وقال الخطابي : قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ يكظمه وإن كانت ريحه طيبة ، وأصل القشب خلط السم بالطعام يقال: قشبه إذا سمه [وقشبتنا ] (٢) الدنيا فصار حبها كالسم الضار ، ثم قيل على هذا قشبه الدخان والريح الذكية إذا بلغت منه الكظم . (١) من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)): وقشبت. والمثبت من (( هـ)). - ٤٦٩ - وقوله : انفهقت يعني : اتسعت وفهق الغدير فهقًّا إذا امتلأ ومنه التفيهق في القول ، وهو كثرة الكلام . وغبرات : بقايا وكذلك غير الشيء بقيته ؛ وقوله: الجسر مدحضة مزلة. يقال دحضت رجله دخضًا زلقت ، والدحض ما يكون عنه الزلق ، ودحضت الشمس عن كبد السماء : زالت ، ودحضت حجته : بطلت ، والمزلة : موضع الزلل، فزلت الأقدام : سقطت ، وقوله : مكدوس في نار جهنم . قال صاحب العين : التكدس في سير الدواب : ركوب بعضها بعضًا ، والكدس ما يجمع من طعام وغيره ، وأفواه الجنة : أبوابها واحدها فوهة، وفي كتاب العين الفوهة : فم النهر وفم الزقاق . * باب: قوله تعالى: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾(١) فيه: أسامة: (( كان ابن لبعض بنات النبي - عليه السلام - [يقضي] (٢) ! إلى قوله : ((فبكى النبي - عليه السلام - فقال سعد : أتبكي ؟ فقال : : إنما يرحم الله من عباده الرحماء )). وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( اختصمت الجنة والنار إلى ربهما ، فقالت الجنة : يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين . فقال للجنة : أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وأما النار فإنه ينشئء الله [ لها ] (٣) خلقًا فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد ثلاثا ، حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط )) (١) الأعراف: ٥٦. (٢) في ((الأصل)): يقبض. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): له. والمثبت من (( هـ)). - ٤٧٠ - وفيه : أنس قال عليه السلام: ((ليصيبن أقوامًا سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، فيقال لهم الجهنميون )) . [ قال المؤلف: ] (١) الرحمة تنقسم قسمين : تكون صفة ذات لله، وتكون صفة فعل ، فصفة الذات مرجوع [ بها ] (٢) إلى إرادته - تعالى - إثابة الطائعين من عباده ، وقوله تعالى : ﴿ إن رحمة الله قریب من المحسنين ﴾ (٣) يحتمل الرحمة هاهنا أن تكون صفة ذات ترجع إلى إرادته إثابة المحسنين كما قلنا وإرادته صفة ذاته . ومثله قوله عليه اللام: (( إنما يرحم الله من عباده الرحماء )» معناه إنما يريد إثابة الرحماء لعباده من خلقه ، ويحتمل أن تكون صفة فعل فيكون المعنى أن نعمة الله على عباده ورزقه لهم ونزول المطر وشبهه قريب من المحسنين ، فسمى ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وعن إرادته مجازًا واتساعًا ؛ لأن من عادة العرب تسمية الشيء باسم سببه وما يتعلق به ضربًا من التعلق ، وعلى هذا المعنى سمى الله الجنة رحمةً فقال: ((أنت رحمتي)) فسماها مع كونها [ فعلاً ] (٤) من أفعاله رحمةً ؛ إذ كانت حادثةً بقدرته وإرادته تنعيم الطائعين من عباده . قال المهلب : وأما اختصام الجنة والنار فيجوز أن يكون حقيقةً ، ويجوز أن يكون مجازًا ، فكونه حقيقةً يخلق الله فيهما حياةً وفهمًا وكلامًا لقيام الدليل على كونه تعالى قادرًا على ذلك ، وكونه مجازاً واتساعًا فهو [ على ] (١) ما تقوله العرب من نسبة الأفعال إلى ما لا يجوز وقوعها منه في تلك الحال كقولهم : امتلأ الحوض وقال قطني . والحوض لا يقول ، وإنما ذلك عبارة عن امتلائه ، وأنه لو (١) من (( هـ)). (٣) الأعراف : ٥٦ . (٢) في ((الأصل)): لها. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): فعل. والمثبت من (( هـ). - ٤٧١ - (٤/ ٥ ٢٣٣-)] كان [ ممن] (١) يقول لقال / ذلك، وقولهم : قالت الضفدع، وعلى هذين التأويلين يحمل قوله تعالى : ﴿وتقول هل من مزيد﴾(٢)، واختصام الجنة والنار هو افتخار بعضهما على بعض بمن يسكنهما ، فالنار تتكبر بمن يلقي فيها من المتكبرين وتظن أنها آثر بذلك عند الله من [ الجنّة] (٣) وسقط قول النار من هذا الحديث في جميع النسخ ،. وهو محفوظ في الحديث: (( وقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين )) رواه ابن وهب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة [ من رواية ] (٤) الدارقطني ، وتظن الجنة ضد ذلك [ لقولها ] (٥): ((ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم)) فكأنها أشفقت من إيضاع المنزلة عند الرب - تعالى - . فحكم تعالى للجنة بأنها رحمته لا يسكنها إلا الرحماء من عباده ، وحكم للنار بأنها عذابه يصيب بها من يشاء من المتكبرين ، وأنه ليس [لإحديهما] (٦) فضل من طريق من يسكنها الله - تعالى - من خلقه، [ إذ هما اللتان للرحمة والعذاب ، ولكن قد قضى لهما بالملء من خلقه ] (٧) . وقوله : (( وينشئ للنار خلقًا)) يريد من قد شاء أن يلقي فيها ممن قد سبق له الشقاء ممن عصاه وكفر به ، قاله المهلب . وقال غيره : ينشئ الله لها خلقًا لم يكن في الدنيا ، قال : وفيه حجة لأهل السنة في قولهم إن لله أن يعذب من لم يكن يكلفه عبادته في الدنيا ولا يخرجه إليها لقوله : ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ (٨) بخلاف (٢) سورة ق : ٣٠ . (١) في ((الأصل)): من، والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): النار والمثبت من (هـ)). (٤) في الأصل: ورواه. والمثبت من ((هـ)) .. (٥) في ((الأصل)): لهولها. والمثبت من ((هـ)). (٦) في ((الأصل)): لأحدهما، وفي ((هـ)): لإحداهما. (٨) إبراهيم : ٢٧ . (٧) من (( هـ)). - ٤٧٢ - من يقول إن الله لو عذّب من لم يكلفه لكان ظالمًا ، وهذا الحديث حجة عليهم . وقوله : (( حتی یضع فيها قدمه )) قد تقدم في باب قوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم﴾ (١) ( من كتاب التوحيد] (٢). باب : قوله تعالى : ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ﴾ (٣) الآية فيه : عبد الله بن مسعود : (( جاء حبر إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا محمد، إن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع ، وسائر الخلائق على إصبع ، ثم يقول بيده أنا الملك، فضحك النبي وقال :وما قدروا الله حق قدره )). وقد تقدّم تفسير هذا الحديث في باب قوله تعالى : ﴿ لما خلقت بيدي﴾ (٤) قال المهلب : فإن قيل : ما وجه حديث الحبر في هذا الباب مع قوله : ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ﴾ (٣) وظاهر الآية وعمومها يقتضي أن [السموات ] (٥) والأرض ممسكة بغير آلة يعتمد عليها ، وقد ذكر الحبر للنبي - عليه السلام - أن الله يمسك السموات على إصبع والأرض على إصبع ، فدل أن حديث الحبر وتفسيره الإمساك بالأصابع هذا لبيان المجمل من الإمساك في الآية ؟ قيل له : ليس كما توهمت ، وتفسير النبي ورده على الحبر ، وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره ﴾ (٦) هو رد لما توهمه الحبر من (١) إبراهيم : ٤ وغيرها . (٢) في ((الأصل)): في أول هذا الخبر. والمثبت من ((هـ)). (٣) فاطر: ٤١. (٥) من (( هـ )). (٤) سورة ص : ٧٥ . (٦) الأنعام : ٩١، الزمر : ٦٧ . - ٤٧٣ - الأصابع أي أن الله أجل مما قدرت ، وذلك أن اليهود تعتقد التجسيم، فنفى النبي - عليه السلام - ذلك عنه بقوله : ﴿ وما قدروا الله حق قدره﴾ (١) فإن قيل: فإن تصديق النبي وس لو للحبر وتعجبه من قوله يدل أنه لم ينكر قوله كل الإنكار ، ولو لم يكن لقوله بذكر الأصابع وجه لأعلن بإبطاله . فالجواب : أنه لو كانت السموات وغيرها مفتقرة إلى الأصابع لكانت الأصابع مفتقرة إلى أمثالها تعتمد عليها ، وأمثال أمثالها إلى مثلها ، ثم كذلك إلى ما لا نهاية له ، وهذا فاسد ، وقد تقدم قول الأشعري وابن فورك وأن الإصبع يجوز أن تكون صفة ذات لله - تعالى - ويجوز أن تكون صفة خلق له من بعض ملائكته كلفهم حمل الخلائق وتعبّدهم بذلك من غير حاجة إليهم في حملها ، بل الباري ممسكهم وممسك ما يحملونه بقدرته تعالى ، ويصدق هذا التأويل قوله: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (٢). باب : ما جاء في خلق السموات والأرض وغيرهما من المخلوقات وهو فعل الربّ تعالى وأمره ، فالرب تعالى بصفاته وأمره وقوله [هو](٣) الخالق المكون غير مخلوق [ وما ] (٤) كان بفعله وأمره [ وتخليقه وتكوينه ] (٤) فهو مفعول [ مكون ](٥) مخلوق . فيه : ابن عباس : (( بت في بيت ميمونة ليلةً والنبي عندها لأنظر كيف صلاة النبي، فتحدث النبي -عليه السلام- مع أهله ساعةً ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه، قعد فنظر إلى السماء فقراً: ﴿إن في خلق [٢٣٣٥/٤-ب] السموات والأرض) إلى قوله: ﴿لأولي الألباب﴾ (٦))) /[ الحديث. (١) الأنعام : ٩١، الزمر : ٦٧ . (٣) في ((الأصل)): تعالى. والمثبت من (( هـ)). (٥) في ((الأصل)): فيكون. والمثبت من ((هـ، ن)) . (٢) الحاقة : ١٧ . (٤) من (( هـ ، ن )» :. (٦) آل عمران: ١٩ . - ٤٧٤ - غرضه في ] (١) هذا الباب أن يعرفك أن السموات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق لقيام دلائل الحدث بها من الآيات المشاهدات، من انتظام الحكمة واتصال المعيشة للخلق فيهما ، وقام برهان [العقل](٢) على ألا خالق غير الله وبطل قول من يقول أن الطبائع خالقة العالم ، وأن الأفلاك السبعة هي الفاعلة ، وأن النور والظلمة خالقان ، وقول من زعم أن العرش هو الخالق . وفسدت جميع هذه الأقوال لقيام الدليل على حدوث ذلك كله وافتقاره إلى محدث لاستحالة وجود محدث لا محدث له ، كاستحالة وجود مضروب لا ضارب له ، وكتاب الله شاهد بصحة هذا ، وهو قوله تعالى : ﴿هل من خالق غير الله﴾ (٣) فنفى خالقًا سواه، وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ﴾ (٤) وقال عقيب ذلك: ﴿فتشابه الخلق عليهم ﴾ (٤) ثم قال لنبيّه: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ (٤) ودلّ على ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ (٥) . فاستدل بآيات السموات والأرض على قدرة الله ووحدانيته فوجب أن يكون الخلاق العليم بجميع صفاته من الخلق [والأمر ] (٦) والفعل والسمع والبصر والتكوين للمخلوقات كلها خالقًا غير مخلوق الذات والصفات، وأن القرآن صفة له غير مخلوق، ووجب أن يكون الخالق مخالفًا لسائر المخلوقات، ووجه خلافه لها انتفاء قيام الحوادث عنه الدالة على حدث من تقوم به، ولزم أن يكون ما سواه من مخلوقاته التي كانت عن قوله وأمره وفعله وتكوينه مخلوقات له، هذا موجب العقل . (١) بياض بالأصل. والمثبت من ( هـ). (٣) فاطر: ٣ . (٤) الرعد : ١٦ . (٢) في (( الأصل)) : الخلق. (٦) من (( هـ)). (٥) آل عمران : ١٩٠ . - ٤٧٥ - باب : قوله: إنما أمرنا لشيء (١) الآية فيه : المغيرة: سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى بأنيهم أمر الله )) وقال مرةً: (( لا تزال من أمتي أمة قائمة لا يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم » قال معاوية : وهم بالشام . وفيه : ابن عباس: (( وقف النبي ميّز على مسيلمة في أصحابه فقال : لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ، ولن تعدو أمر الله فيك ، ولئن أدبرت لیعقرنك الله )) وفيه : ابن مسعود: (( بينما أنا أمشي مع النبي - عليه السلام - وهو يتوكأ على عسیب فمررنا على نفر من اليهود ، فسألوه عن الروح فأنزل عليه: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ (٢) الآية. غرضه في هذا الباب الرد على المعتزلة في قولهم: إن أمر الله الذي هو كلامه مخلوقه ، فأراد البخاري أن يعرفك أن الأمر هو قوله للشيء: إذا أراده كن فيكون بأمره له وأن أمره وقوله في معنى واحد، وذلك غير مخلوق وأنه سبحانه يقول كن على الحقيقة ، وأن الأمر غير الخلق لقوله تعالى : ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (٣). ففصل بينهما بالواو وهو قول جميع أهل السنة ، وزعمت المعتزلة أن وصفه نفسه بالأمر ٠٠ (١) كذا بالأصل و((هـ))، والصواب: ﴿إنما قولنا لشيء﴾ وهي في سورة النحل رقم ٤٠. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣ /٤٥١) عن القاضي عياض أنه قال : كذا وقع لجميع الرواة عن الفربري من طريق أبي ذر والقابسي وغيرهم ، وكذا وقع في رواية النسفي ، وصواب التلاوة: ﴿إنما قولنا﴾ وكأنه أراد أن يترجم بالآية الأخرى ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ [ القمر : ٥٠ ] وسبق القلم إلى هذه . قال الحافظ : وقع في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر ﴿إنما قولنا﴾ على وفق التلاوة، وعليها شرح ابن التين، فإن لم يكن من إصلاح من تأخر عنه ، وإلا فالقول ما قاله القاضي عياض .. (٢) الإسراء : ٨٥. (٣) الأعراف : ٥٤ . - ٤٧٦ - وبالقول في هذه الآية مجاز واتساع على نحو ما تقول العرب : قال الحائط فمال وامتلأ الحوض، وقال قطني. وقولهم فاسد ؛ لأنه عدول عن ظاهر الآية وحملها على غير حقيقتها، وإنما وجب حمل الآية على ظاهرها وحقيقتها لثبات كونه حيًا، والحي لا يستحيل أن يكون متكلمًا. .- وقوله عليه السلام: (( حتى يأتيهم أمر الله )) يعني أمر الله بالساعة. وقوله: (( لن تعدو أمر الله فيك)) أي ما قدر فيك من الشقاء أو السعادة . وقوله : ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ (١) أي من أمره المتقدّم بما [ سبق ] (٢) في علمه من القضاء المحتوم الذي أمر به الملك أن يكتبه في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه . باب : في المشيئة والإرادة وقوله تعالى : ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾(٣) ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ (٤) ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك / غدًا إلا أن يشاء الله﴾(٥) ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (٦) قال سعيد بن المسيب عن أبيه : نزلت في أبي طالب [٤/ق٢٣٤-١] معنى هذا الباب : إثبات المشيئة والإرادة لله - تعالى - وأن مشيئته وإرادته ورحمته وغضبه وسخطه وكراهيته كل ذلك بمعنى واحد أسماء مترادفة هي راجعة كلها إلى معنى الإرادة ، كما يسمى الشيء الواحد بأسماء كثيرة، وإرادته تعالى هي صفة من صفات ذاته خلافًا لمن يقول من المعتزلة أنها مخلوقة من أوصاف أفعاله، وقولهم فاسد لأنهم إذا أثبتوه تعالى مريداً ، وزعموا أن إرادته محدثة لم تخل من أن يحدثها في (١) الإسراء : ٨٥ . (٣) آل عمران : ٢٦ . (٢) في ((الأصل)): يستوي، والمثبت من ( هـ)). (٤) التكوير : ٢٩ . (٥) الكهف : ٢٣ . (٦) القصص : ٥٦ . - ٤٧٧ - نفسه أو في غيره ، أو لا في نفسه ولا في غيره ، وهذا الذي ذهبوا إليه، فيستحيل إحداثه لها في نفسه ؛ لأنه لو أحدثها في نفسه لم يخل منها ومن ضدها على سبيل التعاقب ، ولا يجوز تعاقب الحوادث على الله - تعالى - لقيام الدليل على قدمه قبلها، ويستحيل أن يحدثها في غيره ؛ لأنه لو أحدثها في غيره لوجب أن يكون ذلك الغير [ مريداً](١) بها دونه، [ فبطل ] (٢) كونه [ مريداً] (٣) بإرادة أحدثها في غيره كما يبطل كونه عالمًا بعلم يحدثه فيه ، أو قادرًا بقدرة يحدثها فيه ؛ لأن قياس ذلك كله واحدٍ ، ومن شرط المريد وحقيقته أن تكون الإرادة موجودةً فيه دون من سواه ، ويستحيل إحداثه لها لا في نفسه ولا في غيره ؛ لأن ذلك يوجب قيامها بنفسها واحتمالها للصفات وأضدادها ، ولو صح ذلك لم تكن إرادته له أولى أن تكون لغيره ، وإذا فسدت هذه الأقسام الثلاث وجب أن الإرادة قديمةً قائمةً به تعالى لأجل قيامها به [ و] (٤) صح كونه ( مريدًا، ووجب تعلقها بكل ما يصحّ كونه)(٥) مرادًا له ، وهذه المسألة مبنية على صحة القول بكونه تعالى خالقًا لأفعال العباد ، وأنهم لا يفعلون إلا ما يشاء ، وقد دلّ الله على ذلك بقوله تعالى: ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله ﴾(٦) وما تلاه من الآيات، وبقوله : ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ﴾ (٧) فنصّ الله - تعالى - على أنه لو شاء أن لا يقتتلوا لما اقتتلوا ، فدل أنه تعالى شاء ما شاءوه من اقتتالهم ، وأنه لو لم يشأ اقتتالهم لم يشاءوه ولا كان موجودًا ، ثم أكد ذلك بقوله : ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾(٧) يدل أنه فعل اقتتالهم الواقع منهم لكونه شائيًا له ، وإذا [كان](٤) شائيًا (١) في ((الأصل)): مريد. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): وبطل. والمثبت من (( هـ ). (٣) في ((الأصل)): مدبرًا. والمثبت من (( هـ). (٥) مكررة بالأصل . (٦) التكوير : ٢٩ . (٤) من ( هـ )) .. (٧) البقرة : ٢٥٣ - ٤٧٨ - الاقتتالهم وفاعلا له، وجب كونه شائيًا لمشيئتهم وفاعلا لها، فثبت بهذه الآية أنه لا كسب للعباد طاعة ومعصية إلا وهو فعل له ومراد له تعالى، [ وإن لم ] (١) يرده منهم لم يصح وقوعه ، وما أراده منهم فواجب وقوعه ، إذ هو المتولي لإيجاده والمقدر لخلقه على اكتسابه ، بخلاف قول القدرية أنه مريد للطاعة من عباده، وغير مريد للمعصية وقد بان فساد هذا من قولهم أن أفعال العباد خلق [ لله ] (٢) في هذا الباب وغيره . باب: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (٣) فيه : أنس وأبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( [ إذا ] (٤) دعوتم الله فاعزموا في الدعاء ، ولا يقولن أحدكم : إن شئت فأعطني ، فإن الله لا مستکره له » . وفيه: علي: ((أن النبي ◌َّلقر طرقه وفاطمة ابنته ، فقال لهما: ألا تصلون؟ فقال علي: يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ... )) الحديث . وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( مثل المؤمن كمثل خامة الزرع ، يفيء ورقه من حيث أنتها الريح تكفؤها ، فإذا سكنت اعتدلت ، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء ، ومثل الكافر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء )) . وفيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( إنما بقاؤكم فيمن سلف (١) في ((الأصل)): فإن ما لم. والمثبت من ((هـ)). (٢) فى ((الأصل)): الله. والمثبت من (( هـ)). (٣) البقرة : ١٨٥ . (٤) في ((الأصل)): فإذا. والمثبت من (( هـ، ن))، - ٤٧٩ - من الأمم ، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ... )) وذكر الحديث إلى قوله : (( فذلك فضلي أوتيه من أشاء )) ... وفيه : عبادة قال: (( بايعت النبي - عليه السلام - في رهط ، فقال : أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئًا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا النفس ، ولا تأتوا بهتان تفترونه بین أیدیکم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، (٢٣٤٥/٤-ب) فمن وفی منکم فأجره على الله ، ومن / [ أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا فهو له كفارة وطهور ](١) [ ومن ستره] (٢) الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له )) . وفيه : أبو هريرة : (( أن سليمان كانت له ستون امرأةً، فقال: لأطوفن الليلة على نسائي ، فلتحملن كل امرأة منهن وليلدن فارسًا يقاتل في سبيل الله . فطاف على نسائه فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام . قال نبي الله: ولو استثنى لحملت كل امرأة منهن [فولدت] (٣) فارسًا يقاتل في سبيل الله )) . وفيه : ابن عباس : أن النبي - عليه السلام - دخل على أعرابي يعوده، فقال: ((لا بأس عليك طهور، إن شاء الله ... )) الحديث . وفيه : أبو قتادة : حين ناموا عن الصلاة ، فقال النبي - عليه السلام - : ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء ... )) الحديث . وفيه : أبو هريرة : استبّ رجل من المسلمين ورجل من اليهود ... )) وذكر الحديث إلى قول النبي -عليه السلام -: (( لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانب (١) بياض بالأصل. والمثبت من ((هـ )). (٢) في ((الأصل)): وستر من، والمثبت من (( هـ)) .. (٣) من (( هـ، ن)). - ٤٨٠ -