النص المفهرس

صفحات 441-460

عليه من شريعة ربه ، كما أن الواحد منا إذا ولد له ولد يحمله على
سنته وطريقته ، ولا يستحق بذلك أن يسمى رسولا ، وإنما سمى
[نوح] (١) رسولا؛ لأنه بعث إلى قوم كفار ليدعوهم إلى الإيمان .
وأما حديث الإصبع فإنه لما لم تصح أن تكون جارحة لما قدمنا من
إبطال التجسيم فتأويله ما قال أبو الحسن الأشعري : من أن هذا وشبهه
مما أثبته الرسول لله ووصفه به راجع إلى أنه صفة ذات لا يجوز
تحديدها ولا تكييفها .
وقال أبو بكر بن فورك: يجوز أن يكون الإصبع خلقاً لله [يخلقه](٢)
يحمله ما حملت الإصبع ، ويحتمل أن يكون المراد بالإصبع : القدرة
والملك والسلطان على معنى قول القائل : ما فلان إلا بين إصبعي . إذا
أراد الإخبار عن (جريان) (٣) قدرته عليه فذكر [معظم] (٤) المخلوقات،
وأخبر عن قدرة الله على جميعها معظمًا لشأن الرب - تعالى - في
قدرته وسلطانه ، فضحك رسول الله كالمتعجب منه أنه يستعظم ذلك
في قدرته ، وأنه ليسير في جنب ما يقدر عليه ، ولذلك قرأ عليه قوله
تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره ﴾ (٥) أي : ليس قدره في القدرة
على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم ويحيط به الحد
والحصر؛ لأنه تعالى يقدر على إمساك جميع مخلوقاته على غير شيء
كما هي اليوم، لقوله تعالى: ﴿رفع السموات بغير عمد ترونها﴾(٦).
وقوله: ((لا يغيضها)) أي: لا ينقصها. وقال أبو زيد : غاض
ثمن السلعة أي : نقص ، ومنه قوله تعالى : ﴿وغيض الماء﴾ (٧).
(١) في ((الأصل)): نوحًا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فخلقه. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في (( الأصل)): تعظيم. والمثبت من ((هـ).
(٦) الرعد : ٢ .
(٣) في (( هـ)): جبران.
(٥) الأنعام : ٩١ .
(٧) هود : ٤٤ .
- ٤٤١ -

وقوله : سحاء. يقال : سح المطر والدمع وغيرهما سحوحًا
وسحا: انصب وسال .
باب : قول النبي عليه السلام لا أحد أغير من الله
١
فيه: المغيرة: (( قال سعد: لو رأيت رجلا مع امرأتي [ لضربته ] (١)
بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك الرسول فقال : تعجبون [ من غيرة ] (٢)
سعد والله لأنا أغير منه ، والله أغير مني ، ومن أجل غيرة الله حرم
الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، من
أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله
ومن أجل ذلك وعد الجنة )) .
وقال عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك: (( لا شخص أغير من الله)) .
· اختلفت ألفاظ هذا الحديث فروى ابن مسعود ، عن النبي - عليه
السلام - : ((لا أحد أغير من الله)) ذكره في آخر كتاب النكاح، وفي
رواية عبيد الله ، ورواية ابن مسعود مبينة أن لفظ الشخص موضوع
موضع أحد على أنه من باب المستثنى من غير جنسه وصفته كقوله
تعالى : ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ (٣) وليس الظن من نوع
العلم بوجه ، وأجمعت الأمة على أن الله لا يجوز أن يوصف بأنه
شخص ؛ لأن التوقيف لم يرد به ، وقد منعت المجسمة من إطلاق
الشخص عليه مع قولهم : إنه [ جسم ] (٤) . وأحد لفظ موضوع
للاشتراك بين الله تعالى وبين خلقه ، وقد نص الله على تسمية نفسه
(١) في ((الأصل)): اختزيته. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): لغيرة. والمثبت من (( هـ ، ن )).
(٤) في (( الأصل)): سجم. والمثبت من ((هـ)).
(٣) النساء : ١٥٧
- ٤٤٢ -

فقال: ﴿ قل هو الله أحد﴾ وقد تقدم في كتاب النكاح في باب الغيرة،
معنى الغيرة من الله أنها بمعنى : الزجر عن الفواحش والتحريم لها ،
ومعنى الحديث : أن الأشخاص الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها غيرة
الله وإن لم يكن شخصًا .
وقوله : (( لا أحد أحب إليه المدحة من الله)) فالمحبة من الله تعالى
للمدحة : إرادته من عباده طاعته وتنزيهه والثناء عليه ؛ ليجازيهم على
ذلك .
وقوله: (( لا أحد أحب إليه العذر من الله )) فمعناه ما ذكر في قوله
تعالى : ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾(١)
فالعذر في هذا الحديث : التوبة والإنابة .
باب : قوله : ﴿ قل أي شيء أكبر / شهادة قل الله ﴾ (٢)
[٤/ ق٢٢٨ -٢]
فسمى الله نفسه شيئًا ، وسمى النبي عليه السلام القرآن شيئًا وهو صفة
من صفات الله تعالى وقال: ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (٣).
فيه: سهل بن سعد: (( قال النبي - عليه السلام - لرجل : أمعك من
القرآن شيء ؟ قال : نعم ، سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها )).
قال عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة : إنما سمى الله نفسه شيئًا
إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم ، وكذلك أجرى على كلامه ما أجراه على
نفسه فلم يتسم [ بالشيء ] (٤) ولم يجعل الشيء من أسمائه ، ولكنه
دل على نفسه أنه شيء أكبر الأشياء، إثباتًا للوجود ونفيًا
(١) الشورى : ٢٥ .
(٣) القصص : ٨٨ .
(٢) الأنعام : ١٩ .
(٤) في ((الأصل)): بالسم، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٤٣ -

للعدم ، وتكذيبًا للزنادقة والدهرية ومن أنكر ربوبيته من سائر الأمم
فقال لنبيه وَالرّ: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني
وبينكم﴾(١) فدل على نفسه أنه شيء لا كالأشياء لعلمه السابق أن
جهمًا وبشرًا [ومن وافقهما ] (٢) سيلحدون في أسمائه ويشبهون على
خلقه ويدخلونه وكلامه في الأشياء المخلوقة فقال تعالى : ﴿ ليس
كمثله شيء ﴾ (٣) فأخرج نفسه وكلامه وصفاته [ عن ] (٤) الأشياء
المخلوقة بهذا الخبر تكذيبًا لمن الحد في كتابه ، وشبهه بخلقه .
ثم عدد أسماءه في كتابه فلم يتسم بالشيء ، ولم يجعله من أسمائه
في قوله عليه السلام: (( لله تسعة وتسعون اسماً )) ثم ذكر كلامه كما
ذكر نفسه [ ودل عليه ] (٢) بما دل على [نفسه ] (٥) ليعلم الخلق أنه
صفة من صفات ذاته فقال تعالى : ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما
أنزل الله على بشر من شيء ﴾ (٦) . فذم الله اليهود حین نفت أن تكون
التوراة شيئًا ، وقال: ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال
أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ﴾ (٧) فدل أن الوحي شيء بالمعنى ،
والذم لمن جحد أن كلامه شيء ، فكل صفة من صفاته تسمى شيئًا
بمعنى أنها موجودة ، ولما أظهر الله اسم كلامه لم يظهره باسم الشيء،
وإنما أظهره باسم الهدى والنور والكتاب ، ولم يقل من أنزل الشيء
الذي جاء به موسی
قال غيره : وتسمية الله نفسه بشيء ، يرد قول من زعم من أهل
(١) الأنعام : ١٩.
(٣) الشورى : ١١
(٢) من ( هـ).
(٤) في ((الأصل)): من. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ( الأصل)): خلقه، والمثبت من (( هـ)) .
(٦) الأنعام : ٩١ .
(٧) الأنعام : ٩٣ .
- ٤٤٤ -

البدع أنه لا يجوز أن يسمى الله بشيء وهو قول الناشي ونظرائه ،
وقولهم خلاف ما نصف الله عليه في كتابه وهو القائل : شيء إثبات
موجود ، ولا شيء نفي . فبان أن المعدوم ليس بشيء خلافًا لقول
المعتزلة من أن المعدومات أشياء وأعيان على ما تكون عليه في الوجود،
وهذا قول يقضي بقائله إلى قدم العالم ونفي الحدث والمحدث ؛ لأن
المعدومات إذا كانت على ما تكون عليه في الوجود أعيانًا لم تكن
لقدرة الله على خلقها وحدثها تعلق ، وهذا كفر ممن قال به .
باب : قوله تعالى : ﴿ وكان عرشه على الماء ﴾ (١) ﴿ وهو
رب العرش العظيم ﴾ (٢)
قال أبو العالية : استوى إلى السماء : ارتفع . فسواهن : خلقهن .
وقال مجاهد: استوى [ على العرش: علا ] (٣) . قال ابن عباس:
المجيد : الكريم . والودود : الحبيب . يقال : حميد مجيد [ كأنه
فعیل](٤) من ماجد ، ومحمود من حميد .
فيه : عمران: (( قال : إني عند النبي - عليه السلام - إذ جاءه وفد من
بني تميم فقال : [ اقبلوا ] (٥) البشرى يا بني تميم ، فقالوا : قد بشرتنا
فأعطنا ، فدخل ناس من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن
إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا : قبلنا ، جئناك [ لنتفقه ] (٦) في الدين .
ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان ؟ قال : كان الله ولم
(١) هود: ٧. (٢) التوبة: ١٢٩. (٣) في ((هـ، ن)): علا على العرش.
(٥) مكررة بالأصل .
(٤) من (( هـ ، ن ) .
(٦) في ((الأصل)): لنفقه. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٤٤٥ -

يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السموات والأرض :
وکتب في الذکر کل شيء )) .
.-.
وفيه: أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( يمين الله ملأى ... )).
الحديث (( وعرشه على الماء ... )) الحديث.
وفيه أيس: (( جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي - عليه السلام-
يقول : اتق الله وامسك عليك زوجك . وكانت تفخر على أزواج النبي
- عليه السلام - تقول : زوجكن أهاليكن ، وزوجني الله من فوق سبع
سموات )) .
وفيه : أبو هريرة: قال - عليه السلام -: (( إن الله لما قضى الخلق كتب
عنده فوق عرشه : إن رحمتي سبقت غضبي )) .
وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : « من آمن بالله ورسوله
(٤/ ٢٢٨٥-ب] / وأقام الصلاة ، وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله، الجنة هاجر
في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها . قالوا : يا رسول الله ،
أفلا ننبئ الناس بذلك ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله
المجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض ،
فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه
عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة )) .
وفيه: أبو ذر: (( دخلت المسجد والنبي - عليه السلام - جالس فلما
غربت الشمس قال : يا أبا ذر ، هل تدري أين تذهب هذه ؟ قلت : الله
ورسوله أعلم . قال : إنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها
[وكأنها قد قيل ] (١) لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها،
ثم قرأ: (( ذلك مستقر لها )) في قراءة عبد الله .
(١) في (( الأصل)): وكأنه يقال. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٤٦ -

وفيه : زيد : أرسل إليّ أبو بكر فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة
التوبة مع خزيمة - أو أبي خزيمة الأنصاري - لم أجدها مع غيره: ﴿لقد
جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ (١) حتى خاتم براءة - يعني ﴿وهو رب
العرش العظيم﴾ (٢) )).
وفيه : ابن عباس : كان النبي - عليه السلام - يقول عند الكرب: [((لا
إله إلا الله العليم الحكيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم] (٣) لا إله إلا
الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم».
وفيه : أبو سعيد: (( عن النبي - عليه السلام - قال: (( الناس يصعقون
يوم القيامة فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)) .
وقال [ أبو هريرة ] (٤) عن النبي - عليه السلام -: (( فأكون أوّل من
يبعث فإذا موسى آخذ بالعرش)) .
غرضه في هذا الباب إثبات حديث العرش بدليل قوله تعالى :
﴿وهو رب العرش العظيم﴾ (٥) وبدليل قوله عليه السلام : ((فإذا
موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش )) فوصفه تعالى بأنه مربوب كسائر
المخلوقات ووصفه عليه السلام بأنه ذو أبعاض وأجزاء منها ما سمي
قائمة ، والمتبعض والمتجزئ لا محالة جسم ، والجسم مخلوق ، لقيام
دلائل الحدث به من التأليف خلافًا لما تقوله الفلاسفة أن العرش هو
الصانع الخالق .
وأما الاستواء فاختلف الناس في معناه : فقالت المعتزلة : إنه بمعنى
الاستيلاء والقهر والغلبة ، واحتجوا بقول الشاعر :
(١) التوبة : ١٢٨ .
(٢) التوبة : ١٢٩ .
(٣) من ((هـ، ن)). (٤) في ((الأصل)): الزهري. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٥) التوبة: ١٢٩، وفي ((الأصل)): الكريم . والمثبت هو الصواب.
- ٤٤٧ -

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
بمعنى : قهر وغلب ، ثم اختلف من سواهم في العبارة عن
الاستواء . فقال أبو العالية : استوى : ارتفع . وقال مجاهد :
استوى : علا . وقال غيرهما : استوى : استقر . فأما قول من جعل
الاستواء بمعنى القهر والاستيلاء فقول فاسد ؛ لأن الله - تعالى : - لم
يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا .
وقوله تعالى : ﴿ ثم استوى ﴾ يقتضي استفتاح هذا الوصف
واستحقاقه بعد أن لم يكن ، كما أن المذكور في البيت إنما حصل له
هذا الوصف بعد أن لم يكن ، وتشبيههم أحد الاستواءين بالآخر غير
صحيح ، ومؤدٍ إلى أنه تعالى كان مغالبًا في ملكه ، وهذا منتف عن.
الله ؛ لأن الله - تعالى - هو الغالب لجميع خلقه ، وأما من قال
تأويله : استقر . فقول فاسد أيضًا ؛ لأن الاستقرار من صفات
الأجسام ، وأما قول من قال : تأويله : ارتفع . فقول مرغوب عنه لما
في ظاهره من إيهام الانتقال من سفل إلى علو، وذلك لا يليق بالله،
وأما قول من قال: علا . فهو صحيح وهو مذهب أهل السنة والحق.
فإن قيل : ما ألزمته في ارتفع مثله يلزم في علا .
قيل : الفرق بينهما أن الله وصف نفسه بالعلو بقوله : ﴿سبحانه
وتعالى عما يشركون﴾ (١) فوصف نفسه [بالتعالي ] (٢) والتعالي من:
صفات الذات ، ولم يصف نفسه بالارتفاع . وقال غيره: الاستواء
ينصرف في لسان العرب ( إلى ) (٣) ثلاثة أوجه : فالوجه الأول:
قوله تعالى في ركوب الأنعام : ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا
(١) الروم : ٤٠ .
(٢) في ((الأصل)): العالي. والمثبت من (( هـ).
(٣) فى (( هـ ): على .
- ٤٤٨ -

استويتم عليه﴾ (١) فهذا الاستواء بمعنى الحلول، وهو منتف عن الله
- تعالى - لأن الحلول يدل على التجديد والتناهي ، فبطل أن يكون
حالاً على العرش لهذا الوجه .
والوجه الثاني : الاستواء بمعنى الملك للشيء والقدرة عليه كما قال
بعض الأعراب ، وسئل عن الاستواء فقال : خضع له ما في
السموات وما في الأرض ، ودان له كل شيء وذل ، كما نقول للملك
إذا دانت له البلاد بالطاعة : قد استوت له البلاد .
والوجه الثالث : الاستواء بمعنى التمام للشيء والفراغ منه كقوله .
تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده واستوى ﴾ (٢) فالاستواء في هذا الموضع:
التمام ، كقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣) أراد
التمام للخلق كله ، وإنما قصد بذكر العرش ؛ لأنه أعظم / الأشياء ، (٤/ق٢٢٩-١)
ولا يدل قوله تعالى : ﴿وكان عرشه على الماء﴾ (٤) أنه حال عليه ،
وإنما أخبر [ عن ] (٥) العرش [ خاصة أنه على الماء ولم يخبر](٦) عن
نفسه أنه جعله للحلول ، لأن هذا كان يكون حاجة منه إليه، وإنما
جعله [ ليعبد ] (٧) به ملائكته فقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش
ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾(٨) الآية. وكذلك تعبد الخلق بحج
بيته الحرام ولم يسمه بيته ، بمعنى أنه سكنه وإنما سماه بيته بأنه الخالق
له والمالك ، وكذلك العرش سماه عرشه ؛ لأنه مالكه والله - تعالى-
ليس لأوليته حد ولا منتهى ، وقد كان في أزليته وحده ولا عرش معه
سبحانه وتعالى ، ثم اختلف أهل السنة : هل الاستواء صفة
(١) الزخرف : ١٣ .
(٣) طه : ٥ .
(٢) الأحقاف : ١٥ .
(٤) هود : ٧ .
(٥) في ((الأصل)): على. والمثبت من (( هـ)).
(٦) طمس بالأصل. والمثبت من (( هـ).
(٧) في (( هـ )) : ليتعبد .
(٨) غافر : ٧ .
- ٤٤٩ -

ذات أو صفة فعل ؟ فمن قال هو بمعنى علا جعله صفة ذات ، وأن الله
- تعالى - لم يزل مستويًا بمعنى أنه لم يزل عاليًا . ومن قال : إنه
صفة فعل قال : إن الله - تعالى - فعل فعلاً سماه استواء على عرشه
لا أن ذلك الفعل قائم بذاته تعالى لاستحالة قيام الحوادث به .
وأما قول بني تميم للنبي - عليه السلام -: ((بشرتنا فأعطنا))
[فإنما] (١) قالوه جريًا على عاداتهم في أن البشرى إنما كانت تستعمل
في فوائد [ الدنيا ] (٢).
قال المهلب: وفي حديث عمران أن السؤال عن مبادئ الأشياء والبحث
عنها جائز في الشريعة وجائز للعالم أن يجيب السائل عنها بما أنتهى
إليه علمه فيها إذا كان تثبيتًا [ للإيمان ] (٣) وأما إن خشي من السائل.
إيهام شك أو تقصير فهم، فلا يجيب فيه ولينهه عن ذلك، ويزجره .
وقول عمران: « وددت أن ناقتي ذهبت ولم [ أقم ] » (٤) فيه دليل
على جواز إضاعة المال في طلب العلم بل في مسألة منه . قال غيره :
وأما قوله: (( يمين الله ملأى )) ففيه إثبات اليمين صفة ذات لله -تعالى-
لا صفة فعل ، وليست بجارحة لما تقدم قبل هذا . وقوله: ((ملأى))
ليس حلول المال فيها ؛ لأن ذلك من صفات الأجسام وإنما هو إخبار
منه عليه السلام عن أن ما يقدر عليه من النعم وإرزاق عباده لا غاية له
ولا نفاد، لقيام الدليل على ( تعلق وجوب ) (٥) قدرته بما لا نهاية له
من مقدوراته ؛ لأنه لو تعلقت قدرته بمقدورات متناهية لكان ذلك
نقصًا لا يليق به .
(١) في ((الأصل)): فإنه .
(٢) في (( الأصل)) : الشيء.
(٣) في ((الأصل)): للأمان. والمثبت من ( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): يقم. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( هـ)): وجوب تعلق .
- ٤٥٠ -

وأما قوله: ((فإن حقًا على الله أن يدخله الجنة )) ففيه تعلق للمعتزلة
والقدرية القائلين بأن واجب عليه الوفاء لعبده الطائع بأجر عمله ، وأنه
لو أخره عنه في الآخرة كان ظالما له . هذا متقرر عندهم في العقول ،
قالوا : وجاءت السنة بتأكيد ما في العقول من ذلك . وقولهم فاسد ،
ومذهب أهل السنة أن لله - تعالى - أن يعذب الطائعين من عباده
وينعم على الكافرين ، غير أن الله - تعالى - أخبرنا في كتابه وعلى
لسان رسوله أنه لا يعذب إلا من كفر به ، ومن وافاه بكبيرة ممن شاء
الله تعذيبه عليها .
فمعنى قوله عليه السلام: ((إن حقًّا على الله أن يدخلها الجنة)).
ليس على أن معنى ذلك واجب عليه ؛ لأن واجبًا يقتضي موجبًا له
عليه والله - تعالى - ليس فوقه آمر ولا ناه يوجب عليه ما يلزمه
المطالبة به ، وإنما معناه : إنجاز ما وعد به من فعل ما ذكر في الحديث؛
لأن وعده تعالى عبده على فعل تقدم إعلامه قبل فعله ، ووعده خبر
ولا يصح منه تعالى إخلاف عبده ما وعده لقيام الدليل على أن الصدق
من صفات ذاته ، فعبر عليه السلام في هذا المعنى بقوله: (( فإن حقا
على الله أن يدخله الجنة )) بمعنى : أنه يستحيل عليه إخلاف ما وعد
عبده على عمله .
وأما استئذان الشمس في السجود ، فالاستئذان قول لها ، والله
على كل شيء قدير ، فيمكن أن يخلق الله فيها حياة توجد القول
عندها فتقبل الأمر والنهي ؛ لأن الله قادر على إحياء الجماد والموات ،
وأعلم عليه السلام أن طلوعها من مغربها شرط من أشراط الساعة .
- ٤٥١ -

باب قوله تعالى: ﴿ تعرج الملائكة والروح إليه
وقوله : ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾(٢)
وقال ابن عباس : بلغ أبا ذر مبعث النبي عليه السلام فقال لأخيه :
اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء . وقال
مجاهد : العمل الصالح يرفع الكلم الطيب [ يقال ] (٣): ذي المعارج:
الملائكة تعرج إليه .
فيه: أبو هريرة: أن النبي -عليه السلام - قال: (( يتعاقبون [فيكم
ملائكة] (٤) بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة
(٤/ ٢٢٩ - بـ] الفجر، ثم يعرج / الذين باتوا فيكم [ فيسألهم ](٥) وهو أعلم بهم:
كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم [وهم] (٥) يصلون وأتيناهم.
وهم يصلون)).
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( من تصدق بعدل تمرة
من كسب طيب ولا يصعد إليه إلا الطيب ... )) الحديث .
وفیه : ابن عباس : ( أن النبي - عليه السلام - کان یدعو بهن عند ۔
الكرب : لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم،
لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم)).
وفيه: أبو سعيد: (( بعث علي إلى النبي من اليمن بذهيبة في تربتها ،
فقسمها بين أربعة ، فغضبت قريش والأنصار وقالوا : يعطي صناديد
أهل نجد ويدعنا . قال: إنما أتألفهم . فأقبل رجل غائر العينين ، ناتئ
الجبين ، كث اللحية ، مشرف الوجنتين ، محلوق الرأس، فقال : يا
محمد، اتق الله . قال له : فمن [ يطيع] (٦) الله إذا أنا عصيته ؟! فيأمنني
على أهل الأرض ولا تأمنونني .. )) الحديث .
(١) المعارج : ٤.
(٢) فاطر : ١٠ .
(٣) في ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): الملائكة فيكم. والمثبت من ((هـ، ن)) ..
(٥) من ((هـ، ن)). (٦) في ((الأصل)): يطع. والمثبت من (( هـ، ن )).
- ٤٥٢ -

١
وفيه : أبو ذر : (( سألت النبي - عليه السلام - عن قوله تعالى :
﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ (١) قال: مستقرها تحت العرش)).
غرضه في هذا الباب رد شبهة الجهمية المجسمة في تعلقها بظاهر
قوله : ﴿ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه﴾ (٢) وقوله: ﴿إليه
يصعد الكلم الطيب ﴾ (٣) وما تضمنته أحاديث الباب من هذا المعنى ،
وقد تقدم الكلام في الرد عليهم وهو أن الدلائل الواضحة قد قامت
على أن الباري - تعالى - ليس بجسم ولا محتاجًا إلى مكان يحله
ويستقر فيه ؛ لأنه - تعالى - قد كان ولا مكان وهو على ما كان ، ثم
خلق المكان فمحال كونه غنيا عن المكان قبل خلقه إياه ، ثم يحتاج
إليه بعد خلقه له هذا مستحيل، [ فلا ] (٤) حجة لهم في قوله :
﴿ذي المعارج﴾ (٢) لأنه إنما أضاف المعارج إليه إضافة فعل، وقد كان
ولا فعل له موجود، وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿ذي المعارج﴾(٢)
هو بمعنى : العلو والرفعة ، وكذلك لا شبهة لهم في قوله - تعالى -:
﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٣) لأن صعود الكلم إلى الله - تعالى -
لا يقتضي كونه في جهة العلو لأن الباري - تعالى - لا تحويه جهة ؛
إذ كان موجودًا ولا جهة ، وإذا صح ذلك وجب صرف هذا عن
ظاهره وإجراؤه على المجاز ؛ لبطلان إجرائه على الحقيقة ، فوجب أن
يكون تأويل قوله: ﴿ذي المعارج﴾ (٢) [رفعته] (٥) واعتلاؤه على
خليقته وتنزيهه عن الكون في جهة ؛ لأن في ذلك ما يوجب كونه
جسمًا تعالى الله عن ذلك ، وأما وصف الكلام بالصعود إليه فمجاز
أيضًا واتساع ؛ لأن الكلم عرض والعرض لا يصح أن يفعل ؛ لأن من
(١) يس : ٣٩ .
(٣) فاطر: ١٠ .
(٢) المعارج : ٣، ٤ .
(٤) في ((الأصل)): بلى. والمثبت من (( هـ).
(٥). فى ((الأصل)): رفعه. والمثبت من ( هـ)).
- ٤٥٣ -

شرط الفاعل كونه حيا قادراً عالمًا مريدًا ، فوجب صرف الصعود
المضاف إلى الكلم إلى الملائكة الصاعدين به .
باب : قوله تعالى : ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾(١)
فيه: جرير: (( كنا عند النبي - عليه السلام - إذا نظر إلى القمر ليلة
البدر فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في
رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة
قبل غروب الشمس فافعلوا )) .
وقال جرير مرة عن النبي -عليه السلام -: ((إنكم سترون ربكم عيانًا)).
وفيه : أبو هريرة : (( أن الناس قالوا : هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال
النبي - عليه السلام -: هل تضارون في القمر ليلة البدر ؟ قالوا: لا يا
رسول الله . قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا :
لا يا رسول الله. قال : فإنكم ترونه كذلك ، يجمع الله الناس يوم القيامة
فیقول: من کان یعبد شيئًا فلیتبعه. فیتبع من كان يعبد الشمس الشمس،
ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت
الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها [شافعوها أو] (٢) منافقوها - شك
إبراهيم - فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم . فيقولون : هذا مكاننا حتى
يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه . فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون
فيقول : أنا ربكم. فيقولون : أنت ربنا ، فيتبعونه ويضرب الصراط بين
ظهري جهنم ، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذٍ إلا
الرسل ، ودعوى الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم
(١) القيامة : ٢٢ - ٢٣
(٢) من (( هـ، ن)).
- ٤٥٤ -

كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا : نعم يا رسول
الله . قال : فإنها مثل شوك السعدان غير [ أنه ] (١) لا يعلم قدر عظمها
إلا الله / تخطف الناس بأعمالهم فمنهم المؤمن يقي بعمله أو الموبق (٤/ ٢٣٠٥-١]
بعمله [ومنهم المخردل والمجازى ونحوه، ثم يتجلى حتى إذا فرغ الله](٢)
من القضاء بين العباد ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار
أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد أن
يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله ، فيعرفونهم في النار بأثر السجود ،
وتأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار [ أن ] (٣) تأكل
أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة
فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ثم يفرغ الله من القضاء
بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولاً
الجنة ، فيقول : أي رب اصرف وجهي عن النار ، فإنه قد قشبني ريحها
وأحرقني ذكاؤها . فيدعو الله بما شاء أن يدعوه ، ثم يقول الله : هل
عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره ؟ فيقول : لا وعزتك لا أسألك
غيره . ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء ، فيصرف الله وجهه عن
النار ، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول:
أي رب [ قربني ] (٤) إلى باب الجنة . فيقول الله له: ألست قد أعطيت
عهودك ومواثيقك ألا تسألني غير الذي أعطيت أبدًا، ويلك يا ابن آدم ما
أغدرك. فيقول : أي رب. يدعو الله حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت
ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره . فيعطي ما شاء
الله من عهود ومواثيق ، فيقدمه إلى باب الجنة ، فإذا قام إلى باب الجنة
(١) في (( الأصل)): أنها. والمثبت من (( هـ)).
(٢) بياض بالأصل. والمثبت من ((هـ)). وفي ((ن)): (( ... أو المجازى أو نحوه ... )).
(٤) في (( هـ ، ن) : قدمني .
(٣) من (( ن)).
- ٤٥٥ -

انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخبرة والسرور فسكت ما شاء الله أن
يسكت ، ثم يقول : أي رب ، أدخلني الجنة . فيقول الله : أليس قد
أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسألني غیر ما أعطیتك ، ويلك يا ابن آدم
ما أغدرك . فيقول : أي رب لا أكون أشقى خلقك . فلا يزال يدعو الله
حتى يضحك الله ، فإذا ضحك الله منه قال له : ادخل الجنة . فإذا (دخل
الجنة ) (١) قال له : تمنه . فسأل ربه وتمنی حتی إن الله لیذگِّره ویقول له
كذا و كذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله - تعالى - : ذلك لك
ومثله معه. قال عطاء بن یزید : وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة : لا يرد
عليه من حديثه شيئًا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله - تعالى - قال :.
ذلك لك ومثله معه . قال أبو سعيد الخدري : وعشرة أمثاله معه يا أبا .
هريرة . قال أبو هريرة : ما حفظت إلا : ذلك لك ومثله معه . قال أبو
سعيد : أشهد أني حفظت من رسول الله : ذلك لك وعشرة أمثاله . قال
أبو هريرة: فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة )) .
وفيه : ابن عباس : ( كان النبي - عليه السلام - إذا تهجد من الليل
قال : اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض )) إلى قوله: (( أنت
الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق ... )) الحديث .
وفيه : عدي بن حاتم: قال رسول الله صَل: (( ما منكم من أحد إلا
سیکلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب یحجبه )) .
وفيه : أبو سعيد : مثل حديث أبي هريرة الطويل إلى قوله : ((فيذهب
أصحاب کل آلهة مع آلهتهم حتی یبقی من کان یعبد الله من بر أو فاجر
وغبرات من أهل الكتاب ، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها
(١) فى ((هـ، ن)) : دخلها .
- ٤٥٦ -

سراب، فيقال لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا : عزيزًا ابن الله . فيقال :
كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا : نريد أن تسقينا.
فيقال : اشربوا ، فيتساقطون في جهنم [ثم يقال للنصارى كذلك ،
ويشربون فيتساقطون في جهنم ] (١) حتى يبقى من كان يعبد الله من بر
أو فاجر ، فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس ؟ فيقولون :
فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم ، وإنا سمعنا مناديًا ينادي : ليلحق
كل قوم بما كانوا يعبدون ، وإنما ننتظر ربنا ، فيأتي الجبار - جل جلاله -
في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول : أنا ربكم .
فيقولون : أنت ربنا . فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال : هل بينكم وبينه آية
تعرفونها ؟ فيقولون : الساق . فیکشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن
ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعة ، فيذهب يسجد فيعود ظهره طبقًا
[واحدًا ] (٢) ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهراني جهنم . قلنا : وما
الجسر يا رسول الله ؟ قال : مدحضة مزلة عليه كلاليب وخطاطيف
وحسكة [ مفلطحة ] (٣) لها شوكة عقيقة تكون بنجد يقال لها:
السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق ، وكالريح وكأجاويد / [٤/ف٢٣٠-ب]
الخيل والركاب ، فناج مسلم ، وناج مخدوش ، ومكردس في نار جهنم
حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين
لكم من المؤمن يومئذ للجبار، فإذا رأوا أنهم قد [نجوا] (٤) في إخوانهم
يقولون: ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا،
فيقول الله - عز وجل - : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من
إيمان فأخرجوه ، ويحرم الله ( صورتهم ) (٥) على النار ، وبعضهم قد
(٢) من (( هـ ، ن).
(١) من ( هـ )) .
(٣) في ((الأصل)): مطلحفة. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): لجوا. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( هـ ، ن)) : صورهم.
- ٤٥٧ -

غاب في النار إلى قدميه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ثم
يعودون ، فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من
إيمان فأخرجوه . فيخرجون من عرفوا، فيعودون ، فيقول : اذهبوا فمن
وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا -
وقال أبو سعيد - فإذا لم تصدقوني فاقرءوا ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة
وإن تك حسنة يضاعفها﴾ (١) فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول
الجبار - عز وعلا - : قد بقيت شفاعتي . فيقبض قبضة من النار ،
فيخرج أقوامًا قد امتحشوا ، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء
الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها
إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان
أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ
فيجعل في [ رقابهم ] (٢) الخواتيم فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة :
هؤلاء عنقاء الرحمن ، [أدخلهم ] (٣) الجنة بغير عمل عملوه ولا خير
قدموه . فیقال لهم : لكم ما رأیتم ومثله معه )) .
وفيه : أنس : قال النبي - عليه السلام -: (( [ يحشر الناس ] (٤) يوم
القيامة حتى يهموا بذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من
مكاننا فيأتون آدم ... )) فذكر حديث الشفاعة ، « فيأتونني فأستأذن على
ربي في داره، فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدًا ... )) الحديث،
((فأشفع فيحد لي حداً ، فأخرجهم، فأدخلهم الجنة فلا يبقى في النار إلا
من قد حبسه القرآن - [ أي ] (٥) وجب عليه الخلود - ثم تلا :
(٢) غير مقروءة في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ)).
(١) النساء : ٤٠ .
(٣) في ((الأصل)): أدخلوهم. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((ن)): يحبس المؤمنون. (٥) في ((الأصل)): أو. والمثبت من الهـ، ن)).
- ٤٥٨ -

﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ (١) قال: وهذا المقام المحمود
الذي توعده نبيكم )) .
وفيه: أنس: ((أن النبي - عليه السلام - أرسل إلى الأنصار
فجمعهم في قبة وقال لهم : اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ، فإني على
الحوض )) .
وفيه : أبو موسى : قال النبي - عليه السلام -: (( جنتان من فضة
آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب كذلك ، وما بين القوم وبين أن
ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن )) .
وفيه : ابن مسعود: قال النبي - عليه السلام -: (( من اقتطع مال
امرئ مسلم بيمين كاذبة لقى الله وهو عليه غضبان ، ثم قرأ النبي - عليه
السلام - مصداقه في كتاب الله : ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله ﴾ (٢)
الآية .
وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( ثلاثة لا یکلمهم الله
ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي
وهو كاذب ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال
امرئ مسلم ، ورجل منع فضل ماء ، فيقول الله : اليوم أمنعك
[فضلي](٣) كما ما منعت فضل ما لم تعمل يداك)).
وفيه : أبو بكرة : قال النبي - عليه السلام -: (( إن الزمان قد استدار
كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... )) الحديث ((وستلقون ربكم
فيسألكم عن [ أعمالكم ] (٤) .
(١) الإسراء : ٧٩ .
(٢) آل عمران : ٧٧ .
(٣) في ((الأصل)): فضل مائي. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في (( الأصل)): إيمانكم. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٤٥٩ -

[ قال المؤلف ] (١) : استدل البخاري بقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ
ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (٢) وبأحاديث هذا الباب على أن المؤمنين يرون
ربهم في جنات [ النعيم ] (٣) وهذا باب اختلف الناس فيه، فذهب
أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله - تعالى - في الآخرة،
ومنعت من ذلك الخوارج والمعتزلة و[ بعض ] (١) المرجئة واستدلوا
على ذلك بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا وحالا في مكان في
شبه أخر [ نقض ] (٤) بعضها مغن عن [ نقض ] (٤) سائرها وزعموا
أن قوله : ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾(٢) بمعنى منتظرة.
فيقال لهم : هذا جهل بموضع اللغة ؛ لأن النظر في كلام العرب
ينقسم أربعة أقسام: يكون بمعنى الانتظار ، ويكون بمعنى التفكر
والاعتبار ، ويكون بمعنى التعطف والرحمة ، ويكون بمعنى الرؤية
للأبصار ؛ فخطأ كونه في الآية بمعنى الانتظار من وجهين : أحدهما
أنه قد عدي إلى مفعوله (( بإلى)) وهو إذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى
فعداه بنفسه لما كان بمعنى ينتظرون . قال الشاعر : .
[٤/ ٥ ٢٣١-١] بها، وإنما يتعدى / بنفسه قال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا الساعة﴾ (٥)
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني أرى أم جندب
بمعنى : تنتظراني
والوجه الثاني : أن حمله على [ معنى ] (١) الانتظار لا يخلو إما أن
يراد به منتظرة ربها أو منتظرة ثوابه ، وعلى أي الوجهين حُمل فهو
خطأ ؛ لأن المنتظر لما ينتظره في تنغيص وتكدير ، والله - تعالى - قد
(١) من (( هـ)).
(٢) القيامة : ٢٢ - ٢٣ .
(٣) في ((الأصل)): نعيم، والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): بعض. والمثبت من (( هـ )) .
(٥) الزخرف : ٦٦
- ٤٦٠ -