النص المفهرس

صفحات 401-420

[ كتاب التوحيد والرد على الجهمية وغيرهم ] (١)
باب : ما جاء في دعاء النبي عليه السلام أمته
إلی توحید الله
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - بعث معاذًا إلى اليمن
فقال : أما إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم
إلى توحيد الله ، فإذا عرفوا ذلك ، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس
صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا صلوا ، فأخبرهم أن الله فرض عليهم
زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم وترد على فقيرهم ، فإذا أقروا بذلك
فخذ منھم وتوقّ کرائم أموال الناس )) .
وفيه : معاذ: قال النبي - عليه السلام -: (( يا معاذ، أتدري ما حق الله
على العباد ؟ قال : الله ورسوله أعلم [ قال ] (٢): أن يعبدوه ولا يشر كوا
به شيئًا . أتدري ما حقهم عليه ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : ألا
یعذبهم )) .
وفيه : أبو سعيد : (( أن رجلا سمع رجلا يقرأ : قل هو الله أحد ويرددها،
فلما أصبح جاء إلى النبي - عليه السلام - فذكر ذلك له - و کأن الرجل
[يتقالها] (٣) - فقال رسول الله وَلفر : والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث
القرآن )) .
(١) في ((الأصل)): كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد وهي رواية. والمثبت من ((هـ).
(٢) من ( هـ ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): يتقللها. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٤٠١ -

وفيه: عائشة: (( أن النبي عليه السلام بعث رجلا على سرية وكان يقرأ
بأصحابه في صلاتهم فيختم بـ : قل هو الله أحد ، فلما رجعوا ذكروا
ذلك للنبي عليه السلام فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ فسألوه
فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها . فقال النبي تلقى
أخبروه أن الله يحبه )) .
قال المؤلف : أمر الله - تعالى - نبيه بدعاء العباد إلى دينه
وتوحيده ففعل ما لزمه من ذلك ، وبلغ ما أمره بتبليغه وأنزل عليه :
﴿فتول عنهم فما أنت بملوم ﴾ (١) ووجه ذكر حديث قل هو الله أحد
في هذا الباب ؛ لأنها سورة تشتمل على توحيد الله وصفاته الواجبة له
وعلى نفي ما يستحيل عليه من أنه لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له
كفواً أحد [وتضمنت] (٢) ترجمة هذا الباب أن الله واحد وأنه ليس
بجسم ؛ لأن الجسم ليس بشيء واحد بل هو أشياء كثيرة مؤلفة ، ففي
نفس الترجمة الرد على الجهمية في قولها أنه تعالى جسم . والدليل
على استحالة كونه جسمًا أن الجسم موضوع في اللغة للمؤلف
المجتمع، وذلك محال عليه تعالى ؛ لأنه لو كان كذلك لم ينفك من
الأعراض المتعاقبة علیه الدالة بتعاقبها علیه علی حدثها لفناء بعضها عند
مجيء أضدادها ، وما لم ينفك من المحدثات فمحدث مثلها ، وقد
قام الدليل على قدمه تعالى ، فبطل كونه جسمًا .
(١) الذاريات : ٥٤ .
-
(٢) في ((الأصل)): وتضمينه. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٠٢ -

[٤/ ق٢٢١ -٢]
/ باب : قوله تعالى: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما
تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ (١)
فيه: جرير: قال عليه السلام: (( لا يرحم الله من لا يرحم الناس)).
وفيه : أسامة: (( جاء النبي - عليه السلام - رسول إحدى بناته تدعوه
إلى ابنها في الموت فقال : ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى
وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فمرها فلتصبر [ ولتحتسب ] (٢)
فأعادت الرسول أنها أقسمت لتأتينها ، فقام النبي - عليه السلام - وقام
معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل ، فرفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها
في شن ، ففاضت عيناه. فقال له سعد : يا رسول الله ، ما هذا ؟ قال :
هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء)».
غرضه في هذا الباب إثبات الرحمة وهي صفة من صفات ذاته لا
من صفات أفعاله ، والرحمن وصف به نفسه تعالى وهو متضمن لمعنى
الرحمة كتضمن وصفه لنفسه بأنه عالم وقادر وحي وسميع وبصير
ومتكلم ومريد للعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة،
التي جميعها صفات ذاته لا صفات أفعاله ، لقيام الدليل علي أنه
تعالى لم يزل [ ولا ] (٣) يزال حيًا عالمًا قادرًاً سميعا بصيراً متكلماً
مريدًا ، ومن صفات ذاته الغضب والسخط ، والمراد برحمته تعالى
[إرادته] (٤) [ لنفع ] (٥) من سبق في علمه أنه ينفعه ويثيبه على
أعماله، فسماها رحمة ، والمراد بغضبه وسخطه إرادته لإضرار من
سبق في علمه إضراره وعقابه على ذنوبه فسماها غضبًا وسخطًا ،
(١) الإسراء : ١١٠ .
(٢) في ((الأصل)): وتحتسب. والمثبت من (( هـ، ن )).
(٣) في ((الأصل)): ولم. والمثبت من (هـ)).
(٤) في (( الأصل)) : لذاته .
(٥) في (( الأصل)) : ليقع .
- ٤٠٣ -

ووصف نفسه بأنه راحم ورحيم ورحمن وغاضب وساخط بمعنى أنه
مريد لما تقدم ذكره . وإنما لم يعرف بعض العرب الرحمن من أسماء
الله - تعالى - أن أسماءه كلها واجب استعمالها ودعاؤه بها سواء ؛
لكون كل اسم منها راجعًا إلى ذات واحدة ، وهو الباري - تعالى -
وإن دل كل واحد منها على صفة من صفاته تعالى يختص الاسم
بالدلالة عليها ، وأما الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده يتراحمون
بها فهي من صفات أفعاله، ألا تراه وَل قد وصفها بأن الله خلقها في
قلوب عباده ، وجعله لها في القلوب خلق منه تعالى لها فيها ، وهذه
الرحمة رقة على المرحوم ، والله ( تعالى) (١) أن يوصف بذلك .
باب : قوله تعالى: ﴿ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ (٢)
فيه: أبو موسى: قال: النبي ◌َّل: ((ما أحد [أصبر] (٣) على أذى
[سمعه] (٤) من الله ، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم».
[ قال المؤلف ] (٥) : تضمن هذا الباب صفتين لله - تعالى - :
صفة فعل ، وصفة ذات .. فصفة الفعل ما تضمنه اسمه الذي أجراه
تعالى عليه وهو قوله تعالى : ﴿ الرزاق ﴾ والصفة الرزق، والرزق
فعل من أفعاله لقيام الدليل على استحالة كونه تعالى فيما لم يزل
رازقًا، إذ [ رازق ] (٦) يقتضي مرزوقًا، والباري - تعالى - (مذ)(٧).
كان ولا مرزوق ، فمحال كونه فاعلا للرزق فيما لم يزل ،
(٢) الذاريات : ٥٨
(١) في ((هـ)): يتعالى عن.
(٣) في ((الأصل)): يصبر. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في (( الأصل)): يسمعه. والمثبت من (( هـ، ن)) .
(٦) في (( الأصل)): رزاق. والمثبت من (( هـ).
(٥) من (( هـ )) .
(٧) في (( هـ )): قد.
- ٤٠٤ -

فثبت أن ما لم يكن ثم كان محدث مخلوق ، فرزقه إذًا صفة من
صفات أفعاله ، وأما وصفه بأنه الرزاق فلم يزل الباري واصفًا لنفسه
بأنه الرزاق ، ومعنى ذلك [ أنه ] (١) سيرزق إذا خلق المرزوقين، وأما
صفة الذات فالقوة ، والقوة والقدرة اسمان مترادفان على معنى واحد،
والباري - تعالى - لم يزل قادرًا قويًا ذا قدرة وقوة ، وإذا كان معنى
القوة [ معنى القدرة، فالقدرة ] (٢) لم تزل موجودة قائمة به موجبة
له حكم القادرين .
وقوله تعالى : ﴿المتين﴾: الثابت الصحيح الوجود، و[معنى](٣)
قوله عليه السلام: (( ما أحد أصبر على أذىّ [سمعه] (٣) من الله ترك
[المعاجلة] (٤) بالنقمة والعقوبة، لا أن الصبر منه معناه كمعناه منا ،
كما أن رحمته تعالى لمن يرحمه ليس معناها معنى الرحمة منا ؛ لأن
الرحمة منا رقة وميل طبع [ إلى نفع المرحوم ، والله - عز وجل -
يتعالى عن وصفه بالرقة وميل الطبع] (٣) ؛ لأنه ليس بذي طبع وإنما
ذلك من صفات المحدثين .
وقوله : ((على أذى سمعه )) معناه : أذى لرسله وأنبيائه والصالحين
من عباده لاستحالة [ تعلق ] (٣) أذى المخلوقين به تعالى ؛ لأن الأذى
من صفات النقص التي لا تليق بالله [ إذ ] (٥) الذي يلحقه العجز
والتقصير على الانتصار ويصبر [ جبراً ] (٣) هو الذي يلحقه الأذى
على الحقيقة ، والله - تعالى - لا يصبر خبرًاً وإنما يصبر تفضلا ،
والكناية في الأذى راجعة إلى الله / والمراد بها أنبياؤه ورسله؛ لأنهم [٢٢١٥/٤ -ب]
جاءوا بالتوحيد لله - تعالى - ونفي الصاحبة والولد عنه، فتكذيب
الكفار لهم في إضافة الولد له تعالى أذى لهم [ ورد ] (٦)
(١) في (( الأصل: بأنه. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): والقدرة. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): العجلة. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): إذا. والمثبت من (( هـ).
(٦) في ((الأصل)): ردا. والمثبت من ( هـ ).
(٣) من لا هـ)).
- ٤٠٥ -

لما جاءوا به ، فلذلك جاز أن يضاف الأذى في ذلك إلى الله -
تعالى- إنكارًا لمقالتهم وتعظيمًا لها ؛ إذ في تكذيبهم للرسل في ذلك
إلحاد في صفاته تعالى ، ونحوه قوله تعالى : ﴿ إن الذين يؤذون الله
ورسوله﴾ (١) تأويله الذين يؤذون أولياء الله وأولياء رسوله ، ثم حذف
المضاف وأقام المضاف إليه مقامه في الإعراب ، والمحذوف مراد ، نحو
!
قوله : ﴿ واسأل القرية﴾ (٢) يعني : أهل القرية.
وقد تضمن هذا الباب الرد على من أنكر أن لله صفة ذات هي قدرة
وقوة لاعتقادهم أنه قادر [ بنفسه ] (٣) لا بقدرة ، والله - تعالى - قد
نص على أن له قدرة بخلاف ما تعتقد القدرية من أنه قوي بنفسه لا بقوة .
وفيه رد على المجسمة القائسين للغائب على الشاهد قالوا : كما لم
نجد قویا ولا ذا قوة فيما بيننا إلا جسمًا کذلك الغائب حكمه حكم
الشاهد ، فيقال لهم : إن كنتم على الشاهد تقولون وعليه تعتمدون
في قياس الغائب عليه ، فكذلك لم تجدوا جسمًا إلا ذا أبعاض وأجزاء
مؤلفة ، فيصح عليه الموت و [ الحياة ] (٤) والعلم والجهل والقدرة
والعجز ، فاقضوا على أن الغائب حكمه حكم هذا فإن مروا عليه
ألحدوا وأبطلوا الحدوث والمحدث ، وإن أبوه نقضوا استدلالهم ولا
انفكاك لهم من أحد الأمرين .
ومن هذه الجهة دخل على المعتزلة الخطأ في قياسهم صفات الله على
صفات المخلوقين ، والله - تعالى - لا يشبه المخلوقين ؛ لأنه الخالق
ولا خالق له وقد أعلمنا الله - تعالى - بالحكم في ذلك فقال :
﴿ليس كمثله شيء﴾(٥) فكيف يشبه الخالق بالمخلوق ، ومن ليس
كمثله شيء كمن له مثل من الأشياء المخلوقة ؟! وهذا ما لا يخفى
فساده وإبطاله .
(١) الأحزاب : ٥٧ .
(٢) يوسف : ٨٢ .
(٣) في ((الأصل)): لنفسه. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): الحيا. والمثبت من (( هـ).
(٥) الشورى: ١١.
- ٤٠٦ -

باب : قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً﴾ (١)
﴿ إن الله عنده علم الساعة﴾ (٢) و ﴿أنزله بعلمه﴾ (٣) ﴿ وما تحمل
من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ (٤) ﴿ إليه يرد علم الساعة ﴾ (٥) قال
يحيى: الظاهر على كل شيء علماً، والباطن على كل شيء علما
فيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( مفاتيح الغيب خمس لا
يعلمها [إلا الله ] (٦): لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في
غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر [ أحد ] (٦) إلا الله، [ ولا
تدرّي](٦) نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا
الله)).
وفيه : عائشة قالت : (( من حدثك أن محمدًا رأی ربه فقد كذب ، وهو
يقول : ﴿ لا تدركه الأبصار﴾ (٧) ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد
كذب وهو يقول : لا يعلم الغيب إلا الله )) .
غرضه في هذا الباب إثبات علم الله - تعالى - صفة لذاته ؛ إذ
العلم حقيقة في كون العالم عالمًا ، إذ من المحال كون العالم عالمًا ولا
علم له، وكذلك سائر [ أوصافه ] (٨) المقتضية للصفات التي هي
حقيقة في ثبات الأوصاف المجراة عليه تعالى من كونه حيًا وقادرًا وما
شابه ذلك خلافًا لما تقوله القدرية من أنه عالم قادر حي بنفسه لا بقدرة
ولا بعلم ولا بحياة، ثم إذا [ ثبت كون ] (٩) علمه قديمًا وجب تعلقه
بكل معلوم على حقيقته ، وقد نص الباري - تعالى - على إثبات
(١) الجن : ٢٦ .
(٢) لقمان : ٣٤ .
(٣) النساء : ١٦٦ .
(٤) فاطر : ١١ .
(٥) فصلت : ٤٧ .
(٦) من (( هـ ، ن ) .
(٧) الأنعام : ١٠٣ .
(٨) في ((الأصل)) : صفاته .
(٩) في (( الأصل)) : سيكون .
- ٤٠٧ -

علمه بقوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة ﴾ (١) وبقوله تعالى :
﴿أنزله بعلمه﴾ (٢)، وبقوله: ﴿ولا تضع إلا بعلمه﴾ (٣) وبقوله:
إليه يرد علم الساعة ﴾ (٤) فمن دفع علم الباري - تعالى - الذي
هو حقيقة في كونه عالمًا ، وزعم أنه عالم بنفسه لا بعلم فقد رد نصه
تعالى على إثبات العلم الذي هو حقيقة في كونه عالمًا ولا خلاف بين
رد نصه على أنه ذو علم وبين رد نصه على أنه عالم ، فالنافي لعلمه
كالنافي لكونه عالمًا ، واجتمعت الأمة على أن من نفى كونه عالمًا فهو
كافر ، فينبغي أن يكون من نفى كونه ذا علم كافرًا ؛ إذ من نفى أحد.
الأمرين كمن نفى الآخر ، والقول في العلم بهذا كاف من القول به.
في جميع صفاته ، وتضمن هذا الباب الرد على هشام بن الحكم ومن
قال بقوله من أن علمه تعالى محدث وأنه لا يعلم الشيء قبل وجوده .
وقد نبه الله تعالى على خلاف هذا بقوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم
الساعة﴾ (١) الآية، وجميع الآيات الواردة بذلك، وأخبرنا النبي
-عليه السلام - بمثل ذلك في حديث ابن عمر وعائشة فلا يلتفت إلى
من رد نصوص الكتاب [ والسنة ] (٥) .
[٤ / ق٢٢٢ - ١]
/ باب قوله تعالى : ﴿السلام المؤمن المهيمن ﴾ (٦)
فيه : عبد الله قال: (( كنا نصلي خلف النبي فنقول : السلام على الله.
فقال النبي ◌َّ: إن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله
والصلوات الطيبات ... )) الحديث .
(١) لقمان : ٣٤ .
(٤) فصلت : ٤٧ .
(٢) النساء : ١٦٦
(٥) من (( هـ)).
(٣) فاطر : ١١ .
(٦) الحشر : ٢٣ .
- ٤٠٨ -

غرضه في هذا الباب إثبات اسماً من أسماء الله ، فالسلام اسم من
أسمائه ، ومعناه : السالم من النقائص والآفات الدالة على حدث من
وجدت به متضمن لمعنى السلامة من ذلك كله ، وقوله تعالى : ﴿ والله
يدعو إلى دار السلام﴾ (١) مختلف في تأويله فقيل : معناه : والله
يدعو إلى دار السلامة ، يعني : الجنة ؛ لأنه لا آفة فيها ولا كدر
فالسلام على هذا والسلامة بمعنى ، كاللذاذ واللذاذة ، والرضاع
والرضاعة وقيل : السلام : [ اسم ] (٢) لله - تعالى - قال قتادة :
الله السلام وداره الجنة .
فأما المؤمن فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون [ صفة ] (٣)
ذات ، وهو أن يكون متضمنًا لكلام الله الذي هو تصديقه لنفسه في
أخباره ولرسله في صحة دعواهم الرسالة عليه ، وتصديقه هو قوله ،
وقوله صفة من صفات ذاته لم يزل موجودًا به حقيقة في كونه قائلا
متكلماً مؤمنًا مصدقًا .
والوجه الثاني : أن يكون متضمنًا صفة فعل هي أمانة رسله وأوليائه
المؤمنين به من عقابه [ وأليم عذابه ] (٤) من قولك : آمنت فلانًا من
كذا ، وأمنته منه ، كأكرمت وكرمت ، وأنزلت ونزلت، ومنه قوله
تعالى : ﴿وآمنهم من خوف﴾ (٥).
وأما المهيمن : فهو راجع إلى معنى الحفظ والرعاية ، وذلك صفة
فعل له تعالى . وأما منعه عليه السلام من القول السلام على الله .
فقد بين عليه السلام معنى ذلك بقوله : ((. إن الله هو السلام))
ويستحيل أن يقال السلام على الله ؛ لاستحالة القول الله على الله ،
وعلى [قول] (٦) من جعل السلام بمعنى السلامة يستحيل أيضًا أن يدعو له
(١) يونس : ٢٥ .
(٢) في ((الأصل)): اسمًا. والمثبت من (( هـ).
(٣) فى ((الأصل)): صفات. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): والوعيد أنه. والمثبت من ( هـ)).
(٥) قريش : ٤ .
(٦) من (( هـ )).
- ٤٠٩ -

بالسلامة . وقوله : قولوا : التحيات لله ... إلى آخر الحديث فهو
صرف منه عليه السلام لهم ( بما ) (١) يستحيل الكلام به إلى ما
يحسن، ويجمل لما في ذلك من الإقرار الله بملك كل شيء ، وشرع ما
شرعه لعباده مما أوجبه عليهم من الصلوات المفروضة ، وندبه إليهم من
النوافل [ والتقرب] (٢) إليه بالدعاء والكلام الطيب الذي وصف
تعالى أنه يصعد إليه بقوله : ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٣)
والتحية في كلام العرب الملك . قال الشاعر :
قد نلته إلا التحية
ولكل ما نال الفتى
يعني : الملك . فمعنى قوله : التحيات لله : الملك لله .
باب : قوله تعالى : ﴿ ملك الناس ﴾ (٤)
فيه : ابن عمر عن النبي - عليه السلام - .
فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( يقبض الله الأرض يوم
القيامة ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك
الأرض؟» .
قوله تعالى : ﴿ ملك الناس﴾ (٤) هو داخل في معنى ما أمرهم به
النبي - عليه السلام - من قولهم : التحيات لله . يريد : الملك لله ،
وكأنه عليه السلام إنما أمرهم بذلك من حيث أمره الله بالاعتراف بذلك
بقوله تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿ أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ ووصفه
(١) في (( هـ )): عما .
(٢) في ((الأصل)): والقرب. والمثبت من ((هـ)).
(٤) الناس : ٢ .
(٣) فاطر : ١٠ .
- ٤١٠ -

تعالى لنفسه أنه ملك الناس على وجهين : أحدهما : [ أن ] (١) يكون
راجعًا إلى صفة ذاته وهو القدرة ؛ لأن الملك بمعنى : القدرة .
والثاني : أن يكون راجعًا إلى صفة فعل وذلك بمعنى : القهر
والصرف لهم عما يريدونه إلى ما أراده تعالى ، فتكون أفعال العباد
ملكًا له تعالى لا قدرة لهم عليها . وفيه إثبات اليمين الله صفة من
صفات ذاته ليست بجارحة خلافًا لما تعتقده الجسمية في ذلك لاستحالة
جواز وصفه بالجوارح والأبعاض (٢) ، واستحالة كونه جسمًا ، وقد
تقدم القول في حل شبههم في ذلك .
باب : قول الله تعالى : ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ (٣) ﴿ سبحان
ربك رب العزة عما يصفون ﴾ (٤) ﴿ ولله العزة ولرسوله ﴾ (٥)
ومن حلف بعزة الله وصفاته
[ و] (٦) قال أنس: قال عليه السلام: ((تقول جهنم: قط قط
وعزتك)) . وقال أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -: (( يبقى رجل بين
الجنة / والنار ، آخر أهل النار دخولا الجنة فيقول : يا رب ، اصرف (٤/ ٢٢٢٥ -ب]
وجهي عن النار، لا وعزتك لا أسألك غيرها)).
وقال أيوب : وعزتك لا غنى بي عن بر کتك .
فيه : ابن عباس: (( قال عليه السلام : أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت
الذي لا تموت والإنس والجن يموتون )) .
(١) في ((الأصل)): أنه. والمثبت من ( هـ)).
(٢) بل الصواب إثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله له دون تشبيه ولا تعطيل .
(٤) الصافات : ١٨٠ .
(٣) إبراهيم : ٤، وغيره .
(٥) المنافقون : ٨.
(٦) من (( هـ ، ن ).
- ٤١١ -

وفيه : أنس : قال النبي - عليه السلام -: (( يلقى في النار وتقول: هل
من مزيد ، حتى يضع رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض ،
فتقول : قد قد ، بعزتك وكرمك ، ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله
لها خلقًا فيسكنهم ( أفضل) (١) الجنة )).
[ قال المؤلف : ] (٢) فالكلام في هذا الباب على معنى العزيز
الحكيم والعزة والحكمة والقدم .
فالعزيز متضمن للعزة ، والعزة الكلام عليها من وجهين :
أحدهما : أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة .
والثاني : أن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم ،
ولهذا صح إضافته تعالى اسمه إليها فقال : ﴿ سبحان ربك رب
العزة﴾(٣) . والمربوب مخلوق لا محالة .
والحكيم متضمن لمعنى الحكمة ، وهو على وجهين أيضًا : صفة
ذات تكون بمعنى العلم ، والعلم من صفات ذاته .
والثاني : أن تكون بمعنى الإحكام للفعل والإتقان له ، وذلك من
صفات الفعل وإحكام الله لمخلوقاته فعل من أفعاله ، وليس
إحكامه لها [ شيئًا ] (٤) يزيد على ذواتها ؛ بل إحكامه لها جعلها نفسًا
وذاتًا ما ذهب إليه أهل ] (٥) السنة إن [ خلق ] (٦) الشيء وإحكامه
هو نفس الشيء ، وإلا أدّى القول بأن الإحكام والخلق غير المحكم
المخلوق إلى التسلسل إلى ما لا نهاية له ، والخروج إلى ما لا نهاية
له إلى الوجود مستحيل ، فبان الفرق بين الحالف بعزة الله
(٣) الصافات : ١٨٠.
(٢) من ((هـ).
(١) في (( هـ، ن)) : فضل.
(٤) في ((الأصل)): شيء، والمثبت من ((هـ).
(٥) في (( الأصل)): أما على مذهب.
(٦) في ((الأصل)): تخلق. والمثبت من ( هـ).
- ٤١٢ -

التي هي صفة ذاته ، وبين من حلف بعزة الله التي هي صفة فعله أنه
حانث في حلفه بصفة الذات دون صفة الفعل، ؛ بل هو منهي عن
الحلف بصفة الفعل كقول الحالف : وحق السماء وحق زيد ؛ لقوله
عليه السلام: ((من كان حالفًا فليحلف بالله )) وقد تضمن كتاب الله
العزة التي هي بمعنى القوة، وهو قوله: ﴿فعززنا بثالث﴾ (١) [ أي:
قوينا] (٢) والعزة التي هي الغلبة والقهر وهو قوله : ﴿وعزني في
الخطاب﴾ (٣) أي : غلبني وقهرني .
وأما القدم فلفظ مشترك يصلح استعماله في الجارحة وفيما ليس
بجارحة فيستحيل وصفه تعالى بالقدم الذي هو الجارحة ؛ لأن وصفه
بذلك يوجب كونه [ جسمًا ] (٤) والجسم مؤلف حامل للصفات
وأضدادها غير متوهم خلوه منها ، وقد بان أن المتضادات لا يصح
وجودها معًا ؛ وإذا استحال هذا ثبت وجودها على طريق التعاقب ،
وعدم بعضها عند مجيء بعض وذلك دليل على حدوثها ، وما لا
يصح خلوه من الحوادث فواجب كونه محدثًا ، فثبت أن المراد بالقدم
في هذا الحديث خلق من خلقه تقدم علمه أنه لا تملأ جهنم إلا به (٥) .
وقال النضر بن شميل : القدم هاهنا : هم الكفار الذين سبق في
علم الله أنهم من أهل النار [ وأنه تملأ النار ] (٢) بهم حتى ينزوي
بعضها إلى بعض من الملء لتضايق أهلها فتقول : قط قط - أي : امتلأت .
ومنه قوله تعالى : ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم قدم
صدق عند ربهم﴾ (٦) أي : سابقة صدق . وقال ابن الأعرابي :
القدم: هو التقدم في الشرف والفضل . وقد قد ، وقط قط ، بمعنى:
(١) سورة يس : ١٤ .
(٣) سورة ص : ٢٣ .
(٢) من (( هـ )).
(٤) في ((الأصل)): جسم. والمثبت من (( هـ ).
(٥) هذا تعطيل لصفة أثبتها الله عز وجل لنفسه والصواب إثباتها له دون تشبيه ولا
تعطيل ولا تأويل راجع المقدمة .
(٦) يونس : ٢ .
مں
- ٤١٣ -

حسبي أي : كفاني ، ويقال : قدني ، وقطني بمعنى ذلك ، واختلفت .
الرواية في قوله : فيسكنهم أفضل الجنة ، وروي فضل الجنة ، فمن
روى فضل الجنة فهو أحسن يعني : ما فضل منها وبقي . ومن روى
أفضل الجنة فمعناه : فاضل الجنة . وفضل وفاضل الجنة عائدان إلى
معنى واحد ، وليس بمعنى أفضل من كذا الذي هو بمعنى المفاضلة قال
تعالى: ﴿وهو أهون عليه﴾ (١) على أحد التأويلين . قال الشاعر :
وإني لأوجل
لعمرك لا أدري
يريد : لوجل .
باب : قوله تعالی
وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ (٢)
فيه ابن عباس: (( كان النبي عليه السلام يدعو من الليل : اللهم لك
الحمد رب السموات والأرض ، لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض
وما فيهن لك الحمد أنت نور السماوات والأرض قولك الحق ، ووعدك
الحق ، ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق ، والساعة حق ، اللهم لك
[٤/ ٢٢٣٥-١] أسلمت وبك آمنت / وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت
وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت
[وأعلنت](٣) أنت إلهي لا إله غيرك)). وقال سفيان مرة : أنت الحق
وقولك الحق .
قوله تعالى : ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ (٢) كقوله:
(١) الروم : ٢٧ .
(٣) من ((هـ، ن)).
(٢) الأنعام : ٧٣.
- ٤١٤ -

خالق السموات والأرض بالحق أي : أبدعهما وأنشأهما
بالحق .
وقوله : (( رب السموات والأرض )) كقوله : خالق السموات
والأرض، وأما قوله: ((أنت الحق)). فعلى معنيين : يكون اسمًا
راجعًا إلى ذاته فقط لقوله عليه السلام : أنت الحق . أي : أنت
الموجود الثابت حقًا الذي لا يصح عليك تغيير ولا زوال .
والمعنى الثاني : يكون الحق راجعًا إلى صفة ذاته ؛ لقوله : خلق
السموات والأرض بالحق [ أي قال ] (١) لها : كوني فكانت . وقوله
صفة من صفات ذاته عند أهل الحق والسنة على ما يأتي بيانه بعد هذا
إن شاء الله .
وأما قوله: ((أنت نور السموات والأرض)) وقوله: ﴿الله نور
السموات والأرض ﴾ (٢) فواجب صرفه [ عن ] (٣) ظاهره لقيام
الدليل على أنه لا يجوز أن يوصف بأنه نور ، والمعنى : أنت منور
السموات والأرض بأن خلقتهما دلالة لعبادك على وجودك وربوبيتك بما
فيهما من دلائل الحدث المفتقرة إلى محدث فكأنه نور السموات
والأرض بالدلائل عليه منهما وجعل في قلوب الخلائق نورًا يهتدون به
إليه ، وقال ابن عباس : الله نور السموات والأرض أي : هاديهن ،
وعنه أيضًا مدبرهما ، ومدبر ما فيهما وتقديره : الله نور السموات
والأرض.
وأما قيم السموات والأرض ، فالكلام فيه من وجهين :
أحدهما : أن يكون بمعنى العالم بمعلوماته ، فتكون صفة ذات .
(٢) النور : ٣٥ .
(١) في ((الأصل)): قوله. والمثبت من ((هـ).
(٣) في ((الأصل)): على. والمثبت من ((هـ)).
- ٤١٥ -

والوجه الثاني : أن يكون بمعنى الحفظ لمخلوقاته ، والرزق للحي
منها ، فتكون صفة فعل .
باب: قوله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ (١)
وقالت عائشة : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله : ﴿ قد
سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ (٢) الآية .
فيه أبو موسى : « كنا مع النبي عليه السلام في سفر ، فكنا إذا علونا
كبرنا فقال: أربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا ،
تدعون سمعيًا بصيراً .... )) الحديث.
وفيه أبو بكر الصديق: (( أنه قال للنبي عليه السلام : علمني دعاء أدعو
به في صلاتي . قال : قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر
الذنوب إلا أنت فاغفر لي من عندك مغفرة إنك أنت الغفور الرحيم)).
وفيه عائشة: ((قال النبي ◌َ#1: إن جبريل ناداني فقال: إن الله قد سمع
قول قومك وما ردوا علیك )) .
غرضه في هذا الباب أن يرد على من يقول : إن معنى سميع بصير.
معنى عليم لا غير ؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى
والأصم [ الذي ] (٣) يعلم أن السماء خضراء ولا يراها ، وأن في
العالم أصواتًا ولا يسمعها ولا شك أن من سمع الصوت وعلمه
[ورأى] (٤) خضرة السماء وعلمها أدخل في صفات الكمال ممن انفرد
بإحدى هاتين الصفتين، وإذا استحال كونه [ أحدنا](٥) ممن لا آفة به أكمل
(١) النساء : ١٣٤ .
(٣) من ((هـ).
(٢) المجادلة : ١.
(٤) في ((الأصل)): قد رأي. والمثبت من ((هـ)).
(٥) فى ((الأصل)): إحدانا. والمثبت من (هـ)).
- ٤١٦ -

صفة من خالقه وجب كونه تعالى سميعا بصيراً [مفيداً ] (١) أمرًاً زائداً
على ما يفيده كونه عليما .
ثم نرجع إلى ما تضمنه كونه سميعا بصيراً ، فنقول : هما
متضمنتان لسمع وبصر بهما كان سميعًا بصيرًا كما تضمن كونه عالمًا
علمًا لأجله كان عالمًا وكما أنه لا خلاف بين إثباته سميعا بصيراً ، وبين
إثباته ذا سمع وبصر ، كما أنه لا خلاف بين إثباته عالمًا وبين إثباته ذا
علم ، فإن من نفى أحد الأمرين كمن نفى الآخر ، وهذا مذهب أهل
السنة والحق .
ومعنى قول عائشة: ((الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات)).
أدرك سمعه الأصوات ، لا أنه اتسع سمعه لها ؛ لأن الموصوف بالسعة
يصح وصفه بالضيق بدلا منه والوصفان جميعًا من صفات الأجسام ،
وإذا استحال وصفه بما يؤدي إلى القول بكونه جسمًا ، وجب صرف
قولها عن ظاهره إلى ما اقتضى صحته الدليل ، ومعنى قوله عليه
السلام: (( فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا)). نفي الآفة المانعة من
السمع ، ونفي الجهل المانع من العلم وفي هذا القول منه عليه السلام
دليل على أنه لم يزل سميعًا بصيرًا عالمًا ، ولا تصح أضداد هذه
الصفات عليه .
وقوله : قريبًا . إخبار عن كونه عالمًا بجميع المعلومات لا يعزب عنه
شيء ، ولم يرد بوصفه بالقرب قرب المسافة ؛ لأن الله تعالى لا يصح
وصفه بالحلول في الأماكن / ؛ لأن ذلك من صفات الأجسام والدليل (٤/ ٢٢٣٥ -ب]
على ذلك قوله تعالى: ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾(٢)
الآية معناه : إلا هو عالم بهم وبجميع أحوالهم ما يسرّونه وما
يظهرونه، ومعنى حديث أبي بكر في هذا الباب هو أن
:
(٢) المجادلة : ٧ .
(١) في ((الأصل)): مفيد. والمثبت من (( هـ)).
- ٤١٧ -

دعاءه الله بما علمه النبي - عليه السلام - يقتضي اعتقاد كونه تعالى
سميعا لدعائه ومجازياً له عليه .
باب : قوله تعالى : ﴿ قل هو القادر ﴾ (١)
فيه : جابر قال : (( كان النبي - عليه السلام - يعلم أصحابه الاستخارة
في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول : إذا هم أحدكم
بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك
بعلمك وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك ، فإنك تقدر ولا
أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب .... )) .
القادر والقدرة من صفات الذات ، وقد تقدم في باب قوله تعالى :
﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ (٢) أن القوة والقدرة بمعنى واحد،
وكذلك القادر والقوي بمعنى واحد ، وذكر الأشعري أن القدرة والقوة
والاستطاعة [ معناهما واحد ، لكن لم يشتق الله - تعالى - من
الاستطاعة](٣) اسم ، ولا يجوز أن يوصف بأنه مستطيع لعدم التوقيف
بذلك ، وإن كان قد جاء القرآن بالاستطاعة فقال : ﴿هل يستطيع
ربك﴾ (٤)، [فإنما ] (٥) هو خبر عنهم ولا يقتضي إثباته صفة له
تعالى فدل على ذلك أمران : تأنيبه لهم عقيب هذا ، وقراءة من قرأ :
(( هل تستطيع ربك )) بمعنى : هل تستطيع سؤال ربك ، وقد أخطئوا
في الأمرين جميعًا لإقتراحهم على نبيهم وخالفهم ما لم يأذن لهم فيه
ربهم - تعالى .
(١) الأنعام : ٦٥ .
(٢) الذاريات: ٥٨. ووقع في ((الأصل، هـ)): إني أنا الرزاق ذو القوة المتين
وما أثبتناه هو الصواب .
(٣) من ((هـ)).
(٤) المائدة : ١١٢ .
(٥) في ((الأصل)): وإنما. والمثبت من ((هـ)).
- ٤١٨ -

باب : مقلب القلوب
وقوله تعالى : ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ (١)
فيه: ابن عمر: (( كان النبي - عليه السلام - أكثر ما يحلف : لا
ومقلب القلوب )) .
[ قد تقدم الكلام في هذا الحديث في كتاب القدر ، ومر فيه أن
تقليبه لقلوب عباده صرفه لها من إيمان إلى كفر ، ومن كفر إلى إيمان
وذلك كله مقدور لله -تعالى- وفعل له، بخلاف قول القدرية ] (٢).
باب: قول النبي - عليه السلام -: ((إن الله مائة اسم إلا
واحدة من أحصاها دخل الجنة ))
قال ابن عباس : ذو الجلال ذو العظمة البر اللطيف
فيه أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( إن لله تسعة وتسعين اسماً
مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)) . أحصيناه : حفظناه .
الإحصاء في اللغة على وجهين : أحدهما بمعنى : الإحاطة بعلم
عدد الشيء وقدره ، ومنه قوله تعالى: ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾(٣)
وهذا قول الخليل
والثاني : بمعنى : الإطاقة له ، كقوله تعالى : ﴿ علم أن لن
تحصوه﴾ (٤) [ أي: لن تطيقوه. وقال النبي بَ له: ((استقيموا ولن
تحصوا))] (٥) أي : لن تطيقوا العمل بكل ما لله عليكم ، والمعنى في
ذلك كله متقارب ، وقد يجوز أن يكون المعنى : من أحصاها عددًا
(١) الأنعام: ١١٠.
(٢) في ((الأصل)): قد تقدم في كتاب القدر. والمثبت من (هـ)).
(٥) من (( هـ)).
(٤) المزمل : ٢٠ .
(٣) الجن : ٢٨.
- ٤١٩ -

وحفظًا وعلمًا بما يمكن علمه من معانيها المستفاد منها علم الصفات التي
تفيدها ؛ لأن تحت وصفنا له بعالم إثبات علم له تعالى لم يزل
موصوفاً به لا كالعلوم ، وتحت وصفنا له بقادر إثبات قدرة لم يزل
موصوفاً بها لا كقدرة المخلوقين ، وكذلك القول في الحياة وسائر
صفاته، وفيه وجه [ آخر يحتمل ] (١) أن يكون الإحصاء المراد في
هذا الحديث - والله أعلم - العمل بالأسماء والتعبد لمن سمي بها.
فإن قال قائل : كيف وجه إحصائها عملا ؟
قيل له : وجه ذلك أن ما كان من أسماء - الله تعالى - مما يجب
على المؤمن الاقتداء بالله - تعالى - فيه كالرحيم والكريم والعفو
والغفور والشكور والتواب وشبهها ، فإن الله - تعالى - يحب أن
يرى على عبده حلاها ويرضى له معناها ، والاقتداء به تعالى فيها .
فهذا العمل بهذا النوع من الأسماء وما كان منها مما لا يليق بالعبد
معانيها كالله والأحد والقدوس والجبار والمتعال والمتكبر والعظيم والعزيز
والقوي وشبهها ، فإنه يجب على العبد الإقرار بها والتذلل لها
والإشفاق منها، وما كان بمعنى الوعيد كشديد العقاب، وعزيز [ذي](٢)
(٤/ ٢٢٤٥-١] انتقام وسريع الحساب / وشبهها ، فإنه يجب على العبد الوقوف عند
أمره واجتناب [ نهيه] (٣).
واستشعار خشية الله - تعالى - من أجلها خوف وعيده ، وشديد
عقابه هذا وجه إحصائها عملا فهذا يدخل الجنة إن شاء الله ، وأخبرني
بعض أهل العلم عن أبي محمد الأصيلي أنه أشار إلى هذا المعنى غير
(١) في ((الأصل)): احتمل. والمثبت من (هـ).
(٢) في ((الأصل)): ذو. والمثيت من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أمره. والمثبت من ((هـ).
- ٤٢٠ -