النص المفهرس
صفحات 301-320
من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون البهيمة ... )) إلى قوله : (( أفرأيت من يموت وهو صغير، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)). قال المؤلف : غرضه في هذا الباب الرد على الجهمية في قولهم : إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى يعملوها . فرد النبي - عليه السلام - ذلك من قولهم ، وأخبر في هذا الحديث أن الله - تعالى - يعلم ما لا يكون [ أن ] (١) لو كان كيف كان يكون ، ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى : ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ (٢) . وقال في آية أخرى: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا / لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ (٣). فإذا ثبت بهاتين الآيتين [ المصدقتين ] (٤) لحديثه عليه السلام أنه يعلم ما لا يكون لو كان ( كيف كان ) (٥) يكون ، فأحرى أن يعلم ما يكون ، وما قدره وقضاه في كونه . [٤/ق٢٠٣-١] وهذا يقوي ما يذهب إليه أهل السنة أن القدر هو علم الله وغيبه الذي استأثر به فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ، ولا نبيًا مرسلاً . وروى روح بن عبادة عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين قال : ما ينكر هؤلاء - يعني القدرية - أن يكون الله علم علمًا فجعله كتابًا . وقد قيل : إن بعض الأنبياء كان يسأل الله عن القضاء والقدر ، فمحي من النبوة. وروى ابن عباس عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( إذا ذكر القدر فأمسكوا)). وقال بلال بن [ أبي ] (١) بردة لمحمد بن واسع : ما تقول في القضاء والقدر ؟ فقال : أيها الأمير ، إن الله لا يسأل عباده يوم القيامة عن قضائه وقدره ، وإنما يسألهم عن أعمالهم . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري : إن الله لا يطالب (١) من ((هـ). (٣) الأنفال : ٢٣ . (٢) الأنعام : ٢٨. (٤) غير واضحة ((بالأصل)). والمثبت من (( هـ)). (٥) تكررت (( بالأصل)). - ٣٠١ - خلقه بما قضى عليهم ، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه ، وأمرهم به ، فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك . وسئل أعرابي عن القدر ، فقال : الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس يعرف ضوءها ، ولا يقف على حدودها . وقوله : ((كما تنتجون الناقة)). قال أبو عبيد : يقال: تنتجت الناقة إذا أعنتها على النتاج . باب : وكان أمر الله قدرًا مقدورًا فيه: أبو هريرة: قال عليه السلام: (( لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح ، فإنما لها ما قدر لها)). وفيه : أسامة: (( أتى إلى النبي - عليه السلام - رسول إحدى بناته أن ابنها يجود بنفسه ، فبعث إليها : لله ما أخذ ولله ما أعطى ، فكل بأجل ، فلتصبر ولتحتسب )). وفيه : أبو سعيد: (( بينما هو جالس ؛ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال : كيف ترى في العزل ؟ فقال : ليس بنسمة كتب الله أن تخرج إلا هي کائنة )) . وفيه حذيفة: (( خطبنا النبي - عليه السلام - خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره ، علمه من علمه ، وجهله من جهله ، إن كنت لأرى الشيء قد نسبت فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه. وفيه : عليّ : « كنا مع النبي ، ومعه عود ینکت به في الأرض فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة . قال رجل من - ٣٠٢ - القوم : أفلا نتکل یا رسول الله ؟ قال : لا ، اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له. ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى ... ﴾ (١) الآية)). قال المهلب : غرضه في هذا الباب أن يبين أن جميع مخلوقات الله من المكونات بأمره بكلمة كن من حيوان أو غيره ، أو حركات العباد [واختلاف] (٢) إرادتهم وأعمالهم بمعاص أو طاعات ؛ كل مقدر بالأزمان والأوقات ، لا مزيد في شيء منها ، ولا نقصان عنها ، ولا تأخير لشيء منها عن وقته ، ولا تقديم قبل وقته ، ألا ترى قوله عليه السلام: (( لا تسأل المرأة طلاق أختها)) لتصرف حظها إلى نفسها ، ولتنكح ، فإنه لا تنال من الرزق إلا ما قدر لها ، كانت له زوجة أخرى أو لم تكن . وقوله: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) . فيه دليل على إبطال قول أهل الجبر ؛ لأن [ التيسير ] (٣) غير الجبر، واليسرى العمل بالطاعة، والعسرى العمل بالمعصية . قال الطبري : في حديث عليّ أن الله لم يزل عالمًا بمن يطيعه فيدخله الجنة ، وبمن يعصيه فيدخله النار ، ولم يكن استحقاق من يستحق الجنة منهم بعلمه السابق فيهم ، ولا ( استحقاقه ) (٤) النار لعلمه السابق فيهم ، ولا اضطر أحدًا منهم علمُه السابق إلى طاعة أو معصية ، ولكنه تعالى نفذ علمه فيهم قبل أن يخلقهم ، وما هم عاملون وإلى ما هم صائرون ، إذ كان لا تخفى عليه خافية قبل أن يخلقهم ، ولا بعد ما خلقهم ، ولذلك وصف أهل الجنة فقال : ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ إلى قوله : ﴿وحور عين كأمثال (١) الليل : ٥ (٢) في (( الأصل)): فاختلاف. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): التبيين. والمثبت من (( هـ)). (٤) في (( هـ)) : استحقاق من استحق منهم . - ٣٠٣ - اللؤلؤ المكنون جزاءً بما كانوا يعملون﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ (٢) . وكذلك قال في أهل النار : ﴿ ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاءً بما كانوا [ بآياتنا] (٣) يجحدون﴾ (٤) فأخبر [ أنه أثاب](٥) أهل طاعته جنته بطاعته ، وجازى أهل معصيته النار بمعصيتهم إياه ، ولم يخبرنا أنه أدخل من أدخل منهم النار والجنة لسابق علمه فيهم ، ولكنه سبق [في] (٦) علمه أن هذا من أهل السعادة والجنة [ وأنه ] (٧) يعمل بطاعته . وفي هذا أنه من أهل الشقاء وأنه يعمل بعمل أهل النار فيدخلها بمعصيته ؛ فلذلك أمر تعالى ونهى ؛ ليطيعه المطيع منهم (٤/ ٢٠٣٥- ب] فيستوجب بطاعته الجنة / ويستحق العقاب منهم بمعصيته العاصي فيدخل بها النار ، ولتتم حجة الله على خلقه . فإن قال قائل : فما معنى قوله عليه السلام : (( اعملوا فكل ميسر. لما خلق له)) إن كان الأمر كما وصف من [ أن ] (٦) الذي سبق لأهل السعادة والشقاء لم يضطر [واحدًا] (٨) من الفريقين إلى الذي كان يعمل ويمهد لنفسه في الدنيا ولم يجبره على ذلك ؟ قيل : هو أن كل فريق من هذين مسهل له العمل الذي اختاره لنفسه ، مزين ذلك له كما قال تعالى : ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ﴾ (٩) الآية . وأما أهل الشقاء ، فإنه زين لهم سوء أعمالهم الإيثارهم لها على (١) الواقعة: ٢٢ - ٢٤. (٢) السجدة : ١٧ . (٣) ليست بالأصل (٤) فصلت: ٢٨. (٥) في ((الأصل)): أن ما ناب. والمثبت من (( هـ )) (٦) من ((هـ)). (٧) في ((الأصل)): فإنه: والمثبت من ((هـ )). (٨) في ((الأصل)): واحد. والمثبت من (( هـ)). (٩) الحجرات : ٧ . - ٣٠٤ - ( الهدى ) (١) كما قال تعالى : ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون﴾ (٢) وكما قال تعالى: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا﴾ (٣) وهذا يصحح ما قلناه من أن علم الله النافذ في خلقه بما هم به عاملون ، وكتابه الذي كتبه قبل خلقه إياهم بأعمالهم لم يضطر أحدًا منهم إلى عمله ذلك ؛ لأن المضطر إلى الشيء [ لا شك ] (٤) أنه مکره علیه ، لا محب له ؛ بل هو له كاره ومنه هارب، والكافر يقاتل دون كفره أهل الإيمان ، والفاسق يناصب دون فسقه الأبرار ؛ محاماة من هذا عن كفره الذي اختاره [على ] (٥) الإيمان، وإيثارًاً من هذا لفسقه على الطاعة ، وكذلك المؤمن يبذل مهجته دون إيمانه ، ويؤثر العناء والنصب دون ملاذه وشهواته حبًا لما هو له مختار من طاعة ربه على معاصيه ، وأنى يكون مضطراً إلى ما يعمله من كانت هذه صفاته ؟ فبان أن معنى قوله : ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) (٦) هو أن كل فريقي السعادة والشقاوة مسهل له العمل الذي اختاره ، مزين ذلك له . # باب : العمل بالخواتيم فيه : أبو هريرة : (( شهدنا مع النبي - عليه السلام - خبير فقال لرجل ممن كان معه يدعي الإسلام : هذا من أهل النار . فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال ، وكثرت به الجراح ، فأتى رجل إلى النبي - عليه السلام - فأخبره أنه قاتل من أشد القتال فكثرت به الجراح ، فقال النبي (٣) فاطر : ٨ . (٢) النمل : ٤ . (١) في (( هـ)): العمل بطاعته . (٤) في ((الأصل)): لا شيء. والمثبت من ( هـ)). (٥) في ((الأصل)): عن. والمثبت من (( هـ )). (٦) زاد في ((الأصل)): و. - ٣٠٥ - - عليه السلام - : إما إنه من أهل النار. فكاد بعض [ المسلمين ] (١) یرتاب ، فبينما هو علی ذلك إذ وجد ألم الجراح فأهوی بیده إلی کنانته. فانتزع سهمًا منها فانتحر به ، فاشتد رجال إلى رسول الله وَل فقالوا: صدق الله حديثك ، قد انتحر فلان وقتل نفسه . فقال النبي - عليه السلام - : قم يا بلال ، فأذن : [ لا ](٢) يدخل الجنة إلا مؤمن ، وإن الله .. ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر )) . وروى سهل عن النبي ◌َّ قال: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار وإنه لمن أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم )). قال المهلب : قوله عليه السلام: (( إنما الأعمال بالخواتيم )) هو حكم الله في عباده في الخير والشر ، فيغفر الكفر وأعماله بكلمة الحق. يقولها العبد قبل الموت قبل المعاينة لملائكة العذاب ، وكذلك يحبط عمل المؤمن إذا ختم له بالكفر . ثم كذلك [ هذا ] (٣) الحكم موجود في الشرع كله كقوله: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ، ومن أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح )) فكذلك في العصر فجعله مدركًا لفضل الوقت بإدراك الخاتمة ، وإن كان لم يدرك منه إلا أقله ، وكذلك من أدرك ليلة عرفة الوقوف بها قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ، وتم له ما فاته من مقدماته ، كما عهد الذي لم يعمل خيرًا. قط أن يحرق ويذرى فكانت خاتمة سوء عمله خشية أدركته لربه ، تلافاه الله بها فغفر له سوء عمله طول عمره ، هذا فعل من لا تضره الذنوب ، ولا تنفعه العبادة ، وإنما تنفع وتضر المكتسب لها الدائم عليها إلى أن يموت . ٠٠ ٠ وفي قوله: (( العمل بالخواتيم)) حجة قاطعة على أهل القدر في (١) في (( الأصل)): الناس، والمثبت من (( هـ، ن)). ٠ : (٢) في ((الأصل)): أن لا. والمثبت من (( هـ ، ن)). (٣) في ((الأصل)): هو. والمثبت من (( هـ)). -٣٠٦ - : قولهم : إن الإنسان يملك أمر نفسه ، ويختار لها الخير والشر ، فمهما اتهموا [ اختيار] (١) الإنسان لأعماله الشهوانية واللذيذة عنده ، فلا يتهمونه باختيار القتل لنفسه الذي هو أوجع الآلام ، وأن الذي طيب عنده ذلك غير اختياره ، والذي يسره له دون جبر عليه ، ولا مغالب له هو قدر الله السابق في علمه ، والحتم من حكمه . [٤ /ق٤ ٠ ٢-٢] / باب : إلقاء النذر بالعبد إلى القدر فيه: ابن عمر : نهى النبي عن النذر وقال: (( إنه لا يرد شيئًا ، وإنما يستخرج به من البخيل )). وفيه [ أبو هريرة] (٢): قال النبي - عليه السلام -: (( لا يأتي ابن آدم [ النذر ] (٣) بشيء لم أكن قد قدرته ، ولکن یلقیه القدر وقد قدرته له ، ولكن أستخرج به من البخيل )) . قال المهلب : هذا أبين شيء في القدر وأنه ( شيء ) (٤) قد فرغ الله منه وأحكمه ، [ لا ] (٥) أنه شيء يختاره العبد ، فإذا أراد أن يستخرج به من البخيل شيئًا ينفعه به في آخرته أو دنياه سبب له شيئًا مخيفًا أو مطمعًا فيحمله ذلك الخوف أو الطمع على أن ينذر لله نذرًا من عتق أو صدقة أو صيام ، إن صرف الله عنه ذلك الخوف أو أتاه بذلك المطموع فيه ، فلا يكون إلا ما قد قضى الله في أم الكتاب ، لا يحيله النذر الذي نذره عما قدره ، وقد استخرج به منه ما لم يسمح به (٢) في ((الأصل)): ابن عمر. والمثبت من (( هـ، ن). (١) من ( هـ)). (٣) من (( هـ ، ن)). (٤) في ((هـ)): أمر. (٥) في ((الأصل)): إلا. والمثبت من ( هـ)). - ٣٠٧ - - لولا الخوف الذي [ هرب ] (١) منه ، أو المطموع الذي حرص عليه حتى [ طابت ] (٢) نفسه بما لم تكن تطيب قبل ذلك. ونهيه عليه السلام عن النذر ، وهو من أعمال الخير أبلغ [زاجر](٣). عن توهم العبد أنه يدفع عن نفسه ضرًا [ أو يجلب إليها نفعًا ] (٤) ، أو يختار لها ما يشاء ، ومتى اعتقد ذلك فقد جعل نفسه مشاركًا لله في [ خلقه ] (٥) ومجوزًا عليه ما لم يقدره ، تعالى الله عما يقولون" . ودل هذا أن اعتقاد القلب لما لا يجب اعتقاده أعظم في الإثم من أن يكفر بالصدقة والصلاة والصوم والحج ، وسائر أعمال الجوارح التي ينذرها ؛ لأن نهيه عليه السلام عن هذا النذر ، وإن كان خيرًا ظاهرًا يدل على أنه حابط من الفعل حين توهم به الخروج عما قدره الله تعالى [ فإن سلم من هذا الظن واعترف أن نذره لا يرد عنه شيئًا قد قدره الله عليه ] (٤) وأن الله ( تسبب ) (٦) له بما أخافه به استخراج صدقه هو شحیح بمثلها ، فإنه مأجور بنذره ولم یکن حينئذ نذره منھیًا عنه ، ولذلك - والله أعلم - عرف الله نبيه بهذا الحديث ليعرف أمته: بما يجب أن يعتقدوا في النذر فلا يحبط عملهم به . باب : لا حول ولا قوة إلا بالله فیه : أبو موسى: « کنا مع الرسول ټے في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير ، فدنا منا النبي - عليه السلام- فقال : أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون. أصم ولا غائبًا ، إنما تدعون سميعا بصيراً ، ثم قال : يا عبد الله بن قيس ، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة : لا حول ولا قوة إلا بالله )) . (١) في ((الأصل)): يقرب. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): كانت. والمثبت من (( هـ). (٣) في ((الأصل)): زاجرًا. والمثبت من ((هـ)). (٥) في ((الأصل)): خلقته. والمثبت من ((هـ). (٤) من (( هـ )). (٦) فى ((هـ): سبب. - ٣٠٨ - هذا باب جليل في الرد على القدرية ، وذلك أن معنى لا حول ولا قوة [ إلا بالله ] (١): لا حول للعبد ، ولا قوة له إلا بالله أي : يخلق الله له الحول والقوة ، التي هي القدرة على فعله للطاعة والمعصية . قال المهلب : فأخبر عليه السلام أن البارئ خالق لحول العبد وقدرته على مقدوره ، وإذا كان خالقًا للقدرة ، فلا شك أنه خالق للشيء المقدور ، فيكون المقدور كسبًا للعبد خلقًا لله تعالى بدليل قوله تعالى: ﴿خالق كل شيء ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾(٣) . وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت هذه الآية يعني الأخيرة تعبيراً لأهل القدر . والدليل على [ أن ] (١) أفعالهم خلق الله أن أيديهم التي هي عندهم خالقة لأعمال الشر من التعدي والظلم وفروجهم التي هي خالقة للزنا قد توجد عاطلة من الأعمال ، عاجزة عنها ، ألا ترى أن من الناس من يريد الزنا وهو يشتهيه بعضو لا آفة فيه ، فلا يقدر عليه عند إرادته للزنا ، ولو كان العبد [خالقًا ] (٤) لأعماله لما عجزت أعضاؤه عند إرادته ومستحكم شهوته ؛ فثبت أن القدرة ليست لها ، وأنها لمقدر يقدرها إذا شاء ، ويعطلها إذا شاء ، لا إله إلا هو . وإنما أمرهم عليه السلام بالربع على أنفسهم على جهة الرفق بهم ، [ وقد بينا هذا المعنى في باب: ما يكره من رفع الصوت بالتكبير ] (٥) في كتاب الجهاد ، وعرفهم أن ما يعلنون [ به ] (١) من التكبير ويجتهدون فيه من الجهاد هو من فضل الله عليهم إذ لا حول لهم ولا قوة في شيء (١) من (( هـ)). (٣) القمر : ٤٩ . (٢) الزمر : ٦٢، غافر : ٦٢ . (٤) في ((الأصل)): خالق. والمثبت من ( هـ)). (٥) في ((الأصل)): قد تقدم. والمثبت من (( هـ)). - ٣٠٩ - منه إلا بالله الذي أقدرهم عليه ، وحببه إليهم ، وإن كان فيه تلاف نفوسهم ؛ رغبة في جزيل الأجر وعظيم الثواب . وفيه : أن التكبير يسمى دعاء؛ لقوله عليه السلام: ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا )) فجعل قولهم : الله أكبر دعاء الله - تعالى - من أجل أنهم كانوا يريدون به إسماعه الشهادة له بالحق . [٤ / ق٢٠٤ -ب] . / باب: المعصوم من عصمه الله . عاصم : مانع قال مجاهد : سُدًا عن الحق يترددون في الضلالة ، دسّها : أغواها . فيه : أبو سعيد : قال عليه السلام : (( ما استخلف خليفة قط إلا له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، والمعصوم من ( عصمه ) (١) الله )) . قال المهلب : عرض البخاري في هذا الباب إثبات الأمور لله ، فهو الذي يعصم من نزغات الشيطان ، ومن شر كل وسواس خناس من: الجنة والناس ، وليس من خليفة ولا أمير إلا والناس حوله رجلان: رجل يريد الدنيا والاستكثار منها ، فهو يأمره بالشر ويحضه عليه ليجد، به السبيل إلى انطلاق اليد على المحظورات ومخالفة الشرع، ويوهمه أنه إن لم يقتل ويغصب ويخف الناس لم يتم له شيء ، ولم يرض بسياسة الله لعباده ببسط العدل وبخمد الأيدي ، وأن في ذلك [صلاح](٢) العباد والبلاد. (١) فى ((هـ، ن)): عضم. (٢) في ((الأصل)): خلاص. والمثبت من (( هـ)). - ٣١٠ - ولا يخلو سلطان أن يكون في بطانته رجل يحضه على الخير ، ويأمره به لتقوم به الحجة عليه من الله في القيامة ، وهم الأقل ، والمعصوم من الأمراء من عصمه الله لا من عصمته نفسه الأمارة بالسوء بشهادة الله عليها الخالق لها ، ومن أصدق من الله حديثًا . باب : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون وقوله: ﴿ لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾ (١) ﴿ولا يلدوا إلا فاجراً كفارًا﴾ (٢) قال ابن عباس : حِرْم بالحبشية وجب . فيه : ابن عباس قال: (( ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة [عن ](٣) النبي: (( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمني وتشتهي ، والفرج پصدق ذلك ویكذبه )) . وقال المهلب : معنى قوله تعالى : ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ (٤) أي: وجب عليهم أنهم لا يتوبون ، وحرام وحرم معناهما واحد ، والتقدير : وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم، وهذا كقوله تعالى : ﴿ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ (١) أي : قد نفذ علم الله في قوم نوح أنه لا يؤمن منهم إلا من قد آمن ، ولذلك قال نوح : ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ (٥) (١) هود : ٣٦ . (٢) نوح : ٢٧ . (٣) في ((الأصل)): على. والمثبت من (( هـ، ن)). (٤) الأنبياء : ٩٥ . (٥) نوح : ٢٦ . - ٣١١ - إذ قد أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن ، فأهلكهم لعلمه أنهم لا يرجعون [إلى ] (١) الإيمان، وموافقة الترجمة للحديث هو قوله. عليه السلام: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا )) فأخبر أن الزنا ودواعيه كل ذلك مكتوب مقدر على العبد غير خارج من سابق قدره . وقوله: (( أدرك ذلك لا محالة)) إدراكه له من أجل أن الله كتبه عليه، وإنما سمى النظر والمنطق ومنى النفس وشهوتها زنا لما كانت دواعي إلى الزنا ، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازًا واتساعًا لما بينهما من التعلق ، غير أن زنا العين وزنا اللسان وتمني النفس غير مؤاخذ به من اجتنب الزنا بفرجه ؛ لأنه كذب زنا جوارحه بترك الزنا بفرجه ، فاستخف زنا عينه ولسانه وقلبه ؛ لأن ذلك من اللمم الذي يغفر باجتناب الكبائر ، وزنا الفرج من أكبر الكبائر ، فمن فعله فقد صدق زنا عينه ولسانه وقلبه ؛ فيؤاخذ بإثم ذلك كله . : وفي [ قوله ] (٢): ((النفس تمنى وتشتهي)) دليل على أن فعل العبد ما نهاه الله عنه ، مع تقدم تقديره تعالى وسابق علمه بفعله له باختيار منه أو إيثار ، وليس بمجبر عليه ولا مضطر إلى فعله ، وعلى هذا علق الثواب والعقاب ، فسقط قول جهم بالإجبار بنص قوله عليه السلام : (( والنفس تمنى وتشتهي)) لأن المجبر مكره مضطر، وهو بخلاف المتمني والمشتهي ، واللمم صغار الذنوب وهي مغفورة باجتناب الكبائر، وقد تقدم في كتاب [ الأدب ] (٣) (١) في ((الأصل)): عن. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): قلبه. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): الآداب. والمثبت من (هـ). - ٣١٢ - باب : قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ (١) فيه : ابن عباس في هذه الآية : هي رؤية عين أربها النبي - عليه السلام- ليلة أسري به إلى بيت المقدس ، والشجرة الملعونة قال : هي [شجرة ] (٢) الزقوم. قال المهلب : معنى ذكر هذا الحديث في كتاب / القدر هو ما ختم [٢٠٥٥/٤-١) الله على الناس المكذبين لرؤياه من المشركين حين جعلها فتنة لهم في تكذيب النبي الصادق [ فكانت ] (٣) زيادة في طغيانهم، وكذلك جعل الشجرة الملعونة في القرآن [ فتنة ] (٤) فقالوا: كيف يكون في النار شجرة ؟! النار تحرق الشجر اليابس والأخضر ، فجعل ذلك فتنة تزيد في ضلالهم ، فلا يؤمنوا على ما سبق في علمه . قال غيره : وقوله : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (١) يقتضي خلق الله للكفر به ، ودواعي الكفر هي الفتنة، وذلك عدل منه تعالى. وهذا مثل قوله تعالى : ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ (٥) . فهذا عام في فعله كفر الكافرين ، وإيمان المؤمنين ودواعي الإيمان والكفر خلافًا لمن زعم أن الله غير خالق أعمال العباد . وقوله: (( الشجرة الملعونة يعني : الملعون آكلها - وهم الكفار - كما قال تعالى : ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم﴾ (٦) ، وقال تعالى: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ﴾ (٧) فأخبر أنها تنبت في النار، (١) الإسراء : ٦٠ . (٢) من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)»: وكذلك. (٤) من ( هـ ). (٥) إبراهيم : ٢٧ . (٦) الدخان : ٤٣ - ٤٤ . (٧) الصافات : ٦٤ . - ٣١٣ - وأما قول الكفار: كيف يكون في النار شجرة، [ والنار ] (١) تأكل الشجر ، فإن هذه الشجرة التي أخبر الله أنها في أصل الجحيم هي مخلوقة من جوهر لا تأكله النار كسلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها ، وليس شيء من ذلك من جنس ما في الدنيا مما لا يبقي على النار ، وإنما خلقت من جنس لا تأكله النار ، وكما خلق الله في البحار من الحيوان ما لا يهلك في الماء، وخلق في الخل دودًا يعيش فيه ولا يهلكه ، على أن الخل يفت الحجارة ويهري الأجسام ، ولم يكن ذلك إلا لموافقة ذلك الدود لجنس الخل وموافقة حيوان البحر جنس الماء، فكذلك ما خلق في النار من الشجر والحيوان موافق لجنس النار، والله تعالى قادر أن يجعل النار بردًا وسلامًا ، وأن يجعل الماء نارًا؛ لأنه على كل شيء قدير ، فما أنكره الكفار من خلق الشجر في النار عناد بين ، وضلال واضح ، أعاذنا الله من الضلال برحمته. باب: ( محاجة آدم موسى ) (٢) فيه: أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( احتج آدم وموسى ، فقال موسى : يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة . فقال له آدم يا موسى ، أنت الذي اصطفاك الله بكلامه ، وخط لك بيده ، أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟! فحجّ آدم موسى ، قاله ثلاثًا )). قال المؤلف : معنى قوله عليه السلام: ((احتج آدم وموسى)) : أي التقت أرواحهما في السماء ، فوقع هذا الحجاج بينهما ، وقد جاءت الرواية بذلك . (١) من (( هـ )). (٢) في (( ن)): تحاج موسى وآدم عند الله . ۔۔ - ٣١٤ - روى الطبري ، عن يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا هشام ابن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: ((إن موسى قال : يا رب ، أبونا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة . فأراه الله آدم فقال : أنت آدم ؟ قال : نعم . قال : أنت الذي نفخ الله فيك من روحه ، وعلمك الأسماء كلها ، وأمر ملائكته أن يسجدوا لك ، فما حملك أن أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب ، لم يجعل بينك وبينه رسولاً ؟ قال : نعم . قال : فما وجدت في كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق ؟ قال: نعم ... )) . وذكر الحديث . قال المهلب وغيره: (( فحج آدم موسى)) أي : غلبه بالحجة . قال الليث بن سعد : وإنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم خطيئته ، وتاب عليه ، فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله له ، ولذلك قال له آدم : أنت موسى الذي آتاك الله التوراة ، وفيها علم كل شيء فوجدت فيها أن الله قد قدّر علىّ المعصية ، وقدر عليّ التوبة منها ، وأسقط بذلك اللوم عني، أتلومني أنت ، والله لا يلومني . ويمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له : إن عثمان فرّ يوم أحد، فقال ابن عمر : ما على عثمان ذنب ؛ لأن الله - تعالى - قد عفا عنه بقوله : ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ (١) وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة ، فإن العلماء مجمعون أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم (١) آل عمران : ١٥٥. - ٣١٥ - فيقول : أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت ، وقد قدر الله عليّ ذلك . والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه ، ولوم المسيء على إساءته وتعديد ذنوبه عليه . فإن قال قائل : فإن القدرية احتجت بقول موسى : أنت آدم ، [٤/ ٥ ٢٠٥- ب) خيبتنا وأخرجتنا من الجنة / . فنسب التخييب والإخراج إليه ، قالوا: هذا يدل أن العباد يخلقون أفعالهم طاعتها ومعصيتها ، ولو كانت خلقًا. لله لم يصح أن يأمرهم ولا ينهاهم ، قال : وكذلك احتجت الجهمية على صحة الجبر بقول آدم : أتلومني على أمر قدر عليّ . فالجواب : أنه ليس في قول موسى دليل قاطع على اعتقاد القول بالقدر ، وأن العبد خالق لأفعاله دون ربه كما زعمت القدرية ؛ لأنه ليس في قوله: (( أنت آدم، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)). أكثر من إضافة التخييب والإخراج إليه ، وإضافة ذلك إليه لا يقتضي كونه خالقًا [ لهما ] (١)؛ إذ يصح في اللغة إضافة الفعل إلى من يقع منه على سبيل الخلق ، وإلى من يقع منه على سبيل الاكتساب ، وإذا احتملت [ إضافة ] (٢) التخييب والإخراج الوجهين جميعًا لم يقض بظاهره على أحد الاحتمالين دون الآخر إلا بدليل قاطع ، وقد قام الدليل الواضح على استحالة اختراع المخلوق أفعاله دون إقدار الله له على ذلك بقوله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾ (٣) وبقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾(٤) وليس يجوز أن يريد تعالى بهذا الحجارة، لأن الحجارة أجسام ، والأجسام لا يجوز أن يعملها العباد فدل أنه تعالى خالق أعمالهم وقوله تعالى : (١) في ((الأصل)): لها . (٢) في ((الأصل)): الإضافة. والمثبت من (( هـ)). (٣) الزمر : ٦٢ . (٤) الصافات : ٩٦ . - ٣١٦ - ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ﴾ (١) واجتماعهم فعل لهم ، وقد أخبر أنه تعالى خلقهم ، وقد ثبت أنه تعالى قادر على جميع أجناس الحركات التي [ يحدثها ] (٢) العباد بدلالة أنه أقدرهم عليها، وما أقدرهم عليه فهو عليه أقدر ، كما أنه ما أعلمهم إياه فهو به أعلم ، فثبت أن الله خالق للأفعال ، والعبد مكتسب لها ، كما تقول : إن الله منفرد بخلق الولد ، والوالد منفرد بكون الولد له لا شركة فيه لغيره . فنسبة الأفعال إلى الله تعالى من جهة خلقه لها ، ونسبتها إلى العباد من جهة اكتسابهم لها ، هذا مذهب أهل السنة والحق ، وهو مذهب موسى عليه السلام من قوله : ﴿ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ﴾ (٣) . فأضاف موسى الهداية والإضلال إلى الله -تعالى - ، ولا تصح هذه الإضافة إلا على سبيل خلقه لها دون من وجدت منه ، وأما قول الجهمية : إن الله أجبر العباد على أفعالهم ، وهم مكرهون على الطاعة والمعصية . واحتجوا بقول آدم : أتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق . فلا حجة لهم فيه أيضًا ؛ لأن الموجود بالاعتبار والمشاهدة خلاف قولهم ، وذلك أن العباد لا يأتون الذنوب إلا مشتهين لها ، راغبين فيها ، والإجبار عند أهل اللغة : هو اضطرار المرء إلى الفعل وإدخاله فيه غير راغب فيه ولا محب له كالمسحوب على وجهه ، والمرتعش من الحمى ، والفالج . وأهل الجبر معتقدون لوم من وقعت منه معصية الله وتأنيبه عليها أشد التأنيب ، ومدح من وقعت منه الطاعة وإثابته عليها، (١) الشورى : ٢٩ . (٢) في ((الأصل)): تجريها والمثبت من (( هـ). (٣) الأعراف : ١٥٥ . - ٣١٧ - وإذا كان هذا اعتقادهم ؛ فاحتجاجهم بتأنيب آدم موسى على لومه له على أمر قد قدره عليه، [ وأكرهه عليه ] (١) فاسد متناقض على مذهبهم ، ومحاجة آدم موسی هي أنه ذاكره ما قد عرفه ووقف عليه في التوراة من توبة الله على آدم من خطيئته وإسقاطه اللوم عليها؛ فوجب علی موسی ترك لومه وعتابه على ما كان منه . وقد ثبت أن جعفر بن محمد الصادق قيل له : قد أجبر الله العباد ؟. قال : الله أعدل من ذلك . قيل : هل فوض إليهم ؟ قال : الله (أغير) (٢) من ذلك، لو أجبرهم ما عذبهم، ولو فوض إليهم ما كان للأمر والنهي معنى. قلت : فكيف تقول إذًا ؟ قال : منزلة بين منزلتين هي أبعد مما بين السماء والأرض؛ ولله في ذلك سرّ لا تعلمونه. واحتجت أيضًا طائفة من القدرية المجبرة غير الجهمية بهذا الحديث ، فقالت : إن كان صحيحًا قول آدم لموسى : أتلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق ؛ فلا لوم على كافر في كفره ، ولا فاسق في فسقه، ولا يجوز أن يجور عليهم ويعذبهم على ما اضطرهم إليه .. قال الطبري : فالجواب أنه ليس معنى قوله : أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن أخلق ، كما توهمته ، وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه ، وقد عاقبه الله على خطيئته تلك بإخراجه من الجنة ، ولو لم يكن ملومًا لكان وكنا في الجنة كما أسكنه الله؛ [ولكنه ] (٣) جل جلاله أخرجه منها لخطيئته تلك عقوبةً عليها ، ولم يعاقبه على ما قضى (١) من (( هـ )). (٢) في (( هـ)» : أعز. (٣) في ((الأصل)): لكن، والمثبت من ((هـ). - ٣١٨ - عليه ؛ لأنه لو عاقبه عليه لما كان يسكنه الجنة حين أسكنه إياها ، وذلك أن القضاء عليه بذلك قد كان مضى قبل أن يخلقه ؛ فإنما استحق العقوبة على فعله ، لا على ما قضى عليه ؛ وبمثل / هذا أقر موسى [٤/ ٥ ٢٠٦-١) لآدم بصحة حجته ، ولم يقل له كما زعمت القدرية : ليس الأمر كما تزعم ؛ لأن الله لو قضى عليك ذلك قبل أن يخلقك لم يعاقبك ، ولكن لما كان من دين الله الذي أخذ بالإقرار به عهود أنبيائه ومواثيقهم أنه لا شيء کان فیما مضی ولا فیما یحدث إلا قد مضى به قضاؤه ؛ فإنه غير معاقبهم على قضائه ، ولكن على طاعتهم ومعاصيهم، وكان ذلك معلومًا عند الأنبياء والرسل ، أقر موسى لآدم صلى الله عليهما بأن الذي احتج به عليه [ له ] (١) حجة ؛ وحقق صحة ذلك نبينا - عليه السلام - بقوله : فحج آدم موسى . قال غير الطبري : وفي حديث أبي هريرة حجة لما يقوله أهل السنة: أن الجنة التي أهبط منها أبونا آدم - عليه السلام - هي جنة الخلد ، ورد قول من زعم أنها لم تكن جنة الخلد ، قالوا : وإنما كانت جنة بأرض عدن، واحتجوا على بدعتهم فقالوا : إن الله خلق الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم ، وقد [ لغا ] (٢) فيها إبليس حين كذب لآدم ، وأثم في كذبه ، وأنه لا يسمع أهلها لغوًا ولا كذابًا ، وأنه لا يخرج منها أهلها، وقد أخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما ، قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد، وهو في دار الخلود والملك الذي لا يبلى ؟ وأيضًا فإن جنة الخلد دار القدس : قدست عن الخطايا والمعاصي كلها تطهيرًا لها ؛ فيقال لهم : (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): بقى. والمثبت من ((هـ)). - ٣١٩ - الدليل على إبطال قولكم قول موسى لآدم : أنت الذي أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة ، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها الجنة المعروفة ؛ جنة الخلد التي وعد [ الله ] (١) المؤمنين بها ، التي لا عوض لها في الدنيا فلم ينكر ذلك آدم عليه من قوله ، ولو كانت غير جنة الخلد لرد آدم على موسى ، وقال : إني أخرجتهم من دار فناء وشقاء وزوال وعري إلى مثلها ، فلما سكت آدم على ما قرره موسى؛. صح أن الدار التي أخرجهم الله منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها في جميع الأحوال ، ويقال لهم فيما احتجوا به : إن الله خلق الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم ، ولا كذب ، ولا يخرج منها أهلها [ هذا كله بما جعله الله فيها بعد دخول أهلها ] (١) فيها يوم القيامة ، وقد أخبر : أن آدم إن عصاه فيما نهاه عنه أخرجه عنها ، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد في وقت لمن أراد تخليده [ فيها ] (١) ، وقد يخرج منها من قضى عليه · الفناء . وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها ، وأنها كانت بيد إبليس مفاتيحها ثم انتزعت منه بعد المعصية ، وقد دخلها النبي - عليه السلام - ليلة الإسراء ، ثم خرج منها وأخبر بما رأى فيها ، وأنها هي جنة الخلد حقًا ، وقولهم كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد ؛ فيغلس عليهم ، ويقال لهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء ؛ هذا لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقلٍ ، وأما قولهم : إن الجنة دار [ القدس ] (٢) وقد طهرها الله من الخطايا ؛ فهو جهل منهم، وذلك أن الله - سبحانه - أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي بالشام ، وأجمع أهل (١) من (( هـ). (٢) في ((الأصل)): الفرس. والمثبت من ((هـ)). - ٣٢٠ -