النص المفهرس
صفحات 281-300
باب : البكاء عند قراءة القرآن فيه : ابن مسعود: أن النبي ) قال: اقرأ عليّ. قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل ! فقرأت النساء حتى بلغت : ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ (١) قال لي: كف [ أو ] (١) أمسك فرأيت عينيه تذرفان . قال المؤلف : البكاء عند قراءة القرآن حسن ، قد فعله النبي عليه السلام وكبار الصحابة ، وإنما بكى عليه السلام عند هذا لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به ، وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن . ذكر أبو عبيد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه قال : انتهيت إلى رسول الله وَ# وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وعن الأعمش عن أبي صالح قال : لما قدم أهل اليمن في زمن أبي بكر سمعوا القرآن فجعلوا يبكون قال أبو بكر : هكذا كنا ثم قست القلوب . وقال الحسن : قرأ عمر بن الخطاب : ﴿إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ﴾ (٣) [فربا] (٤) ربوة عيد منها عشرين يومًا. وقال عبيد بن عمير : صلى بنا عمر صلاة الفجر فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ : ﴿ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ﴾ (٥) بكى حتى انقطع فركع . (١) النساء : ٤١ . (٢) في (( الأصل)): و. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) الطور : ٧، ٨. (٤) في ((الأصل)): وربا. والمثبت من (( هـ ). (٥) يوسف : ٨٤ . - ٢٨١ - وفي حديث آخر لما قرأ: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (١) بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف . وعن ابن المبارك ، عن مسعر ، عن عبد الأعلى التيمي قال : من أوتي من العلم ما لا [ يبكيه ] (٢) ، فليس بخليق أن يكون أوتي علمًا ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت العلماء فقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا ... ﴾ (٣) الآيتين. وقرأ عبد الرحمن بن أبي ليلى سورة مريم ؛ فلما [ انتهى ] (٤) إلى قوله: ﴿خروا سجدًا وبكيًا﴾ (٥) فسجد بها ، فلما رفع رأسه قال : هذه السجدة فأين البكاء ؟ وكره السلف الصعق والغشي عند قراءة القرآن . ذكر أبو عبيد بإسناده عن أبي حازم قال : مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : إذا قرئ عليه القرآن أو سمع الله يذكر خر من خشية الله ، فقال ابن عمر: والله [ إنا ] (٦) لنخشى الله وما نسقط . وعن عكرمة قال : سئلت أسماء : هل كان أحد من السلف يغشى [٤/ ق ٢٠٠-١] / عليه من القراءة؟ فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. وقال هشام بن حسان : سئلت عائشة عمن يصعق عند قراءة القرآن فقالت : القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ، ولكنه كما قال الله : ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلی ذکر الله ﴾ (٧) (١) يوسف : ٨٦ . (٣) الإسراء : ١٠٧ (٥) مريم : ٥٨. (٧) الزمر : ٢٣ . (٢) في ((الأصل)): يبطيه. والمثبت من ( هـ)) .. (٤) في ((الأصل)): انتهوا والمثبت من (هـ)). (٦) في ((الأصل)): إني، والمثبت من (( هـ)). - ٢٨٢ - وسئل ابن (١) سيرين عن ذلك فقال : ميعاد بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثم يقرأ عليه القرآن كله ، فإن وقع فهو كما قال . باب : من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به فيه : علي : قال النبي - عليه السلام -: (( يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، إن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)). به وفيه: أبو سعيد: قال النبي ◌َّار: (( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وعملكم مع عملهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا ، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا ، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا ، ويتمارى في الفوق )) . وفيه: أبو موسى: قال النبي قوله: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن ... )) الحديث إلى قوله: (( ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر )) . قال المؤلف : قوله : يقرءون القرآن ، لا يجاوز حناجرهم . يعني: لا يرتفع إلى الله ، ولا يؤجرون عليه لعدم خلوص النية بقراءته لله تعالى ولذلك شبه قراءة المنافق لما كانت رياء وسمعة بطعم [الريحانة] (٢) المر الذي لا يلتذ به آكله، كما لا يلتذ المنافق والمرائي بأجر قراءته وثوابها . (١) زاد فى ((الأصل)): عن. (٢) في (( الأصل)): كالريحانة. - ٢٨٣ - وقال حذيفة : أقرأ الناس بالقرآن منافق يقرؤه ، لا يترك منه ألفًا ولا واوًا ، لا يجاوز ترقوته ، وقال ابن مسعود : أعربوا القرآن ، فإنه يأتي عربي فسيأتي قوم يتقفونه ليسوا بخياركم . وروى أبو عبيد من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - عليه السلام - قال : تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا ، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر : رجل يباهي به ، ورجل [ يستأكل ] (١) به [الناس](٢)، ورجل يقرأ لله. وذكر أيضًا عن زاذان قال : من قرأ القرآن ليستأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم . وقال ابن مسعود : سيجيء على الناس زمان يسئل فيه بالقرآن ، فإذا سألوكم فلا تعطوهم . وقوله : ((ينظر في النصل)) فالنصل : حديدة السهم . والقدح عوده والفوق منه : موضع الوتر . وجمعه أفواق وفوق [ وفقًا ] (٣) باب : اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم وفيه : جندب: قال النبي - عليه السلام -: ((اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه )) . وفيه : عبد الله أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع النبي يقرأ خلافها ، فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي - عليه السلام - فقال : كلاكما محسن فاقرء! أكبر علمي قال: فإن من كان قبلكم اختلفوا [فأهلكهم ] (٤) الله. قال المؤلف : قوله: اقرءوا ما ائتلفت قلوبكم . فيه الحض (١) في ((الأصل)): سيُأكل، والمثبت من (( هـ). (٢) من (( هـ ) . (٣) في (( الأصل )): فوقًا . والمثبت من ( هـ )» (٤) في ((الأصل)): أهلكهم. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٢٨٤ - على الألفة والتحذير من الفرقة في الدين ، فكأنه قال : اقرءوا القرآن والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه - أي [ فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة فقوموا عنه: أي ] (١) فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة ، وارجعوا إلى [ المحكم ] (٢) الموجب للألفة، وقوموا للاختلاف)(٣) وعما أدى إليه ، وقاد إليه لا أنه أمر بترك قراءة القرآن [باختلاف القراءات ] (١) التي أباحها لهم لأنه قال لابن مسعود والرجل الذي أنكر عليه مخالفته له في القراءة : كلاكما محسن ، فدل أنه لم ينهه عما جعله فيه محسنًا ، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي إلى الهلاك بالفرقة في الدين . (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): الحكم. والمثبت من ( هـ ). (٣) في (( هـ)): عن الاختلاف. - ٢٨٥ - [٤/ ق ٢٠٠ -ب] كتاب التمني / باب : من ( يتمنى ) (١) الشهادة فيه أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( والذي نفسي بيده [لولا] (٢) أن رجالا يكرهون أن يتخلفوا بعدي ، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل )) . فيه من الفقه : جواز تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها ، وإن علم أنه لا ينالها حرصًا على الوصول إلى أعلى درجات الطاعة . وفيه : فضل الشهادة على سائر أعمال البر لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع ( درجتها ) (٣) ، وكرامة أهلها لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وذلك والله أعلم لسماحة أنفسهم ببذل مهجتهم في مرضاة الله وإعزاز دينه ، ومحاربة من حاده وعاداه ، فجازاهم بأن عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة في الدار الباقية ، فكانت المجازاة من حسن الطاعة . باب : تمني الخير وقول النبي - عليه السلام - : لو كان لي أحد ذهبًا فيه: أبو هريرة : قال عليه السلام: (( لو كان ( لي ) (٤) أحد ذهبًا (١) في (( هـ، ن)): تمنى. (٢) في ((الأصل)): لو. والمثبت من (( هـ، ن)). (٣) في (( هـ ) : منزلتها. (٤) في (( هـ، ن)): عندي. - ٢٨٦ - لأحببت ألا يأتي ثلاث وعندي منه دینار ؛ ليس شيء أرصده في دين عليّ أجد من يقبله )) . في هذا الحديث من الفقه جواز تمني الخير [وأفعال البر ] (١) لأنه عليه السلام تمنى لو كان له مثل أحد ذهبًا لأحب أن ينفقه في طاعة الله قبل أن يأتي عليه ثلاث ليال . وقد تمنى الصالحون ما يمكن كونه وما لا يمكن حرصًا منهم على الخير ، فتمنى بنو الزبير منازل من الدنيا لتنفذ أموالهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . روي أن عبد الله وعروة [ومصعبًا بني ] (٢) الزبير بن العوام اجتمعوا عند الكعبة ، فقال عبد الله : أحب أن لا أموت حتى أكون خليفة . وقال مصعب: أحب أن [ ألي ] (٣) العراقين: الكوفة والبصرة ، وأتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة . وقال عروة: لكني أسأل الله الجنة ، فصار عبد الله ومصعب إلى ما تمنيا ، [وترون] (٤) أن عروة صار إلى الجنة إن شاء الله، وما تمنوه مما لا سبيل إلى كونه تصغيرًا لأنفسهم وتحقيراً لأعمالهم ، فتمنوا أنهم لم يخلقوا وأنهم أقل الموجودات . روي عن أبي بكر الصديق أنه قال : وددت أني خضرة تأكلني الدواب . وتناول عمر بن الخطاب تبنة من الأرض فقال : ليتني كنت هذه ، ليتني لم أك شيئًا ، ليت أمي لم تلدني ، ليتني كنت نسيًا منسيًا . وقرأ عمر : ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا ﴾ (٥) فقال: يا ليتها تمت . وقال عمران بن حصين : وددت أني رماد على أكمة تسفيني الرياح في يوم عاصف . (١) من ((هـ). (٢) في ((الأصل)): ومصعب بنوا. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): لي. والمثبت من ((هـ)). (٤) في (( الأصل)): ويروى . (٥) الإنسان : ١ . - ٢٨٧ - وقال أبو ذر : وددت أن الله خلقني شجرة تقضم . ومرت عائشة بشجرة فقالت : يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة . وقال أبو عبيدة: وددت أني كبش فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي . وإنما حملهم على ذلك شدة الخوف من مسائلة الله. والعرض عليه ، وعلى قدر العلم بالله تكون الخشية منه ، ولذلك قال الفضيل : من مقت نفسه في الله أمنه الله من مقته . باب: قول النبي - عليه السلام -: (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس [ حين ] (١) حلوا)) وذكره من حديث جابر أيضًا . قوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت)) أي لو علمت أن أصحابي يأتون من العمرة في أشهر الحج ما أحرمت بالحج مفردًا ، ولأحرمت بالعمرة فلو أحرمت بالعمرة لم يكرهها أحد منهم ، وللانت نفوسهم لفعلي لها واختياري في نفسي ، فكرهوها حين أمرهم بها ؛ لكونهم على خلاف فعل نبيهم ؛ مع أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون العمرة في أشهر الحج فتمنى عليه السلام موافقة أصحابه ، وكره ما ظهر منهم من الإشفاق لمخالفتهم له ، ففي هذا من الفقه أن الإمام والعالم ينبغي له أن يسلك سبيل الجمهور وألا يخالف الناس في سيرته وطريقته . (١) في ((الأصل)): حتى، والمثبت من ((هـ، ن)). - ٢٨٨ - [٤/ ق١ ٠ ٢ -١] باب: قول النبي - عليه السلام - / ((ليت كذا وكذا)) فيه : عائشة قالت: (( أرق النبي - عليه السلام - ذات ليلة فقال : [ليت] (١) رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة، فأتى سعد فحرسه. وقال بلال : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد [وحولي إذخر وجليل ](١) فأخبرت [عائشة] (١) النبي ◌َّر. [ قال المؤلف ] (٢): فيه أباحة تمني ما ينتفع به في الدنيا ، ويمكن أن يكون هذا الحديث قبل أن ينزل عليه : ﴿والله يعصمك من الناس﴾(٣). فلما علم ذلك لم يحتج إلى حارس بعد ، ويمكن أن يفعله عليه السلام بعد نزول الآية عليه ليستن به الأمراء ، ولا يضيعوا حرس أنفسهم في أوقات الغرة والغفلة ، والله أعلم . باب : تمني القرآن والعلم فيه: أبو هريرة قال النبي ◌َّر: (( لا تحاسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن ، فهو يتلوه آناء الليل والنهار فيقول : لو أتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما يفعل [ ورجل آتاه الله مالاً ينفقه في حقه يقول : لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما يفعل ] (٢))). هذا من الحسد الحلال ، والحاسد فيه مشكور ؛ لأنه إنما حسده على العمل بالقرآن والعلم ، وحسد صاحب المال على نفقته له في حقه فلم يقع الحسد على شيء من أمور الدنيا ، وإنما وقع على ما يرضي الله ويقرب منه ، فلذلك كان تمنيه حسنًا ، وكذلك تمني سائر أبواب (١) من ((هـ، ن)). (٣) المائدة : ٦٧ . (٢) من (( هـ )). - ٢٨٩ - الخير إنما يجوز منه ما كان في معنى هذا الحديث إذا خلصت النية في ذلك لله ، وخلص ذلك من البغي والحسد . باب : ما يكره من التمني قول الله تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ (١) فيه: أنس قال: (( لولا أني سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( لا تمنوا الموت لتمنيته )) فیه : خباب مثله . وفيه أبو هريرة: قال عليه السلام : (( لا يتمنى أحدكم الموت إما [محسنًا] (٢) فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب)). [ قال المهلب : بين ] (٣) الله - تعالى - في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا [وأشباهه ] (٤). قال الطبري : وقيل : إن هذه الآية نزلت في نساء تمنين منازل الرجال ، وأن يكون [ لهن ] (٥) ما لهم فنهى الله - تعالى - عن الأماني الباطلة ؛ إذا كانت الأماني الباطلة تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق. وقال ابن عباس في هذه الآية : لا يتمنى الرجل يقول: ليت لي مال فلان وأهله ، فنهى الله عن ذلك وأمر عباده أن يسألوه من فضله وسئل الحسن البصري فقيل له : الرجل يرى الدار فتعجبه والدابة فتعجبه فيقول : ليت لي مثل هذه الدار ، ليت لي مثل هذه الدابة. قال الحسن : لا يصلح هذا . قيل له : فيقول : ليت لي مثل هذه الدار. فقال : ولا هذا . قيل له : إنا كنا لا نرى بأسًا بقوله : ليت لي مثل (٢) في (( الأصل)): محسن. والمثبت من ( هـ ، ن )) (١) النساء : ٣٢. (٣) في ((الأصل)): من. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): وأسبابها. والمثبت من (( هـ)). (٥) في ((الأصل)): لهم. والمثبت من ((هـ). - ٢٩٠ - هذا . فقال الحسن : ألا ترى قوله عز وجل : ﴿ يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ﴾ (١) . أتدري ما يقدر له ؟ ينظر إن كان خيرًا أن [ يبسطه] (٢) له بسطه ، وإن كان خيرًا أن يمسكه عنه أمسكه ، فينطلق إلى شيء نظر الله فيه أنه خير لك فأمسكه عنك فتسأله إياه ، فلعلك لو أعطيت ذلك كان فيه هلكة في دينك ودنياك ، ولكن إذا سألت فقل : اللهم إني أسألك من فضلك ، فإن أعطاك أعطاك خيارًا، وإن أمسك عنك أمسك عنك خيارًا . ومعنى نهيه عليه السلام عن تمني الموت ، فإن الله قد قدر الآجال فمتمني الموت غير راضٍ بقدر الله ولا مسلم لقضائه ، وقد بين النبي - عليه السلام - ما للمحسن والمسيء في أن لا يتمنى الموت ، وذلك ازدياد المحسن من الخير ورجوع المسيء عن الشر، وذلك نظر من الله للعبد [وإحسان ] (٣) منه إليه خير له من تمنيه الموت ، وقد تقدم في كتاب المرضى حيث يجوز تمني الموت ، [وحيث لا يجوز ، والأحاديث المعارضة في ذلك وبيان معانيها في باب تمني الموت ] (٤). باب : قول الرجل : لولا الله ما اهتدينا فيه : البراء قال: (( كان النبي * ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ، ولقد رأيته وارى التراب بياض بطنه يقول : لولا أنت ما اهتدينا نحن ولا تصدقنا ولا صلينا )) . لولا عند العرب يمتنع بها الشيء لوجود غيره يقول : لولا زيد ما صرت إليك : أي كان مصيري إليك من أجل زيد ، وكذلك قوله / : [٤/ ٢٠١٥-ب] (( لولا الله ما اهتدينا)) . أي كان هدانا من أجل هداية الله لنا (١) العنكبوت: ٦٢. (٢) في ((الأصل)): يبسط. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): اختيار. والمثبت من (( هـ). (٤) من (( هـ)). - ٢٩١ - فوجود الهدى منع وقوع الضلال ، وذلك كله من فعل الله بعباده فلا يفعل [ العبد ] (١) الطاعة ولا يجتنب المعصية إلا بقدر الله وقضائه على العبد . باب : ( كراهة ) (٢) التمني للقاء العدو فيه : عبد الله بن أبي أوفى: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية)» .. قد تقدم هذا الباب في كتاب الجهاد ، وجملة معناه : النهي عن تمني المكروهات والتصدي للمحذورات ، ولذلك [ سأل ] (٣) السلف العافية من الفتن والمحن ؛ لأن الناس مختلفون في الصبر على البلاء. باب : ما يجوز من اللو وقوله تعالى : ﴿لو أن لي بكم قوة .. ﴾ (٤). فيه : ابن عباس : (( ذكر المتلاعنين فقال عبد الله بن شداد : هي التي قال النبي - عليه السلام -: لو كنت [راجمًا] (٥) امرأة من غير بينة ؟ قال : لا ، تلك المرأة أعلنت )» . وفيه : ابن عباس: ((اعتم النبي ◌َّر بالعشاء ، فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله ، وقد النساء والصبيان . فخرج ورأسه يقطر يقول : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم [ بالصلاة هذه الساعة)) . (١) في ((الأصل)): العبيد. والمثبت من ((هـ). (٢) في ((هـ، ن)): كراهية. (٣) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ )) . (٥) في ((الأصل)): راجم. والمثبت من ((هـ ، ن)). (٤) هود : ٨٠ . - ٢٩٢ - وفيه: أبو هريرة: قال النبي: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ] (١) بالسواك )» . وفيه : أنس : ( واصل النبي - عليه السلام - آخر الشهر ، وواصل ناس من الناس، فبلغ النبي صل فقال النبي (٢): [ لو ](٣) مد في الشهر لواصلت وصالاً بدع المتعمقون تعمقهم . وقال مرة : لو تأخر لزدتكم کامنکل لهم)» . وفيه : عائشة : قال النبي - عليه السلام - : « لولا أن قومك حدیث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أجعل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض )» . وفيه أبو هريرة: قال عليه السلام: (( لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار)) . [ وعن عبد الله بن زيد مثله ] (٤) . لو : تدل عند العرب على امتناع الشيء لامتناع غيره كقوله : لو جاءني زيد لأكرمتك . معناه : أني امتنعت من كرامتك لامتناع زيد من المجيء . وقوله : ﴿ لو أن لي بكم قوة ﴾ (٥) جواب لو محذوف كأنه قال : لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد ، وحذفه أبلغ ؛ لأنه يحصر النفي بضروب المنع . فإن قيل: لم قال: (( أو آوي إلى ركن شديد)) مع أنه يأوي إلى الله ؟ فالجواب : أنه إنما أراد العدة من (١) من (( هـ، ن )). (٢) زاد فى ((الأصل)): عليه . وهي مقحمة. (٣) في ((الأصل)»: لولا. (٤) من (( هـ )). (٥) هود : ٨٠ . - ٢٩٣ - الرجال ، وإلا فله ركن وثيق مع معونة الله ونصره ، وتضمنت الآية [البيان] (١) عما يوجبه حال المحق إذا رأى منكراً لا يمكنه [إزالته] (٢) مع التحسر على قوة أو معين على دفعه لحرصه على طاعة ربه ، وجزعه من معصيته ، فامتنع من الانتقام من قومه لامتناع من يعينه على ذلك . وقوله: ((لو كنت راجمًا بغير بينة)). أمتنع من رجم المرأة لامتناع وجود البينة ، وكذلك امتنع من معاقبتهم بالوصال لامتناع امتداد الشهر ، ومثله : لو سلك الناس واديًا لسلكت وادي الأنصار . قال المهلب : وإنما قال ذلك للأنصار تأنيسًا لهم ليغبطهم [ بحالهم ] (٣) ، وأنها مرضية عنده وعند ربهم ، لكنه أعلمهم بأنه امتنع من أن يساويهم في حالهم لوجود الهجرة التي لا [يمكنه ] (٤) تركها، وسائر ما في الباب من [ الأحاديث؛ فإنها بلفظ لولا التي تدل على امتناع الشيء لوجود غيره كقوله: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة))، و((لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة )) فامتنع من](١) أمرهم بذلك لوجود الشقة بهم عند امتثالهم أمره . وقوله : (( لولا أن قومك حديث عهدهم بالكفر فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت)). [ فامتنع ربَّ من هدم] (٥) البيت وبنيانه على قواعد إبراهيم من أجل الإنكار الحاصل لذلك قال الطبري : فإن قال قائل : فقد روى ابن عيينة عن ابن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن [ قل ] (١): قدر الله وما شاء فعل، فإن لو مفتاح (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): أن الله. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): بحاله. والمثبت من ((هـ). (٤) في ((الأصل)): يمكنها. والمثبت من ( هـ). (٥) في ((الأصل)): فأهدم. والمثبت من ( هـ). - ٢٩٤ - الشيطان)). فنهى عن لو في هذا الحديث، [ و] (١) هذا معارض لما جاء من إباحة لو في كتاب الله ، وفي الأحاديث المروية في ذلك . قيل له : لا تعارض بين شيء من ذلك ، ولكل وجه ومعنى غير معنى صاحبه ؛ فأما نهيه عن اللو في حديث ابن عجلان فمعناه : لا تقل أني لو فعلت كذا لكان كذا على القضاء والحتم ، فإنه كائن لا محالة ، فأنت غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله ، هذا الذي نهى عنه ؛ لأنه قد سبق في علم الله كل ما يناله [المرء] (١) . قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل / أن نبرأها﴾ (٢). [٤/ ق٢٠٢-١] فأما إذا كان قائله ممن يوقن بأن الشرط إذا وجد لم يكن المشروط إلا بمشيئة الله وإرادته ، فذلك هو الصحيح من القول ، وقد قال أبو بكر الصديق للنبي وَله وهو في الغار : لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا . فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، ولم ينكر ذلك عليه صلى الله عليه ؛ إذ كان عالما [بمخرج](٣) كلامه ، وأنه إنما قال ذلك على ما جرت به العادة ، واستعمله الناس على ما الأغلب كونه عند وقوع السبب الذي ذكره، وإن [ كان] (١) قد كان [ جائزًا] (٤) أن يرفع جميع [المشركين] (٥) الذين كانوا فوق الغار أقدامهم ثم ينظروا فيحجب الله أبصارهم عن رسوله ، وعن صاحبه [ فلا يراهما منهم أحد ] (٦) ، وكان جائز أن يحدث الله عمىّ في أبصارهم ، فلا يبصرونهما ، مع أسباب غير ذلك كثيرة ، وأن أبا بكر لم يقل ذلك إلا على إيمان منه بأنهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروا رسول الله إلا أن يشاء الله ذلك، فهذا [ مفسر](٧) لحديث ابن عجلان وناف للتعارض في ذلك ، والله الموفق . (١) من (( هـ )). (٣) فى ((الأصل)): مخرج. (٢) الحديد : ٢٢ . (٤) في ((الأصل)): جائزٌ، والمثبت من (( هـ). (٥) في ((الأصل)): المشركون. والمثبت من (( هـ)). (٦) في ((الأصل)): فلا تراهم أعينهم . (٧) في ((الأصل)): تفسير . - ٢٩٥ - كتاب القدر [ باب في القدر ] (١) فيه : عبد الله قال : حدثنا رسول الله - وهو الصادق المصدوق - أن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ثم علقة مثل ذلك ، ثم مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربعة : برزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد ، فوالله إن أحدكم أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع ( أو ذراعين ) (٢) فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع ( أو ذراعين ) (٢) فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها )). وفيه : أنس قال عليه السلام: (( وكل الله بالرحم ملكًا فيقول : أي رب، نطفة ؟ أي رب علقة؟ أي رب ، مضغة ؟ فإذا أراد [الله ] (٣) أن [يقضي ] (٤) خلقها قال : يا رب ، أذكر أم أنثى؟ أسعيد أم شقي ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب [ كذلك ] (٥) في بطن أمه )). قال المهلب : في هذا الحديث رد لقول القدرية واعتقادهم أن العبد يخلق أفعاله كلها من الطاعات والمعاصي ، وقالوا : إن الله منزه (١) من ((هـ)). (٣) من (( هـ ، ن )) (٢) في (( هـ )» : أو باع . (٤) في ((الأصل)): قضى. والمثبت من ((هـ ، ن)). (٥) في ((الأصل)): ذلك، والمثبت من ((هـ، ن)). - ٢٩٦ - عن أن يخلق المعاصي والزنا والكفر وشبهه ، فبان في هذا الحديث تكذيب قولهم ، بما أخبر به عليه السلام أنه يكتب في بطن أمه شقي أو سعيد مع تعريف الله العبد أن سبيل الشقاء هو العمل بالمعاصي والكفر ، فكيف يجوز أن يعمل بما أعلمه الله أنه يعذبه عليه ، ويشقيه به ، مع قدرة العبد على اختياره لنفسه ، وخلقه لأعماله دون الله ، تعالى الله أن يكون معه خالق غيره . ثم قطع القدرية بقوله: فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، فلو كان الأمر إلى اختياره أتراه كان يختار خسارة عمله طول عمره بالخير ، ثم يخلق لنفسه عملاً من الشر والكفر ، فيدخل به النار ؟ وهل السابق له إلا فعل ربه وخلقه له ، وخلق عمله [للشيء] (١) كسبًا له فاكتسبه العبد لشهوة نفسه الأمارة بالسوء مستلذً بذلك العمل الذي أقدره الله عليه بقدرة خلقها له بحضرة الشيطان المغوي لنفسه الأمارة له مع الشيطان بالسوء [ فاستحق] (٢) العقاب على ذلك. فانقطعت حجة العبد بالنذارة ، وانقطعت حجة القدرية بسابق كتاب الله على العبد العارف بما آل أمره ، باكتسابه للعمل القبيح ، لخلق الله له قدرة على عمله بحضرة عدويه : [ نفسه ] (٣) وشيطانه، ولذلك نسب الشر إلى الشيطان لتزيينه له ، ونسب الخير إلى الله لخلقه لعبده، وإقداره للعبد عليه بحضرة الملك المسدد له ، الدافع لشيطانه عنه بعزة الله وعصمته . هذا هو أصل الكلام على القدرية [ ثم يلزم القدرية ] (٤) أن يكون العبد شريكًا لله في خلقه [ بأن ] (٥) يكون العبد يخلق أفعاله والله قد أبى من ذلك بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾(٦)، وقوله: ﴿هل من خالق غير الله﴾ (٧) ، فخالفوا النص (١) في ((الأصل)): الشيء. والمثبت من ((هـ). (٢) في ((الأصل)): واستحق. والمثبت من (( هـ). (٣) في ((الأصل)): نفسانه. والمثبت من (( هـ)). (٤) من (( هـ ). (٥) في ((الأصل)): وأن. والمثبت من ( هـ)). (٦) الزمر : ٦٢ . (٧) فاطر : ٣ . - ٢٩٧ - وأوجبوا للعبد من القدرة على خلق أعماله ما أوجبه الله لنفسه تعالى من الانفراد بالخلق ، ولذلك سميت القدرية: مجوس هذه الأمة [لقولها] (١) بخالقين مثل ما قالته المجوس من اعتبارها لأرباب من الشمس والقمر والنور ، والنار والظلمة ، كل على اختياره ، وقد [٢٠٢٠/٤-ب] نص الله سبحانه وتعالى على إبطال قول القدرية / لعلمه بضلالتهم ليهدي بذلك أهل سنته فقال: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (٢) . وقوله : يجمع في بطن أمه [ قد فسره ابن مسعود سئل الأعمش ما يجمع في بطن أمه ] (٣) ؟ قال : حدثني خيثمة قال : قال عبد الله: إن النطفة ( إذا وقعت ) (٤) في الرحم ، فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تصير دمًا في الرحم فذلك جمعها . باب : جف القلم علی علم الله : [ وقوله تعالى: ﴿وأضله الله على علم﴾ (٥)] (٣) وقال أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: ((جف القلم بما أنت لاق . وقال ابن عباس : لها سابقون سبقت لهم السعادة . فيه : عمران بن حصين : قال رجل : يا رسول الله ، أتعرف أهل الجنة من أهل النار ؟ قال : نعم. قال : فلم يعمل العاملون ؟ قال : كل يعمل لما خلق له - أو ما ییسر له - . قال المهلب : غرض البخاري في هذا الباب غرضه المتقدم من (١) في ((الأصل)): بقولها. والمثبت من ((هـ)). (٢) الصافات ٩٦ . (٣) من (( هـ)). (٤) تكررت في الأصل (٥) الجاثية : ٢٣ . - ٢٩٨ - ۔۔ إدحاض حجة القدرية بهذه النصوص من كلام الله وكلام رسوله ، فأخبر أنه قد فرغ من الحكم على كل نفس ، وكتب القلم ما يصير إليه العبد من خير أو شر في أم الكتاب ، وجف [ مداده ] (١) على المقدور من علم الله . فأضله الله على علم به ، ومعرفة بما كان يصير إليه أمره لو أهمله ألا يسمعه قد بين ذلك في كتابه حيث يقول : ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ (٢). فعرفنا أنه كان بنا عالمًا حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة [وأحاط] (٣) علماً بما يقع من تلك الطينة لكل شخص من أشخاص ولده إلى يوم القيامة المتناسلين من صلب إلى صلب في أعداد لا يحيط بها إلا محصيها ، وعلم ما قسمه من تلك الطينة من طيب أو خبيث ، وعلم ما يعمل كل واحد من الطاعة والمعصية ليشاهد أعماله بنفسه ، وكفى بنفسه شهيدًا عليه ، وتشهد له عليه ملائكته وما عاينه من خلقه ، فتنقطع حجته، [ وتحق ] (٤) عقوبته ، ولذلك قال لأبي هريرة حين أراد أن يختصي خشية الزنا على نفسه: (( قد جف القلم بما أنت لاق)). فاختص على ذلك أبو ذر ، فعرفه أنه لا يعدو ما جرى به القلم عليه من خير أو شر ، فإنه لا بد عامله ومكتسبه ، فنهاه عن الاختصاء بهذا القول الذي ظاهره التخيير ، ومعنى النهي والتبكيت لمن أراد الهروب عن القدر والتعريف له أنه إن فعل ، فإنه أيضًا من القدر المقدور عليه فيما جف به القلم عليه . (١) في ((الأصل)): بمداده. والمثبت من ((هـ)). (٢) النجم : ٣٢. (٣) في ((الأصل)): واحتاط. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): وتحقق. والمثبت من (( هـ)). - ٢٩٩ - وقد سئل الحسن البصري عن القدر فقال : إن الله خلق الخلق للابتلاء ، لم يطيعوه بإكراه منه ، ولم يعصوه بغلبة ، ولم يهملهم من المملكة ؛ [ بل ] (١) كان المالك لما ملكهم فيه ، والقادر لما قدره عليهم، فإن تأثم العباد بطاعة الله لم يكن الله صادًا عنها ، ولا مبطئًا؛ بل يزيدهم هدى إلى هداهم ، وتقوى إلى تقواهم ، وإن تأثم العباد. بمعصية الله كان القادر على صرفهم ؛ إن شاء فعل وإن شاء خلى بينهم وبين المعصية [ فيكسبونها ] (٢)، فمن بعد الإعذار والإنذار لله الحجة البالغة ، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون ، فلو شاء لهداكم أجمعين. وقال المهلب : في حديث عمران حجة لأهل السنة [على ] (٣). المجبرة من أهل القدر وذلك قوله: (( اعملوا ، فكل ميسر [ لما خلق له)). ولم يقل : فكل مجبر على ما خلق له ، وإنما أراد لما خلق له] (٤) من عمله للخير أو للشر . فإن قيل : إنما أراد بقوله : لما خلق له الإنسان من جنة أو نار ، فقد أخبر أنه [ ميسر لأعمالها ] (٥) ومختار لا [ مجبر ] (٦)؛ لأن الخير لا يكون باختيار ، وإنما هو بإكراه . باب : قوله : الله أعلم بما كانوا عاملين فيه: ابن عباس: سئل النبي ◌َّر عن أولاد المشركين فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). وفيه : أبو هريرة مثله. [ وقال عن ](٧) النبي- عليه السلام -: (( ما (١) في ((الأصل)): فإن. والمثبت من (( هـ ). (٢) في ((الأصل)): فيكسب بها. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)) : له لما خلق . (٣) من (( هـ )). (٥) في ((الأصل)): مسئول عمالها. والمثبت من ((هـ)). (٦) في ((الأصل)): مجبراً. والمثبت من (هـ)). (٧) في ( الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ) .. - ٣٠٠ -