النص المفهرس
صفحات 261-280
حسن الترنم بالقرآن))، ومعقول عند ذوي [ الحجا] (١) أن الترنم لا
يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به . وروي في هذا
الحديث: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن
يجهر به ، رواه يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن
أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - . قال الطبري : وهذا الحديث
أبين البيان أن ذلك كما قلنا ، ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن
كذلك ، وحسن الصوت والجهر به معني . والمعروف في كلام العرب
أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع ، وقال
الشاعر :
إن الغناء لهذا الشعر مضمار
تغن بالشعر أما كنت قائله
قال : وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش في كلام
العرب وأشعارها ، فلا نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله ،
وأما احتجاجه ليصح قوله بقول الأعشى :
وكنت امرأً زمنًا بالعراق
عفيف المناخ طويل التغن
وزعم أنه أراد بقوله : طويل التغن : طويل الاستغناء ، أي الغنى،
فإنه غلط ، وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع الإقامة من قول
العرب : غني فلان بمكان كذا إذا أقام به ، ومنه قوله تعالى : ﴿ كأن
لم يغنوا فيها ﴾ (٢) ، وأما استشهاده بقوله :
کلانا غني عن أخیه حیاته
ونحن إذا متنا أشد تغانيا
فإنه إغفال منه ، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين ، إذا استغنى
كل واحد منهما عن صاحبه كما يقال : تضارب الرجلان إذا ضرب
كل واحد منهما صاحبه ، وتشاتما وتقاتلا، ومن قال هذا القول في
فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد ، [ و ] (١) غير جائز
(١) من (( هـ)).
(٢) الأعراف : ٩٢ .
- ٢٦١ -
أن يقال : تغانى زيد وتضارب عمرو ، وكذلك غير جائز أن يقال :
تغنى زيد بمعنى استغنى ، إلا أن يريد قائله أنه أظهر الاستغناء وهو به
غير مستغنِ كما يقال: تجلد فلان إذا أظهر الجلد من نفسه ، وهو غیر
جلید ، وتشجع وهو غیر شجاع ، وتکرم وهو غیر کریم ، فإن وجه
[ موجه] (١) الغنى بالقرآن [ إلى هذا المعنى] (٢) على بعده من
[مفهوم] (٢) كلام العرب كانت المصيبة في خطابه في ذلك أعظم ؛
لأنه لا يوجب ذلك من تأويله أن يكون الله تعالى [ لم ](٣) يأذن لنبيه
أن يستغني بالقرآن ، وإنما أذن له أن يظهر للناس من نفسه خلاف ما هو
به من الخلال ، وهذا لا يخفى فساده .
قال : ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أيضًا ألا يستغني عن الناس
بالقرآن . من المحال أن يوصف أحد بأنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن
يكون الإذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة ، فإن
كان كذلك فهو غلط من وجهين : أحدهما : من اللغة ، والثاني: من
(٤/ ١٩٦٥ - ب] إحالة المعنى عن وجهه / ، فأما اللغة فإن الإذن مصدر قوله أذن فلان
لكلام فلان ، فهو يأذن له إذا استمع له وأنصت ، كما قال تعالى :
﴿وأذنت لربها وحقت﴾ (٤) بمعنى: سمعت لربها [وحق ] (٥) لها
ذلك كما قال عدي بن يزيد :
إن همي في سماع وأذن
بمعنى : في سماع واستماع . فمعنى قوله : ما أذن الله لشيء إنما هو
ما استمع الله إلى شيء من كلام الناس ما استمع إلى نبي يتغنى بالقرآن .
وأما الإحالة في المعنى فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز
وصفه بأنه مسموع ومأذون له .
(١) في ((الأصل)): متوجه. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)) : أن.
(٥) في (( الأصل)): فيحق. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)).
(٤) الانشقاق : ٢ .
- ٢٦٢ -
قال المؤلف : وقد رفع الإشكال في هذه المسألة أيضًا ما رواه ابن
أبي شيبة قال : حدثنا يزيد بن الحباب قال : حدثنا موسى بن علي بن
رياح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَله: ((تعلموا
القرآن وتغنوا به واكتبوه ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تقصيًا من
المخاض من العقل )) .
وذكر أهل التأويل في قوله تعالى : ﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك
الكتاب يتلى عليهم﴾ (١) أن هذه الآية نزلت في قوم أتوا النبي بكتاب
فيه خبر من أخبار الأمم . [ فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن علم
أخبار الأمم ] (٢) على ما ذكره إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة ،
وليس المراد بالآية الاستغناء الذي هو ضد الفقر وإتباع البخاري
الترجمة بهذه الآية يدل أن هذا كان مذهبه في الحديث ، والله أعلم .
[ وسيأتي شيء من هذا المعنى في آخر كتاب الاعتصام في باب ذكر
النبي صَلّ وروايته عن ربه عز وجل، وفي باب قول النبي وَّل: الماهر
بالقرآن مع الكرام البررة إن شاء الله - عز وجل ] (٣) .
باب : اغتباط صاحب القرآن
فيه ابن عمر: سمعت النبي - عليه السلام - قال: (( لا حسد إلا على
اثنتين : رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل ، ورجل أعطاه الله مالاً
فهو یتصدق به آناء الليل والنهار )) .
وفيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: (( لا حسد إلا في اثنتين : رجل علمه
(١) العنكبوت : ٥١ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): وسيأتي في كتاب الاعتصام منه. والمثبت من ((هـ)).
- ٢٦٣ -
=
الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل [وآناء ] (١) النهار ، فسمعه جار له فقال :
ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ، ورجل آتاه الله
مالاً فهو يهلكه في الحق ؛ فقال رجل : ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان
فعملت مثل ما یعمل )) .
قال المؤلف : ذكر أبو عبيد بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن
العاص قال : من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا ، وقد استدرجت
النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه ، فلا ينبغي لصاحب القرآن أن
یرفث فیمن یرفث ولا يجهل فیمن یجهل ، وفي جوفه كلام الله:
وقال سفيان بن عيينة : من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء مما
صغر القرآن فقد خالف القرآن ، ألم يسمع قوله عز وجل : ﴿ ولقد
آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم ... ﴾ (٣) الآية. قال: يعني
القرآن ، وقوله عز وجل : ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون
ربهم خوفًا﴾ (٤) الآية. قال : هو القرآن.
قال أبو عبيد: ومن ذلك قول النبي - عليه السلام -: (( ما أنفق
عبد من نفقة أفضل من نفقة في قول)) . ومنه قول شريح لرجل سمعه
يتكلم فقال له : أمسك عليك نفقتك . وفي حديث ابن عمر وأبي
هريرة : أن حامل القرآن ينبغي له القيام به آناء الليل والنهار ، ومن
فعل ذلك فهو الذي يحسد على فعله فيه ، وكذلك من آتاه الله مالاً
وتصدق به آناء الليل والنهار، فهو المحسود عليه، ومن لم يتصدق به وشح
عليه فلا ينبغي حسده عليه لما يجتني من سوء عاقبته وحسابه [عليه](٥).
(١) في ((الأصل)): وأطراف. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) السجدة : ١٦ .
(٣) الحجر : ٨٧ .
(٥) في ((الأصل)): عنه. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٦٤ -
باب : خيركم من تعلم القرآن وعلمه
فيه : عثمان عن النبي - عليه السلام - قال: (( خيركم من تعلم القرآن
وعلمه )) .
قال أبو عبد الرحمن : وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا ، وقال مرة :
إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه .]
وفيه : سهل بن سعد: (( أن امرأة أتت النبي - عليه السلام - فقالت :
إني قد وهبت نفسي لله ولرسوله الحديث ، فقال رجل : زوجنيها إلى
قوله : قد زوجتكها بما معك من القرآن .
قال المؤلف : حديث عثمان يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر
كلها ؛ لأنه لما كان من تعلم القرآن أو علمه أفضل الناس وخيرهم دل
ذلك على ما قلناه ؛ لأنه [ إنما ] (١) وجبت له الخيرية والفضل من
أجل القرآن ، وكان له فضل التعليم جاريًا ما دام كل من [ علمه ] (٢)
تاليًا . وحديث سهل إنما ذكره في هذا الباب ؛ لأنه زوجه المرأة لحرمة
القرآن .
ومما روي في فضل تعلم القرآن وحمله ما ذكره أبو عبيد من حديث
عقبة بن عامر / قال : خرج علينا رسول الله ونحن في الصفة، [٤/ ١٩٧٥-١]
فقال: ((أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأخذ
ناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطيعة رحم . قلنا : كلنا يا
رسول الله نحب ذلك. قال : فلأن بعد يغدو أحدكم [ كل يوم ] (٣)
إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله [ خير له ] (٣) من ناقتين ومن
ثلاث ومن أعدادهن من الإبل .
وذكر عن كعب الأحبار أن في التوراة أن الفتى إذا تعلم القرآن وهو
حديث السن وعمل به وحرص عليه وتابعه ؛ خلطه الله بلحمه
(١) في ((الأصل)): لما. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عمله. والمثبت من ( هـ).
(٣) من (( هـ)).
- ٢٦٥ -
ودمه وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة ، وإذا تعلم الرجل القرآن
وقد دخل في السن وحرص عليه ، وهو في ذلك يتابعه وينفلت منه
کتب له أجره مرتین
وروي عن الأعمش قال : مر أعرابي بعبد الله بن مسعود وهو يقرئ.
قومًا القرآن فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقال ابن مسعود : يقتسمون
ميراث محمد نَّه وقال عبد الله بن عمرو: عليكم بالقرآن،
فتعلموه وعلموه أبناءكم ، فإنكم عنه تسألون ، وبه تجزون ، وكفى به
واعظًا لمن عقل . وقال ابن مسعود : لا يسأل أحد عن نفسه غير
القرآن ، فإن كان يجب القرآن فإنه يحب الله ورسوله ، وعن أنس
عن النبي - عليه السلام - قال : إن لله أهلين من الناس . قيل: من
هم يا رسول الله ؟ قال : هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته .
باب : القراءة ( على ) (١) ظهر ( قلبه) (٢)
فيه : سهل بن سعد، وذكر حديث الموهوبة، فقال النبي ◌ُّل للرجل:
((ماذا معك من القرآن ؟ قال : معي سورة كذا وسورة كذا [ وسورة
كذا](٣). قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. فقال : اذهب فقد
ملكتكها بما معك من القرآن )) .
قال المؤلف : هذا الحديث يدل على خلاف ما تأوله الشافعي في إنكاح
النبي وَّ الرجل بما معه من القرآن ، أنه إنما زوجه إياها بأجرة تعليمها.
وقوله في هذا الحديث: [ أتقرؤهن ] (٤) عن ظهر قلبك ؟ قال : نعم.
فزوجه لذلك . فدل أنه عليه السلام إنما زوجها منه لحرمة استظهاره
(١) في (( هـ، ن)): عن.
(٣) من (( هـ ، ن)) .
(٢) في (( ن)) : القلب .
(٤) من (( هـ)) ..
- ٢٦٦ -
للقرآن . وقد روي عن النبي - عليه السلام - تعظيم حامل القرآن
وإجلاله وتقديمه . ذكر أبو عبيد من حديث طلحة بن عبيد الله بن
[كريز] (١) قال: قال رسول الله وَلاول: «إن من تعظيم جلال الله
إكرام ثلاثة : الإمام المقسط ، وذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن)) .
وكان صلى الله عليه يأمر يوم أحد بدفن الرجلين والثلاثة في قبر
واحد ، ويقول : قدموا أكثرهم قرآنًا . وقد روي عن النبي - عليه
السلام - أنه أمر بالقراءة في المصحف نظرًا من حديث زيد بن أسلم عن
عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَ له: ((أعطوا
أعينكم حظها من العبادة ، قالوا : يا رسول الله ، وما حظها من العبادة؟
قال : النظر في المصحف والتفكر فيه ، والاعتبار عند عجائبه )) .
وقال يزيد بن أبي حبيب : من قرأ القرآن في المصحف خفف عن
والديه العذاب وإن كانا كافرين . وعن عبد الله بن حسان قال :
اجتمع اثنا عشر من أصحاب رسول الله و 98 على أن من أفضل العبادة
قراءة القرآن نظرًا ، وقال أسد بن وداعة : ليس من العبادة شيء أشد
على الشيطان من قراءة القرآن [ نظرًا] (٢) . وقال وكيع : قال
الثوري: سمعنا أن تلاوة القرآن في الصلاة أفضل من تلاوته في غير
الصلاة ، وتلاوة القرآن أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الصدقة،
والصدقة أفضل من الصوم ، والقراءة في المصحف أحسن من القراءة
ظاهرًا ؛ لأنها رياء . هذه الآثار من رواية ابن وضاح .
باب : استذكار القرآن وتعاهده
فيه ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: (( إنما مثل صاحب القرآن
كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد/ عليها أمسكها [وإن أطلقها ذهبت)). [٤/ ١٩٧٥ -ب]
(١) في ((الأصل)): كوثر. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): نظر. والمثبت من ( هـ)).
- ٢٦٧ -
۔۔
وفيه : ابن مسعود عن النبي وَله : استذكروا القرآن ، فإنه أشد تفصيًا
من صدور الرجال من النعم من عقلها ، ورواه أبو موسى عن النبي ◌َّه} ،
وقال : تعاهدوا القرآن .
قال المؤلف: إنما شبه ◌َّله صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقلة إن
عاهد عليها أمسكها ] (١) [وأنه ] (٢) يتفصى من صدور الرجال؛
لقوله تعالى : ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ (٣) فوصفه تعالى:
بالثقل ، ولولا ما أعان عباده على حفظه ما حفظوه ، فقال: ﴿إن
علينا جمعه وقرآنه﴾ (٤)، وقال: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾(٥)
فبتيسير الله وعونه لهم عليه بقي في صدورهم ، فهذان الحديثان يفسران
آيات التنزيل ؛ فكأنه قال تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ (٤)
﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ (٥) إذا تعوهد وقرئ أبدًا وتذكر . .
وقوله : أشد تفصيًا ، أي تفلتًا ، قال صاحب العين : فصى اللحم
عن العظم إذا انفسخ ، والإنسان يتفصى من الشيء إذا تخلص منه ،
والاسم الفصية .
باب : القرآن على الدابة
فيه ابن معقل : رأيت النبي - عليه السلام - يوم فتح مكة وهو يقرأ
على راحلته سورة الفتح .
إنما أراد بهذا الباب - والله أعلم - ليدل أن القراءة على الدابة سنة
موجودة، وأصل هذه السنة في كتاب الله تعالى ، وهو قوله :
(١) من ( هـ ).
(٣) المزمل : ٥ .
(٥) القمر : ١٧ وغيرها
(٢) في (( الأصل)): وأنها. والمثبت من ( هـ ))
(٤) القيامة : ١٧ .
- ٢٦٨ -
لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم
عليه﴾(١) .
باب : تعليم الصبيان القرآن
فيه : ابن جبير : قال : إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم .
وقال ابن عباس : توفي رسول الله وَلي وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت
المحكم، قيل له : وما المحكم ؟ قال : المفصل .
ذكر ابن أبي زيد قال : روي أن تعليم القرآن الصبيان يطفئ غضب
"الرب ، وإنما سمي المفصل لكثرة السور والفصول فيه ، عن ابن
عباس. وقيل : إنما سمي بالمحكم أيضًا ؛ لأن أكثره لا نسخ فيه .
واختلف في سن ابن عباس حين مات النبي - عليه السلام - فروى أبو
بشير ، عن سعيد بن جبير في هذا الباب ما تقدم .
وقال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : قبض النبي
- عليه السلام - وأنا ختين . وروى شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس: توفي النبي وَ 18 وأنا ابن خمس
عشرة سنة . وذكر الزبير والواقدي أن ابن عباس ولد في الشعب ،
وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ، وكان ابن ثلاث عشرة سنة حين
· 製
توفي النبي
(١) الزخرف : ١٣.
- ٢٦٩ -
:
باب : نسيان القرآن ، وهل يقول : نسيت آية كذا وكذا ؟
وقول الله عز وجل : ﴿سنقرئك فلا تنسى ﴾ (١)
فيه: عائشة: (( سمع النبي ◌َلقر رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: يرحمه
الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا)) .
وفيه : عبد الله: قال النبي ◌َّر: (( ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت
و کیت، بل هو نسي )) .
قال المؤلف : قد نطق القرآن بإضافة النسيان إلى العبد في قوله
تعالى : ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ (١) وشهد [ ذلك] (٢) بصدق حديث
عائشة أنه عليه السلام قال: (( يرحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية
أسقطتهن من سورة كذا)) . فأضاف الإسقاط إلى نفسه، والإسقاط
هو النسيان بعينه .
وحديث عبد الله خلاف هذا، وهو قوله ◌َّلام: ((ما لأحدهم
يقول : نسيت آية كيت وكيت ، بل هو نسي)) . فاستحب عليه السلام
أن يضيف النسيان إلى خالقه الذي هو الله - تعالى - وقد جاء في القرآن
عن موسى عليه السلام أنه أضاف النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان
فقال: ﴿إني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ (٣).
وقال النبي - عليه السلام -: (( إني لأنسى أو أنسى لأسن )). يعني
إني لأنسى أنا أو ينسيني ربي ، فنسب النسيان مرة إلى نفسه ، ومرة إلى
الله - تعالى - هذا على قول من لم يجعل قوله : إني لأنسى أو أنسى
شكا من المحدث في أي الكلمتين قال ، وهو قول عيسي بن دينار، وليس
في شيء من ذلك اختلاف ولا تضاد في المعنى ، لأن لكل إضافة منها
معنى [ صحيحًا ] (٤) في كلام العرب، فمن أضاف النسيان إلى الله
فلأنه خالقه وخالق الأفعال كلها ، ومن نسبه إلى نفسه فلأن النسيان
(١) الأعلى : ٦ .
(٢) في ((الأصل)): بذلك. والمثبت من (( هـ )).
(٣) الكهف : ٦٣ .
(٤) في ((الأصل)): صحيح. والمثبت من ((هـ)).
- ٢٧٠ -
فعل منه مضاف إليه من جهة الاكتساب والتصرف ، ومن نسبه إلى
الشيطان فهو بمعنى الوسوسة في الصدور وحديث الأنفس بما جعل الله
للشيطان من السلطان على هذه الوسوسة ، فلكل إضافة منها وجه
صحيح ، وإنما أراد عليه السلام بقوله - والله أعلم -: (( ما لأحدهم
يقول / [نسيت آية] (١) كذا وكذا؛ بل هو نسي)) أن يجري على (١٩٨٥/٤-١]
[ألسن العباد نسبة] (٢) الأفعال إلى بارئها وخالقها، وهو الله؛ ففي
ذلك إقرار له بالعبودية واستسلام لقدرته ، وهو أولى من نسبة الأفعال
إلى مكتسبها [فإن نسبها إلى مكتسبها] (١) فجائز بدليل الكتاب والسنة.
باب : من لم ير بأسًا أن يقول : سورة البقرة
فيه: [ أبو ] (٣) مسعود الأنصاري قال عليه السلام: (( الآيتان اللتان
من سورة البقرة من قرأ بهما كفتاه )) .
وفيه : عمر : أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة
رسول الله على حروف كثيرة ... )) الحديث .
وفيه: عائشة أن النبي ◌َّةٍ سمع قارئًا يقرأ من الليل في المسجد. فقال:
يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا .
في هذه الأحاديث رد قول من يقول أنه لا يجوز أن يقول سورة
البقرة ، ولا سورة آل عمران ، وزعم أن الصواب في ذلك أن يقال :
السورة التي يذكر فيها البقرة ويذكر فيها آل عمران ، وهو قول يروى
عن بعض السلف .
وقالوا : إذا قال سورة البقرة وسورة آل عمران فقد أضاف السورة
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): السنن المعتاد. والمثبت من (( هـ ).
(٣) في ((الأصل)): ابن. والمثبت من (( هـ، ن).
- ٢٧١ -
إلى البقرة ، والبقرة لا سورة لها ، وقد تقدم في كتاب الحج [ في
باب يكبر مع كل حصاة ](١)
باب : الترتيل في القراءة
وقوله تعالى : ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ (٢) وفيه: ﴿وقرآنًا فرقناه
لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً ﴾(٣)
وما يكره أن يهذ كهذ الشعر . وقال ابن عباس : فرقناه : فصلناه .
فيه : عبد الله (( أن رجلاً قال : قرأت المفصل البارحة فقال: هذا كهذّ
الشعر، إنا قد [ سمعنا] (٤) القراءة، وإني لأحفظ [ القرناء ] (٥) التي
كان يقرأ بها النبي - عليه السلام - ثماني عشرة سورة من المفصل
وسورتین من آل حم ؟ .
وفيه : ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ (٦)
قال: ((كان رسول الله : إذا نزل جبريل بالوحي ، وكان مما يحرك به لسانه
وشفتيه فيشتد علیه ، و کان یعرف منه ، فأنزل الله تعالى : ﴿لا تحرك به
)) الحديث .
لسانك ﴾ (٦)
قال المؤلف : ذكر أبو عبيد عن مجاهد في قوله تعالى : ﴿ ورتل
القرآن ترتيلاً ﴾ (٢) قال: ترسل ترسلاً ..
وقال أبو [ حمزة ] (٧) : قلت لابن عباس : إني سريع القراءة ،
وإني أقرأ القرآن في ثلاث ، فقال : لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها
(١) من (( هـ)).
(٢) المزمل : ٤ .
(٣) الإسراء: ١٠٦. (٤) في ((الأصل)): سمعت. والمثبت من (( هـ، ن)
(٥) في ((الأصل)): القراءة. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٦) القيامة : ١٦.
(٧) في( الأصل)): حميد. والمثبت من ((هـ))، وانظر ((الفتح)) (٧٠٧/٨).
- ٢٧٢ -
وأرتلها خير من أن أقرأ كما تقول . وقال مرة : خير من أجمع القرآن
هذرمة ، وأكثر العلماء يستحبون الترتيل في القراءة ليتدبره القارئ
ويتفهم معانيه . روى علقمة عن ابن مسعود قال : لا تنثروه نثر الدقل
ولا تهذوه هذ الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا
يكن هم أحدكم آخر السورة .
وذكر أبو عبيد أن رجلاً سأل [ مجاهدًا] (١) عن رجل قرأ البقرة
وآل عمران ، ورجل قرأ البقرة قيامهما واحد وركوعهما واحد
وسجودهما واحد ، أيهما أفضل ؟ قال : الذي قرأ البقرة . وقرأ :
﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ... ﴾ (٢) الآية. وقال
الشعبي : إذا قرأتم القرآن فاقرءوه قراءة تسمعه آذانكم ، وتفهمه
قلوبكم ، فإن الأذنين عدل بين اللسان والقلب ، فإذا مررتم بذكر الله
فاذكروا الله ، وإذا مررتم بذكر النار فاستعيذوا بالله منها ، وإذا مررتم
بذكر الجنة فاسألوها الله .
وفيها قول آخر ؛ روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك في الهذ
في القراءة قال : من الناس من إذا هذ كان أخف عليه وإذا رتل أخطأ،
ومن الناس من لا يحسن الهذ ، والناس في هذا على قدر حالاتهم
وما يخف عليهم ، وكل واسع .
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يختمون القرآن في
ركعة ، وهذا لا يتمكن إلا بالهذ ، والحجة لهذا القول حديث أبي
هريرة عن النبي وَّر أنه قال : خفف على داود القرآن ، فكان يأمر
بدوابه فتسرح فيقرأ القرآن قبل أن تسرح ، وهذا لا يتم إلا بالهذ
وسرعة القراءة ، والمراد بالقرآن في هذا الحديث الزبور .
(١) في ((الأصل)): مجاهد. والمثبت من ((هـ)).
(٢) الإسراء : ١٠٦ .
- ٢٧٣ -
ذكره البخاري في كتاب الأنبياء وداود عليه السلام ممن أنزل الله فيه : .
﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (١)، وإنما ذكر النبي - عليه
السلام - هذا الفعل من داود عليه السلام على وجه الفضيلة له
والإعجاب بفعله ، ولو ذكره على غير ذلك لنسخه ولأمر بمخالفته ،
فدل على إباحة فعله والله أعلم ، [ وسأذكر من كان يقرأ القرآن في
ركعة بعد هذا في باب: في كم يقرأ القرآن، إن شاء الله ] (٢)
[٤/ ق١٩٨ -ب]
باب : مد القراءة /
فيه : أنس أنه سئل عن قراءة النبي - عليه السلام - فقال: كان يمد مدًا
ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، یمد ببسم الله ، ويمد بالرحمن ، ويمد
بالرحيم ، وذكر أبو عبيد عن الليث [ عن ] (٢) ابن أبي مليكة ، عن يعلى
ابن مالك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله قراءة [ مفسرة ] (٣)
حرفًا حرفًا . وقالت أم سلمة أيضًا : كان النبي - عليه السلام - يقطع
قراءته ، وإنما كان [ يفعل ] (٤) ذلك - والله أعلم - لأمر الله له بالترتيل ،
وأن يقرأه على مكث ، وألا يحرك به لسانه ليعجل به ، فامتثل أمر ربه
-تعالى - فکان يقرؤه على مهل ليبين لأمته كيف يقرءون ، و کیف
يمكنهم تدبر القرآن وفهمه . وذكر أبو عبيد عن إبراهيم قال : قرأ علقمة
على عبد الله فكأنه عجل ؛ فقال عبد الله : فداك أبي وأمي ، رتل قراءته ،
زين القرآن. [ وكان ](٥) علقمة حسن الصوت بالقرآن .
(١) الأنعام : ٩٠.
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): عشر. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): فعل. والمثبت من ( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): وقال. والمثبت من (( هـ).
- ٢٧٤ -
باب : الترجيع
فيه : عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي ◌َ 18 وهو على ناقته - أو
جمله- وهو يقرأ سورة الفتح قراءة [ لينة ](١) ويرجع .
فذكر البخاري هذا الحديث في آخر كتاب الاعتصام ، وزاد فيه : ثم
قرأ معاوية قراءة لينة ورجع ، ثم قال : لولا أني أخشى أن يجتمع
الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل - [ يعني ] (٢) عن النبي
عليه السلام - [فقلت ] (٣) لمعاوية: كيف كان ترجيعه قال : آ!
ثلاث مرات. وفي هذا الحديث من الفقه إجازة [ قراءة ] (٣) القرآن
بالترجيع والإلحان ؛ لقوله في وصف قراءته عليه السلام : آا ثلاثًا،
وهذا غاية الترجيع ، وقد تقدم في باب : من لم يتغن بالقرآن .
باب : حسن الصوت بالقراءة
فيه : أبو موسى: أن النبي - عليه السلام - قال له: (( لقد أوتيت
مزمارًا من مزامير آل داود » .
وروى ابن شهاب عن أبي سلمة قال : كان عمر إذا رأى أبا موسى
قال : ذكرنا ربنا يا أبا موسى . فيقرأ عنده . وقال أبو عثمان النهدي:
كان أبو موسى يصلي بنا فلو قلت : إني لم أسمع صوت صنج قط
ولا صوت بربط ولا شيئًا قط أحسن من صوته .
قال أبو عبيد : ومحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت
إنما [ هو ] (٤) على طريق الحزن والتخويف والتشويق .
(١) في ((الأصل)): بينة. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): يحكي. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): هي. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٢٧٥ -
يبين ذلك حديث أبي موسى أن أزواج النبي [ سمعوا ] (١) قراءته
فأخبر بذلك فقال : لو علمت لشوقت تشويقًا وحبرت تحبيراً ، فهذا
وجهه ، لا الألحان المطربة الملهية .
روى سفيان عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال :
سئل رسول الله ، أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن ؟ قال : الذي إذا
سمعته رأيته يخشى الله . وعن ابن أبي مليكة عن عبد الرحمن بن
السائب قال : قدم علينا سعد بعد ما كف بصره فأتيته مسلمًا فانتسبني
فانتسبت له ، فقال: مرحبًا بابن أخي ، بلغني أنك حسن الصوت
بالقرآن، وسمعت النبي {َ ل* يقول: إن هذا القرآن نزل [ بحزن](٢)،
فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا .
وذكر أبو عبيد بإسناده قال : كنا على سطح ، ومعنا رجل من
أصحاب النبي ◌َ ◌ّ - قال المحدث: ولا أعلمه إلا عيسى الغفاري -
فرأى الناس يخرجون في الطاعون يفرون فقال : يا طاعون، خذني إليك ،
فقيل: أتتمنى الموت وقد نهى النبي وَ ل* عن ذلك ؟ قال : إني أبادر
خصالاً ، سمعت النبي ◌َّ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم،
والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، [ و] (٣) قوم يتخذون القرآن
مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء، وقال
أبو سليمان الخطابي : قوله : آل داود ، فإن أراد داود نفسه لأنا لا نعلم أحداً
من آله أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود قال غيره: والآل عند العرب:
الشخص . قال أبو سليمان: وسئل أبو [عبيدة] (٤) معمر بن المثنى عن رجل
أوصى لآل فلان . ألفلان نفسه المسمى من هذا شيء ؟ قال : نعم ، قال
(١) في ((الأصل)): يسمعوا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): محزن. والمثبت من ((هـ)).
(٣) من (( هـ)) ..
(٤) في ((الأصل)): عبيد. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٧٦ -
تعالى: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ (١) . ففرعون أولهم
وأنشد :
[٤/ق١٩٩- ١]
عليّ وعباس وآل أبي بكر/
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه
يريد أبا بكر نفسه ، وقال ابن عون : كان الحسن إذا صلى على
النبي قال : اللهم اجعل صلواتك على آل محمد كما جعلتها على آل
إبراهيم ، إنك حميد مجيد . يريد بآل محمد نفسه ؛ لأن الأمر من
الله بالصلاة إنما يتوجه إليه بقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا
عليه ... ﴾ (٢) الآية . وقد يكون آل الرجل أهل بيته الأدنين ، وقال
زيد بن أرقم : آل محمد آل عباس وآل عقيل ، وآل جعفر وآل علي.
وقال أبو عبيد في قوله تعالى : ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ (٣).
قال : هم أهل دينه قال : ولا يجوز ذلك إلا في الرئيس الذي الباقون
له تبع، وكذلك آل محمد إنما [ هم ] (٤) أمته وأهل دينه قال : فإذا
جاوزت هذا فآل الرجل : أهل بيته خاصة . وقال بعض الناس : قول
أبي عبيدة خطأ عند الفقهاء لم يقل به أحد منهم .
باب : من أحب أن يسمع القرآن من غيره
فيه : عبد الله: قال لي النبي ◌َّر: اقرأ علي القرآن. قلت : أقرأ عليك
وعليك أنزل ! فقال : إني أحب أن أسمعه من غيري .
معنى استماعه القرآن من غيره- والله أعلم - ليكون عرض القرآن سنة،
ويحتمل أن يكون كي يتدبره (ويفهمه) (٥)، وذلك أن [المستمع] (٦) أقوى
(١) غافر : ٤٦ .
(٢) الأحزاب : ٥٦ .
(٣) البقرة : ٤٩.
(٤) في ((الأصل)): هو. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( هـ)): ويتفهمه. (٦) في ((الأصل)): السمع. والمثبت من (( هـ).
- ٢٧٧ -
على التدبر ، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من نفس القارئ ؛ لأنه في
شغل بالقراءة وأحكامها ، فإن قيل : فقد يجوز أن يكون سماعه
[*](١) للقرآن من غيره كما قلت ، فما وجه قراءته عليه السلام
القرآن على أبي ، وقد ذكره البخاري في فضائل الصحابة في فضائل
أبيّ. قيل : يحتمل أن يكون وجه ذلك ليتلقنه أبي من فيه عليه.
السلام، فلا يتخالجه شك في اختلاف القراءات بعده ، وذلك أنه
خاف عليه الفتنة في هذا الباب ؛ لأنه لا يجوز أن يكون أحد أقرأ
للقرآن من النبي وَالر، ولا أوعى له وأعلم به ؛ لأنه نزل به الروح
الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، قاله الخطابي
، وقال أبو بكر بن الطيب نحوه، قال: قرأ النبي ◌َّل على أبيّ
وهو أعلم بالقرآن منه وأحفظ ؛ ليأخذ أبيّ نمط قراءته وسنته ويحتذي
حذوه . وقد روي هذا التأويل عن أبيّ وابنه .
باب : قول المقرئ للقارئ: حسبك
فيه : عبد الله : قال لي النبي - عليه السلام - : اقرأ عليّ . قلت : يا
رسول الله ، أقرأ عليك ، وعليك أنزل! قال: نعم . فقرأت سورة النساء حتى:
[ أتيت ](٢) إلى هذه الآية : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة شهيد و جئنا بك
على هؤلاء شهيدا ﴾ (٣) قال: حسبك الآن . فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان .
قال المؤلف : في جواز قطع القراءة على القارئ إذا حدث على المقرئ
عذر أو شغل بال ؛ لأن القراءة على نشاط المقرئ أولى ليتدبر معاني القرآن.
ويتفهم عجائبه ، ويحتمل أن يكون أمره عليه السلام بقطع القراءة تنبيهًا
له على الموعظة والاعتبار في قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل
أمة بشهيد ... ﴾ (٣) الآية . ألا ترى أنه عليه السلام بكى عندها ، وبكاؤه
(١) من ( هـ).
(٢) في ((الأصل)): انهيت. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) النساء : ٤١ .
- ٢٧٨ -
إشارة منه إلى معنى الوعظ ؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة
الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه ، والإيمان به وسؤاله
الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله ، وهذا أمر يحق له
طول البكاء والحزن .
باب : في كم يقرأ القرآن
وقوله تعالى: ﴿ فاقرءوا ما تيسر منه ﴾ (١)
فيه : سفيان: قال [ لي ] (٢) ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من
القرآن ؟ فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات . فقلت : لا ينبغي لأحد أن
يقرأ أقل من ثلاث آيات .
وفيه : ابن مسعود قال النبي - عليه السلام -: (( من قرأ بالآيتين من
آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه » .
وفيه : عبد الله بن [ عمرو ] (٣) قال : أنكحني أبي امرأة ذات حسب
فكان يتعاهد كتَتَه [ فيسألها ] (٤) عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل،
لم يطأ لنا فراشًا ، ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه ، فلما طال عليه ذلك ،
ذكر للنبي - عليه السلام - فقال : القني به فلقيته بعد قال : ((كيف
تصوم ؟ قال : كل يوم . قال : كيف تختم ؟ قال : كل ليلة . قال: صم
من كل شهر ثلاثة ، واقرأ القرآن في كل شهر ، قلت : أطيق أكثر . قال :
اقرأ في كل سبع ليال مرة. فليتني قبلت رخصة رسول الله صلي . ... )) الحديث.
قال البخاري / : قال بعضهم : في ثلاث أو في خمس أو في (١٩٩٥/٤ -ب]
سبع وأكثرهم على سبع ، وقال عليه السلام لعبد الله بن عمرو : اقرأه
في سبع ولا تزد على ذلك .
(١) المزمل : ٢٠ .
(٢) من (( هـ).
(٣) في ((الأصل، هـ)): عمر. والمثبت من (( ن)).
(٤) في ((الأصل)): فيسأله. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٢٧٩ -
قال المؤلف : ذكر أهل التفسير في تأويل قوله تعالى : ﴿ فاقرءوا ما
تيسر منه﴾ (١) قالوا: ثلاث آيات فصاعدًا. ويقال: أقصر سورة في
القرآن كما قال ابن شبرمة . قوله عليه السلام : من قرأ بالآيتين من
آخر سورة البقرة كفتاه . نص في أن قارئ الآيتين داخل في معنى
قوله: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ (١) ، وفي حديث عبد الله بن عمرو أن
النبي بَّ أمره أن يقرأه في سبع ليال ، وكان جماعة من السلف.
يأخذون بهذا الحديث . روي ذلك عن عثمان بن عفان وابن مسعود
وتميم الداري ، وعن إبراهيم النخعي مثله . وذكر أبو عبيد عن زيد بن
ثابت أنه سئل عن قراءة القرآن في سبع فقال : حسن ، ولأن أقرأه في
عشرين أو في النصف أحب إليّ من أن أقرأه في سبع ، وسلني لم
ذلك ؟ أردده واقف عليه ، وكان أبي بن كعب يختمه في ثمان ، وكان
الأسود يختم القرآن في ست ، وكان علقمة يختمه في خمس ،
وروى الطيب بن سليمان ، عن عمرة ، عن عائشة أن رسول الله كان
لا يختم القرآن في أقل من ثلاث . وعن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن
الشخير عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله : لا يفقه من قرأه
في أقل من ثلاث .
وروي عن معاذ بن جبل : وكانت طائفة تقرأ القرآن كله في ليلة أو
ركعة . روي ذلك عن عثمان بن عفان وتميم الداري ، وعن علقمة
وسعيد بن جبير أنهما قرأ القرآن في ليلة بمكة، [ وكان ] (٢) ثابت
البناني يختم القرآن في كل يوم وليلة من شهر رمضان ، وكان سليمان
يختم القرآن في ليلة ثلاث مرات ، ذكر ذلك كله أبو عبيد وقال :
الذي أختار من ذلك ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث ، لما روي عن
النبي وأصحابه من الكراهة لذلك .
(١) المزمل : ١ .
(٢) في ((الأصل)): فكان. والمثبت من (( هـ).
- ٢٨٠ -