النص المفهرس

صفحات 241-260

رجل: ما هكذا أنزلت! قال: قرأت على رسول الله وسلم فقال: أحسنت.
ووجد منه ريح الخمر . فقال : أتجمع أن تُكذب بکتاب الله وتشرب
الخمر؟! فضربه الحد .
وفيه : مسروق قال : قال عبد الله : والله الذي لا إله إلا هو ، ما أنزلت
سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ، ولا (١) أنزلت آية من كتاب
الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت ، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه
الإبل لركبت إليه .
وفيه : أنس : جمع القرآن على عهد الرسول أربعة ، كلهم من الأنصار:
◌ُبيّ بن کعب ، ومعاذ بن جبل ، وزید بن ثابت ، وأبو زيد .
وقال أنس مرة: مات النبي وَ لي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو
الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزید ، وأبو زيد ، ونحن ورثناه .
وفيه : ابن عباس : قال عمر : أُبيّ أقرؤنا ، وإنا لندع من لحن أَبيّ ،
وأُبيّ يقول: أخذته من في رسول الله ◌َّ، فلا أتركه لشيء.
قال تعالى: (( ما ننسخ من آية أو ننساها نأت بخير منها أو مثلها)) (٢).
قال أبو بكر بن الطيب : لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم
يحفظه في حياة [ النبي وَ﴿] (٣) غير عبد الله وسالم، ومعاذ وأُبيّ
ابن كعب ، وأنه لم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال : أنس بن
مالك ، فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعليّ ، وتميم
الداري وعبادة بن الصامت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وثبت أنه
-
(١) زاد في ((الأصل)): أعلم.
(٣) من (( هـ).
(٢) البقرة : ١٠٦ .
- ٢٤١ -

سأل النبي في كم يقرأ القرآن ؟ فقال : في شهر . فقال : إني أطيق
أكثر من ذلك ... )) الحديث . فجمعه عمرو بن العاص وغيره .
روي أن النبي - عليه السلام - [أقرأه ] (١) خمس عشرة سجدة في
القرآن ، منها ثلاث في المفصل ، وفي الحج سجدتان . ذكر الأسانيد
بذلك أبو بكر بن الطيب في كتاب الانتصار . فقول أنس : لم يجمع
القرآن غير أربعة . قول يتعذر العلم بحقيقة ظاهره ، وله وجوه من
التأويل : أحدها : أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف،
والقراءات التي نزل بها إلا أولئك النفر فقط [ وهذا ] (٢) غير بعيد ؛
لأنه لا يجب على سائرهم ولا على أولئك النفر أيضًا أن يجمعوا
القرآن على جميع حروفه ووجوهه السبعة ، والثاني : أنه لم يجمع
القرآن ويأخذه [ تلقينا ] (١) من فيّ النبي ◌َّ غير تلك الجماعة فإن
أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه عن غيره ، والثالث : أن يكون لم
يجمع القرآن على عهد النبي وَله من انتصب لتلقينه، وأقرأ الناس
(٤/ ١٩٣٥-١) (له)(٣) غير تلك الطبقة / المذكورة .
وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد
النبي * لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول وَ ل لهم، وقد
ثبت عن الصديق بقراءته في المحراب بطوال السور التي لا يتهيأ حفظها
إلا لأهل القدرة على الحفظ والإتقان، فروى ابن عيينة ، عن الزهري،
عن أنس أن أبا بكر الصديق قرأ في الصبح بالبقرة فقال عمر: جادت
الشمس أن تطلع فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين ، وقد علم أن
كثيرًا من الحفاظ وأهل الدربة بالقرآن يتهيبون الصلاة بالناس بمثل
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): هنا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( هـ )) : به.
- ٢٤٢ -

هذه السور الطوال وما هو دونها ، وهذا يقتضي أن أبا بكر كان حافظًا
للقرآن ، وقد صح الخبر أنه بنى مسجدًا بفناء داره بمكة قبل الهجرة ،
وأنه كان يقوم فيه بالقرآن ويكثر بكاؤه ونشيجه عند قراءته فتقف عليه
نساء المشركين وولدانهم يسمعون قراءته ، ولولا علم النبي وَّو بذلك
من أمره لم يقدمه لإمامة المسلمين مع قوله : يؤم القوم أقرؤهم .
وكذلك تظاهرت الروايات عن عمر أنه كان يؤم الناس بالسور
الطوال ، وقد أمهم بسورة يوسف [ في الصبح ] (١) فبلغ إلى قوله :
وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ﴾ (٢) فنشج حتى سمع بكاؤه من
وراء الصفوف . وقرأ مرة سورة الحج فسجد فيها سجدتين .
وروى عبد الملك بن عمير عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود
قال: كان عمر أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله ،
ولولا أن هذه كانت حالته ، وأنه من أقرأ الناس لكتاب الله لم يكن
أبو بكر الصديق بالذي يضم إليه زيد بن ثابت ، ويأمرهما بجمع
القرآن واعتراض ما عند الناس ، ويجعل زيدًا تبعًا له ؛ لأنه لا يجوز
أن ينصب لجمع القرآن واعتراضه من ليس بحافظ .
وأما عثمان فقد اشتهر أنه كان ممن جمع القرآن على عهد النبي -عليه
السلام - وأنه كان من أهل القيام به ، وقد قال حين أرادوا قتله فضربوه
بالسيف على يده فمدها وقال : والله إنها لأول يد خطت المفصل ، وقالت
نائلة زوجته: [ إن ] (١) تقتلوه فإنه كان يحيي الليل بجميع القرآن في ركعة.
وكذلك علي بن أبي طالب ، قد عرفت حاله في فضله وثاقب فهمه ،
وسعة علمه ومشاورة الصحابة له ، وإقرارهم لفضله وتربية النبي له
(١) من ( هـ ).
(٢) يوسف : ٨٤ .
- ٢٤٣ -

۔۔
[ وأخذه ] (١) له بفضائل الاخلاق، (وترغيبه ) (٢) عليه السلام في
تخريجه وتعليمه ، وما كان يرشحه له ويثيبه عليه من أمره نحو قوله :
أقضاكم عليّ ، ومن البعيد أن يقول : هذا فيه وليس من قراء الأمة ،
وقد كان يقرأ القرآن ، وقرأ عليه أبو عبد الرحمن السلمي وغيره ،
وروى همام ، عن [ ابن ] (٣) أبي نجيح، عن عطاء بن السائب أن
أبا عبد الرحمن السلمي حدثه قال : ما رأيت رجلاً أقرأ للقرآن من
عليّ بن أبي طالب ، صلى بنا الصبح ، فقرأ سورة الأنبياء فأسقط
آية، فقرأ ثم رجع إلى الآية التي أسقطها فقرأها ، ثم رجع إلى مكانه
الذي انتهى إليه لا [يتتعتع] (٤).
.-
فإذا صح ما قلناه مع ما ثبت من تقدمهم وتقدمة الرسول لهم وجب
أن يكونوا حفاظًا للقرآن ، وأن يكون ذلك أولى من الأخبار التي ذكر
فيها أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله وَّل أربعة ليس منهم أحد من
هؤلاء الأئمة القادة الذين هم عمدة الدين وفقهاء المسلمين .
باب : فضل فاتحة الكتاب
فيه أبو سعيد بن المعلى : كنت أصلي فدعاني النبي - عليه السلام -
فلم أجبه قلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي . قال : ألم يقل الله :
﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ (٥) . ثم قال: ألا أعلمك أعظم
سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد . فأخذ بيدي ، فلما أردنا أن
نخرج قلت : يا رسول الله، إنك قلت: [ لأعلمنك ] (٦).
(١) في ((الأصل)): وأجره.
(٣) من (( هـ)).
(٢) فى ((هـ) : ورغبيه .
(٤) في ((الأصل)) : يتعتع .
(٥) الأنفال : ٢٤ .
(٦) فى (( الأصل)): لأعلمك والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٢٤٤ -

أعظم سورة من القرآن . قال: ﴿ الحمد لله رب العالمين﴾ هي السبع
المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته .
وفيه أبو سعيد الخدري : كنا في مسير لنا فجاءت جارية [فقالت](١):
إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب ، فهل منكم راق ؟ فقام معها رجل ما
كنا نأبنه برقية ، فرقاه فبرأ ، فأمر لنا بثلاثين شاة وسقانا لبنا ، فلما رجع
قلنا له : أكنت تحسن رقبة - أو كنت ترقي ؟ قال: [ لا] (١) ما رقيت
إلا بأم الكتاب. قلنا : لا تحدث شيئًا حتى نسأل النبي / - عليه السلام - (٤/ ١٩٣٥-ب)
فقدمنا المدينة فذكرناه للنبي ◌َفي قال: ((وما يدريك أنها رقية ؟ اقسموا
واضربوا لي بسهم » .
قال المؤلف : إن قال قائل : قوله عليه السلام: ((لأعلمنك أعظم
سورة من القرآن)) يدل على تفاضل القرآن، قيل [ له ] (٢): ليس
كما توهمت ؛ لأنه يحتمل أن يكون معنى قوله عليه السلام : أعظم
سورة في القرآن - أي أعظم نفعًا للمتعبدين - لأن أم القرآن لا تجزئ
الصلاة إلا بها ، وليس ذلك لغيرها من السور ، ولذلك قيل لها : السبع
المثاني؛ لأنها تثنى في كل صلاة هذا قول علي بن أبي طالب ، وأبي هريرة
وغيرهما ، ويشهد لهذا قوله عليه السلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
وفيه قوله عليه السلام : هي السبع المثاني تفسير لقوله تعالى :
﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾ (٣) أن المراد بها فاتحة الكتاب، وقد
روي عن السلف أقوال أخر في تفسير السبع المثاني ، فروي عن ابن
عباس وابن مسعود أنها السبع الطوال ؛ لأن الفرائض والقصص تثنى
فيها ، ويجوز أن يكون المثاني القرآن كله كما قال تعالى : ﴿ كتابًا
متشابهًا مثاني ﴾ (٤) لأن الأخبار تثنى فيه .
(١) من (( هـ ، ن)).
(٣) الحجر : ٨٧ .
(٢) من ( هـ ).
(٤) الزمر : ٢٣ .
- ٢٤٥ -

ومما يدل أن قوله - عليه السلام -: (( لأعلمنك أعظم سورة )) لا
يوجب تفاضل القرآن بعضه على بعض في ذاته . قوله تعالى : ﴿ ما
ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾(١) ولم يختلف أهل
التأويل في أن الله - تعالى - لم يرد بقوله: ﴿نأت بخير منها﴾ (١)
تفضيل بعض الآيات على بعض ، وإنما المراد بخير منها لعباده المؤمنين
التالين لها ، إما بتخفيف وعفو ، أو بثواب على عمل ، ولو قال .
قائل : أيما أفضل : آية رحمة ، أو آية عذاب ، أو آية وعد ، أو آية
وعيد؟ لم يكن لهذا جواب . ومن ( اختار ) (٢) التفاضل في القرآن.
فقد أوجب فيه النقص ، وأسماء الله - تعالى - وصفاته وكلامه لا
نقص في شيء منها فيكون بعضه أفضل من بعض ، وكيف يجوز أن
يكون [ شيء ] (٣) من صفاته منقوصًا غير كامل وهو قادر على أن
يتم المنقوص حتى يكون في غاية الكمال ، فلا يلحقه في شيء من
صفاته نقص ، تعالى الله عن ذلك ، وسأزيد في بيان هذا في فضل
﴿قل هو الله أحد ﴾ .
ويحتمل قوله : لأعلمنك أعظم سورة وجهًا آخر ، وهو أن يكون
أعظم بمعنى سورة عظيمة كما [ قيل ] (٤) الله أكبر ، بمعنى : كبير ،
وكما قيل في اسم الله الأعظم بمعنى : عظيم ، وقد تقدم الكلام في
حديث أبي سعيد الخدري في كتاب الإجارة في باب [ ما يعطى
في](٥) الرقية بفاتحة الكتاب [ ومعنى قوله ما يدريك أنها رقية فتأمله
هناك](٥)
.
(١) البقرة : ١٠٦ .
(٢) في (( هـ)) : أجاز.
(٣) في ((الأصل)): شيئًا. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
(٥) من (( هـ )).
- ٢٤٦ -

وقوله : ما كنا نأبنه ، قال صاحب الأفعال : أبنت الرجل بخير أو
شر نسبتهما إليه . أبنه أبنًا .
باب : فضل البقرة
فيه: أبو مسعود: قال النبي : ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة
البقرة في ليلة كفتاه » .
وفيه: أبو هريرة قال: ((وكلني رسول الله وَلفر بحفظ زكاة رمضان،
فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول
الله ... )) فقص الحديث. فقال: ((إذا أويت إلى فراشك ، فاقرأ آية
الكرسي ؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى
تصبح، فقال النبي ◌َله: صدقك وهو كذوب، ذلك شيطان)).
قال المؤلف : إذا كان من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ،
ومن قرأ آية الكرسي كان عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى
يصبح ، فما ظنك بمن قرأها كلها من كفاية الله له وحرزه وحمايته من
الشيطان وغيره ، وعظيم ما يدخر له من ثوابها .
وقد روي هذا المعنى عن النبي - عليه السلام - وروى معمر ، عن
يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي أمامة قال : قال رسول
الله وَيُ: ((تعلموا القرآن ؛ فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة ، تعلموا
البقرة وآل عمران ، [تعلموا ] (١) الزهراوين ، فإنهما تأتيان يوم
(١) من (( هـ )).
- ٢٤٧ -

القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان [ أو ] (١) كأنهما فرقان من طير
[صواف] (٢) يحاجان عن صاحبهما، وتعلموا البقرة فإن تعلمها:
[بركة] (٣) وإن في تركها حسرة ولا تطبقها البطلة)). [ وقال ابن
مسعود : إن الشيطان يخرج من البيت الذي يقرأ سورة البقرة فيه ](٤).
باب : [ فضل ] (٤) الكهف
فيه البراء : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط
[١٩٤/٤-١] بشطنين فغشيته سحابة / فجعل يدنو وتدنو ، [ وجعل ](٥) فرسه ينفر،
فلما أصبح أتى النبي ﴿ فذكر ذلك له فقال: (( تلك السكينة تنزلت
للقرآن )) .
قال المؤلف : روى الثوري ، عن أبي هاشم الواسطي ، عن أبي
مجلز ، عن قيس بن [ عبادة ] (٦) عن أبي سعيد الخدري قال : من
قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه ، ومن
قرأ آخر سورة الكهف أضاء نوره من حيث قرأها ما بينه وبين مكة .
وقال قتادة : من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة
الدجال .
والحصان : الفحل من الخيل، والشطن : الحبل ، عن صاحب العين.
واختلف أهل التأويل في تفسير السكينة ، فروي عن عليّ بن أبي
طالب أنه قال : هي ريح [ هفافة ] (٧) لها وجه كوجه الإنسان .
(١) في ((الأصل)): و.
(٢) في ((الأصل)) : صاف .
(٤) من (( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): بقرة.
(٥) في ((الأصل)): فجعل. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٦) في ((الأصل)): عبادٍ .
(٧) في ((الأصل)) فقاقة .
- ٢٤٨ -

وروي عنه [ أنها ] (١) ريح حجوج ولها رأسان. وقال مجاهد :
السكينة لها رأس كرأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر . وعن [ ابن
عباس ] (٢) والربيع : هي دابة مثل الهر ، لعينيها شعاع فإذا التقى
الجمعان أخرجت (يدها) (٣) فنظرت إليهم فيهزم ذلك الجيش من الرعب.
وعن ابن عباس والسدي : هي طست [ من ] (٤) ذهب من الجنة
يغسل فيها قلوب الأنبياء . وعن أبي مالك : طست من ذهب ألقى
موسى فيه التوراة والألواح والعصا . وعن وهب : السكينة : روح
من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء بين لهم ما يريدون .
وعن الضحاك : السكينة : الرحمة . وعن عطاء : السكينة : ما
تعرفون من الآيات فتستكينون إليها . وهذا اختيار الطبري .
وتنزل السكينة لسماع القرآن يدل على خلاف قول السدي أنها
طست من ذهب ، ويشهد لصحة قول من قال : إنها روح أو شيء
فيه روح ، والله أعلم .
*
باب : فضل سورة الفتح
فيه: عمر بن الخطاب : أنه كان يسير مع رسول الله وَلقر في بعض
أسفاره ليلاً ، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه ثلاثًا ، فقال عمر : ثكلتك
أمك ، نزرت رسول الله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك . قال عمر :
فحرکت بعيري حتى كنت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيّ قرآن فجئت
النبي فقال: ((لقد أنزلت عليّ الليلة سورة، لهي أحب إليّ ما طلعت
عليه الشمس . ثم قرأ ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبينًا﴾ (٥).
(١) في ((الأصل)) : أنه .
.(٣) في (( هـ)) : يديها .
(٤) من ( هـ )).
(٢) في (( الأصل)) : العباس.
(٥) الفتح : ١ .
- ٢٤٩ -

قال الطبري : فإن قال قائل : ما معنى قوله عليه [ السلام] (١):
لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ؟ أكان النبي يحب الدنيا الحب
الذي يقارب حبه ، ما أخبره الله به أنه أعطاه من الكرامة ، وشرفه به
من الفضيلة بقوله : ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبينًا ... ﴾ (٢) الآية، وقد
علمت أن المخبر إنما أراد المبالغة في الخبر عن [ رفعة ] (٣) قدر
(النبي)(٤) عنده على غيره أنه يجمع بين [ رفيعين] (٥) من الأشياء
عنده، وعن المخبرين به فيخبرهم عن فضل مكان أحدهما على الآخر
عنده ، وقد علمت أن النبي [ 8﴿ لم يكن للدنيا عنده من القدر ما
يعدك أدنى كرامة أكرمه الله - تعالى - ] (٦) بها فما وجه قوله : هي
أحب إليّ من الدنيا مع خساسة قدر الدنيا عنده وضعة منزلتها .
قيل : لذلك وجهان أحدهما : أن يكون معنى قوله : هي أحب
إليّ مما طلعت عليه الشمس ، هي أحب إليّ من كل شيء ؛ لأنه لا
شيء إلا الدنيا والآخرة ، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا ؛
إذا كان لا شيء سواها إلا الآخرة . والوجه الثاني: أن يكون خاطب أصحابه
بذلك ، على ما قد جرى من استعمال الناس بينهم في مخاطبتهم ،
من قولهم إذا أراد أحدهم الخبر عن نهاية محبته للشيء : هو أحب
إليّ من الدنيا ، وما أعدل به من الدنيا شيئًا ، كما قال تعالى : ﴿ كلا لئن
لم ينته لنسفعاً بالناصية﴾ (٧) [ ومعنى] (٨) ذلك: [لنهيتته ] (٩) ولنذلنه؛
لأن الذين خوطبوا هذا الخطاب كان في [إذلالهم] (١٠) من أرادوا إذلاله
(١) ليست بالأصل .
(٢) الفتح : ١ .
(٤) في (( هـ)): الشيء
(٣) في (( الأصل)): رفع. والمثبت من ( هـ).
(٥) في (( الأصل)): رفعين. والمثبت من (( هـ)).
(٦) من (( هـ)) :
(٧) العلق : ١٥ .
(٨) غير مقروءة في ((الأصل))، والمثبت من ( هـ)).
(٩) في ((الأصل)): لنهينه. والمثبت من (( هـ )).
(١٠) في ((الأصل)): إحلالهم. والمثبت من (( هـ ).
- ٢٥٠ -

السفع بالناصية ، فخاطبهم بالذي كانوا يتعارفون بينهم ، ومثله قوله
عليه السلام : أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس .
#
باب : فضل ﴿ قل هو الله أحد
فيه أبو سعيد : أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ يرددها،
فلما أصبح جاء إلى النبي - عليه السلام - فذكر ذلك له ، وكأن الرجل
يتقالها، فقال رسول الله وقال: (( والذي نفسي بيده ، إنها لتعدل ثلث
القرآن )) .
وقال أبو سعيد في حديثه مرة: إن النبي والت قال لأصحابه : « أيعجز
أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ فشق ذلك عليهم وقالوا : أينا
يطيق ذلك يا رسول الله ؟ قال : الله الواحد الصمد ثلث القرآن / .
[٤/ ق١٩٤ -ب]
اختلف العلماء في معنى قوله : إنها لتعدل ثلث القرآن ، فقال أبو
الحسن بن القابسي : لعل الرجل الذي بات يردد ﴿ قل هو الله أحد﴾
كانت منتهى حفظه، فجاء يقلل عمله، فقال له النبي وَطل : إنها
لتعدل ثلث القرآن ترغيبًا له في عمل الخير وإن قل ، ولله - تعالى -
أن يجازي عبدًا على يسير بأفضل مما يجازي آخر على كثير ، وقال
غيره: معنى قوله : إنها تعدل ثلث القرآن أن الله جعل القرآن ثلاثة
أجزاء : أحدها : القصص والعبر والأمثال ، والثاني : الأمر والنهي
والثواب والعقاب ، والثالث : التوحيد والإخلاص ، وتضمنت هذه
السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة [ والوالد ] (١)
والولد، فجعل لقارئها من الثواب كثواب من قرأ ثلث القرآن .
(١) من (( هـ)).
- ٢٥١ -

واحتجوا بحديث أبي الدرداء أن النبي - عليه السلام - قال
لأصحابه : أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن ؟ قالوا : نحن
أعجز . قال : إن الله جزء القرآن فجعل ﴿قل هو الله أحد﴾ جزءًا من
أجزاء القرآن .
قال المهلب : وحكاه عن الأصيلي - وهو مذهب الأشعري وأبي
بكر بن الطيب ، وابن أبي زيد والداودي ، وابن القابسي وجماعة
علماء السنة : أن القرآن لا يفضل بعضه على بعض ؛ إذ كله كلام الله
وصفته ، وهو غير مخلوق ، ولا يجوز التفاضل إلا في المخلوقات ؛
لأن المفضول ناقص عن درجة الفاضل [ وصفات الله - تعالى - لا
نقص فيها ؛ ولذلك لم يجز فيها التفاضل ] (١) وقد قال إسحاق بن
منصور : سألت إسحاق بن راهويه عن هذا الحديث فقال لي :
معناه: أن الله جعل لكلامه فضلاً على سائر الكلام ، ثم فضل بعض
كلامه على بعض بأن جعل لبعضه ثوابًا أضعاف ما جعل لبعض تحریضًا
منه عليه السلام على تعليمه وكثرة قراءته ، وليس معناه : أنه لو قرأ :
﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاث مرات، كان كأنه قرأ القرآن كله، ولو
قرأها أكثر من مائتي مرة .
باب : المعوذات
فيه عائشة : كان النبي ◌َ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات
وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بر کتها ،
وقالت أيضًا: كان النبي - إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم
نفث فيهما فقرأ فيهما : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوذات ثم يمسح بهما ما
استطاع من جسده ، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده
(١) من ( هـ )).
- ٢٥٢ -

يفعل ذلك ثلاث مرات . وقد تقدم حديث عائشة في كتاب الطب في
باب الرقى بالمعوذات ، ودل فعل النبي - عليه السلام - في رقية نفسه
عند شكواه وعند نومه متعوذًا بهما على عظيم البركة في الرقى بهما ،
والتعوذ بالله من كل ما يخشى في النوم ، وقد روى عبد الرزاق ،
عن الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ،
عن عقبة بن عامر قال : قال النبي - عليه السلام - : أنزل عليّ آيات
لم أسمع بمثلهن : المعوذتين . وقال عقبة في حديثه مرة أخرى : قال
لي النبي وَّ: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل
أعوذ برب الناس ﴾ تعوذ بهن ، فإنه لم يتعوذ بمثلهن قط .
وقد تقدم في كتاب المرضى في باب النفث [ في الرقية ] (١) من
كره النفث من العلماء في الرقية ومن أجازه .
باب : نزول السكينة والملائكة عند القراءة
وفيه : محمد بن إبراهيم أن أسيد بن حضير بينا هو يقرأ من الليل
سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده ؛ إذ جالت الفرس ، فسكت فسكتت ،
ثم قرأ فجالت ثم انصرف ، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن
تصيبه، فلما أصبح حدث النبي ◌َّر فقال: (( اقرأ يا بن حضير ، قال:
أشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا ، فرفعت رأسي إلى
السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها . قال
: وتدري ما ذاك ؟ قال : لا . قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو
قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم)) .
(١) من (( هـ)).
- ٢٥٣ -

۔
في هذا الحديث أن أسيد بن خضير رأى مثل الظلة فيها أمثال
المصابيح فقال النبي ◌َّ: تلك الملائكة تنزلت للقرآن ، وقال عليه
السلام في حديث البراء في سورة الكهف : تلك السكينة نزلت
[للقرآن] (١). فمرة أخبر وليه عن نزول السكينة، ومرة أخرى عن
نزول الملائكة ، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة وأنها تنزل
أبدًا مع الملائكة ، والله أعلم ، ولذلك ترجم البخاري باب نزول
السكينة والملائكة عند القراءة .
[٤/ ق ١٩٥-١]
و (٢) في هذا الحديث أن الملائكة تحب أن تسمع القرآن / [ من بني
آدم لا سيما قراءة المحسنين منهم ، وكان أسيد بن حضير حسن
الصوت بالقرآن ] (٣) ودل قوله ◌َّه لأسيد: لو قرأت لأصبحت تنظر
الناس إليها لا تتوارى منهم على حرص الملائكة على سماع كتاب الله من
بني آدم. [وقد جاء] (٤) في الحديث أن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يضيء
لأهل السماء كما يضيء النجم لأهل [الأرض ] (٥) [و] (٣) تحضره الملائكة،
وهذا كله ترغيب في حفظ القرآن ، وقيام الليل به ، وتحسين قراءته .
وفيه جواز رؤية بني آدم للملائكة إذا تصورت في صورة يمكن
للآدميين رؤيتها، كما كان جبريل ◌َ* يظهر للنبي وَ في صورة رجل
فيكلمه ، وكثيرًا كان يأتيه في صورة دحية الكلبي [ وقد تقدم في باب
الكهف تفسير السكينة بما أغنى عن إعادته ] (٣).
وقوله: (( لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم »
حجة لمن قال : إن السكينة روح أو شيء فيه روح ؛ لأنه لا یصح حب
استماع القرآن إلا لمن يعقل .
(١) في ((الأصل)): القرآن. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): والقراءة. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): ويدخل. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( الأصل)): للأرض، والمثبت من ((هـ)).
- ٢٥٤ -

باب : من قال: لم يترك النبي وَل إلا ما بين الدفتين
فيه ابن عباس أنه سئل: هل ترك النبي وتل من شيء ؟ قال: ما ترك إلا
ما بين الدفتين ، [ و](١) عن محمد بن الحنفية مثله .
باب : الوصاة بکتاب الله
فيه : طلحة أنه سأل عبد الله بن أبي أوفى : أوصى النبي - عليه
السلام؟ قال : لا . قلت : كيف كتب على الناس الوصية ، أمروا بها
ولم یوص ؟ قال : أوصى بكتاب الله .
هذان البابان يردان قول من زعم أن النبي وَلا أوصى إلى أحد ، وأن
علي بن أبي طالب الوصي ، وكذلك قال علي بن أبي طالب حين
سئل عن ذلك فقال : ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ،
[لصحيفة] (١) مقرونة بسيفه ، فيها العقل وفكاك الأسير ، ولا يقتل
[مؤمن](٢) بكافر، وقد تقدم [ ذلك في غير موضع ] (١).
*
باب : فضل القرآن على سائر الكلام
فيه : أبو موسى: قال النبي وقله: مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة
طعمها طيب وريحها طيب ، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب
ولا ريح لها ، والفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب
وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر
ولا ربح لها .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): مسكلم. والمثبت من ( هـ)).
- ٢٥٥ -

وفيه ابن عمر : قال النبي - عليه السلام - : إنما أجلكم فيما خلا من
الأمم كمثل ما بين صلاة العصر ومغرب الشمس ، ومثلكم ومثل اليهود
والنصارى كمثل رجل استعمل عمالاً فقال : من يعمل لي إلى نصف
النهار على [قيراط] (١) ؟ فعملت اليهود ، فقال: من يعمل لي من
نصف النهار إلى العصر على قيراط ؟ فعملت النصارى ، ثم أنتم
تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين . قالوا : نحن أكثر
عملاً وأقل عطاء . قال : هل ظلمتكم من حقكم ؟ قالوا : لا . قال :
فذلك فضلي أوتیه من شئت.
قال المؤلف : وجه ذكر البخاري لهذين الحديثين في هذا الباب هو
أنه لما كان ماجمع طيب الريح وطيب المطعم أفضل المأكولات ، وشبه
النبي المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة التي جمعت طيب الريح وطيب
المطعم ؛ دل ذلك أن القرآن أفضل الكلام ، ودل هذا الحديث على
مثل القرآن وحامله والعامل به والتارك له ، وكذلك حديث ابن عمر ،
لما كان المسلمون أكثر أجراً من أهل التوراة وأهل الإنجيل دل ذلك على
فضل القرآن على الثوراة والإنجيل ؛ لأن المسلمين إنما [استحقوا](٢)
هذه الفضيلة بالقرآن الذي فضلهم الله به ، وجعل فيه للحسنة عشر
أمثالها وللسيئة واحدة ، وتفضل عليهم بأن أعطاهم على تلاوته لكل
حرف عشر حسنات كما قال ابن مسعود ، وقد أسنده عن النبي أيضًا،
وقد وردت آثار كثيرة في فضائل القرآن والترغيب في قراءته .
روى سفيان [ عن عاصم، عن زر ] (٣) عن عبد الله بن عمرو ،
عن النبي - عليه السلام - قال: (( يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارتقٍ
ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» .
(١) في ((الأصل)): قيراطين. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): يستحقوا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ ).
- ٢٥٦ -

وقالت عائشة : جعلت درج الجنة على عدد آي القرآن ، فمن قرأ
ثلث القرآن كان على الثلث من درج الجنة ، ومن قرأ نصفه كان على
النصف من درج الجنة ، ومن قرأ القرآن كله كان في عليه لم يكن فوقه
أحد إلا نبي أو صديق أو شهيد .
وروى أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَظله :
إن القرآن والصيام يشفعان يوم القيامة لصاحبهما ، فيقول الصيام : يا
رب ، إني / منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن: [١٩٥٥/٤ -ب]
يارب ، إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان فيه .
وروى أبو نعيم ، عن بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة ،
عن أبيه قال : كنت جالسًا عند النبي - عليه السلام - فسمعته يقول :
إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاب
فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك . فيقول : أنا صاحبك
القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت [ ليلك ] (١) ، وإن كل
تاجر من وراء تجارته ، وإنك من وراء كل تجارة ، فيعطى الملك بيمينه
والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، ويكسى والداه حلتين
لا تقوم لهما الدنيا ، فيقولان : بما [ كسينا ] (٢) هذا ؟ [ فيقال
لهما] (٣): بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال : اقرأ واصعد في درج
الجنة وغرفها ، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلاً .
وقال ابن عباس : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر .
(١) في ((الأصل)): ليلتك. والمثبت من (هـ)).
(٢) في ((الأصل)): كسيتنا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): فيقول. والمثبت من ( هـ).
- ٢٥٧ -

باب : من لم يتغن بالقرآن وقوله تعالى : ﴿ أو لم يكفهم أنا
أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ (١)
فيه أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : لم يأذن الله لشيء ما أذن
لنبي يتغنى بالقرآن ، وقال صاحب له : يريد يجهر به ، وقال مرة : ما أذن
لنبي ما أذن للنبي ◌َل﴾ أن يتغنى بالقرآن . قال سفيان: تفسيره يستغني به.
وذكر في كتاب الاعتصام حديث أبي هريرة عن النبي في ﴾ قال: ليس منا
من لم يتغن بالقرآن . وزاد غيره : يجهر به ، ذكره في باب قوله تعالى :
﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾ (٢) .
واختلف الناس في معنى التغني بالقرآن ؛ ففسره ابن عيينة على أن
المراد به الاستغناء ، الذي هو ضد الافتقار ، ورواه عن [ سعد ] (٣)
ابن أبي وقاص ، ذكر الحميدي ، عن سفيان ، حدثنا ابن جريج ،
عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك قال : لقيني سعد بن
أبي وقاص في السوق [ فقال] (٤): أتجار كسبة، سمعت رسول الله
وَل يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن .
وهكذا فسره وكيع ، ومن تأول هذا التأويل كره قراءة القرآن
بالألحان والترجيع . روي ذلك عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب،
والحسن ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير والنخعي ، وقال النخعي :
كانوا يكرهون القراءة بتطريب ، وكانوا إذا قرأوا القرآن قرأوه حدراً
ترتيلاً بحزن ، وهو قول مالك : روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن
الإلحان في الصلاة فقال : لا يعجبني - وأعظم القول فيه - وقال :
إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم .
(١) العنكبوت : ٥١ ٠٫
(٣) في ((الأصل)): سعيد. والمثبت من ( هـ)).
(٤) من (( هـ)).
(٢) الملك : ١٣ .
- ٢٥٨ -

وقد روي عن ابن عيينة [ وجه ] (١) آخر ، ذكره إسحاق بن راهويه
قال : كان ابن عيينة يقول : معنى قوله عليه السلام : ما أذن الله لشيء ما
أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن . يريد يستغني به عما سواه من الأحاديث .
وقالت طائفة : معنى التغني بالقرآن : تحسين الصوت به والترجيع
بقراءته ، والتغني بما شاء من الأصوات واللحون وهو معنى قوله :
وقال صاحب له يريد : يجهر به . قال الخطابي : والعرب تقول :
سمعت فلانا يغني بهذا الحديث - أي يجهر به - ويصرح لا يكني .
وقال أبو عاصم : أخذ بيدي ابن جريج ووقفني على أشعب الطماع
وقال : عن ابن أخي ، ما بلغ من طمعكم ؟ قال : ما زفت امرأة
بالمدينة إلا كشحت بيتي رجاء أن تهدي إليّ . يقول أخبر ابن أخي
بذلك مجاهداً غير مساتر ومنه قول [ ذي ] (٢) الرمة :
أحب المكان القفر من أجل أنني بها أتغنى باسمها غير معجم
أي أجهر بالصوت بذكرها ، لا أكني عنها حذار كاشح أو خوف
رقيب .
قال المؤلف : ذكر عمر بن شبة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل
تأويل ابن عيينة في قوله عليه السلام : يتغنى بالقرآن : يستغني به .
فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئاً ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء، عن عبيد
ابن عمير قال: كانت لداود نبي الله معزفة يتغنى عليها وتبكي ويبكي.
وقال ابن عباس : إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحناً ، يلون فيهن ،
ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة
في بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين .
(١) في ((الأصل)): وجهًا. والمثبت من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): ذو. والمثبت من (( هـ).
- ٢٥٩ -

ومن الحجة لهذا القول أيضًا حديث ابن معقل في وصف قراءة
رسول الله وفيه ((ثلاث مرات)» وهذا غاية الترجيع ذكره البخاري في
[١٩٦٥/٤-١) كتاب الاعتصام / وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن
أعلم بهذا ، لو أراد عليه السلام الاستغناء لقال : من لم يستغن
بالقرآن . ولكن لما [ قال ] (١) عليه السلام : يتغن بالقرآن . علمنا أنه
أراد به التغني ، وكذلك فسر ابن أبي مليكة التغني أنه تحسين الصوت
به، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل .
وممن [ أجاز ] (٢) الإلحان في القراءة : ذكر الطبري عن عمر بن
الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى
ويتلاحن . وقال مرة : من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى
فليفعل . وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن فقال
له عمر : اعرض عليّ سورة كذا ، فقرأ عليه فبكى عمر وقال : ما
كنت أظن أنها نزلت .
وأجازه ابن عباس وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح ،
واحتج بحديث عبيد بن عمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد
يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان . وذكر الطحاوي
عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يسمعون القرآن بالألحان ، وقال
محمد بن عبد الحكم : رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمير يسمعون
القرآن بالألحان . واحتج الطبري لهذا القول ، وقال : الدليل على أن
معنى الحديث : تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ
سامع قراءته ، كما الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب
السامع ؛ ما روى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن
النبي - عليه السلام - قال: ((ما أذن [ الله ] (٣) لشيء ما أذن لنبي
(١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): اختار. والمثبت من (( هـ)).
---
(٣) من ((هـ)).
- ٢٦٠ -