النص المفهرس

صفحات 221-240

أمرني به من جمع القرآن ، قلت : كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله
دَ ؟ قال : هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله
صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من
و م
العَسَب واللحاف وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع
أبي خزيمة الأنصاري ، لم أجدها مع أحد غيره : ﴿ لقد جاءكم رسول
من أنفسكم عزيز عليه ... ﴾ (١) [حتى ] (٢) خاتمة براءة ، فكانت
الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة
بنت عمر.
وفيه : أنس أن حذيفة قدم على عثمان بن عفان ، وكان يغازي أهل
الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم
في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل
أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى . فأرسل عثمان إلى
حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير
وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في
المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاث : إذا اختلفتم أنتم
وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل
بلسانهم . ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان
الصحف إلی حفصة ، فأرسل إلی کل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما
سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .
قال ابن شهاب : فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت [ أنه سمع أباه زيد
ابن ثابت ] (٣) قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف ،
(١) التوبة : ١٢٨ .
(٢) في ((الأصل)): هي. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ ) .
- ٢٢١ -

قد كنت أسمع رسول الله 3 98 يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة
ابن ثابت الأنصاري : ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله
عليه﴾(١) فألحقناها [ في سورتها ] (٢) في المصحف.
قال أبو بكر بن الطيب : فإن قال قائل : ما وجه نفور أبي بكر
وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن ؟
فالجواب : أنهما لم يجدا رسول الله وَّله قد بلغ في جمعه إلى:
هذا الحد من الاحتياط من تجليده ، وجمعه بين لوحين ، فكرها أن
يجمعاه جزعًا من أن يحلا أنفسهما محل من يجاوز احتياطه للدين
احتياط رسول الله وَّة ، فلما أنبههما عمر ، وقال : هو والله خير .
وخوفهما من تغير حال القرآن في المستقبل ؛ لقلة حفظته ، ومصيره
إلى حالة الخفاء والغموض بعد الاستفاضة والظهور ، علما صواب ما
أشار به وأنه خير ، وأن فعل رسول الله - عليه السلام - ليس على
الوجوب ، ولا تركه لما تركه على الوجوب إلا أن يكون قد بين في
شريعته أن مثل فعله لما فعله ، أو تركه لمثل ما تركه لازم لنا وواجب.
علينا ، فلما علما أنه لم يحظر جمع القرآن ولا منع منه بسنة ولا بنص
آية ، ولا هو مما يفسده العقل ويحيله ، ولا يقتضي فساد [شيء ] (٣).
من أمر الدين ولا مخالفة رأي صواب ما أشار به عمر ، وأسرعا إليه
كما فعل عمر وسائر الصحابة في رجوعهم إلى رأي أبي بكر في قتاله
أهل الردة ، ورأوا ذلك صوابًا لم يشكوا فيه .
وربما يشمئز الإنسان أحيانًا من فعل المباح المطلق ويسبق إلى قلبه أنه
ليس مما له فعله لفرط احتياطه وتحريه ، ثم تبين له بعد
(١) الأحزاب : ٢٣ .
(٢) في ((الأصل)): بصورتها. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): شيئًا. والمثبت من (( هـ)).
٠ - ٢٢٢ -
۔۔

ذلك أنه مما له فعله ، كرجل قيل له : قد سقط عنك فرض الجهاد
والصيام والصلاة قائما لزمانتك وعجزك . فأنكر مفارقة العادة عند أول
وهلة ، فلما رجع إلى نفسه ، وعلم أن الصيام يجهده والحركة والقيام
يزيده في مرضه علم جواز تركه .
وقد تقدم في كتاب الأحكام في باب يستحب للكاتب أن يكون
أمينًا عاقلاً زيادة بيان في تصويب جمع الصديق للقرآن وأنه من أعظم
فضائله .
قال أبو بكر بن الطيب : فإن قيل : فما وجه جمع عثمان الناس
على مصحفه ، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه ؟
قيل لهم : إن عثمان لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف
المصحف فقط ، ولا كان التشاجر الواقع في أيامه في إقرارهم أنه
كتاب الله بأسره ، وإنما اختلفوا في القراءات ، فاشتد الأمر / في ذلك (٤/ ١٨٩٥ -ب]
بينهم وعظم اختلافهم وتشتتهم ، وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة
منه ، وتلاعنا أهل الشام وأهل العراق ، وكتب الناس بذلك إلى
عثمان من الأمصار وناشدوه الله في جمع الكلمة ورفع الشتات
والفرقة، فجمع عثمان المهاجرين والأنصار وجلة أهل [ الإسلام ] (١)
وشاورهم في ذلك فاتفقوا على جمع القرآن وعرضه وأخذه للناس بما
صح وثبت من القراءات المشهورة عن النبي عليه السلام ، واطراح ما
[سواها ] (٢) واستصوبوا رأيه، وكان رأيًا سديدًا موفقا، فرحمة الله
عليه وعليهم .
وقد ذكر أبو عبيد بإسناده عن علي بن أبي طالب قال : لو وليت
لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان .
(١) في ((الأصل)): الشام. والمثبت من ( هـ).
(٢) في ((الأصل)): سواهما. والمثبت من ((هـ)).
- ٢٢٣ -

قال غيره وقوله: (( حتى وجدت آخر التوبة مع أبي خزيمة
الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره )) يدل على تصحيح الروايات الأخر
أن الصديق أمر زيدًا ألا [ يثبت آية ] (١) في المصحف إلا بشاهدين
يشهدان [ عليها ] (٢).
وقال أبو بكر بن الطيب : وجه طلبه للشاهدين أن إثبات القرآن
حكم من أحكام الشريعة ، ولا يجب إمضاء حكم في الشريعة إلا
بشاهدين عدلين .
ويحتمل أن يكون أمره بطلب الشاهدين فيما لا يحفظه زيد من
كلمات القرآن ، وقد ورد بذلك خبر .
وروی أسامة بن زيد عن القاسم بن محمد قال : قال أبو بكر لزید
ابن ثابت : اقعد فمن أتاك من القرآن بما لا تحفظه ولم تقرأه بشاهدين
[فاقبله ] (٣). ولسنا ننكر أن يكون أبو بكر أمر زيدًا بطلب الشاهدين
على كل ما يؤتى به مما يحفظه ومما لا يحفظه ؛ لأجل حاجته إلى
إمضاء الحكم من جهة الظاهر .
قال المؤلف : وأفضل ما قيل في ذلك ما حدثنا به عبد الرحمن بن
عبد الله بن خالد قال : حدثنا علي بن محمد بن لؤلؤ ببغداد قال : حدثنا
أحمد بن الصقر بن ثوبان قال: حدثنا محمد بن عبيد بن [حساب] (٤)
حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة، عن رجل من بني تميم يقال
له - أحسب - أنس بن مالك قال: اختلف المعلمون في القرآن حتى اقتتلوا،
۔۔
(١) في ((الأصل)): يشابه. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عليهما والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): فاقتله والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): خشاب .. وفي (( هـ)) : حسان. وهو تصحيف ، ومحمد بن
عبيد بن حساب من رجال التهذيب .
١ - ٢٢٤ -

فبلغ ذلك عثمان فقال : عندي تختلفون وتكذبون به وتلحنون فيه ؟ یا
أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إمامًا يجمعهم فكانوا في المسجد
فكثروا ، فكانوا إذا تماروا في الآية يقولون : إنه أقرأ رسول الله هذه
الآية فلان بن فلان ، وهو على رأس أميال من المدينة ، فيبعث إليه
فيجيء فيقولون : كيف أقرأك رسول الله آية كذا وكذا ، فيكتبون كما
قال . رواه إسماعيل بن إسحاق ، عن سليمان بن حرب ، حدثنا
حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : حدثني من كان
يكتب معهم [ قال ](١) حماد : أظنه أنس بن مالك القشيري قال :
كانوا يختلفون في الآية فيقولون : أقرأها رسول الله فلان بن فلان
فعسى أن يكون على ثلاث أميال من المدينة ، فيرسل إليه فيجاء به .
وذكر الحديث [ سواء ] (٢) وقد أشار أبو بكر بن الطيب إلى هذا
المعنى غير أنه لم يذكر الرواية بذلك ، وقد ذكرته عنه في كتاب الجهاد
في باب قوله : ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾(٣).
فإن قيل : في حديث زيد بن ثابت أنه وجد آخر سورة التوبة مع
أبي خزيمة الأنصاري ، وفي آخر الباب قول ابن شهاب عن خارجة بن
زيد أنه سمع أباه زيد بن ثابت قال : فقدت اية من الأحزاب كنت
أسمع النبي - عليه السلام - يقرأ بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة
ابن ثابت: ﴿من المؤمنين رجال﴾ (٣) وهذا اختلاف يوجب التضاد .
قال المهلب : ولا تضاد في هذا ، وهذه قصة غير قصة الأحزاب ؛
(١) في ((الأصل)): إلى. والمثبت من ((هـ)).
(٢) من ( هـ)).
(٣) الأحزاب : ٢٣.
- ٢٢٥ -

لأن الآية التي في التوبة وجدت مع أبي خزيمة ، وهو معروف من
الأنصار وقد عرفه أنس ، وقال : نحن ورثناه . والتي في الأحزاب
ليست صفة النبي - عليه السلام - وهذه وجدت مع خزيمة بن ثابت ،
وهو غير أبي خزيمة ، فلا تعارض في هذا ، والقصة غير القصة لا
إشكال فيها ولا التباس والسورة غير السورة ، والتي في الأحزاب
سمعها زيد وخزيمة من النبي فهما شاهدان على سماعها منه ، وإنما
أثبتت التي في التوبة بشهادة أبي خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها
[٤/ ق١٩٠-١) في صفة النبي فهي قرينة تغني عن / طلب شاهد آخر.
وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز
تحريق الكتب التي فيها أسماء الله - تعالى - وأن ذلك إكرام لها ،
وصيانة ( من ) (١) الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض .
وروى معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه كان يحرق الصحف
إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم ، وحرق
عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة ، وكره إبراهيم أن تحرق
الصحف إذا كان فيها ذكر الله ، وقول من حرقها أولى بالصواب .
وقد قال أبو بكر بن الطيب : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها
القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك .
وقال أبو عبيد: اللخاف : الحجارة الرقاق ، والعسب :: جمع
عَسيب وهي جريدة من النخل ، وجمعه عسبان [ وأعسب ] (٢) من
كتاب العين .
(١) في ((هـ)) : عن.
(٢) في ((الأصل)): وأعسبة. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٢٦ -

باب : ذكر كاتب النبي عليه السلام
فيه : زيد بن ثابت قال: ((أرسل [ إليّ ](١) أبو بكر الصديق قال : إنك
كنت تكتب الوحي لرسول الله [فاتبع ] (٢) القرآن فتتبعت حتى وجدت
آخر سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم [ أجدهما ] (٣) مع
أحد غيره: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (٤).
وفيه : البراء قال: (( لما نزلت: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير
أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ (٥) قال النبي [وَير] (٦): ادع
لي زيدًا وليجئ باللوح والدواة - أو الكتف والدواة - ثم قال : اكتب :
لا يستوي القاعدون ﴾ وخلف ظهر النبي - عليه السلام - عمرو بن
أم مكتوم الأعمى قال : يا رسول الله : فما تأمرني ، فإني رجل ضرير
البصر ؟ فنزلت مكانها . ﴿ غير أولي الضرر﴾.
قال أبو بكر بن الطيب : فيه أن النبي - عليه السلام - [ سن ] (٧)
جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته ، وأن أبا بكر الصديق
وعمر الفاروق وزيد بن ثابت وجماعة الأمة أصابوا في جمعه وتحصينه
وإحرازه ، وجروا في كتابته على سنن الرسول وسنته ، وأنهم لم يثبتوا
منه شيئًا غير معروف ، وما لم تقم الحجة به .
قال المهلب : وفيه أن السنة للخليفة والإمام أن يتخذ كاتبًا يقید له ما
يحتاج إلى النظر فيه من أمور الرعية ، ويعينه على تنفيذ أحكام
الشريعة، لأن الخليفة يلزمه من الفكرة والنظر في أمور من استرعاه الله
أمرهم ما يشغله عن الكتاب وشبهه من أنواع المهن ، ألا ترى قول
عمر بن الخطاب: (( لولا الخلافة لأذنت)) يريد أن
(١) من (( هـ ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): فاجمع. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): أجدها والمثيت من ((هـ، ن)).
(٤) التوبة : ١٢٨ - ١٢٩ .
(٥) النساء : ٩٥ .
(٦) في ((الأصل)): عليه. والمثبت من ( هـ ).
(٧) من ((هـ)).
- ٢٢٧ -

الخلافة حالة شغل بأمور المسلمين عن الأذان وغيره ؛ لأن هذا يوجد
[فيه](١) من يقوم مقام الخليفة وينوب عنه ، ولا ينوب عنه أحد في
الإمامة ، وقد استدل بقوله تعالى : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين
غير أولي الضرر﴾ (٢) الآية. من قال: إن الغنى أفضل من الفقر.
قال : ألا ترى قوله تعالى : ﴿وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم
على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ﴾ (٢) ؟ ففضيلة الجهاد وبذل
المال في إعلاء كلمة الله درجة لا يبلغها الفقير أبدًا ، وقوله تعالى :
﴿غير أولي الضرر﴾ (٢) يدل أن أهل الأعذار لا حرج عليهم فيما لا
سبيل لهم إلى فعله من الفرائض اللازمة للأصحاء القادرين ، وفي
هذا حجة للفقهاء في قولهم : إنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق . وهو
قول جمهور الفقهاء .
باب : أنزل القرآن على سبعة أحرف
فيه : ابن عباس : قال النبي - عليه السلام -: (( أقرأني جبريل على
حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف)).
وفيه : عمر بن الخطاب: (( سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان
في حياة رسول الله ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة
لم يقرئنيها رسول الله ، فكدت أساوره في الصلاة ، فتصبرت حتى سلم
[ فلبيته ] (٣) بردائه. فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك
تقرأ؟ قال : أقرأنيها رسول الله . فقلت: كذبت ، فإن رسول الله قد أقرأنيها.
i
على غير ما قرأت ، فانطلقت [ به ] (٤) أقوده إلى رسول الله ، فقلت : إني
(١) في ((الأصل)): في. والمثبت من (( هـ)).
(٢) النساء : ٩٥ .
(٣) في ((الأصل)): فلبيت. والمثبت من ((هـ، ن).
(٤) من (( هـ ، ن)) .
- ٢٢٨ -

سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ! فقال رسول
الله ◌َي: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال
رسول الله: كذلك / أنزلت . ثم قال: اقرأ يا عمر . فقرأت القراءة التي (١٩٠٥/٤ -ب]
أقرأني ، فقال رسول الله : كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة
أحرف فاقرءوا ما تيسر منه )) .
قال المؤلف : قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث ولم أجد فيه
قولاً يسلم [ من ] (١) المعارضة ، وأحسن ما رأيت فيه ما نقله أبو
عمرو عثمان بن سعيد المقرئ في [ بعض ] (٢) كتبه - ولم يسم
[قائله](٢) - قال: إني تدبرت معنى هذا الحديث (وأنعمت) (٣)
النظر فيه بعد وقوفي علي أقاويل السلف والخلف ، فوجدته متعلقًا
بخمسة أوجه ، هي محيطة بجميع معانيه : فأولها : أن يقال : ما
معنى الأحرف التي أرادها النبي ◌َّ؟ وكيف تأويلها ؟ والثاني : ما
وجه [إنزال] (٤) القرآن على هذه السبعة الأحرف ، وما المراد بذلك؟
والثالث : في أي شيء يكون اختلاف هذه السبعة الأحرف ؟ والرابع:
على كم معنى تشتمل هذه السبعة [ الأحرف] (٢) ؟ والخامس: هل
هذه السبعة الأحرف كلها متفرقة في القرآن ، موجودة فيه في ختمة
واحدة ، حتى إذا قرأ القارئ بأي حرف من حروف أئمة القراء
بالأمصار المجتمع على إمامتهم فقد قرأ بها كلها ؟ أو ليست كلها متفرقة
فيه وموجودة في ختمة واحدة ؟ وأنا مبين ذلك - إن شاء الله .
هاهنا فإنه يتوجه إلى
وَسَّم
فأما معنى الأحرف التي أرادها النبي
وجهين : أحدهما : أن يكون أراد سبعة أوجه من اللغات بدليل قوله
تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به﴾(٥)
(١) فى ((الأصل)): عن. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في (( هـ)): وأمعنت .
(٤) في ((الأصل)): تأويل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من ( هـ)).
(٥) الحج : ١١ .
- ٢٢٩ -

فالمراد بالحرف هاهنا الوجه الذي تقع عليه العبادة . والمعنى : ومن
الناس من يعبد الله على النعمة تصيبه ، والخير يناله من تثمير المال ،
وعافية البدن ، وإعطاء السؤل ، ويطمئن إلى ذلك ما دامت له هذه
الأمور واستقامت ، فإن تغيرت حاله وامتحنه الله بالشدة في عيشه
والضر في بدنه ترك عبادة ربه وكفر به ، فهذا عبد الله (١) على وجه
واحد ، وذلك معنى الحرف والوجه .
الثاني: أن يكون النبي وَالر سمى القراءات أحرفًا على طريق السعة
كنحو ما جرت عليه عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه
وما قاربه و [ ما ] (٢) جاوره ، وتعلق به ضربًا من التعلق وتسميتهم
الجملة باسم البعض منها ، فسمى النبي القراءة حرفًا ، وإن كان
[كلامًا] (٣) كثيرًا من أجل أن منها حرفًا قد غير بضمة أو كسر أو قلب
إلى غيره ، أو أميل أو زيد فيه أو نقص منه على ما جاء في المختلف فيه
من القراءات ، فنسب النبي القراءة والكلمة التامة [ إلى ] (٤) ذلك
الحرف المغير ، فسمى القراءة به ؛ إذ كان ذلك الحرف منها على عادة
العرب في ذلك كما يسمون القصيدة قافية ، إذ كانت القافية منها كقول
الخنساء:
ن تبقى ويهلك من قالها
وقافية مثل حد السنا
تعني : قصيدة ، فسميت قافية على طريق الاتساع، كما يسمون الرسالة [والخطبة:
كلمة ] (٥) ، إذ كانت الكلمة منها. قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك الحسنى﴾(٦)
(١) في ((الأصل)): لا. وهي مقحمة .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): كاملاً. والمثبت من ((هـ).
(٤) في ((الأصل)): التي، والمثبت من (( هـ).
(٥) في (( الأصل)»: والكتبة خطبة .
(٦) الأعراف : ١٣٧ .
- ٢٣٠ -

وقيل : إنه تعالى عنى بالكلمة هاهنا قوله في سورة القصص : ﴿ونريد
أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ... ﴾ (١) الآية . وقال
مجاهد: قوله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ (٢). قال : لا إله
إلا الله . فخاطبهم عليه السلام بما جرى تعارفهم عليه في خطابهم .
وأما وجه إنزال القرآن على هذه السبعة الأحرف ، وما أراد الله
بذلك، فإنما ذلك توسعة من الله على عباده ورحمة لهم [ و] (٣)
تخفيفًا عنهم لما هم عليه من اختلاف [ اللغات ] (٣) واستصعاب
مفارقة كل فريق منهم لطبعه وعادته في الكلام إلى غيره ، فخفف الله
عنهم بأن [ أقرأهم ] (٤) على مألوف طبعهم وعادتهم في كلامهم ،
يدل على ذلك ما روى أبو عبيدة من حديث حذيفة عن النبي - عليه
السلام - قال: ((لقيت جبريل عند أحجار المري فقلت : يا جبريل ،
إني أرسلت إلى أمة أمية : الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ
الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط . قال : إن القرآن أنزل على سبعة
أحرف )) .
روى حماد بن سلمة من حديث أبي بكرة (( أن جبريل أتى النبي
-عليه السلام - [ فقال ] (٥): اقرأ القرآن على حرف . فقال
ميكائيل: استزده . فقال : اقرأ على حرفين . فقال ميكائيل : استزده
/ حتى بلغ [ سبعة] (٦) أحرف كل كاف شاف)).
[٤/ق١٩٦- ٢]
ويمكن أن تكون هذه السبعة أوجه من اللغات هي أفصح اللغات ، فلذلك
أنزل القرآن عليها . ذكر ثابت السرقسطي في هذا المعنى: قوله: (( سبعة
أحرف )» يريد - والله أعلم - على لغات شعوب من العرب سبعة أو
(١) القصص : ٥ .
(٣) من (( هـ)).
(٢) الفتح: ٢٦ .
(٤) في ((الأصل)): أقرهم. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): قال. والمثبت من ( هـ)).
(٦) في ((الأصل)): ستة. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٣١ -

جماهيرها كما قال الكلبي : خمسة منها لهوازن وحرفان لسائر الناس.
وقال ابن عباس : نزل القرآن على سبعة أحرف صارت في عجز
هوازن منها خمسة . وقال أبو حاتم : عجز هوازن ثقيف ، وبنو سعد
ابن بكر ، وبنو جشم ، وبنو مضر . قال أبوحاتم : خص هؤلاء دون
ربيعة وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد النبي - عليه السلام - ومنزل
الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان . قال قتادة عن سعيد بن المسيب :
نزل القرآن على لغة هذا الحي من لدن هوازن وثقيف إلى ضربه .
وأما في أي شيء يكون اختلاف هذه السبعة أحرف فإنه يكون في
أوجه كثيرة منها تغير اللفظ نفسه وتحويله إلى لفظ آخر كقوله تعالى :
(ملك يوم الدين)) بغير ألف، و﴿ مالك﴾ بألف، والسراط بالسين
والصاد و [الزاي ] (١) ومنها الإثبات والحذف كقوله تعالى: ﴿وقالوا
اتخذ الله ولداً﴾ (٢)، ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ (٣).
أوالذين اتخذوا مسجدًا ﴾ (٤) بالواو وبغير واو ، ومنها تبديل
[الأدوات](٥) كقوله تعالى : ﴿وتوكل على العزيز الرحيم﴾ (٦) في
الشعراء بالفاء ، وتوكل بالواو (( فلا يخاف عقباها )) بالفاء ، ﴿ ولا
يخاف عقباها﴾ (٧) [ بالواو ] (٨)، ومنها التوحيد والجمع كقوله
تعالى: ﴿الربح﴾ و﴿ الرياح﴾ ومنها ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ (٩)
و(رسالاته)) و(( آية للسائلين)) و﴿ آيات﴾ (١٠).
(١١)
ومنها التذكير والتأنيث كقوله تعالى : ﴿ولا يقبل منها شفاعة ﴾
بالياء والتاء، و((فناداه الملائكة)» و﴿فنادته﴾ (١٢)، و((استهواه الشياطين))
و﴿استهوته﴾ (١٣)، ومنها التشديد والتخفيف كقوله تعالى: ﴿بما كانوا
(١) في ((الأصل)): الراء. والمثبت من (( هـ).
(٢) البقرة : ١١٦ .
(٣) آل عمران : ١٣٣ .
(٤) التوبة : ١٠٧ .
(٥) في ((الأصل)): الأخوات. والمثبت من (( هـ)).
(٦) الشعراء :٢١٧٫
(٧) الشمس : ١٥ .
(٨) فى ((الأصل)): والواو. والمثبت من ((هـ)).
(١٠) يوسف : ٧ .
(٩) المائدة : ٦٧ .
(١٢) آل عمران : ٣٩ .
(١٣) الأنعام : ٧١ .
(١١) البقرة : ٤٨.
- ٢٣٢ -

يكذبون ﴾ بتشديد الذال وتخفيفها ، و [ منها ] (١) الخطاب والإخبار
كقوله تعالى : ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ و﴿ أفلا يعقلون ﴾،
﴿ولكن لا يعلمون﴾ وشبه ذلك بالتاء على الخطاب، وبالياء على
الإخبار ، ومنها الإخبار عن النفس، والإخبار عن غير النفس كقوله
تعالى : ﴿نتبوأ منها حيث نشاء﴾ بالنون وبالياء، و﴿يجعل الرجس﴾
بالنون والياء، ومنها التقديم والتأخير كقوله تعالى: (( وقتلوا وقاتلوا))،
﴿ وقاتلوا وقتلوا﴾ و﴿فيقتلون ويقتلون) وكذلك (( زين لكثير من
المشركين قتل أولادهم شركائهم » و ﴿ قتل أولادهم شركاؤهم﴾ وشبهه.
ومنها النهي والنفي كقوله تعالى: (( ولا تسل عن أصحاب
الجحيم)) بالجزم على النهي ﴿ولا تسألُ﴾ بالرفع على النفي ، ((ولا
تشرك في حكمه أحدًا)) بالتاء والجزم على النهي ﴿ولا يشركُ﴾ بالياء
والرفع على النفي .
ومنها الأمر والإخبار كقوله تعالى : ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم
مُصلى﴾ بكسر الخاء على الأمر ((واتخذوا)) بالفتح على الإخبار ،
و﴿قل سبحان ربي﴾ و﴿قل ربي يعلم﴾ على الأمر، وقال على
الخبر، وشبهه .
ومنها تغيير الإعراب وحده كقوله تعالى : ﴿ وصية لأزواجهم ﴾
بالنصب وبالرفع و﴿ تجارة حاضرة ﴾ بالرفع والنصب، ﴿وأرجلكم إلى
الكعبين ﴾ بالنصب والجر ، وما أشبهه .
ومنها تغيير الحركات اللوازم كقوله : ﴿ولا تحسبن ﴾ بكسر السين
(١) في ((الأصل)): منه. والمثبت من (( هـ).
- ٢٣٣ -

وفتحها ﴿ومن يقنط﴾ (١) و﴿ يقنطون﴾ (٢) بكسر النون وفتحها،
﴿ویعرشون ﴾ (٣١) و ﴿ يعكفون ﴾ (٤) بكسر الراء والكاف وضمها و
﴿الولاية ﴾ (٥) بكسر الواو وفتحها .
ومنها التحريك والتسكين كقوله : ﴿خطوات الشيطان ﴾ (٦) بضم
[الطاء] (٧) وإسكانها ﴿ وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾
(٨)
بفتح الدال وإسكانها.
ومنها الإتباع وتركه كقوله تعالى : ﴿فمن اضطر ﴾ (٩) و ﴿ وأن
أعبدوا الله ﴾ (١٠) ﴿ ولقد استهزئ ﴾ (١١) بالضم والكسر؛ فالضم
لالتقاء الساكنين إتباعًا لضم ما بعدهن ، وبالكسر للساكنين من غير
اتباع، ومنها الصرف وتركه كقوله: ﴿وعادًا وثمودًا﴾ (١٢) و ﴿ ألا
بعدًا لثمود ﴾ (١٣) بالتنوين وتركه .
ومنها اختلاف اللغات كقوله : ﴿ جبريل﴾ بكسر الجيم من غير
همز وبفتحها كذلك وجبرئيل - بفتح الجيم والراء مع الهمز من غير
مد - وبالهمز والمد
ومنها التصرف في اللغات نحو الإظهار والإدغام ، [ والمد ] (١٤)
[١٩١٥/٤-ب) والقصر والإمالة، والفتح وبين بين والهمز وتخفيفه / بالحذف والبدل
وبين بين ، والإسكان والروم والإشمام عند الوقف على أواخر الكلم،
[ والسكون] (١٥) على الساكن قبل الهمزة وما أشبهه ، وقد ورد
التوقيف عن النبي - عليه السلام - بهذا [ الضرب ] (١٦) من
(١) الحجر : ٥٦ .
(٣) الأعراف : ١٣٧ .
(٢) الروم : ٣٦.
(٤) الأعراف : ١٣٨ .
(٦) البقرة : ١٦٨ .
(٥) الكهف : ٤٤ .
(٧) في ((الأصل)): الجاف. والمثبت من (( هـ)).
(٨) البقرة : ٢٣٦ .
(١٠) المائدة : ١١٧ .
(٩) البقرة : ١٧٣ .
(١١) الأنعام: ١٠ وغيرها. (١٢) الفرقان: ٣٨.
(١٣) هود : ٦٨.
(١٤) من ((هـ)). (١٥) في ((الأصل)): السكوت. والمثبت من (( هـ)).
(١٦) في ((الأصل)): التصرف .
- ٢٣٤ -

الاختلاف وأذن فيه لأمته بالأخبار الثابتة ، وفيما روى أبو عبيد قال :
حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بقية بن الوليد ، عن حصين بن مالك
قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد ، عن حذيفة قال : قال رسول
الله ◌َّة: ((اقرءوا القرآن بلحن العرب وأصواتها )) ولحونها
وأصواتها: مذاهبها وطباعها .
ووجه هذا الاختلاف في القرآن أن رسول الله وَلو كان يعرض
القرآن على جبريل في كل عام عرضة ، فلما كان العام الذي توفي
فيه عرضه عليه مرتين ، فكان جبريل يأخذ عليه في كل عرضة بوجه
من هذه الوجوه [ والقراءات ] (١) المختلفة ، ولذلك قال عليه السلام:
« إن القرآن أنزل عليها، وإنها كلها كاف شاف)) وأباح لأمته القراءة
بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها ؛ إذ كانت كلها من عند الله منزلة ، ومنه
عليه السلام مأخوذة ، ولم يلزم أمته حفظها كلها ولا القراءة بأجمعها ؛ بل
هي مخيرة في القراءة بأي حرف شاءت منها كتخييرها إذا حنثت في يمين أن
تكفر إن شاءت بعتق أو بإطعام أو بكسوة ، وكالمأمور في الفدية بالصيام أو
الصدقة أو النسك ، ألا ترى أن النبي وَلل صوب من قرأ ببعضها كما
صوب قراءة هشام بن حكيم [و ] (٢) قراءة عمر بن الخطاب حين تناكرا
القراءة وأقر أنه كذلك قرئ عليه ، وكذلك أنزل عليه .
وأما على كم وجه يشتمل اختلاف هذه السبعة الأحرف ؛ فإنه يشتمل على
ثلاثة معان : أحدها : اختلاف اللفظ والمعنى [ واحد ، نحو قوله
تعالى: ﴿الصراط﴾ بالصاد والسين والزاي و ﴿عليهم﴾ و ﴿ إليهم) بضم
الهاء مع إسكان الميم ، وبكسر الهاء مع ضم الميم وإسكانها وشبه ذلك.
والثاني : اختلاف اللفظ، والمعنى ] (٢) جميعًا مع جواز أن
يجتمعا في شيء واحد ، لعدم تضاد اجتماعهما فيه ، نحو قوله :
(ملك يوم الدين)) بغير الألف، و[﴿مالك﴾ بالألف] (٣) لأن المراد
(١) في ((الأصل)): والقراءة. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): وبألف. والمثبت من (( هـ).
(٢) من (( هـ)).
- ٢٣٥ -

بهاتين القراءتين هو الله سبحانه ، وذلك أنه مالك يوم الدين وملكه ، فقد
اجتمع له الوصفان جميعًا فأخبر بذلك في القراءتين ونحو ذلك : ﴿ بما كانوا
يكذبون﴾ (١) بتخفيف الذال وتشديدها ؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعًا هم
المنافقون ، وذلك أنهم كانوا يكذبون في أخبارهم ويكذبون النبي - عليه السلام .
والثالث : اختلاف اللفظ والمعنى جميعًا مع امتناع جواز اجتماعهما
في شيء واحد كقوله تعالى : ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا ﴾ (٢) بالتشديد؛
لأن المعنى : وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما أخبروهم به من
أنه إن لم يؤمنوا [ بهم نزل ] (٣) العذاب بهم ، فالظن في القراءة
الأولى يقين والضمير الأول للرسل ، والثاني للمرسل إليهم ، والظن
في القراءة الثانية شك ، والضمير الأول للمرسل إليهم والثاني
للرسل، ويشبه ذلك من اختلاف القراءتين [ اللتين ] (٤) لا يصح أن
تجتمعا في شيء واحد لتضاد المعنى، وكل قراءة منهما بمنزلة آية قائمة بنفسها .
وأما هذه السبعة الأحرف ؛ فإنه لا يمكن القراءة بها في ختمة
واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية من رواية القراء ، فإنما قرأ ببعضها لا
بكلها ؛ لأنا قد أوضحنا قبل أن المراد بالسبعة أحرف سبعة أوجه من
اللغات كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكوت ، [ والإظهار
والإدغام ] (٥) ، والمد والقصر وغير ذلك [ مما قدمناه ] (٦).
وإذا كان كذلك فمعلوم أنه من قرأ بوجه من هذه الأوجه ، فإنه لا
يمكنه أن يحرك الحرف ويسكنه في حالة واحدة أو يقدمه [ و] (٧)
يؤخره ، أو يظهره ويدغمه ، أو يمده ويقصره ، أو يفتحه ويميله وشبه
ذلك ، غير أنا لا ندري أي هذه السبعة أحرف كان آخر العرض ، وأن
جميع هذه الأحرف قد ظهر واستفاض عن النبي وَل وضبطتها الأمة
i
(١) البقرة: ١٠، وغيرها .
(٣) في ((الأصل)): نزل بهم. والمثبت من (( هـ)).
(٢) يوسف : ١١٠
(٤) في ((الأصل)): التي. والمثبت من (( هـ)).
(٦) من ( هـ )
(٥) في ((الأصل)): الإجهار. والمثبت من ( هـ)).
(٧) في ((الأصل)): أو. والمثبت من (.هـ)).
- ٢٣٦ -

على اختلافها عنه ، وأن معنى إضافة كل حرف إلى من أضيف إليه
كأُبيّ وزيد وغيرهم من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وأقرأ به ،
وكذلك إضافة [ القراءات ] (١) إلى أئمة القراء بالأمصار ، على معنى
أن ذلك الإمام اختار القراءة بذلك الحرف ، وآثره على غيره ، ولزمه
وأخذ عنه فلذلك أضيف إليه ، وهذه إضافة اختيار لا إضافة اختراع .
قال أبو جعفر الداودي : والسبع [المقارئ] (٢) التي يتعلمها الناس اليوم
ليس كل حرف منها هو أحد السبعة التي أنزلت على رسول الله وَاليهود،
قد يكون في حرف من هذه / شيء من إحدى أولئك السبع ، وشيء من (٤/ ١٩٢٥-١)
الأخرى . وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وهذه السبع القراءات التي
بأيدي الناس إنما تفرعت من حرف واحد من السبعة التي في الحديث وهو
الحرف الذي جمع عليه عثمان المصحف [ ذكر ذلك ابن النحاس وغيره](٢).
باب : تأليف القرآن
فيه : عائشة : (( جاءها عراقي ، فقال : أي الكفن خير ؟ قالت :
ويحك، وما يضرك ؟! قال : يا أم المؤمنين ، أرني مصحفك . قالت :
لم؟ قال : لعلي أؤلف القرآن عليه ؛ فإنه يُقرأ غير مؤلف . قالت : وما
يضرك أيه قرأت [ قبل؛ إنما ] (٣) نزل أول ما نزل منه سورة [ من ] (٤)
المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل
الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ؛ لقالوا : لا ندع الخمر
أبدًا ، ولو نزل : لا تزنوا ؛ لقالوا : لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على
محمد وإني لجارية ألعب: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾(٥)
(١) في ((الأصل)): القراءة. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل: قال فما. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) من (( هـ ، ن )).
(٢) من (( هـ)).
(٥) القمر : ٤٦ .
- ٢٣٧ -

وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له
المصحف فأملت عليه آي السور )) .
وفيه : ابن مسعود : قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه
والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، [ وهن ](١) من تلادي .
وفيه : البراء : قال: تعلمت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (٢) قبل أن
يقدم النبي صل﴾ .
وفيه : ابن مسعود : قال : لقد علمت النظائر التي كان النبي - عليه
السلام - يقرؤهن اثنتين اثنتين في ركعة ، فسألنا علقمة فقال : عشرون
سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم :
أحم الدخان﴾، و﴿عم يتساءلون ﴾ .
قال أبو بكر بن الطيب : [ إن ] (٣) قال قائل: قد اختلف السلف
في ترتيب سور القرآن فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ
نزولها وقدم المكي على المدني ، ومنهم من جعل في أول مصحفه
﴿الحمد لله﴾، ومنهم من جعل في أوله ﴿اقرأ باسم ربك﴾ (٤) وهذا
أول مصحف عليّ . وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله (( ملك يوم
الدين)) ، ثم البقرة ثم النساء على ترتيب يختلف . روى ذلك طلحة
ابن مصرف أنه قرأه على يحيى بن وثاب ، وقرأ يحيى بن وثاب على
علقمة ، وقرأ علقمة على عبد الله ، ومصحف أُبيّ كان أوله : الحمد
لله ثم البقرة ، ثم النّساء ثم آل عمران ، ثم الأنعام ثم الأعراف ، ثم
المائدة ثم كذلك على اختلاف شديد . قال أبو بكر : فالجواب : أنه
يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان
على وجه الاجتهاد من الصحابة ، وقد قال قوم من أهل العلم
(١) في ((الأصل)): وهو، والمثبت من ((هـ، ن)).
. (٣) من (( هـ)).
(٢) الأعلى : ١ .
(٤) العلق : ١ .
- ٢٣٨ -
١٠

إن تأليف سور القرآن على ما هو عليه في مصحفنا كان ( على ) (١)
توقيف من النبي وَلّ لهم على ذلك وأمر به .
وأما ما روي من اختلاف مصحف أبيّ وعليّ وعبد الله إنما كان قبل
العرض الأخير ، وأن رسول الله وَ الول رتب لهم تأليف السور بعد أن
لم يكن فعل ذلك . روى يونس عن ابن وهب قال : سمعت مالكًا
يقول : إنما أُلف القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله ،
ومن قال هذا القول لا يقول : إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس
يجب أن يكون [ مرتبًا ] (٢) على حسب الترتيب الموقف عليه في
المصحف ؛ بل إنما [ يجب ] (٣) تأليف سوره في الرسم والكتابة خاصة.
ولا نعلم أن أحدًا منهم قال : إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة ،
وفي قراءة القرآن ودرسه وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل
البقرة، ولا الحج بعد الكهف ، ألا ترى قول عائشة للذي سألها أن
تريه مصحفها ليكتب مصحفًا على تأليفه : لا يضرك أيه قرأت قبل ؟!
وإن ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن
منكوسًا ، وقالا : ذلك منكوس القلب . فإنما عنيا بذلك من يقرأ
السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها ؛ لأن ذلك حرام
محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه
بذلك ، ويقتدر على الحفظ وهذا [ مما ] (٣) حظره الله ومنعه في قراءة
القرآن ؛ لأنه إفسادٌ لسوره ، ومخالفة لما قصد بها ، ومما يدل أنه لا
يجب إثبات القرآن في المصاحف على تاريخ نزوله ؛ لأنهم لو فعلوا
ذلك لوجب أن يجعلوا بعض آية سورة في سورة أخرى [وأن ينقصوا
ما وقفوا عليه من سياقة ترتيب السور ] (٣) ونظامها؛ لأنه قد صح / (٤/ ١٩٢٥ -ب]
وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمروا بإثباتها في السورة
(١) في ((هـ)): عن .
(٢) في ((الأصل)): مرتلاً. والمثبت من ((هـ)).
(٣) من (( هـ)).
- ٢٣٩ -

المكية ، ويقال لهم : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا .
ألا ترى قول عائشة : وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده -
يعني : بالمدينة - وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن
بمكة ، ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات
السور، وقد كان النبي لم يقرأ بالناس في الصلاة السورة في الركعة
ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها ، وقول ابن مسعود في
بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء : هي من العتاق الأول وهن
من تلادي - يعني : [ هن ] (١) مما نزل من القرآن أولاً .
قال صاحب العين : العتيق القديم من كل شيء ، والتلاد : ما
كسب من المال قديمًا فيريد أنهن [ من ] (١) أول ما حفظه من القرآن.
وقوله: ((ثاب الناس إلى الإسلام)): رجعوا إليه . قال صاحب
العين : ثاب الشيء يثوب ثؤوبا رجع . ومنه قوله تعالى: ﴿ وإذ
جعلنا البيت مثابة للناس ﴾ (٢) أي : يرجعون إليه
باب: القراء من أصحاب النبي ◌َّ
فيه : عبد الله بن [ عمرو ] (٣): ذكر ابن مسعود فقال : لا أزال أحبه ،
سمعت النبي ◌َّلج يقول: خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله ، وسالم،
ومعاذ ، وأَبيّ بن كعب . وقال : فيه مسروق خطبنا ابن مسعود فقال : والله
لقد أخذت من [ فيّ] (٤) رسول الله وَالهرم بضعًا وسبعين سورة، والله لقد
علم أصحابي أني لمن أعلمهم بكتاب الله ، وما أنا بخيرهم . قال شقيق :
فجلست في الحلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت رادا يقول غير ذلك .
وقال : فيه علقمة : كنا بحمص ، فقرأ ابن مسعود سورة [يوسف] (٤) فقال
(١) من (( هـ).
(٢) البقرة : ١٢٥ .
(٣) في ((الأصل)): عمر. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) من (( هـ ، ن)).
- ٢٤٠ -