النص المفهرس
صفحات 141-160
قال المهلب : اختلف الناس في الاستدلال من هذا الحديث ، فذهب
قوم إلى أن ظاهره يقتضي أن لا اسم الله تعالى غير التسعة والتسعين
اسمًا التي نص عليها النبي - عليه السلام - إذ لو كان له غيرها لم
يكن لتخصيص هذه العدة معنى ، قالوا : والشريعة متناهية والحكمة
فيها بالغة ، وذهب آخرون إلى أنه يجوز أن تكون له أسماء زائدة على
التسعة والتسعين ، إذ لا يجوز أن تتناهى / أسماء الله - تعالى - ، [١٧٥٥/٤-١)
لأن مدائحه وفواضله غير متناهية كما قال تعالى في كلماته وحكمه :
﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر
ما نفدت كلمات الله ﴾ (١) .
ومعنى ما أخبرنا به النبي وَ لَو من التسعة وتسعين اسماً إنما هو معنى
الشرع لنا في الدعاء بها ، وغيرها من الأسماء لم يشرع لنا الدعاء
بها؛ لأن حديث النبي - عليه السلام - مبني على قوله تعالى : ﴿ولله
الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ (٢) . فكان ذكر هذا العدد إنما هو الشرع
الدعاء به ، وهذا القول أميلُ إلى النفوس ؛ لإجماع الأمة على أن الله
- تعالى - لا يبلغ كنهه الواصفون ولا ينتهي إلى صفاته المقرظون دليل
لازم أن له أسماء غير هذه وصفات ، وإلا فقد تناهت صفاته [ تعالى
عن ] (٣) ذلك، وهذا قول أبي الحسن الأشعري و[ ابن ] (٤) الطيب
وجماعة من أهل العلم .
قال ابن الطيب: وليس في الحديث دليل على أن ليس لله -تعالى-
أكثر من تسعة وتسعين اسمًا ، لكن ظاهر الحديث يقتضي من أحصى
تلك التسعة وتسعين اسماً على وجه التعظيم الله دخل الجنة ، وإن كان
له أسماء أخر . وقال أبو الحسن بن القابسي - رحمه الله: أسماء الله
وصفاته لا تعلم إلا بالتوقيف ، والتوقيف كتاب الله - تعالى - وسنة
(١) لقمان : ٢٧ .
(٢) الأعراف: ١٨٠ .
(٣) في ((الأصل)): على غير ذلك. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أبي. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)).
- ١٤١ -
نبيه - عليه السلام - أو اتفاق أمته ، وليس للقياس في ذلك مدخل،
وما أجمعت عليه الأمة ، فإنما هو عن سمع علموه من بيان الرسول .
قال : ولم يذكر في كتاب الله لأسمائه تعالى عدد مسمّى ، وقد
جاء حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - (( إن لله تسعة
وتسعين اسمًا)). وقد أخرج بعض الناس من كتاب الله - تعالى -
تسعةً وتسعين اسمًا ، والله أعلم بما خرج من هذا العدد إن كان كل ذلك
أسماء ، أو بعضها أسماء وبعضها صفات ، ولا يسلم له ما نقله من ذلك.
وقال الداودي : لم يثبت عن النبي - عليه السلام - أنه نص على
التسعة والتسعين اسمًا . قال ابن القابسي : وقد روى مالك ، عن
سمي ، عن القعقاع بن حكيم أن كعب الأحبار أخبره قال : لولا
كلمات أقولهن لجعلتني يهود حماراً . فقيل له : ما هن ؟ فقال :
أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه ، وبكلمات الله
التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وبأسماء الله الحسنى
[كلها](١) ما علمت منها وما لم أعلم ؛ من شر ما خلق وذرأ وبرأ .
فهذا كعب على علمه واتساعه لم يتعاط أن يحصر معرفة الأسماء
في مثل ما حصرها هذا الذي زعم أنه عرفها من القرآن ، والدعاء في
هذا بدعاء كعب أولى وأسلم من التكلف ، وسمعت أبا إسحاق
الشيباني يدعو بذلك كثيرًا ، وسيأتي تفسير الإحصاء ، والمراد بهذا
الحديث في كتاب الاعتصام في باب قول النبي - عليه السلام - باسم
الله الأعظم ، فمنها ما رواه وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن عبدالله
ابن بريدة، عن أبيه: ((أن رسول الله وَالر سمع رجلاً يقول:" اللهم
إني أسألك بأني أشهد أنك لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . فقال : لقد دعا باسم الله الأعظم
الذي إذا دُعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى )) .
(١) من ((هـ ).
- ١٤٢ -
ومنها حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي
- عليه السلام - قال: ((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:
﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (١) .... )). ومنها
ما رواه علي بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت
سعد بن مالك يقول: [ سمعت النبي {َ﴾ليقول] (٢): ((اسم الله
الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب دعوة يونس بن متى ، ألم
تسمع قوله : ﴿ فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني
كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي
المؤمنين﴾(٣)، فهو شرط الله لمن دعا بها)).
قال الطبري : قد اختلف السلف قبلنا في ذلك ، فقال بعضهم في
ذلك ما قال قتادة: اسم الله الأعظم : اللهم إني أعوذ بأسمائك
الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم ، وأعوذ بأسمائك التي إذا
دعيت بها أجبت ، وإذا سئلت بها أعطيت . وقال آخرون : اسم الله
الأعظم : هو الله ، ألم تسمع قوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو
عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا
هو ... ﴾ (٤) إلى آخر السورة . وقال آخرون بأقوال مختلفة لروايات
رووها عن العلماء / قال الطبري: والصواب في كل ما روينا في (٤/ق١٧٥ -ب]
ذلك عن النبي - عليه السلام - وعن السلف أنه صحيح ، فإن قيل :
وكيف يكون ذلك صحيحًا مع اختلاف ألفاظه ومعانيه ؟
فالجواب : أنه لم يرو عن أحد منهم أنه قال في شيء من ذلك قد
دعا باسمه الأعظم الذي لا اسم له أعظم منه فيكون ذلك من روايتهم
اختلافًا ، وأسماء الله - تعالى - كلها عندنا عظيمة جليلة ، ليس منها
صغير وليس منها اسم أعظم من اسم ، ومعنى قوله عليه السلام :
لقد دعا باسمه الأعظم ؛ لقد دعا باسمه العظيم ، كما قال
(١) البقرة : ١٦٣ .
(٣) الأنبياء : ٨٧.
(٢) من (( هـ ).
(٤) الحشر : ٢٢، ٢٣ .
- ١٤٣ -
تعالى : ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ (١) بمعنى
وهو هين عليه ، وكما قال ابن أوس :
لعمرك ما أدري وإني لأَوْجَل
بمعنى إني لوجل ، ويبين صحة ما قلناه حديث حفص ابن أخي
أنس ابن مالك ، عن أنس ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال :
((لقد دعا باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب)) . فقال: باسمه
العظيم، إذ كان معنى ذلك ومعنى الأعظم [ واحداً] (٢).
وقال أبو الحسن بن القابسي : لا يجوز أن يقال في أسماء الله
وصفاته ما يُشبه المخلوقات ، ولو كان في أسماء الله اسمًا أعظم من
اسم لكان غيره ومنفصلاً منه، والاسم هو المسمى على قول أهل السنة
فلا يجوز أن يكون الاسمان متغايرين ، ومن جعل اسمًا أعظم من
اسم صار إلى قول من يقول : القرآن مخلوق .
قال الطبري : فإن قيل : فلو كان كما وصفت كل اسم من أسماء
الله عظيمًا ، لا شيء منها أعظم من شيء ، لكان كل من دعا باسم
من أسمائه مجابًا دعاؤه كما استجيب دعاء صاحب سليمان - عليه
السلام - الذي أتاه بعرش بلقيس من مسيرة شهر قبل أن يرتدّ إلى
سليمان طرفه ؛ لأنه كان عنده علم من اسم الله الأعظم ، وكذلك
عيسى - صلوات الله عليه - [ به ] (٣) كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه
والأبرص وقد يدعو أحدنا الدهر الطويل بأسمائه فلا يستجاب له ،
فدل أن الأمر بخلاف ذلك .
قيل : بل الأمر في ذلك كما قلناه ، ولكن أحوال الداعین تختلف،
فمن داعٍ ربه تعالى لا ترد دعوته ، ومن داعٍ محله محل من غضب
الله عليه وعرضه للبلاء والفتنة فلا يرد كثيرًا من دعائه ليبتليه به ويبتلي به.
(١) الروم : ٢٧ .
(٢) في ((الأصل)): واحد. والمثبت من ((هـ). (٣) من ((هـ).
- ١٤٤ -
غيره، ومن داعٍ يوافق دعاؤه محتوم قضائه ومبرم قدره ، وقد قال عليه
السلام : (( ما من مسلم يدعو إلا استجيب له ما لم يدع بإثم أو قطيعة
رحم ، إما أن يعجل له في الدنيا ، أو إما أن يدخر له في الآخرة ،
وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا)). ويبين ما قلناه أنا وجدنا
[أنه] (١) يدعو بالذي دعا به [ الذين ] (٢) عجلت لهم الإجابة فلا
يجاب له ، فدل أن الذي أوجب الإجابة لمن أُجيب ، وترك الاستجابة
لمن لم يستجب له هو اختلاف ( حال ) (٣) الداعين ، لا الدعاء باسم
من أسماء الله بعينه .
وقد وقع في هذا الحديث رواية سفيان عن أبي الزناد : ((مائة إلا
واحدة)» . ولا يجوز في العربية، وقد جاء هذا الحديث في كتاب
الاعتصام: ((مائة إلا واحدًا)). من رواية شعيب عن أبي الزناد ،
وهو الصحيح في العربية ؛ لأن الاسم مذكر ، فلا يستثنى منه إلا مذكر
مثله .
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): الذي. والمثبت من ( هـ)).
(٣) فى ((هـ)»: أحوال.
- ١٤٥ -
كتاب الرقاق
باب : لا عيش إلا عيش الآخرة
فيه : ابن عباس : قال النبي - عليه السلام -: « نعمتان مغبون فيهما:
كثير من الناس : الصحة والفراغ )) .
وفيه : أنس [ وسهل ] (١): (( كنا مع النبي - عليه السلام - بالخندق ،
وهو يحفر ونحن [ ننقل التراب ] (٢) وبصر بنا ، فقال : اللهم لا عيش.
إلا عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة)) .
قال المؤلف : قال بعض العلماء إنما أراد عليه السلام بقوله الصحة
والفراغ نعمتان تنبيه أمته على مقدار عظيم نعمة الله على عباده في
الصحة والكفاية ؛ لأن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا مؤنة
العيش في الدنيا ، فمن أنعم الله عليه بهما فليحذر أن يغبنهما ، ومما
يستعان به على دفع الغبن أن يعلم العبد [ أن ] (٣) الله - تعالى -:
خلق الخلق من غير ضرورة إليهم ، وبدأهم بالنعم الجليلة من غير
استحقاق منهم لها ، فمنّ عليهم بصحة الأجسام وسلامة العقول ،
[٤/ ١٧٦-أ] وتضمن أرزاقهم وضاعف لهم الحسنات ولم يضاعف عليهم السيئات/
وأمرهم أن يعبدوه ويعتبروا بما ابتدأهم به من النعم الظاهرة والباطنة ،
ويشكروه عليها بأحرف يسيرة، وجعل مدة طاعتهم في الدنيا منقضية بانقضاء
(١) في ((الأصل)): سهيل. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): نمر بالتراب. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): بأن. والمثبت من (( هـ)).
- ١٤٦ -
أعمارهم ، وجعل جزاءهم على ذلك خلودًا دائمًا في جنات لا انقضاء
لها مع ما ذخر لمن أطاعه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
على قلب بشر ، فمن أنعم النظر في هذا كان حريًا ألا يذهب عنه
وقت من صحته وفراغه إلا وينفقه في طاعة ربه ، ويشكره على عظيم
مواهبه والاعتراف بالتقصير عن بلوغ ( كنه تأدية ) (١) ذلك ، فمن لم
يكن هكذا وغفل وسها عن التزام ما ذكرنا ، ومرت أيامه عنه في سهو
ولهو وعجز عن القيام بما لزمه لربه - تعالى - فقد غبن أيامه ،
وسوف یندم حیث لا ينفعه الندم ، وقد روى الترمذي من حديث ابن
المبارك ، عن يحيى بن عبيد الله بن موهب ، عن أبيه ، عن أبي
هريرة قال : قال رسول الله - عليه السلام - : (( ما من أحد يموت
إلا ندم ، قالوا : وما ندامته يا رسول الله ؟ قال : إن كان محسنًا ندم
ألا يكون ازداد ، وإن كان مسيئًا ندم ألا يكون نزع )».
وأما قوله: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)). فإنه نبه بذلك
أمته على تصغير شأن الدنيا وتقليلها ، وكدر لذاتها وسرعة فنائها ،
وما كان هكذا فلا معنى للشغل به عن العيش الدائم الذي لا كدر في
لذاته ، بل فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين .
باب : مثل الدنيا في الآخرة وقوله تعالى :
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ... ) إلى قوله تعالى:
إلا متاع الغرور ﴾ (٢)
فيه : سهل : قال النبي - عليه السلام -: (( موضع سوط في الجنة خير
من الدنيا وما فيها )) .
ـسـ
(١) في ((هـ)) : تأدية كنه .
(٢) الحديد : ٢٠ .
- ١٤٧ -
قال المؤلف: قد بين رسول الله وَ له منزلة الدنيا من الآخرة، بأن
جعل موضع سوط من الجنة أو غدوة في سبيل الله أو روحة خير من
الدنيا وما فيها ، وإنما أراد ثواب الغدوة أو الروحة في الآخرة ؛ لينبه
أمته على هوان الدنيا عند الله - تعالى - وضعتها ، ألا ترى أنه لم
يرضها دار جزاء لأوليائه ولا نقمة لأعدائه ؛ بل هي كما وصفها تعالى
لعب ولهو وزينة ﴾ الآية .
وقد روى الترمذي ، عن محمد بن بشار ، عن يحيى بن سعيد ،
عن إسماعيل ابن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت
مستورد بن شداد الفهري يقول: قال رسول الله وَلقول: ((ما الدنيا في
الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع )) .
قال : وحدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الحميد بن سليمان ، عن أبي حازم ،
عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: (( لو كانت الدنيا
تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة)).
باب : قول النبي - عليه السلام - : كن في الدنيا كأنك غريب .
فيه: ابن عمر: (( أخذ النبي - عليه السلام - بمنكبي وقال : كن في
الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا
تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك
لمرضك ، ومن حياتك لموتك)).
قال أبو الزناد : معنى هذا الحديث الحض على قلة المخالطة وقلة
الاقتناء والزهد في الدنيا . قال المؤلف : وبيان ذلك أن الغريب قليل
الانبساط إلى الناس ؛ بل هو مستوحش منهم ؛ إذ لا يكاد يمر بمن
يعرفه فيأنس به ، ويستكثر بخلطته فهو ذليل في نفسه خائف ، وكذلك
- ١٤٨ -
!
عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه وخفته من الأثقال غير
متشبث بما يمنعه من قطع سفره ، معه زاد وراحلة يبلغانه إلى بغيته من
قصده ، وهذا يدل على إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها
والكفاف، [ فكما ] (١) لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية
سفره ، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل .
وقوله : (( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر
المساء )) حض منه على أن يجعل الموت نصب عينيه ، فيستعد له
بالعمل الصالح ، وحض له على تقصير الأمل ، وترك الميل إلى غرور
الدنيا . وقوله : (( خذ من صحتك لمرضك)) حض على اغتنام أيام
صحته فيمهد فيها لنفسه خوفًا من حلول مرض به يمنعه من العمل .
وكذلك / قوله: ((ومن حياتك لموتك)) تنبيه على اغتنام أيام حياته، [١٧٢٥/٤-ب]
ولا يمر عمره باطلاً في سهوٍ وغفلة ، لأن من مات فقد انقطع عمله
وفاته أمله وحضره على تفريطه ندمه ، فما أجمع هذا الحديث لمعاني
الخير وأشرفه !
باب : في الأمل وطوله
وقوله تعالى : ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما
الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا
ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ﴾ (٣)
وقال علي بن أبي طالب : ارتحلت الدنيا مدبرةً ، وارتحلت الآخرة
مقبلةً ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا
من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل )) .
(١) في ((الأصل)) فكلما. والمثبت من (( هـ)).
(٢) آل عمران: ١٨٥.
(٣) الحجر : ٣ .
- ١٤٩ -
فيه : ابن مسعود قال: ((خط النبي - عليه السلام - خطًا مربعًا، وخط
خطًا في الوسط خارجًا منه ، وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في
الوسط من جانبه الذي في الوسط ، فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله
محيط به ، [ أو ](١) قد أحاط به، وهذا الذي خارج أمله، وهذه الخطط
الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)).
وفيه : أنس: ((خط النبي - عليه السلام - خطوطًا فقال: هذا الأول
وهذا أجله، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب )).
قال المؤلف: مثل النبي 3َ﴾ في حديث ابن مسعود أمل ابن آدم
وأجله وأعراض الدنيا التي لا تفارقه بالخطوط ، فجعل أجله الخط
المحيط ، وجعل أمله وأعراضه خارجة من ذلك الخط ، ومعلوم في
العقول أن ذلك الخط المحيط به [ الذي ] (٢) هو أجله ؛ أقرب إليه من
الخطوط الخارجة منه ، ألا ترى قوله عليه السلام في حديث أنس :
((فبينا هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب)) . يريد أجله؟ وفي هذا تنبيه
من النبي - عليه السلام - لأمته على تقصير الأمل ، واستشعار الأجل
خوف بغتة الأجل ، ومن غيب عنه أجله فهو حري بتوقعه وانتظاره
خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة ، ونعوذ بالله من ذلك ،
فَلْيُرِضْ المؤمن نفسه على استشعار ما نُبه عليه ، ويجاهد أمله وهواه
ويستعين بالله على ذلك ، فإن ابن آدم مجبول على الأمل كما قال
عليه السلام في الباب بعد هذا : ((لا يزال قلب الكبير شابًا في حب
الدنيا وطول الأمل» .
وقال الطبري : في قوله : ﴿ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم
الأمل﴾ (٣) يعني ذر المشركين يا محمد يأكلوا في هذه الدنيا ويتمتعوا
من شهواتها ولذاتها إلى أجلهم الذي أجلت لهم، ويلههم الأمل عن الأخذ
(١) في ((الأصل)): و. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) من (( هـ )).
(٣) الحجر : ٣ .
- ١٥٠ -
بطاعة الله فيها ، وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم ، فسوف
يعلمون غدًا إذا وردوا عليه ، وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينون
عذاب الله أنهم كانوا في تمتعهم بلذات الدنيا في خسار وتبابٍ )) ..
ويروى نهسه بالسين والشين ، والنهس تناول بالفم كالنهش ،
والحية تنهش إذا عضت ، والنهس : نثر اللحم ، ونهش ينهش ، من
كتاب العين .
*
باب : من بلغ [ ستين سنةً] (١) فقد أعذر الله إليه في العمر
لقوله تعالى : ﴿ أو لم نعمرکم ما یتذکر فیه من تذکر وجاءکم
النذير﴾ (٢) يعني : الشيب .
فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: ((أعذر الله إلى امرئ أخْر
أجله حتى بلغ ستين سنةً)).
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( لا يزال قلب الكبير
[شابًا](٣) في اثنتين : حب الدنيا وطول الأمل)).
وفيه أنس عن النبي عليه السلام قال : « يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان:
حب المال، وطول العمر)) .
وفيه : عتبان بن مالك قال النبي - عليه السلام -: (( لن يوافى عبد
يوم القيامة يقول : لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله ؛ إلا حرم الله عليه
النار)) .
(١) في ((الأصل)): الستين. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) فاطر : ٣٧ .
(٣) من (( هـ ، ن)).
- ١٥١ -
وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( يقول الله تعالى : ما لعبدي المؤمن
عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ، ثم احتسبه إلا الجنّة )) .
قال المؤلف : روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة
في قوله تعالى : ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ (١) قالوا:
يعني : ستين سنةً، وروي [ عن] (٢) ابن عباس أيضًا أربعون سنة ،
وعن الحسن البصري ومسروق مثله ، وحديث أبي هريرة حجة لقول
علي ومن وافقه في تأويل الآية .
[٤/ق١٧٧ -١]
وقول من قال : / أربعون سنة . له وجه صحيح أيضًا، والحجة
له قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشُدّه وبلغ أربعين سنة﴾(٣) الآية فذكر
تعالى أن من بلغ الأربعين ، فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه
وعلى والديه ويشكرهما .
قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ،
ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم
اعتزلوا الناس واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم الموت . فبلوغ الأربعين
نقل لابن آدم من حالة إلى حالة أرفع منها في الاستبصار والإعذار
إليه.
وقوله عليه السلام: «أعذر الله إلى [امرئ ] (٤) أخْر أجله حتى
بلغ ستين [ سنة] (٢))) .. أي أعذر إليه غاية الإعذار ، الذي لا إعذار
بعده ، لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع
والاستسلام لله -تعالى - وترقب المنية ولقاء الله - تعالى - فهذا إعذار
بعد إعذار في عمر ابن آدم ، لطفًا من الله لعباده حين نقلهم من حالة
الجهل إلى حالة العلم ، وأعذر إليهم مرةً بعد أخرى ، ولم يعاقبهم.
(١) فاطر : ٣٧ .
(٣) الأحقاف : ١٥ .
(٢) من (( هـ )).
(٤) في ((الأصل)): من. والمثبت من ( هـ))
- ١٥٢ -
إلا بعد الحجج اللائحة المبكتة لهم ، وإن كانوا قد فطرهم الله
-تعالى- على حبّ الدنيا وطول الأمل ، فلم يتركهم مهملين دون
إعذار لهم وتنبيه ، وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثه الرسل إليهم ،
واختلف السلف في تأويل قوله تعالى : ﴿وجاءكم النذير ﴾ (١) فروي
عن علي ابن أبي طالب أنه محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام -
وهو قول ابن زيد وجماعة ، وعن ابن عباس أنه الشيب .
وحجة القول الأول أن الله - تعالى - بعث الرسل مبشرين
ومنذرين إلى عباده قطعًا لحجتهم ، وقال الله - تعالى - : ﴿ وما كنا
معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ (٢) ولقول ابن عباس أن النذير : الشيب.
وجه يصح، وذلك أن الشيب يأتي في سن الاكتهال ، وهو علامة
المفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب ، فهو نذير أيضًا ، ألا
ترى قول إبراهيم - عليه السلام - حين رأى الشيب قال : (( يا رب
ما هذا؟ فقال له : وقار . قال : ربّ زدني وقارًا)).
فبان رفق الله بعباده المؤمنين وعظيم لطفه بهم حين أعذر إليهم ثلاث
مرات : الأولى بالنبي - عليه السلام - والمرتان في الأربعين وفي
الستين ؛ ليتم حجته عليهم، وهذا أصل [ الإعذار ] (٣) الحاكم إلى
المحكوم عليهم مرةً بعد أخرى .
فإن قيل : فما وجه حديث عتبان في هذا الباب ؟ قيل : له وجه
صحيح المعنى ، وذلك أنه لما كان بلوغ الستين غاية الإعذار إلى ابن
آدم يا خشي البخاري - رحمه الله - أن يظن من لا يتسع فهمه أن من
بلغ الستين - وهو غير تائب - أن ينفذ عليه الوعيد ، فذكر قول النبي
- عليه السلام -: (( لن يوافى عبد يوم القيامة بكلمة الإخلاص
والتوحيد يبتغي بها وجه الله ؛ إلا حرمه الله على النار)) . وسواء أتى
بها بعد الستين أو بعد المائة لو عمرها .
(١) فاطر: ٣٥ .
(٢) الإسراء : ١٥ .
(٣) في ((الأصل)): الإعذار والمثبت من (( هـ)).
- ١٥٣ -
وقد ثبت بالكتاب والسنة أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر ابن آدم،
ويعاين قبض روحه، وكذلك قوله عليه السلام: (( يقول الله
-تعالى -: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل
الدنيا ثم احتسب إلا الجنة)) . وهذا عام المعنى في كل عمر ابن آدم ؛
بلغ الستين أو زاد عليها ، فهو ينظر إلى معنى حديث عتبان في قوله :
(( ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه إلا الجنة )) دليل أن من
مات له ولد واحد فاحتسيه أن له الجنة ، وهو تفسير قول المحدث :
((ولم نسأله عن الواحد)) حين قال عليه السلام: (( من مات له ثلاثة
من الولد أدخله الله الجنة . قيل : واثنان يا رسول الله ؟ قال :
واثنان. ولم نسأله عن الواحد ))؛ إذ لا صفي أقرب إلى النفوس من
[الولد] (١)، وقد ذكرته في الجنائز.
باب : ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها
فيه : عمرو بن عوف : (( أن النبي - عليه السلام - بعث أبا عبيدة إلى
البحرين يأتي بجزيتها ، فقدم بالمال ، فسمعت الأنصار بقدومه فوافت
صلاة الصبح مع النبي ◌َّر، فلما انصرف تعرّضوا له ، فتبسم ، فقال:
أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة ؟ قالوا : أجل . قال : فأبشروا وأمّلوا ما
يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تبسط
عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها ،
وتلهیکم كما ألهتهم)).
وفيه: عقبة بن عامر: ((خرج النبي ◌ِّله يومًا فصلى على أهل أحد
صلاته على الميت ... )) الحديث ثم قال: ((وإني والله ما أخاف عليكم
أن تشركوا بعدي ، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)) .
(١) في ((الأصل)): الواحد. والمثبت من ((هـ)).
- ١٥٤ -
وفيه : أبو سعيد: قال النبي - عليه السلام -: ((إن أكثر ما أخاف
عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض / قيل: ما بركات الأرض يا (٤/ ١٧٧٥ -ب]
رسول الله ؟ قال : زهرة الدنيا ... )) الحديث على ما جاء في كتاب
الزكاة، في باب الصدقة على اليتامى .
وفيه : عمران: قال النبي - عليه السلام -: (( خير القرون قرني ، ثم
الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا
يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ويظهر فيهم السَّمن)) .
وفيه : خباب: قال: (( إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا
شيئًا ، وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب)).
قال المؤلف : هذه الأحاديث تنبيه في أن زهرة الدنيا ينبغي أن
يخشى سوء عاقبتها وشر فتنتها من فتح الله عليه الدنيا ، ويحذر
التنافس فيها والطمأنينة إلى زخرفها الفاني ؛ لأن النبي - عليه السلام-
خشي ذلك على أمته، وحذرهم منه لعلمه أن الفتنة مقرونة بالغنى ،
ودَلّ حديث عمران بن حصين أن فتنة الدنيا لمن يأتي بعد القرن الثالث
أشدّ لقوله عليه السلام: (( ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا
يستشهدون)) إلى قوله ((ويظهر فيهم السمن)) . فجعل عليه السلام
ظهور السمن فيهم وشهادتهم بالباطل ، وخيانتهم [ الأمانة ] (١) ،
وتنافسهم في الدنيا وأخذهم لها من غير وجهها كما ، قال عليه السلام
في حديث أبي سعيد: (( ومن أخذه بغير حقه فهو كالذي يأكل ولا يشبع)) .
وكذلك خشي عمر بن الخطاب فتنة المال ، فروي عنه أنه لما أتي
بأموال كسرى بات هو وأكابر الصحابة عليه في المسجد ، فلما أصبح
وأصابته الشمس ابتلقت تلك التيجان فبكى ، فقال له عبد الرحمن بن
عوف : ليس هذا حينُ بكاء ، إنما هو حينُ شكر . فقال عمر : إني
(١) في ((الأصل)): بالأمانة. والمثبت من (( هـ).
- ١٥٥ -
أقول : ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم
وقال : اللهم منعت هذا رسولك إكرامًا منك له ، وفتحته عليّ لتبتليني
به ، اللهم اعصمني من فتنته . فهذا كله يدل أن الغنى بلية وفتنة ،
ولذلك استعاذ النبي - عليه السلام - من شر فتنته ، وقد أخبر الله
تعالى بهذا المعنى فقال لرسوله : ﴿ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به
أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ﴾(١).
وقال تعالى : ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٢). ولهذا آثر أكثر
سلف الأمة التقلل من الدنيا وأخذ البلغة ؛ إذ التعرض للفتن غرر .
وقوله عليه السلام في حديث أبي سعيد: (( وإن مما ينبت الربيع يقتل
حبطًا أو يلم)) فهو أبلغ الكلام في تحذير الدنيا والركون إلى
غضارتها(٣) ، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع ( فيكثر أكلها (٤)
فربما تفتقت سمنًا فهلكت ، فضرب النبي - عليه السلام - هذا المثل
للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر حاجته ، ولا يروقه زهرتها فتهلكه .
وقال الأصمعي: والحبط : هو أن تأكل الدابة فتكثر ، حتى تنتفخ
لذلك بطنها وتمرض عنه .
وقوله: ((أو يُلم)) يعني يُدني من الموت، وقد (تقدم ) (٥)
الكلام في هذا الحديث في باب الصدقة على اليتامى في كتاب الزكاة.
وأمّا قول خباب: ((إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا)).
فإنه لم يكن في عهد النبي - عليه السلام - من الفتوحات والأموال ما
كان بعده ، فكان أكثر الصحابة ليس لهم إلا القوت ، ولم ينالوا من
طيبات [ العيش ] (٦) ما يخافون أن ينقصهم ذلك من طيبات الآخرة ، ألا
(١) طه : ١٣١ .
(٢) التغابن : ١٥.
(٣) الغضارة : النعمة والسعة في العيش.
(٤) في (( هـ)): فتكثر أكله ..
(٥) فى (( هـ)»: تكلم .
(٦) في ((الأصل)): النفس. والمثبت من (( هـ)).
١ - ١٥٦ -
ترى قول عمر بن الخطاب حين اشترى لحمًا بدرهم : أين تذهب هذه
الآية : ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ (١).
فدل أن التنعم في الدنيا والاستمتاع بطيباتها تنقص كثيرًا من طيبات
الآخرة .
وقوله : (( إنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب)).
قال أبو ذر : يعني البنيان ، ويدل على صحّة هذا التأويل أن خبّابًا قال
هذا القول وهو يبني حائطًا له ، وقد تقدم في كتاب المرضى في باب
تمني المريض الموت ، فتأمله هناك فهو بين في حديث خباب .
باب : قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا
تغرنكم الحياة الدنيا ﴾ (٢) الآية
قال مجاهد : الغرور : الشيطان .
فيه : عثمان : (( أنه توضأ فأحسن الوضوء ثم قال : من توضأ نحو
وضوئي هذا، ثم أتى المسجد فركع ركعتين ، ثم جلس ، غفر له ما تقدّم
من ذنبه، قال: وقال رسول الله (صل ى: لا تغتروا)).
قال المؤلف : نهى الله عباده عن الاغترار بالحياة / الدنيا وزخرفها [٤/ ق١٧٨ -٢]
الفاني ، وعن الاغترار بالشيطان ، وبيّن لنا تعالى عداوته لنا لئلا
نلتفت إلى تسويله وتزيينه لنا الشهوات المردية ، وحذرنا تعالى طاعته
وأخبر أن أتباعه وحزبه من أصحاب السعير ، والسعير : النار . فحق
على المؤمن العاقل أن يحذر ما حذّره منه ربه عز وجل ونبيه
(١) الأحقاف : ٢٠ .
(٢) فاطر : ٥ .
- ١٥٧ -
- عليه السلام - وأن يكون مشفقًا خائفًا وجلاً ، إن واقع ذنبًا أسرع
الندم عليه والتوبة منه وعزم ألا يعود ( إليه ) (١)، وإذا أتى حسنة.
استقلها واستصغر عمله ولم يدل بها ، ألا ترى قول عثمان: (( من
أتى المسجد ، فركع ركعتين ثم جلس ، غفر له ما تقدم من ذنبه )) ..
وهذا لا يكون إلا من قول النبي - عليه السلام - ثم أتبع ذلك بقول
النبي - عليه السلام - : ((لا تغتروا)). ففهم عثمان رضي الله عنه
من ذلك أن المؤمن ينبغي له ألا يتكل على عمله ، ويستشعر الحذر
والإشفاق بتجنب الاغترار ، وقد قال غير مجاهد في تفسير الغرور
قال: هو أن يغتر بالله ، فيعمل المعصية ويتمنى المغفرة .
باب : ذهاب الصالحين
فيه : مرداس قال النبي - عليه السلام -: « يذهب الصالحون الأول
فالأول ، وتبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة)).
قال المؤلف : ذهاب الصالحين من أشراط الساعة ، إلا إنه إذا بقي
الناس في حفالة كحفالة الشعير أو التمر ؛ فذلك إنذار بقيام الساعة
وفناء الدنيا ، وهذا الحديث معناه الترغيب في الاقتداء بالصالحين.
والتحذير من مخالفة طريقهم خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباليه
الله ولا يعبأ به . وبَالة : مصدر باليت [محذوف ] (٢) منه الياء التي
هي لام الفعل، وكان أصله (( بالية)) فكرهوا ياءً قبلها كسرة ، لكثرة استعمال
هذه اللفظة في نفي كل ما لا يحفل به ، وتقول العرب أيضًا في مصدر
باليت مبالاةً كما تقول بالة ، والحفالة : سفلة الناس وأصلها في اللغة ما
(١) في (( هـ)): لمثله.
(٢) في ((الأصل)): مجزوم. والمثبت من ( هـ)).
- ١٥٨ -
تساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما ، والحثالة والحشافة مثله ،
وقد ذكرت هذا في كتاب الفتن في باب إذا بقي في حثالة من الناس.
باب : ما يتقى من فتنة المال
و
وقوله تعالى: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ (١)
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( تعس عبد الدينار
والدرهم والقطيفة والخميصة ، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض)).
وفيه: ابن عباس قال: قال النبي - عليه السلام -: ((لو كان لابن آدم
واديان من ذهب لابتغى ثالثًا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ،
ويتوب الله على من تاب )) .
وفي رواية ابن عباس: (( ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب)). وروى
مثله ابن الزبير وأنس عن النبي - عليه السلام - وقال أنس في حديثه :
((ولن يملأ فاه إلا التراب)).
وفيه: أنس عن أَبيّ: (( كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت : ﴿ألهاكم
التكاثر﴾ (٢).
قال المؤلف : معنى الفتنة في كلام العرب : الاختبار والابتلاء ،
ومنه قوله تعالى : ﴿وفتناك فتوناً﴾ (٣) أي: اختبرناك ، والفتنة :
الإمالة عن القصد ، ومنه [ قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ (٤)
أي : ليميلونك، والفتنة أيضًا: الإحراق من ] (٥) قوله تعالى: ﴿يوم هم
على النار يفتنون ﴾ (٦) أي : يحرقون ، هذا قول ابن الأنباري . والاختبار
(١) التغابن : ١٥ .
(٤) الإسراء : ٧٣ .
(٢) التكاثر : ١ .
(٥) من ((هـ)).
(٣) طه : ٤٠ .
(٦) الذاريات : ١٣ .
- ١٥٩ -
والابتلاء يجمع ذلك كله ، وقد أخبر الله تعالى عن الأموال والأولاد
أنها فتنة ، وقال تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ (١). وخرج لفظ
الخطاب على العموم ؛ لأن الله تعالى فطر العباد على حب المال
والولد ، ألا ترى قوله عليه السلام: (( لو كان لابن آدم واديان من
ذهب لابتغى ثالثًا)). فأخبر عن حرص العباد على الزيادة في المال ،
وأنه لا غاية له يقنع بها ويقتصر عليها، ثم أتبع ذلك بقوله: (( ولا
يملأ جوف ابن آدم إلا التراب )) ، يعني إذا مات وصار في قبره ملأ
جوفه التراب ، وأغناه بذلك عن تراب غيره حتى يصير رميمًا ..
وأشار عليه السلام بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره على
الازدياد منها ؛ ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة
والكفاف فرارًا من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته ،
واستعاذ النبي عليه السلام من شر فتنة الغنى ، وقد علم كل مؤمن أن
الله تعالى قد أعاذه من شر كل فتنة ، وإنما دعاؤه بذلك عليه السلام
(٤/ ٥ ١٧٨ -ب٤ تواضعًا لله وتعليمًا لأمته / وحضًا لهم على إيثار الزهد في الدنيا .
وقوله : (( تعس عبد الدينار ... )) إلى آخر الحديث فيه ذم مَنْ فتنه
متاع الدنيا الفاني ، وتعِس قيل : معناه هلك ، وقيل : التعس : أن
يخر على وجهه ، وقد ذكرت اختلاف أهل اللغة في تفسير هذه الكلمة
في كتاب الجهاد في باب الحراسة في الغزو في سبيل الله .
*
باب: قول النبي عليه السلام: ((إن هذا المال خضرة حلوة))
وقول الله تعالى: ﴿ زين للناس حب الشهوات﴾ (٢) الآية، وقال
عمر: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا ، اللهم إني أسألك أن
أنفقه في حقه .
(١) التكاثر : ١ .
(٢) آل عمران : ١٤ .
- ١٦٠ -