النص المفهرس

صفحات 101-120

والاستسلام لربّه - تعالى - بالذّلة والخشوع ، فإن الله تعالى يحب
الإلحاح في الدعاء .
وقال بعض السلف : لأنا أشد خشيةً أن أحرم الدعاء من أن أحرم
الإجابة ، وذلك أن الله تعالى يقول : ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ (١).
فقد أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وهو لا يخلف الميعاد ، وروي عن
النبي - عليه السلام - : (( ما من داع يدعو إلا کان بین إحدى ثلاث،
إما أن يستجاب له ، وإمّا أن يدخر له ، وإما أن يكفر عنه)) . ففي
هذا الحديث دليل أن الدعاء مجاب إما معجلاً وإما مؤخرًا .
وقد روي عن قتادة أنه قال : إنما يجاب من الدعاء ما وافق القدر ؛
لأن النبي - عليه السلام - قد دعا ألا يجعل الله بأس أمته بينهم
فمنعها، لما سبق في علم الله وقدره من كون الاختلاف والبأس بينهم.
باب : رفع الأيدي في الدعاء
وقال أبو موسى : دعا النبي - عليه السلام - ثم رفع يديه ، ورأيت
بياض إبطيه .
وقال ابن عمر: رفع النبي - عليه السلام - يديه [ وقال] (٢): ((اللهم
إني أبرأ إليك مما صنع خالد )) .
وفيه : أنس : ( أن النبي - عليه السلام - رفع یدیه حتی رأیت بياض إبطيه )).
قال الطبري : اختلف الناس في رفع اليدين في الدعاء في غير
الصلاة ، فكان بعضهم يختار إذا دعا / الله تعالى في حاجته أن يشير (٤/ ١٦٨٥-١)
(١) غافر : ٦٠ .
(٢) من (( هـ)).
- ١٠١ -

بأصبعه السبابة ، ويقول ذلك الإخلاص ويكره رفع اليدين . ذكر من
قال ذلك : روى شعبة وعبثر وخالد عن حصين ، عن عمارة بن
رويبة: ((أنه رأى بشر بن مروان رافعًا يديه على المنبر ، فسبَّه وقال : لقد
رأيت رسول الله لا يزيد على هذا يعني أن يشير بالسبّابة)). وروى سعيد
عن قتادة قال : رأى ابن عمر قومًا رفعوا أيديهم، فقال : من يتناول هؤلاء
فوالله لو كانوا على رأس أطول جبل ما ازدادوا من الله قربًا .
وكرهه جبير بن مطعم ، ورأى شريح رجلاً رافعاً يديه يدعو ،
فقال: من تتناول بها ، لا أمّ لك . وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم:
قد رفعوها قطعها الله . وكره ابن المسيب رفع الأيدي والصّوت في
الدعاء ، وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه، ورأى سعيد بن جبير
رجلاً يدعو رافعاً يديه فقال : ليس في ديننا تكفير. واعتلوا بحديث
عمارة بن رويبة المتقدّم .
وكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما ، ثم يختلفون في صفة
رفعهما ، حذو صدره بطونهما إلى وجهه ، روي ذلك عن ابن عمر،
وقال ابن عباس إذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء . وكان علي بن
أبي طالب يدعو بباطن كفيه ، وعن أنس مثله ، واحتجوا بما رواه
صالح بن [ كيسان] (١) عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن
عباس، عن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا سألتم الله - تعالى - فاسألوه
ببطون أكفكم ولا تسألوه [ بظهورها ] (٢)، وامسحوا بها وجوهكم)).
وكان آخرون يختارون رفع أيديهم إلى وجوههم ، روي ذلك عن ابن
عمر وابن الزبير ، واعثلوا بما رواه حماد بن سلمة عن بشر بن حرب قال : :
سمعت أبا سعيد الخدري يقول: (( وقف رسول الله بعرفة ، فجعل يدعو،
وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ورفعهما فوق ثديبه وأسفل من منكبيه)) .
(١) في ((الأصل)): حسان. والمثبت من (هـ).
(٢) في ((الأصل)): بظهوره. والمثبت من ((هـ)).
- ١٠٢ -

وكان آخرون يختارون رفع أيديهم حتى يحاذوا بها وجوههم
وظهورها مما يلي وجوههم ، وروى يحيى بن سعيد عن القاسم قال :
رأيت ابن ( عمرو بن العاص ) (١) يرفع يديه يدعو حتى يحاذي منكبيه
ظاهرهما يليانه . وعن ابن عباس قال : إذا أشار أحدكم بأصبع واحدة
فهو الإخلاص ، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء ، وإذا رفعهما
حتى يجاوز بهما رأسه ، وظاهرهما يلي وجهه فهو الابتهال .
واحتجوا بحديث أبي موسى وابن عمر وأنس: (( أن النبي - عليه
السلام - كان يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه)).
قال الطبري : والصواب أن يقال إن كل هذه الآثار المروية عن
النبي - عليه السلام - متفقة غير مختلفة المعاني، [ وللعمل ] (٢) بكل
ذلك وجه صحيح ، فأمّا الدعاء بالإشارة بالأصبع الواحدة ، فكما
قال ابن عباس أنه الإخلاص ، والدعاء بسط اليدين ، والابتهال
رفعهما ، وقد حدثني محمد بن خالد بن خراش قال : حدثني مسلم
عن عمر بن [نبهان] (٣)، عن قتادة، عن أنس قال: ((رأيت النبي
وَل* يدعو بظهر كفيه وبباطنهما)». وجائز أن يكون ذلك كان من النبي
وَل لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس ، وجائز أن يكون
إعلامًا منه بسعة الأمر في ذلك ، وأن لهم فعل أي ذلك شاءوا في
حال دعائهم، غير أن أحبّ الأمر في ذلك إليّ أن يكون اختلاف هيئة
الداعي على قدر اختلاف حاجته ، وأما الاستعاذة والاستجارة ،
فأحب الهيئات إلي فيهما هيئة المبتهل ؛ [ لأنها ] (٤) أشبه بهيئة
(المستجير) (٥) ، وقد قال شهر بن حوشب : المسألة ببطن الكفين،
والتعوذ مثل التكبير إذا افتتح الصلاة .
(١) فى (( هـ )) : عمر عند القاص.
(٢) في ((الأصل)): والعمل. والمثبت من ((هـ)).
(٣) فى ((الأصل)): شهاب. والمثبت من ((هـ).
(٤) في ((الأصل)): لأنه. والمثبت من ((هـ)). (٥) في ((هـ ): المستخير.
- ١٠٣ -

فإن قال : فقد جعلت للداعي رفع يديه في كل حال فما أنت قائل
فيما روى يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن
مالك حدثه : (( أن النبي - عليه السلام - كان لا يرفع يديه في شيء من
الدعاء إلا عند الاستسقاء ، فإنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه ..
قيل : قد روى ابن جريج ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن النبي
- عليه السلام - أنه قال: (( لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن في بدء
الصلاة، وإذا رأيت البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وعشية عرفة ، وبجمع،
وعند الجمرتين)) . وهذا مخالف لحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ،
وقد ثبت عن النبي - عليه السلام - رفع الأيدي في الدعاء مطلقًا من وجوه .
منها : حديث أبي موسى وابن عمر وأنس من طرق [ أثبت ] (١)
من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ، وذلك أن سعيد بن
(٤/ ١٦٨٥-ب] أبي عروبة كان قد تغير عقله وحاله في آخر عمره ، وقد خالفه / شعبة في
روايته عن قتادة، عن أنس فقال فيه: ((كان رسول الله يرفع يديه
حتى يُرى بياض إبطيه)). ولا شك أن شعبة أثبت من سعيد بن أبي عروبة.
وحدثنا ابن مثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي عن جعفر بن ميمون صاحب
الأنماط عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله وَله: ((إن ربكم
[حيي ] (٢) كريم يستخبي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا)».
فإن قيل: قد روي عن عطاء وجابر وطاوس [ومجاهد ] (٣) أنهم كرهوا
رفع الأيدي في دبر الصلاة قائمًا . قيل : يمكن أن يكون ذلك إذا لم ينزل
بالمسلمين نازلة يحتاجوا معها إلى الاستغاثة إلى الله تعالى بالتضرع
والاستكانة ، فالقول كما قال عطاء وطاوس ومجاهد ، وإن نزلت بهم
نازلة احتاجوا معها إلى الاستغاثة إلى الله [بالتضرع والاستكانة ] (٤).
لكشفها عنهم ، [ فرفع ] (٥) الأيدي عند مالك حسن وجميل .
(١) في ((الأصل)): أثبتت. والمثبت من ((هـ)). (٢) في (( الأصل، هـ)): حي.
(٤) في ((الأصل)): والتضرع. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): ترفع. والمثبت من (( هـ).
- ١٠٤ -

باب : الدعاء غير مستقبل القبلة
فيه: أنس: (( بينا النبي - عليه السلام - [ يخطب ](١) يوم الجمعة ،
فقال رجل : يا رسول الله، ادع الله أن [ يسقينا](٢) ... )) الحديث.
الدعاء حسن كيفما تيسر للمؤمنين على جميع أحوالهم ، ألا ترى
قوله تعالى : ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودا وعلى جنوبهم﴾ (٣).
فمدحهم الله - تعالى - ولم يشترط في ذلك حالةً دون حالة ،
ولذلك دعا النبي - عليه السلام - في خطبته يوم الجمعة وهو غير
مستقبل القبلة .
باب : الدعاء مستقبل القبلة
فيه : عبد الله بن زيد : خرج النبي - عليه السلام - إلى المصلى
يستسقي فدعا واستسقى ، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه )) .
فإن قال قائل: ليس في هذا الحديث الدعاء إلا [ قبل ] (٤)
استقبال النبي - عليه السلام - القبلة لقوله : (( فدعا ثم استقبل القبلة
[ فكيف ترجم له باب الدعاء مستقبل القبلة؟! ] (٤) قيل : إنما أشار
البخاري إلى الحديث ليدل على المعنى المعروف منه ، فقد جاء هذا
الحديث في كتاب الاستسقاء [ في باب كيف حوّل النبي وَّ ظهره إلى
الناس](٤)، وقال فيه: ((واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ، ثم
صلى ركعتين جهر فيهما )).
(١) في ((الأصل)): يدعو. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): يسقنا. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) آل عمران : ١٩١ .
(٤) من (( هـ).
- ١٠٥ -

باب : دعوة النبي - عليه السلام - لخادمه
: بطول العمر وكثرة ماله
فیه : أنس : « قالت أمي للنبي - علیه السلام - : خادمك ، ادع الله له .
قال : اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته )) .
...
وترجم له بعد هذا باب [ الدعاء وكثرة المال مع البركة، وباب](١).
:
الدعاء بكثرة الولد مع البركة .
إن قال قائل : كيف ترجم البخاري في هذا الحديث باب دعوة
النبي - عليه السلام - لخادمه بطول العمر ، وإنما في الحديث (( اللهم
أكثر ماله وولده )). وليس فيه وطول عمره ؟ قيل : يحتمل أن
(يكون)(٢) ذلك من دليل الحديث من موضعين : أحدهما : أن دعوته
عليه السلام له بكثرة الولد يدل على أن ذلك لا يكون إلا في كثير من
السنين ، فدعاؤه له بكثرة الولد دعاء له بطول العمر ، والثاني : قوله عليه
السلام: (( وبارك له فيما أعطيته )» ، فالعمر مما أعطاه الله هذا الوجه للمهلب.
فإن قيل : فما معنى دعائه له بطول العمر ، وقد علم - عليه :
السلام - أن الآجال لا يزاد فيها ولا ينقص منها على ما كتب في بطن
أمّه ؟ قيل: معنى ذلك والله أعلم [ أن الله تعالى ] (١) يكتب أجل
عبده إن أطاع الله واتقاه فيكون عمره مدة كذا، فإن لم يطع الله وعصاه
كان أجله أقل منها .
يدل على [ صحة] (١) ذلك قوله [ عز وجل ] (٣) في قصة نوح
حين قال لقومه : ﴿ أعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم.
ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ (٤) يريد أجلاً قد قضى به لكم إن أطعتم،
فإن عصيتم لم يؤخركم إلى ذلك الأجل ، وكل قد سبق في علم الله
مقدار أجله على ما يكون من فعله ، قال ابن قتيبة : ومثله ما روي أن:
(١) من (( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): عليه السلام.
(٢) في ((هـ)): يقوم :
(٤) نوّح : ٣، ٤ .
- ١٠٦ - .

الصدقة تدفع [ القضاء ] (١) المبرم ، وأن الدعاء يدفع البلاء ، وقد
ثبت أنه لا راد لقضاء الله ، ومعنى ذلك أن المرء قد يستحق بالذنوب
قضاءً من العقوبة ، فإن هو تصدّق دفع عن نفسه ما استحق من ذلك،
يدل على ذلك قوله : ((إن صدقة السر تطفئ غضب الرب)) ألا ترى
أن من غضبَ الله عليه قد تعرض لعقابه ، فإذا زال ذلك الغضب
بالصدقة زال العقاب ، وكذلك الدعاء يرتفع إلى الله -تعالى -
فيوافق البلاء نازلاً من السماء فيزيله / [ ويصرفه ، وكل ذلك قد [٤/ ١٦٩٥-٢)
جرى به القلم في علم الله تعالى أنه إن تصدق أو دعا ، صرف عنه
غضب الله وبلاؤه ، وفي هذا الحديث حجة لمن قال . الغنى أفضل
من الفقر ، وهي مسألة اختلف الناس فيها قديمًا ، وسيأتي الكلام فيها
في موضعها في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى ] (٢).
باب : الدعاء عند الكرب
فيه : ابن عباس: ((كان النبي - عليه السلام - يدعو عند الكرب : لا
إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله ربّ السماوات والأرض ورب
العرش العظيم » .
[ وقال] (٣) مرةً: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب
العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش
الکریم ) .
قال المؤلف : وقد روى هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - علي بن أبي
(١) في ((الأصل)): البلاء. والمثبت من ((هـ)).
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ).
- ١٠٧ -

طالب بزيادة واختلاف في لفظه ذكر ابن أبي شيبة من حديث أبي
إسحاق عن عبد الله بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي قال:
((قال [ لي ] (١) رسول الله - عليه السلام -: ألا أعلمك كلمات إذا.
قلتهن غفر الله لك مع أنه مغفور لك : لا إله إلا الله الحليم الكريم ،
لا إله إلا الله العلي العظيم ، سبحان الله رب السماوات السبع ورب
العرش ( العظيم ) (٢)، الحمد لله رب العالمين)).
قال الطبري : وكان السلف يدعون بهذا الدعاء ، قال أبو أيوب :
كتب إليه أبو قلابة بدعاء الكرب ، وأمره أن يعلمه ابنه .
فإن قال قائل : فإن دعاء الكرب إنما هو تهليل وتعظيم الله ، فما
معنى قول ابن عباس كان النبي وس # يدعو بدعاء الكرب وتسمية السلف
له بذلك ؟ قيل : يحتمل معنيين : أحدهما : أن يقدم هذا التهليل قبل
الدعاء ، ثم يدعو بعده بما أراد على ما روى حماد بن سلمة ، عن
يوسف بن عبد الله بن الحارث ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس :
((أن رسول الله كان إذا حزبه أمر قال : لا إله إلا الله الحليم الكريم ،
لا إله إلا الله رب العرش (العظيم) (٢)، لا إله إلا الله ربّ
السماوات السبع وربّ العرش الكريم ، ثم يدعو)).
ويبين هذا المعنى ما روى الأعمش عن النخعي قال : كان يقال :
إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء ( استجيب ) (٣)، وإذ بدأ بالدعاء
قبل الثناء كان على الرجاء . وقد نبه على ذلك المعنى ابن مسعود
فقال: إذا خشيتم من أمير ظلمًا فقولوا: اللهم ربّ السماوات السبع وربٌ
(١) من (( هـ)).
(٣) في ((هـ ): استوجب.
(٢) في (( هـ)) : الكريم .
- ١٠٨ -
٠ -

العرش العظيم كن لي جارًا من فلان وأشياعه من الجن والإنس أن
يفرطوا عليّ وأن يطغوا ، عزّ جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ، فإنه لا
يصل إليكم منه شيء تكرهونه .
والمعنى الثاني : ما روي عن حسين المروزي قال : سألت ابن عيينة
ما كان أكثر قول النبي - عليه السلام - بعرفة ؟ فقال : لا إله إلا الله،
سبحان الله، والحمد لله ، والله أكبر ولله الحمد ، ثم قال لي سفيان :
إنما هو [ ذكر ] (١) وليس فيه دعاء ثم قال لي : أما علمت قول الله
حيث يقول : إذا شغل عبدي ثناؤه عليّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما
أعطي السائلين ؟ قلت : نعم ، حدثتني أنت وابن مهدي بذلك عن
منصور ابن المعتمر ، عن مالك بن الحارث ، ثم قال سفيان : أما
علمت قول أميّة بن [ أبي ] (١) الصلت حين أتى ابن جدعان
[يطلبه](٢) نائلة وفضله ؟ قلت : لا . قال : قال أمية :
غناؤك إن شيمتك الحياء
أأطلب حاجتي أم قد كفاني
كفاه من تعرضك الثناء
إذا أثنى عليك المرء يومًا
قال سفيان: هذا مخلوق [ حين ] (٣) نسب إلى أن يكتفي بالثناء
عليه دون مسألته ، فكيف بالخالق ؟!
قال المؤلف : وحدثني أبو بكر الرازي قال : كنت بأصبهان عند
الشيخ أبي نعيم أكتب عنه الحديث ، وكان هناك شيخ آخر يعرف بأبي
بكر بن علي ، وكان عليه مدار الفتيا ، فحسده بعض أهل البلد فبغَّاه
عند السلطان ، فأمر بسجنه ، وكان ذلك في شهر رمضان ، قال أبو
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): يظلمه. والمثبت من (( هـ).
(٣) في (( الأصل)): حيث. والمثبت من (( هـ ).
- ١٠٩ -

۔۔
بكر: فرأيت النبي - عليه السلام - في المنام وجبريل عن يمينه يحرك
شفتيه لا يفتر من التسبيح ، فقال لي النبي - عليه السلام - : قل لأبي
بكر بن علي : يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى
يفرج الله عنه ، فأصبحت فأتيت إليه وأخبرته بالرؤيا ، فدعا به فما
بقي إلا قليلاً حتى أخرج من السجن . ففي هذه الرؤيا شهادة النبي
-عليه السلام - لكتاب البخاري بالصحة بحضرة جبريل عليه السلام،
والشيطان لا يتصور بصورة النبي في المنام .
باب : التعوذ من جهد البلاء.
[٤/ ; ١٦٩ -ب] / فيه: أبو هريرة: ((كان النبي - عليه السلام - يتعوذ من جهد البلاء،
ودرك الشقاء، وشر القضاء، وشماتة الأعداء)).
قال المؤلف : كل ما أصاب الإنسان من شدّة [المشقّة] (١) والجهد
مما لا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه عن نفسه فهو من جهد
البلاء، وروي عن ابن عمر أنه سُئل عن جهد البلاء ، فقال : قلة المال
وكثرة العيال . ودرك الشقاء ينقسم قسمين فيكون في أمور الدنيا وفي
أمور الآخرة ، وكذلك سوء القضاء هو [ عام ] (٢) أيضًا في النفس
والمال والأهل والخاتمة والمعاد . وشماتة الأعداء مما ينكأ القلب، ويبلغ
من النفس أشد مبلغ ، وهذه جوامع ينبغي للمؤمن التعوذ بالله منها
كما تعوّذ النبي - عليه السلام - ، وإنما دعا بذلك عليه السلام معلمًا
لأمته ما يتعوّذ بالله منه ، فقد كان أمنه الله من كل سوء ، وذكر عن
أيوب صلى الله عليه أنه سئل عن أي حال بلائه كان أشدّ عليه ؟ قال :
شماتة الأعداء . أعاذنا الله من جميع ذلك بمنّه وفضله .
(١) في ((الأصل)): السعة. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): علم. والمثبت من (( هـ)).
- ١١٠ -

باب : الدعاء بالموت والحياة
فيه: خباب: (( أنه اكتوى سبعًا وقال: لولا أن النبي ◌َّ نهى أن ندعو
بالموت لدعوت به )) .
وفيه : أنس قال النبي - عليه السلام -: (( لا يتمنّين أحدكم الموت
لضرٌّ نزل به ، فإن كان لا بدّ متمنيا للموت فليقل : اللهم أحيني ما كانت
الحياة خيرًا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)).
معنى هذين الحديثين على الخصوص ، وقد بين عليه السلام
[ذلك](١) في الحديث فقال: (( لا يتمنين أحدكم الموت لضرّ نزل به)).
فقد يكون له في ذلك الضرّ خير لدينه ودنياه ، إما تمحيص لذنوب
سلفت له وطهور من سيئات ، كما قال عليه السلام للشيخ الذي زاره
في مرضه وقد أصابته الحمّى فقال له عليه السلام: (( لا بأس طهور إن
شاء الله)) . وقد يكون له في المرض منافع، منها : أن يكون المرض
سببًا إلى امتناعه من سيئات كان يعملها لو كان صحيحًا ، أو بلاء
يندفع عنه في نفسه وماله، فالله أنظر لعبده المؤمن فينبغي له الرضا عن
الله - تعالى - في مرضه وصحته ولا يتهم قدره ، ويعلم أنه أنظر له
من نفسه ، ولا يسأله الوفاة عند ضيق نفسه بمرضه أو تعذّر أمور دنياه عليه.
وقد جاء وجه سؤال الموت فيه مباح ، وهو خوف فتنة تكون سببًا
لتلاف الدين، فقد قال عليه السلام: ((وإذا أردت [ بقوم ] (٢) فتنةٌ
فاقبضني إليك غير مفتون)). ووجه آخر وهو عند خوف المؤمن أن
يضعف عن القيام بما قلده الله كما قال عمر : اللهم كبرت سني وضعفت
قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط . فخشي عمر
رضي الله عنه أن يطول عمره ويزيد ضعفه ، ولا يقدر على القيام بما قلده
(١) في ((الأصل)): في ذلك. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بالناس. والمثبت من (( هـ)).
- ١١١ -

الله وألزمه القيام به من أمور رعيته ، وكان سنه حين دعا بذلك ستين
سنةً أو نحوها ، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز إذا سأل لنفسه الوفاة
وسنّه في الأربعين حرصًا على السلامة من التغيير ، فهذان الوجهان
مباح أن يسأل فيهما الموت ، وقد تقدّم في كتاب المرضى [ في باب
تمني المريض الموت ](١)
باب : الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رءوسهم
(( وقال أبو موسى : ولد لي ولد فدعا النبي - عليه السلام - له بالبركة.
وفيه: السائب: (( ذهبت بي خالتي إلى رسول الله - عليه السلام -
فقالت : يا رسول الله ، إن ابن أختي وجع ، فمسح رأسي ودعا لي
بالبركة ... )) الحديث.
وفيه: أبو عقيل: (( أنه كان يخرج به جده - عبد الله بن هشام -
فيشتري الطعام ، فتلقاه ابن الزبير وابن عمر ، فيقولان له : أشركنا فإن
النبي - عليه السلام - قد دعا لك بالبركة ، فيشركهم ، فربما أصاب
الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل )) .
وفيه : محمود بن الربيع - وهو الذي مجّ النبي - عليه السلام - في
وجهه وهو غلام من بثرهم .
وفيه: عائشة قالت : (( كان النبي - عليه السلام - يؤتى بالصبيان فيدعو لهم)) .
فيه الذهاب بالصبيان إلى الصالحين وسؤالهم الدعاء لهم بالبركة ،
ومسح رءوسهم تفاؤلاً لهم بذلك وتبركًا بدعائهم ، وفي حديث
(١) من (( هـ)).
- ١١٢ -
--

محمود بن الربيع مداعبة الأئمة وأهل الفضل للصبيان ، وأن ذلك من
أخلاق الصالحين ، وفي حديث أبي عقيل رغبة السلف الصالح في
الربح الحلال ، وحرصهم على بركة التجارة ، وأنهم كانوا يتحرّفون
في التجارات / ويسعون في طلب الرزق ليستغنوا بذلك عن الحاجة [٤/ق.١٧-١]
إلى الناس، ولا [ يكونوا ] (١) عالةً ولا كلاً على غيرهم .
باب: الصلاة على النبي ◌َلل
فيه : کعب بن عجرة : « خرج علینا النبي - عليه السلام - فقلنا : يا
رسول الله ، قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال :
قولوا : اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على
[آل](٢) إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل
محمد ، كما بار كت على [ آل ] (٢) إبراهيم إنك حميد مجيد )) .
فيه : عن أبي سعيد الخدري نحوه .
اختلف العلماء في الصلاة على النبي هل هي فرض أم لا ؟ فذهب
جمهور العلماء إلى أنها ليس بفرض في الصلاة ، وذكر ابن القصار
عن ابن المواز أنها واجبة ، قال : والمشهور عن أصحابنا أنها واجبة في
الجملة على الإنسان أن يأتي بالشهادتين مرةً في دهره مع القدرة عليه ،
وشذّ الشافعي فزعم أن ذلك فرض في الصلاة ، واحتج بحديث كعب
ابن عجرة ، رواه عن إبراهيم بن محمد عن سعيد بن إسحاق بن
كعب بن عجرة، وفي حديثه: (( وذلك في الصلاة)) . قال
الطحاوي: وكان من حجة من خالفه عليه أن إبراهيم بن محمد
(١) في ((الأصل)): يكونون. والمثبت من ((هـ)).
(٢) من (( هـ ، ن)).
- ١١٣ -

ليس ممن يحتج بحديثه ، ولو ثبت حديثه هذا لم يكن فيه دليل أن
ذلك فرض؛ لأنا قد وجدنا مثل ذلك عن النبي ونَ﴾ (١) من آي القرآن
ومن الأمر منه أن يجعل [ ذلك ] (٢) في الصلاة ، فلم يكن مراده من
ذلك الفرض ، وهو حديث عقبة بن عامر عن النبي - عليه السلام -
(« أنه لما نزل: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ (٣) قال: اجعلوها في:
ركوعكم ، ولما نزلت : ﴿سبح اسم ربك الأعلى ﴾ (٤) قال:
اجعلوها في سجودكم، وكان من ترك التسبيح في الركوع والسجود
غير مفسد صلاته ، وكذلك روي عن النبي - عليه السلام - أنه
علمهم التشهد في الصلاة ، وليس منه الصلاة (٥) على النبي - عليه
السلام - وقد تقدّم ذلك في كتاب الصلاة فانتفى أن يكون على المصلي
فرض غير ما علمه النبي - عليه السلام - ودل ذلك أن قوله: ﴿يا أيها
الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا ﴾ (٦) على الندب ، لا على
الفرض ، ونحو هذا ذكر الطبري ، وقال : الصلاة على النبي - عليه
السلام - ندب وفضل في كل حال، وعلى هذا تأويل هذه الآية ..
باب: [ هل ] (٧) يصلى على غير النبي - عليه السلام -
وقوله تعالى: ﴿ وصل علیهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (٨)
فيه : ابن أبي أوفى قال: (( كان إذا ( جاء) (٩) رجل بصدقته النبي -
عليه السلام - قال : اللهم صل عليه ، فأتاه أبي بصدقته ، فقال : اللهم
صل على آل أبي أوفى )) .
وفيه : أبو حميد الساعدي: (( أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي
(١) زاد في (( الأصل)): عن النبي.
(٣) الواقعة : ٧٤ .
(٢) من (( هـ).
(٤) الأعلى : ١ .
(٦) الأحزاب : ٥٦ .
(٥) زاد في ((الأصل)) : على الصلاة.
(٧) في (("الأصل)): من، والمثبت من ((هـ، ن).
(٨) التوبة : ١٠٣ .
(٩) في (( هـ، ن)): أتى .
- ١١٤ -

عليك ؟ قال : قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ، كما
صليت على [ آل ] (١) إبراهيم ، وبارك على محمد وأزواجه وذريته ،
كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد )».
قال الضحاك : صلاة الله : رحمته ، وصلاة الملائكة : الدعاء ،
والصلاة على غير النبي - عليه السلام - جائزة بدليل الكتاب والسنة ،
ألا ترى أنه عليه السلام كان يصلي على من أناه بصدقته ، وفي حديث أبي
حميد (أمر)(٢) بالصّلاة على أزواجه وذريته وأزواجه من غير نسبة وهذا
الباب رد لقول من أنكر الصلاة (على غير النبي ) (٣) - عليه السلام - .
وروى ابن أبي شيبة قال : حدثنا هشيم حدثنا عثمان بن حكيم ،
عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما أعلم الصلاة تنبغى من أحد على
أحد إلا على النبي - عليه السلام - والحجة في السنة لا فيما خالفها.
باب : قول النبي - عليه السلام - :
(( من [ آذيته فاجعله له ] (١) زكاة ورحمةً))
فيه : أبو هريرة أنه سمع النبي - عليه السلام - يقول: (( اللهم فأيما
مؤمن سببته ، فاجعل ذلك له قربةً له يوم القيامة )) .
هذا الحديث يصدقه ما ذكره الله تعالى في كتابه من صفة رسوله -
عليه السلام - في قوله : ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه
ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (٤) . وهو عليه السلام لا
يسبّ أحدًا ولا يؤذيه ظلمًا له ، وإنما يفعل من ذلك الواجب في شريعته ،
(١) من (( هـ، ن)).
(٣) مكررة بالأصل .
(٢) في (( هـ)): أمرنا .
(٤) التوبة : ١٢٨ .
- ١١٥ -

[٤/ق١٧٠ -ب] وقد يدع الانتقام لنفسه ، لما جبله الله عليه من العفو / وكريم الخلق
صلى الله عليه ومعنى هذا الحديث والله أعلم ، التأنيس للمسبوب لئلا
يستولي عليه الشيطان ، ويقنطه ويوقع بنفسه أن سيلحقه من ضرر سبّه
ما يحبط به عمله إذا سبّه عليه السلام هو دعاء على المسبوب ، ودعاؤه
مجاب ، فسأل الله أن يجعل سبّه للمؤمنين قربة عنده يوم القيامة
وصلاةً ورحمةً ، ولا يجعله نقمةً ولا عذابًا .
باب : التعوذ من الفتن
فيه: أنس : ((سئل النبي - عليه السلام - حتى أحفوه [ بالمسألة ](١)،
فغضب فصعد المنبر ، فقال : لا تسألوني عن شيء إلا بينته ، فإذا كل
رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي ، وإذا رجل كان إذا لاحى [ الرجال] (٢)
يدعى لغير أبيه ، فقال : من أبي يا رسول الله ؟ فقال : حذافة ... وذكر
الحديث إلى قول عمر : نعوذ بالله من الفتن )) .
وقد تقدم في كتاب الفتن .
باب : التعوذ من فتنة المحيا والممات
فيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - يقول : اللهم إني أعوذ بك
من العجز والكسل ، والجبن والهرم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ،
وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)).
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الرجل. والمثبت من ((هـ ، ن)).
- ١١٦ -

باب : التعوذ من المأثم والمغرم
فيه : عائشة: أن النبي - عليه السلام - كان يقول: (( اللهم إني أعوذ
بك من الكسل والهرم ، والمأثم والمغرم ، ومن فتنة القبر وعذاب القبر ،
ومن فتنة النار وعذاب النار ومن شر فتنة الغنى ، وأعوذ بك من فتنة
الفقر ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، اللهم اغسل عني خطاياي
بالماء والثلج والبرد ، ونقّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من
الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)) .
وترجم له باب الاستعاذة من فتنة الغنى ، وترجم له باب الاستعاذة
من فتنة الفقر ، وترجم لحديث أنس باب الاستعاذة من الجبن والكسل
وفيه: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والبخل ، وضلع الدين
وغلبة الرجال )).
وترجم [ له ] (١) باب التعوذ من البخل وفيه سعد عن النبي عليه
السلام : إني أعوذ بك من البخل والجبن ، وأعوذ بك من الرد إلى
أرذل العمر)) ، وترجم له ولحديث عائشة باب الاستعاذة من أرذل
العمر ، وترجم لحديث أنس باب التعوذ من أرذل العمر ، وفيه :
«أعوذ بك من الهرم ».
قال المؤلف : جميع أبواب الاستعاذة التي ترجم [ بها ] (١) تدل
آثارها على أنه ينبغي سؤال الله والرغبة إليه في كل ما ينزل بالمرء من
حاجاته ، وأن يعيّن كل ما يدعو فيه ، ففي ذلك إطالةُ الرغبة إلى الله
تعالى والتضرع إليه وذلك طاعة الله - تعالى - ، وكان النبي - عليه
السلام - يتعوذ بالله من كل ذلك ويعينه باسمه ، وإن كان الله قد عصمه
(١) من (( هـ).
- ١١٧ -

:
من كل شر ، ليلزم نفسه خوف الله تعالى وإعظامه ، وليسُنّ ذلك
لأمته ويعلمهم كيف الاستعاذة من كل شيء ، وقد روى ثابت البناني
عن أنس قال : قال رسول الله - عليه السلام - : (( ليسأل أحدكم
ربه حاجاته كلها ، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع)) .
ليستشعر العبد الافتقار إلى ربه في كل أمر [ وإن دق ] (١) ولا
يستحيي من سؤاله ذلك ، فالتعوذ من فتنة المحيا والممات دعاء جامع
لمعان كثير لا تُحصى وكذلك التعوذ من المأثم والمغرم ، [ روي عن
عائشة: (( أن رجلاً قال للنبي - عليه السلام - ما أكثر ما تستعيذ من
المأثم والمغرم ] (٢). فقال رسول الله - عليه السلام - : إن الرجل
إذا غرم ، حدث فكذب ، ووعد فأخلف )) .
وضلع الدین : هو الذي لا يجد [ دینه ] (٣) من حیث یؤديه، وهو
مأخوذ من قول العرب : حمل مضلع أي : ثقيل ، ودابة مضلع: لا
تقوى على الحمل ، عن صاحب العين ، فمن كان هكذا فلا محالة
أنه ( يؤكد ) (٤) ذلك عليه الكذب في حديثه ، والخلف في وعده .
قال الطبري : فإن قال قائل : فإذ قد صح تعوّذ النبي - عليه.
السلام - من المغرم ، فما أنت قائل في ما روى جعفر بن محمد عن
أبيه ، عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله - عليه السلام -:.
(( إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ، ما لم يكن فيما كره [ الله عز
وجل ] (٢) )). وكان عبد الله بن جعفر يقول: اذهب فخذ لي بدين،
فإني أكره أن أبيت ليلة إلا والله معي بعد ما سمعت من رسول الله ټلآ.
[٤ / ق ١٧١-١]
قيل : كلا الخبرين صحيح ، وليس في أحدهما / [ دفع ] (٥)
(٢) من (( هـ )) .
(١) في ((الأصل)): وارد. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): داينه. والمثبت من ( هـ)).
(٤) في (( هـ)): يولد .
(٥) في (( الأصل)): دفعًا. والمثبت من ((هـ)).
- ١١٨ -

للآخر فأما قوله عليه السلام: (( إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ما
لم يكن فيما يكره الله - تعالى -)) . فهو المستدين الذي ينوي قضاء
دينه ، وعنده في الأغلب ما يقضيه فالله تعالى في عونه على قضائه ،
وأما المغرم الذي استعاذ منه عليه السلام ، فإنه الدين الذي استدين
على أحد ثلاثة أوجه : إما فيما يكرهه الله ولا يجد سبيلاً [ إلى ] (١)
قضائه فحق الله تعالى أن يؤديه ، ومستدين فيما لا يكرهه؛ ولكنه لا
وجه عنده لقضائه إن طالب به صاحبه ، فهو معرض لهلاك أموال
الناس ومتلف لها ، ومستدين له إلى القضاء سبيل ؛ غير أنه نوى ترك
[القضاء ] (٢) وعزم على جحده ، فهو عاصٍ لربه وظالم لنفسه،
فكل هؤلاء في القضاء مخلفون وفي حديثهم كاذبون .
فكان معلومًا بذلك أن الحال التي كره عليه السلام الدين فيها غير
الحال التي ترخص لنفسه فيها ، وذلك أنه عليه السلام مات ودرعه
رهن عند يهودي بعشرين صاعًا من شعير ، وأما فتنة الغنى فيخشى
منها بطر المال وما يئول من عواقب الإسراف في إنفاقه ، وبذله فيما لا
ينبغي ، ومنع حقوق الله فيه ، ففتنة الغنى متشعبة إلى ما لا يحصى
عده ، وكذلك فتنة الفقر يخشى منها قلة الصبر على الإقلال والتسخط
له وتزيين الشيطان للمرء حال الغنى وما يئول من عاقبة ذلك لضعف
البشرية ، وكذلك الاستعاذة من العجز والكسل لأنهما يمنعان العبد من
أداء حقوق الله وحقوق نفسه وأهله ، وتضييع النظر في أمر معاده وأمر
دنياه ، وقد أمر المؤمن بالاجتهاد في العمل والإجمال في الطلب ولا
(١) في ((الأصل)): في. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الفضل. والمثبت من ( هـ)).
- ١١٩ -

يكون عالةً ولا عيالاً على غيره ما متّع بصحة جوارحه وعقله ، وكذلك
الجبن مهانة في النفس وذلة ، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون ذليلاً بالإيمان
ولزوم طاعة الله التي تؤدي إلى النعيم المقيم ، فينبغي للمؤمن أن يكثر
التعوّذ من ذلك [ والهرم هو أرذل العمر ] (١) الذي ينتهي بصاحبه إلى
الخرف وذهاب العقل ، فيعود العالم جاهلاً ويصير إلى حال من لا
ميز له ، ولا يقدر على أداء ما يلزمه من حقوق الله وحاجة نفسه ،
ومثل هذا خشي عمر رضي الله عنه حين قال : اللهم كبرت سني ،
وضعفت قوتي ، وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع.
وكان سنه حينئذ فيما قال مالك ستين سنةً ، وقيل : خمس وخمسين .
فخشي رضي الله عنه مزيد ضعفه فيضيع مما قلده الله شيئًا ، ومن
متّعه الله بصحة لم [ يزده ] (٢) طول العمر إلا خيرًا يستكثر من
الحسنات ويستعتب من السيئات ، وكذلك الهم والحزن لا ينبغي
للمؤمن أن يكون مهمومًا بشيء من أمور الدنيا ، فإن الله تعالى قد
قدّر الأمور فأحكمها وقدّر الأرزاق ، فلا يجلب الهم للعبد في الدنيا
خيراً ، ولا يأتيه بما لم يقدر له ، وفي طول الهم قلة رضًا بقدر الله
وسخطه على ربّه .
وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول : اللهم رضني بالقضاء ، وحبّب
إليّ القدر حتى لا أحب تقديم ما أخرت ولا تأخير ما قدّمت . ومن
آمن بالقدر فلا ينبغي له أن يهتم على شيء فاته من الدنيا ولايتهم ،
ربّه ففيما قضى له الخيرة ، وإنما ينبغي للعبد الاهتمام بأمر الآخرة
ويفكر في معاده وعرضه على ربه ، وكيف ينجو من سؤاله عن الفتيل
والقطمير [ ولذلك] (١) قال عليه السلام: ((لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)» . فهاهنا يحسن الهم والبكاء .
٠ ٠
(١) من (( هـ)).
:(٢) في ((الأصل)): يزد. والمثبت من (( هـ)).
- ١٢٠ -