النص المفهرس
صفحات 81-100
المعصية . وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس : كم تائب يرد [يوم] (١) القيامة يظن أنه تائب وليس بتائب ، لأنه لم يحكم أبواب التوبة . وقال عبد الله بن سُميط : ما دام قلب العبد مصرًا على ذنبٍ واحد ، فعمله معلق في الهواء ، فإن تاب من ذلك الذنب وإلا بقي عمله أبدًا معلقًا . وروى الأصيلي عن أبي القاسم يعقوب بن محمد بن صالح البصري إملاءً من حفظه قال : حدثنا بكر بن أحمد بن مقبل قال: حدثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني ، حدثنا خليفة ، عن عبدالوهاب ، عن محمد بن زياد ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله يقول الله تعالى: ((إذا تاب عبدي إليّ [ نَسَّتُ] (٢) جوارحه، ونَسَّيت البقاع، ونَسّيت حافظيه حتى لا يشهدوا عليه )). وأما الحديث الذي حدث ابن مسعود عن [ نفسه ] (١) فقوله: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه ، والفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه . فينبغي لمن أراد أن يكون من جملة المؤمنين أن يخشى ذنوبه ، ويعظم [ خوفه ] (٣) منها ، ولا يأمن عقاب الله عليها فيستصغرها ، فإن الله - تعالى - يعذّب على القليل وله الحجة البالغة في ذلك . وأمّا فرح الله بتوبة العبد فقال أبو بكر بن فورك : الفرح في كلام العرب بمعنى السرور ، من ذلك قوله تعالى : ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ﴾ (٤) / أي: سروا بها، [٤/ ق١٦٤-ب] فهذا المعنى لا يليق بالله - تعالى - لأنه يقتضي جواز الحاجة عليه ونيل (١) من (( هـ)). (٢) في (( الأصل)): تنسيت. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): حرقة. والمثبت من ( هـ)). (٤) يونس : ٢٢ . - ٨١ - ه المنفعة ، والفرح بمعنى البطر والأشر ومنه قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب الفرحين﴾ (١). والوجه الثالث من الفرح الذي يكون بمعنى. الرضا من قوله تعالى: ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (٢) أي: راضون ، ولما كان من بُشِّر بالشيء قد رضيه ، قيل : إنه قد فرح به . على معنى أنه [ به ] (٣) راض، وعلى هذا تتأول الآثار ؛ لأن البطر والسرور لا يليقان بالله - عز وجل . * باب : الضجع على الشق الأيمن فيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة ، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه » . هذه هيئة من الهيئات كان يفعلها عليه السلام والله أعلم للأرفق به في الاضطجاع ، أو كان يفعلها لفضل [ الميامن ] (٤) على المياسر ، وهذا كله مباح ليس من باب الوجوب . باب : إذا بات طاهرًا فيه : البراء قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن ، وقل : اللهم أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رهبةً ورغبةً إليك لا ملجأ ولا منجا [ منك ](٥) إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت (١) القصص : ٧٦ . (٣) من ( هـ)). (٥) من ( ن))، والفتح . (٢): الروم : ٣٢. (٤) في ((الأصل)): الأيمن. والمثبت من ((هـ)). - ٨٢ - وبنبيّك الذي أرسلت فإن مت مت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تقول)) . وقد بين ابن عباس معنى المبيت على طهارة ، ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش قال : أخبرني أبو يحيى أنه سمع مجاهدًا يقول : قال لي ابن عباس : لا تنامن إلا على وضوء ، فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه . وهذا معنى قوله عليه السلام: ((فإن مُتّ متّ على الفطرة)) . وذكر عن الأعمش أنه بال ، ثم تيمّم بالجدار ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخاف أن يدركني الموت قبل أن أتوضأ . وعن الحكم بن عتيبة أنه سأله رجل : أينام الرجل على غير وضوء؟ قال : يكره ذلك وإنا لنفعله . وروى معمر عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن أبي توبة العجلي قال : من أوى إلى فراشه طاهرًا أو نام ذاكرًا كان فراشه مسجدًا ، وكان في صلاة أو ذكر حتى يستيقظ . وقال طاوس : من بات على طهرٍ وذكرٍ كان فراشه له مسجدًا حتى يصبح ، ومثل هذا لا يدرك بالرأي وإنما يؤخذ بالتوقيف . باب : ما يقول إذا نام فيه : حذيفة: قال: (( كان النبي - عليه السلام - إذا أوى إلى فراشه قال : باسمك ( أحيا وأموت ) (١) ، وإذا قام قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور )) ينشرها : يخرجها . وفيه : البراء : قال النبي - عليه السلام -: ((إذا أردت مضجعك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك ، (١) كذا في ((الأصل، هـ))، وفي ((ن)) والفتح: أموت وأحيا. - ٨٣ - وألجأت ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك ، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت مت على الفطرة )) . ذكر الله مستحب عند النوم ليكون الذكر آخر فعله ، وهذا معنى قوله عليه السلام: ((واجعلهن آخر ما تقول)) أي : لا تتكلم بعدهن بشيء من أحاديث الدنيا ، وليكن هذا الذكر خاتمة عملك ، ألا ترى. قوله : (( فإن مت مت على الفطرة)) [ وقد تقدم حديث معمر عن الجريري في فضل من بات على ذكر وطهر في الباب قبل هذا ] (١) . باب : وضع اليد تحت الخد اليمنى فيه حذيفة : (( كان النبي - عليه السلام - إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خدّه ، ثم يقول : اللهم باسمك أموت وأحيا ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)). يحتمل أن يكون وضع النبي - عليه السلام - يده تحت خدّه عند النوم تذللاً لله عز وجل واستشعاراً لحال الموت ، وتمثيله لنفسه لتتأسى أمته بذلك ، ولا يأمنوا هجوم الموت عليهم في حال نومهم ، ويكونوا على ( رقبة ) (٢) من مفاجأته فيتأهبوا له في يقظتهم وجميع أحوالهم، ألا ترى قوله عليه السلام عند نومه: (( اللهم بك أموت وأحيا وإليك النشور )) . (١) من ( هـ)). (٢) في (( هـ)) : أهبة . - ٨٤ - باب : الدعاء إذا انتبه من النوم / فيه: ابن عباس: (( بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي - عليه (٤/ ١٦٥٥-١] . السلام- فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه ثم نام ، ثم قام فأتى القربة فأطلق [ شناقها ] (١)، ثم توضأ وضوءًا بين وضوءين ، لم يكثر وقد أبلغ فصلّى فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أرقبه [ فتوضأت ] (٢) فقام يصلي ، فقمت عن يساره فأخذ بأذني ، فأدارني عن يمينه ، فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعةً ، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة فصلّى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه : اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً وفي سمعي نوراً واجعل لي نورًا)). قال كريب : وسبع في التابوت فلقيت رجلاً من ولد العباس فحدثني [بهن](٣) فذكر «عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري وذکر خصلتين)). وفيه : ابن عباس: (( كان النبي - عليه السلام - إذا قام من الليل يتهجد قال : اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن [فيهن](٤) ، ولك الحمد [ أنت قیم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ](٥) أنت الحق ، ووعدك الحق ، وقولك حق ، ولقاؤك حق، والجنة حق ، والنار [ حق ](٥) ، والساعة حق ، والنشور حق، ومحمد حق ، اللهم لك أسلمت وعليك توكلت ، وبك آمنت وإليك أنبت ، وبك خاصمت وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت - أو لا إله غيرك)). قال المؤلف: كان النبي وَ﴿ [يدعو الله عز وجل ] (٦) في أوقات ليله ونهاره، وعند نومه ويقظته بنوع من الدعاء [يصلح] (٧) لحاله تلك ولوقته (١) في ((الأصل)): ساقها. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): فتوضأ، والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): بهذا. والمثبت من (( هـ، ن)). (٤) في ((الأصل)): فيهما. والمثبت من ((هـ، ن)). (٥) من (( هـ، ن)). (٧) في ((الأصل)): فمصلح. والمثبت من ((هـ)). (٦) من (( هـ )). - ٨٥ - ذلك ، فمنها : أوقات كان يدعو فيها إلى ربه تعالى ، ويعين له ما يدعو فيه في أوقات الخلوة ، وعند فراغ باله وعلمه بأوقات الغفلة التي ترجى فيها الإجابة ، فكان يلح عند ذلك ويجتهد في دعائه ، ألا ترى سؤاله 40# ربه حين انتبه من نومه أن يجعل في قلبه نورًا، وفي بصره نوراً ، وفي سمعه وجميع جوارحه ؟ ومنها : أوقات كان يدعو فيها بجوامع الدعاء ويقتصر على المعاني دون تعيين وشرح ، فينبغي الاقتداء بالنبي - عليه السلام - في دعائه في تلك الأوقات ، والتأسي به في كل الأحوال، وقد تقدّم حديث ابن عباس في باب التهجد والكلام عليه . وقول كريب : وسبع في التابوت يعني : أنه أنسي سبع خصال من الحديث على ما يقال لمن لم يحفظ العلم ؛ علمه في التابوت ، وعلمه مستودع في الصحف ، وليس كريب القائل : فلقيت رجلاً من ولد العباس فحدثني بهنّ ، وإنما قاله سلمة بن كهيل [ الراوي ] (١) عن كريب ( سأل ) (٢) العباس عنهن حين نسيهن كريب [ فحفظ سلمة](٣) منهن خمسًا ونسي أيضًا خصلتين . قال المؤلف : وقد وجدت الخصلتين من رواية داود بن علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه وهما: (( [ اللهم ] (٤) اجعل نوراً في عظامي ونورًا في قبري )» . وقوله: (( فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أبغيه)» (٥) [ التمطي: التمدد ، وأبغيه : أرصده ، قال الخليل ؛ يقال : بغيت الشيء أبغيه](٦) إذا نظرت إليه ورصدته، وإنما فعل ذلك ابن عباس ليُريَ النبي -عليه السلام - أنه كان نائمًا وأنه لم يرصده ؛ إذ كل أحدٍ إذا خلا في (١) في ((الأصل)): الرازي. والمثبت من ((هـ)). (٢) تكررت في ((الأصل)). (٣) في ((الأصل)): فنبي. والمثبت من (( هـ). (٤) في ((الأصل)): الله". والمثبت من (( هـ)). (٥) تقدم في المتن : أرقبه ، أما أبغيه فهي رواية القابسي. (٦) من ( هـ ). - ٨٦ - بيته قد يأتي من الأفعال ما يحب أن لا يطلع عليه أحد ، وإنما حمل ابن عباس على ذلك الحرص على التعليم ، ومعرفة حركات النبي -عليه السلام - في ليله ، وقد تقدّم في كتاب الصلاة أن أباه العباس كان أوصى لابنه بذلك . وفيه الحرص على التعليم والرفق بالعلماء ، وترك التعرض إلى ما يعلم أنه يشق عليهم . ذكر الطبري عن معقل بن يسار ، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن النبي - عليه السلام - قال: (( الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل . فقلت: يا رسول الله فكيف المنجا والمخرج من ذلك ؟ قال : ألا أعلمك شيئًا إذا فعلته برئت من قليله وكثيره [ وصغيره وكبيره] (١). قلت : بلى يا رسول الله . قال : قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، تقولها ثلاث مرات)). # باب : التكبير والتسبيح عند المنام فيه: [علي: ((أن ] (١) فاطمة اشتكت ما تلقى في يدها [من](٢) الرحى ، فأتت النبي تسأله خادمًا فلم تجده ، فذكرت ذلك لعائشة ، فلما جاء أخبرته ، قال : فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبت أقوم ، فقال : مكانك . فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري ، فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم ، إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما / مضاجعكما، فكبرا ثلاثًا وثلاثين وسبحا ثلاثًا وثلاثين واحمدا (١٦٥٥/٤ -ب] ثلاثًا وثلاثين ، فهذا خير لكما من خادم)) . وقال ابن سيرين : التسبيح [أربع وثلاثون ] (٣). (١) من ((هـ). (٢) في ((الأصل)): عند. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل: أربعاً وثلاثين. والمثبت من ((هـ، ن)). - ٨٧ - وهذا نوع من الذكر عند النوم غير ما جاء في حديث البراء ، وحديث حذيفة والأحاديث الأُخر ، وقد يمكن أن يكون النبي - عليه السلام - يجمع ذلك كله عند نومه ، وقد يمكن أن يقتصر منها على بعضها إعلامًا منه لأمته أن ذلك معناه الحض والندب ، لا الوجوب والفرض، وفي هذا الحديث حجة لمن فضل الفقر على الغنى ؛ لأنه عليه السلام قال : ((ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم )) فعلمهما الذكر ، ولو كان الغنى أفضل من الفقر لأعطاهما الخادم: وعلمهما الذكر ، فلما منعهما الخادم وقصرهما على الذكر خاصةً علم. أنه عليه السلام إنما اختار لهما الأفضل عند الله ، والله الموفق . باب : التعوذ والقراءة عند النوم فيه: عائشة: ((أن النبي - عليه السلام - كان إذا أخذ مضجعه نفث في یدیه وقرأ بالمعوذات ومسح بهما جسده » . وفيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خَلَفَهُ عليه ثم: يقول : باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمهما ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)). وهذه أنواع أخر أيضًا غير ما مرّ من الأحاديث المتقدمة ، وفيها استسلام لله وإقرار له بالإحياء والإماتة ، وفي حديث عائشة رد قول من زعم أنه لا تجوز الرقى واستعمال العُوذ إلا عند حلول المرض ونزول ما يتعوذ بالله منه ، ألا ترى أن النبي عليه السلام نفث في: [يديه] (١) وقرأ المعوذات ومسح بهما جسده ، واستعاذ بذلك من شر ما يحدث عليه في ليلته مما يتوقعه وهذا من أكبر الرقى ، وفي حديث (١) في ((الأصل)): يده. والمثبت من ((هـ)). - ٨٨ - أبي هريرة أدب عظيم علمه النبي أمته ، وذلك أمره بنفض فراشه عند النوم خشية أن يأوي إليه بعض الهوام الضارّة فيؤذيه سمها ، والله أعلم . باب : الدعاء نصف الليل فيه : أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى [ ثلث الليل ] (١) الآخر يقول : من يدعوني [ فأستجيب ] (٢) له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له » . هذا وقت شريف مرغب فيه خصّه الله - تعالى - بالتنزل فيه ، وتفضّل على عباده بإجابة من دعا فيه، [وإعطاء ] (٣) من سأله، إذ هو وقت خلوة وغفلة واستغراق في النوم واستلذاذ به ، ومفارقة الدعة واللذة صعب على العباد ، لا سيما لأهل الرفاهية في زمن البرد ، ولأهل التعب والنصب في زمن قصر الليل ، فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه في غفران ذنوبه ، وفكاك رقبته من النار وسأله التوبة في هذا الوقت الشاق على خلوة نفسه بلذتها ومفارقة دعتها وسكنها ، فذلك دليل على خلوص نيته وصحة رغبته [ فيما ] (٤) عند ربه ، فضمنت له الإجابة التي هي مقرونة بالإخلاص وصدق النية في الدعاء، إذ لا يقبل الله دعاءً من قلب غافل لاه . وقد أشار النبي ◌َّ إلى هذا المعنى بقوله: ((والصلاة بالليل والناس نيام )) . فلذلك نبّه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا ، وعُلقها ليستشعر العبد الجدّ والإخلاص لربه فتقع الإجابة منه تعالى رفقًا من الله بخلقه (١) في ((الأصل)): الثلث. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): أستجب. والمثبت من ((هـ، ن)) .. (٣) في ((الأصل)): أعطى. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): فيها. والمثبت من ((هـ). - ٨٩ - ورحمةً لهم فله الحمد دائمًا والشكر كثيرًا على ما ألهم إليه عباده من مصالحهم ، ودعاهم إليه من منافعهم لا إله إلا هو الكريم الوهاب . فإن قيل : كيف ترجم باب الدعاء نصف الليل ، وذكر [ في ] (١) الحديث أن التنزل في ثلث الليل الآخر ؟ قيل : إنما أخذ ذلك من قوله تعالى : ﴿ قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً﴾ (٢) فالترجمة تقوم من دليل القرآن ، والحديث يدل على أن وقت الإجابة ثلث الليل إلا أن ذكر النصف في كتاب الله يدل على تأكيد المحافظة على وقت التنزل قبل دخوله ليأتي أول وقت الإجابة ، والعبد مرتقب [1-1113/1] له مستعد للإنابة فيكون ذلك / سببًا للإجابة، وينبغي ألا يمرّ وقت من الليل والنهار إلا أحدث العبد فيه دعاءً وعبادةً لله تعالى. باب: الدعاء ( عند الخلاء ) (٣) فيه: أنس: ((كان النبي - عليه السلام - إذا دخل الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)). قال المؤلف : [ الخبث ] (١) والخبائث هو الشيطان الرجيم ، روي هذا عن الحسن ومجاهد ، وقد جاء معنى أمره عليه السلام بالاستعاذة عند دخول الخلاء في حديث رواه معمر عن قتادة ، عن النضر [ بن أنس ] (١) عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: ((إن هذه الحشوش محتضرة ، فإذا دخلها أحدكم فليقل : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)). فأخبر في هذا الحديث أن الحشوش مواطن للشياطين، فلذلك أمر بالاستعاذة عند دخولها ، وروى ابن وهب عن : (١) من ((هـ)). (٢) المزمل : ٢ - ٣ . (٣) تكررت في ((الأصل)» .: - ٩٠ - حيوة بن شريح، عن أبي عقيل أنه سمع [ سعيدًا] (١) المقبري يقول: إذا دخل الرجل الكنيف لحاجته ، ثم ذكر اسم الله كان ستراً بينه وبين الجن ، فإذا لم يذكر الله نظر إليه الجن يسخرون ويستهزئون به . وروي عن النبي أنه قال : ((إذا خرج أحدكم من الغائط فليقل: الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك عليّ ما ينفعني)). باب : ما يقول إذا أصبح فيه : شداد بن أوس عن النبي - عليه السلام - قال: (( سيد الاستغفار ... )) وذكر الحديث (( من قالها حين يمسي فمات دخل الجنة ، وإن [قالها] (٢) حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة)). وفيه حذيفة: (( كان النبي ◌َّر إذا أراد أن ينام قال : باسمك اللهم أموت وأحيا ، وإذا استيقظ من منامه قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور )) . وعن أبي ذرّ مثله . قال المؤلف : معنى ذكر الله عند الصباح ليكون مفتتح الأعمال وابتداؤها ذكر الله ، وكذلك ذكر الله عند النوم ليختم عمله بذكره تعالى، فتكتب الحفظة في أول صحيفته عملا صالحاً وتختمهما بمثله ، فيرجى له مغفرة ما بين [ ذلك ] (٣) من ذنوبه . وروى الطبري من حديث الحسن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله الَّله: (([يقول الله - عز وجل - ] (٣): اذكرني من أول النهار ساعةً، ومن آخره ساعةً أكفيك ما بينهما)) . وكان الصالحون من السَّوفة يجعلون أول يومهم وآخره لأمر الآخرة ، ووسطه لمعيشة الدنيا، وإنما كانوا يعملون ذلك لترغيبه عليه السلام على الدعاء طرفي النهار ، (١) في ((الأصل)): سعيد. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)). (٣) من (( هـ)). - ٩١ - : وكان عمر بن الخطاب يأمر التجار [ فيقول ] (١) : اجعلوا أوّل نهاركم لآخرتكم ، وما سوى ذلك لدنياكم ، وقد روي عن النبي - عليه السلام - ما يدل على هذا المعنى، قال عليه السلام: ((يقول الله -تعالى -: يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات أول النهار أكفيك آخره» . باب : الدعاء في الصلاة فيه : أبو بكر أنه قال للنبي - عليه السلام -: ((علمني دعاءً أدعو به في صلاتي . قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم » .. وفيه : عائشة « ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ... ﴾ (٢) نزلت في الدعاء)) . وفيه : ابن مسعود عن النبي - عليه السلام -: (( أنه ذكر التشهد ... )) إلى قوله (( ثم ليتخير من الثناء ما شاء )) . : قال الطبري : في حديث أبي بكر من الفقه أن للمصلّ أن يدعو الله في جميع صلواته بما بدا له من [ حاجات ] (٣) دنياه وآخرته ، وذلك أنه عليه السلام علم أبا بكر مسألة ربه المغفرة لذنوبه في صلاته، وذلك من أعظم حاجات العبد إلى ربّه ، فكذلك حكم مسألته إیاه سائر حاجاته. ۔۔ وقد روي عن أبي الدرداء أنه قال : إني لأدعو وأنا ساجد لسبعين أخًا من إخواني أسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. وكان علي يقول إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده: اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد . وكان ابن مسعود يلبي في سجوده. ومعنى لبيك: (١) في ((الأصل)): يقول. والمثبت من ((هـ)). (٢) الإسراء : ١١٠ . (٣) في ((الأصل)): حاجاته. والمثبت من (( هـ)). - ٩٢ - ۔۔ [ أجبتك] (١) يا رب إلى ما [ دعوتني ] (٢) إليه إجابةً بعد إجابة، وأقمت عندك . وقد ذكرت من قال بهذا من الفقهاء في كتاب الصلاة . / قال الطبري : وفي حديث أبي بكر الدليل الواضح على تكذيب (٤/ ١٦٦٥ -ب] مقالة من زعم أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من كان لا خطيئة له ولا جُرم ، لأن أهل الإجرام - زعموا - غير مؤمنين ، وزعموا أن كبائر الذنوب وصغائرها كبائر ، وذلك أن أبا بكر كان من الصديقين من أهل الإيمان، وقد أمره وَ ل أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًاً فاغفر لي )) . وفيه دليل أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربّه في كل أحواله ، وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى (غاياته)(٣)، إذ كان الصديق مع موضعه من الدين لم يسلم مما يحتاج إلى استغفار ربه منه . * باب : الدعاء بعد الصلاة فيه : أبو هريرة: « قالوا : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور ، بالدرجات والنعيم المقيم . قال : كيف ذلك ؟ قالوا : صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا ، وأنفقوا من فضول أموالهم ، وليست لنا أموال . قال : أفلا أخبركم بما تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم إلا من جاء بمثله ، تسبحون في دبر كل صلاة عشراً وتحمدون عشرًا وتكبرون عشراً )). وفيه المغيرة: (( أنه كتب إلى معاوية أن النبي يلر كان يقول في دبر كل (١) في ((الأصل)): جئتك. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): تدعونني. والمثبت من ((هـ)). (٣) في (( هـ )» : غاية . - ٩٣ - صلاة إذا سَلّم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)). في حديث هذا الباب الحضّ على التسبيح والتحميد في أدبار الصلوات ، وأن ذلك يوازي في الفضل إنفاق المال في طاعة [الله](١). ١ لقوله : (( أفلا أخبركما بما تدركون به من كان قبلكم)). وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( وضعت الصلوات في خير الساعات فاجتهدوا في الدعاء دبر الصلوات )). قال الطبري [وحدثنا ] (٢) ابن المثنى وابن بشار قالا حدثنا يحيى ابن سعيد ، عن سليمان التيمي ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال: (( إذا أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء )) . وروى الطبري عن جعفر بن محمد قال : الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة . فإن قال قائل : فقد روى عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : قال عبد الله بن مسعود : إنما هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره . فأي الأمرين عندك أفضل ، ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل ، أم قراءة القرآن ؟ فالجواب : أن عمرو بن سلمة : سأل الأوزاعي عن ذلك ، فقال له : سَلْ سعيدًا ، فسأله فقال: بل : القرآن . فقال الأوزاعي لسعيد : إنه ليس بشيء يعدل القرآن ، ولكن إنما كان هدي من سلف يذكرون الله قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. قال الطبري : والذي قال الأوزاعي أقرب إلى الصّواب لما روى (١) في (( الأصل)): المال. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): وفي حديث. والمثبت من ( هـ)). - ٩٤ - أنس وأبو هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( لأن أقعد مع قوم يذكرون الله بعد الفجر إلى طلوع الشمس أحب إليّ من الدنيا وما فيها ، [ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى أن تغيب الشمس أحبَّ إليّ من الدنيا وما فيها)) ] (١) وقال عبد الله بن عمرو : وذكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله وإعطاء المال سحًا . وقد تقدم [ في باب ما يقول إذا أصبح حديث الحسن عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((يقول عز وجل: ابن آدم ] (٢) اذكرني من أوّل النهار ساعةً وآخره ساعةً ، أكفيك ما بينهما )). وترجم لحديث المغيرة باب : لا مانع لما أعطى الله في كتاب القدر، وسيأتي الكلام هناك [ إن شاء الله تعالى ، واحتج بحديث أبي هريرة من فضل الغنى على الفقر ، وسيأتي الكلام فيه ] (١) في [ كتاب ](٣) الرقائق إن شاء الله . باب : قول الله تعالى ﴿ وصل عليهم ﴾ (٤) ومن خصّ أخاه بالدعاء دون نفسه ، وقال أبو موسى : قال النبي -عليه السلام -: ((اللهم اغفر [ لعبيد أبي ] (٥) عامر ، اللهم اغفر لعبد الله بن قیس ذنبه )) . وفيه : سلمة: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - إلى خيبر ، فقال رجل من القوم : أي عامر لو أسمعتنا من هنياتك ، فنزل يحدو لهم : تالله لولا الله ما (١) من (( هـ). (٢) في ((الأصل)): قول النبي وَ لو قال الله. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): باب. والمثبت من (( هـ)). (٤) التوبة : ١٠٣ . (٥) فى ((الأصل)): عدي بن. والمثبت من (هـ)). - ٩٥ - اهتدينا . قال النبي - عليه السلام - : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأکوع . قال: یرحمه الله )) . وفيه : ابن أبي أوفى قال: (( كان النبي - عليه السلام - إذا أتاه رجل بصدقته قال : اللهم صَلّ عليه ، فلما أتاه أبي بصدقته قال: اللهم صل على آل أبي أوفى )) . وفيه / جرير: (( قلت : يا رسول الله إني لا أثبت على الخيل ، فصكّ في صدري ، وقال : اللهم ثبته ، واجعله هاديًا مهدیًا )) . [٤/ ق١٦٧-١] وفيه: أنس: (( قالت أم سليم للنبي - عليه السلام - : أنس خادمك ! قال : اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته )) . وفيه: عائشة: (( سمع النبي - عليه السلام - رجلاً يقرأ في المسجد فقال : رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن )) . وفيه : عبد الله: (( قسم النبي - عليه السلام - قسمًا ، فقال رجل : ما أريد بها وجه الله ، فأخبرت النبي - عليه السلام - فغضب ، وقال : يرحم الله موسى ، أوذي بأكثر من هذا فصبر)) . قال المؤلف : في هذه الأحاديث كلها من الفقه دعاء المسلم لأخيه دون نفسه كما ترجم ، وقد جاء عن النبي - عليه السلام - أن دعاء المرء لأخيه مجاب. [ روى ] (١) الطبري قال : حدثنا أبو هشام الرفاعي قال : حدثنا ابن فضيل ، حدثنا أبي ، عن طلحة بن عبد الله ابن كريز ، عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلفيه : (( ما من مسلم يدعو [لأخيه](٢) بظهر الغيب إلا قال له الملك : ولك مثل ذلك )). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - عليه السلام - قال: « خمس (٢) من (( هـ ). (١) في ((الأصل)): دعا. والمثبت من (( هـ)). - ٩٦ - دعوات مستجابات : دعوة المظلوم حتى ينتصر ، ودعوة الحاج حتى يصدر ، ودعوة المجاهد حتى يقفل ، ودعوة المريض حتى يبرأ ، ودعوة الأخ لأخيه )) . روي عن بعض السلف : أنه قال : إذا دعا المرء لأخيه فليبدأ بنفسه. قال سعيد بن يسار : ذكرت رجلاً عند ابن عمر [ فترحمت ] (١) عليه، فلهز في صدري وقال لي : ابدأ بنفسك ، وقال إبراهيم : كان يقال : إذا دعوت فابدأ بنفسك ، فإنك لا تدري أي دعاء يستجاب لك. باب : ما يكره من السجع في الدعاء فيه: ابن عباس: (( أنه قال لعكرمة : حدث الناس كل جمعة مرةً، فإن أبيت فمرتين ، فإن أكثرت فثلاث مرات ، ولا تُملّ الناس هذا القرآن ، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم ، فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم ، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه ، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه ، فإني عهدت النبي - عليه السلام - وأصحابه لا يفعلون ذلك )) . قال المؤلف : إنما نهي عن السجع في الدعاء ، والله أعلم ؛ لأن طلب السجع فيه تكلف ومشقة ، وذلك مانع من الخشوع وإخلاص [التضرع] (٢) لله - تعالى - وقد جاء في الحديث: ((إن الله لا يقبل من قلب غافلٍ لاهٍ )) . وطالب السجع في دعائه همته في [تزويج] (٣) (١) في ((الأصل)): فتراحمت. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): الخضوع. والمثبت من ( هـ)). (٣) في ((الأصل)): ازدواج، والمثبت من (( هـ). - ٩٧ - الكلام ( وسجعه ) (١) ، ومن شغل فكره بذلك وكد خاطره بتكلفه ، فقلبه عن الخشوع غافل لاه لقول الله - تعالى - : ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ (٢). فإن قيل : فقد وجد في دعاء النبي - عليه السلام - نحو ما نهى عنه ابن عباس، وهو قوله: (( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب)). وقال في تعويذ حسن أو حسين: ((أعيذه من الهامة والسامة وكل عين لامة)). وإنما أراد مُلمّة فللمقاربة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها في الوزن قال: ((لامة )) . قيل : هذا يدل أن نهيه عليه السلام عن السجع إنما أراد به من يتكلف السجع في حين دعائه ، فيمنعه من الخشوع كما قدمنا ، وأما إذا تكلم به طبعًا من غير مؤنة ولا تكلف، أو حفظه قبل وقت دعائه مسجوعًا فلا يدخل في النهي عنه ؛ لأنه لا فرق حينئذ بين [ المسجوع ] (٣) وغيره ؛ لأنه لا يتكلف صنعته وقت الدعاء فلا يمنعه ذلك من إخلاص الدعاء والخشوع والله أعلم . وفيه من الفقه : أنه يكره الإفراط في الأعمال الصالحة خوف الملل. لها والانقطاع عنها، وكذلك كان النبي وَخلال يفعل ، كان يتخول أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السآمة عليهم ، وقال : ((اكلفوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله - تعالى- لا يمل حتى تملوا)). وفيه : أنه لا ينبغي أن يحدث بشيء من كان في حديث حتى يفرغ منه. وفيه : أنه لا ينبغي نشر الحكمة والعلم ولا الحديث بهما من لا یحرص على سماعهما وتعلمهما ، فمتی حدث به من یشتهیه وپحرص علیه ، کان أحرى أن ينتفع به ويحسن موقعه عنده ، ومتی حدث به (١) في ( هـ): ونسجه (٢) الأحزاب : ٤ . (٣) في ((الأصل)): الخشوع. والمثبت من (( هـ). - ٩٨ - من لا يشتهيه لم يحسن موقعه عنده ، وكان في ذلك [ إذلال ] (١) للعلم [وحط] (٢) له ، والله - تعالى - قد رفع قدره حین جعله سببًا إلى معرفة توحيده وصفاته تعالى، [ وإلى] (٣) علم دينه وما تعبَّد به خلقه. * [٤/ق١٦٧ -ب] / باب : ليعزم المسألة فإنه لا مكره له فيه : أنس أن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ، ولا يقولن : اللهم إن شئت فأعطني ، فإنه لا مکره له )) . وفيه : أبو هريرة مثله . قال المؤلف : فيه دليل أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ولا يقنط من رحمة الله ؛ لأنه يدعو كريمًا ، فبذلك تواترت الآثار عن النبي وَالر، روى شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - قال : ((إذا دعا أحدكم فلا يقولن : اللهم إن شئت فأعطني ، ولكن ليعظم رغبته ، فإن الله تعالى لا يتعاظم عليه شيء أعطاه ، قال : قال الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا دعاني ، فإن [ تقرب ] (٤) مني شبراً تقربت منه ذراعًا ... )) الحديث . وروى أبو عاصم عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((لا يموتن أحد منكم إلا وهو حسن الظن بالله - تعالى -)) . وقال ابن مسعود : والله الذي لا إله إلا هو ما أعطي عبد مؤمن قط شيئًا خير من حسن الظن بالله . والله الذي لا إله إلا هو لا يحسن عبد الظن إلا أعطاه الله ظنه ، وذلك أن الخير في يديه . وقال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحد من الدعاء ما يعلم من نفسه ، (١) في ((الأصل)): إزالة، والمثبت من ((هـ)). (٢) فى ((الأصل)): وحطا. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): وإذا. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): تقربت. والمثبت من ((هـ)). - ٩٩ - فإن الله تعالى قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين ﴾ (١). باب : يستجاب للعبد ما لم يعجل فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل یقول : قد دعوت فلم يستجب لي )) . قال بعض العلماء: قوله: (( ما لم يعجل)) يعني يسأم الدعاء. ويتركه فيكون كالمان بدعائه ، وأنه قد أتى من الدعاء ما كان يستحق به. الإجابة ، فيصير كالمبخل لربّ كريم ، لا تعجزه الإجابة ، ولا يُنقصه. العطاء ، ولا تضره الذنوب . وروى ابن وهب ، عن معاوية ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال : (( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ، وما لم يستعجل . قيل : يا رسول الله وما الاستعجال ؟ قال : يقول : قد دعوت وقد دعوت ، فلم يستجب لي ، فيستحسر عند ذلك أو يدع الدعاء)). وقال أبو هريرة مرةً يقول: ((لقد دعوت فما استجاب؛ أو ما أغنيت شيئًا)). وقالت عائشة في هذا الحديث: ((ما لم يعجل أو يقنط)) . وقال بعضهم : إنما يعجل العبد إذا كان غرضه من الدعاء نيل ما سأل، وإذا لم ينل ما يريد ثقل عليه الدعاء ، ويجب أن يكون غرض العبد من الدعاء هو الدعاء لله ، والسؤال منه ، والافتقار إليه أبدًا، ولا يفارق سمة العبودية وعلامة الرق ، والانقياد للأمر والنهي (١) الأعراف: ١٤ - ١٥٪. ١٠٠ - -